كان لابن جنى شعر. ويقول ابن الأثير وابن ماكولا: «وله شعر بارد». وكأن أساس هذا الحكم منهما أن ابن جنى كان يتعاطى فى شعره الغريب والمعقد من الأساليب، وأنه لم يكن يعنى بالشعر، فقد كان همه العلم، وكان غناه به، وكانت به حظوته عند الملوك وذوى السلطان، فلم يكن يحتاج إلى الشعر يسمتيح به.
ويقول الثعالبى: «وكان الشعر أقل خلاله، لعظم قدره وارتفاع حاله».
وابن الجوزى أحسن رأيا فيه، فهو يقول: «وكان يقول الشعر ويجيد نظمه»، وكذلك من قبله الخطيب فى تاريخ بغداد يقول المقالة السالفة.
وقد كان ابن جنى-لما أسلفت-مقلا من الشعر، غير مشهور به. ويقول الباخرزى فى
[ ١ / ٥٨ ]
الدمية: «وما كنت أعلم أن له القريض، حتى قرأت له مرثية فى المتنبى. . .».
على أنه يقع له من الشعر ما يأخذ بالقلوب، ويأسر الألباب.
وشعره فيما يمسه، من فقد حبيب أو غزل فيه، أو فخر بعلمه ومآثره. ولا نرى له شعرا فى مدح ملك إلا لماما.
ومن شعره مرثيته فى المتنبى التى بها الباخرزى. وفيها يقول:
غاض القريض وأودت نضرة الأدب … وصؤحت بعد رى دوحة الكتب
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه … كما تخطف بالخطية السلب
ما زلت تصحب فى الجلى إذا انشعبت … فلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمرى الدهر أشطره … تمطو بهمة لا وان ولا وصب
من للهواجل يحيى ميت أرسمها … بكل جائلة التصدير والحقب
قباء خوصاء محمود علالتها … تنبو عريكتها بالحلس والقتب
وترى من هذا ميله للغريب.
وله فى الغزل:
غزال غير وحشى … حكى الوحشى مقلته
رآه الورد يجنى الور … د داود فاستكساه حلته
وشم بأنفه الريحا … ن فاستهداه زهرته
وذاقت ريحه الصهبا … ء فاختلسته نكهته
وهو شعر يسيل من الرقة، كما ترى.
وله فى الغزل أيضا:
تجبب أو تدع أو تقبا … فلا والله لا أزداد حبا
أخذت ببعض حبك كل قلبى … فإن رمت المزيد فهات قلبا
تجبب، أى البس الجبة، وتدرع: البس المدرعة-وهى ثوب من صوف-وتقبا، أى البس القباء. ويقع هذان البيتان فى كثير من الكتب محرفين.
وله فى الحنين إلى الشباب وبكاء عهده الناضر:
رأيت محاسن ضحك الربي … ع طال عليها بكاء السحاب
وقد ضحك الشيب فى لمتى … فلم لا أبكى ربيع الشباب
أأشرب فى الكأس كلا وحاشا … لأبصره فى صفاء الشراب
ترى فى هذا معنى بديعا، فهو يتجنب الشرب فى الكأس خشية أن يرى فى صفائها شيبه، فتناله الحسرة ويأخذ الجزع.
وله قصيدة طويلة يفخر فيها، مطلعها:
وحلو شمائل الأدب … منيف مراتب الحسب
[ ١ / ٥٩ ]
أخى فخر مفاخرة … عقائل عقلة الأدب
له كلف بما كلفت … به العلماء ملعرب
وقد أورد له الثعالبى فى اليتيمة:
أيا دارهم ما أنت أنت مذ انتووا … ولا أنا مذ سار الركاب أنا أنا
وجنود المنى ألا يكاثر بالمنى … ونيل الغنى ألا يكاثر بالغنى
ومن كان فى الدنيا أشد تضورا … يجده عن الدنيا أشد تصونا
ومما أذكره فى هذا الموطن أن صاحب تاريخ الموصل أورد من شعره:
شواهد عيناى أنى بها … بكيت حتى ذهبت واحدة
وأعجب الأشياء أن التى … قد بقيت فى صحبتى زاهدة
وهذا شعر لأبى الحسن على بن منصور أورده له ابن خلكان فى ترجمة ابن جنى فى صدد الكلام على شعره الذى يذكر فيه عوره، على ما سلف.
***