وقد صحب المتنبى واجتمع به بحلب عند سيف الدولة ابن حمدان، وفى شيراز عند عضد الدولة. وكان المتنبى يجله، ويقول فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.
وكان المتنبى إذا سئل عن شئ من دقائق النحو والتصريف فى شعره، يقول: سلوا صاحبنا أبا الفتح.
ويقول فى مسالك الأبصار: «وكان أبو الطيب المتنبى إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب، حصل فيه إغراب، دل عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور ابن جنى فسلوه، فإنه يقول ما أردت وما لم أرد».
وترجع مقالة المتنبى الأخيرة، إذا صح نسبتها إليه، إلى سعة علم ابن جنى وتشعب
[ ١ / ٤٨ ]
مذاهبه، فقد يقع له فى الكلام من المعانى ما لم يقع لقائله.
وابن جنى أول من شرح ديوان المتنبى، وقد شرحه شرحين، الشرح الكبير والشرح الصغير، والأخير هو الباقى لنا.
وقد تعقب معاصروه ومن بعدهم شرحه، ومن هؤلاء الربعى على بن عيسى المتوفى سنة ٤٢٠، له كتاب «التنبيه على خطا ابن جنى فى تفسير شعر المتنبى»، وهو ممن شارك ابن جنى فى الأخذ عن أبى علىّ وملازمته.
ومنهم محمد بن أحمد، المعروف بابن فورجه، له «كتابا» الفتح على أبى الفتح، والتجنى على ابن جنى، يرد فيهما على ابن جنى فى شعر المتنبى، وللشريف المرتضى على بن الحسين كتاب فى تتبع أبيات المعانى للمتنبى التى تكلم عليها ابن جنى.
وللشيخ العميد أبى سهل محمد بن الحسن الزوزنى استدراك على ابن جنى باسم «قشر الفسر» منه نسخة بمكتبة طلعت بدار الكتب مخطوطة سنة ٤٧٥ هـ.
وكان ابن جنى يحسن الثناء على المتنبى فى كتبه، ويستشهد بشعره فى المعانى والأغراض، ويعبر عنه بشاعرنا. ويقول فى الخصائص ٢٣٩/ ١: «وحدثنى المتنبى شاعرنا، وما عرفته إلا صادقا»، وفى ص ٢٤: «وأمتثله شاعرنا آخرا فقال:
فلو قدر السنان على لسان … لقال لك السنان كما أقول
ويسوق البديعى فى «الصبح المنبى» قصة تنبئ عن إعجاب ابن جنى بالمتنبى، وعن وجوده بشيراز، حين كان المتنبى هناك، وذلك فى آخر حياة الشاعر؛ فقد قتل بدير العاقول عند منصرفه عن شيراز. ذاك أن أبا على كان إذ ذاك بشيراز «وكان إذ مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء.
وكان لابن جنى هوى فى أبى الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالى بأحد يذمه أو يحط منه. وكان يسوءه إطناب أبى على فى ذمه. واتفق أن قال أبو على يوما: اذكروا لنا بيتا من الشعر نبحث فيه. فبدأ ابن جنى وأنشد:
حلت دون المزار فاليوم لوزر … ت لحال النحول دون العناق
فاستحسنه أبو على واستعاده. وقال: لمن هذا البيت فإنه غريب المعنى؟ فقال ابن جنى للذى يقول:
أزورهم وسواد الليل يشفع لى … وانثنى وبياض الصبح يغرى بى
فقال: والله هذا أحسن! بديع جدا! فلمن هما؟ قال: للذى يقول:
أمضى إرادته فسوف له قد … واستقرب الأقصى فثم له هنا
فكثر إعجاب أبى علىّ، واستغرب معناه، وقال: لمن هذا؟ فقال ابن جنى: للذى يقول:
[ ١ / ٤٩ ]
ووضع الندى فى موضع السيف بالمعلا … مضر كوضع السيف فى موضع الندى
فقال: وهذا أحسن! والله لقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ فقال: هو الذى لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله. وما علينا من القشور إذا استقام اللب!.
قال أبو علىّ: أظنك تعنى المتنبى. قال: نعم».
ومن دلائل عناية ابن جنى بالمتنبى أنه أخذ شيئا من أخباره عن على بن حمزة البصرى، لأن المتنبى لما ورد بغداد نزل عليه وكان ضيفه إلى أن رحل عنها. كما ذكره ياقوت فى ترجمة على بن حمزة.
***