اشتهر ابن جنى ببلاغة العبارة وحسن تصريف الكلام، والإبانة عن المعانى بأحسن وجوه الأداء، وهو يسمو فى عبارته، ويبلغ بها الفصاحة، فى المسائل العلمية الجافة البعيدة عن الخيال ووجوه التطرية. وقد عرفت عنه هذا.
يقول الأيبوردى، فى أبى على أحمد بن محمد المرزوقى: «وهو يتفاصح فى تصانيفه كابن جنى». والمرزوقى أيضا ممن أخذ عن أبى على.
ولابن جنى فى عباراته وجوه فى استعمال بعض المفردات يدونها اللغويون، وينوهون بها كما يدونون ما صدر عن العرب؛ ثقة بطبيعته العربية، وسجيته اللغوية.
فهو يستعمل الأصلية فى معنى التأصل، ويقول فى ذلك صاحب اللسان «أصل»:
«واستعمل ابن جنى الأصلية موضع التأصل، فقال: الألف وإن كانت فى أكثر أحوالها بدلا أو زائدا، فإنها إذا كانت بدلا من أصل جرت فى الأصلية مجراه. وهذا لم تنطق به العرب، وإنما هو شئ استعملته الأوائل فى بعض كلامها».
وظاهر أنه يريد بالأوائل قدامى المؤلفين بعد عهد العرب، وأن أول هؤلاء فى الاستعمال ابن جنى، كما يبدو من صدر هذا الكلام.
ويقول فى الخصائص فى «باب فى امتناع العرب من الكلام بما يجوز فى القياس»: «فالعين فى الصحيح اللام إنما غاية أصليتها أن تقع متحركة».
على أن ابن جنى إذ يستعمل الأصلية فى معنى التأصل لم يرتكب بدعا، وإنما جرى فى هذا على انتهاج المصدر الصناعى، فالأصلية للشئ كونه أصلا، وهذا معنى التأصل.
ويقول المجد صاحب القاموس فى «بغية الرشاف من خطبة الكشاف» عند قول الزمخشرى:
أنشأ كتابا ساطعا بيانه، قاطعا برهانه: «أنشأ لا يستعمل إلا فى الجواهر، وقد تقدم معناه يقال: أنشأ دارا: أى بناها، وأنشأ الله السحاب: رفعه.
وقال ابن جنى فى تأدية الأمثال على ما وضعت عليه: يؤدى ذلك فى كل موضع على صورته التى أنشئ فى مبدئه عليها. فاستعمل الإنشاء فى العرض الذى هو الكلام».
[ ١ / ٥٢ ]
على أنه قد تند منه بعض الهنات الكلامية التى لا تثلم البلاغة، ولا تغض من شأوه، وفراهة أسلوبه.
فهو يدخل «قد» على الفعل المنفى. ففى «الخصائص ٢٠/ ١»: «كما أن القول قد لا يتم معناه إلا بغيره». وهذا لا يجيزه النحويون.
وهو يدخل «ال» على بعض، والنحويون لا يجيزون هذا، وإن جاء ذلك فى عبارة سيبويه والأخفش.
ومن أمثلة هذا ما جاء فى «الخصائص ٦٤/ ١»: «فلما كان الأمر كذلك واقتضت الصورة رفض البعض واستعمال البعض».
ويقول فى «الخصائص ٣٦/ ١»: «وبذلك تعرف حاله: أصلب هو أم رخو؟ وأصحيح هو أم سقيم؟» وتراه قدم حرف العطف على أداة الاستفهام، وهذا لا يجيزه النحو، والواجب أن يقال: أو صحيح هو أم سقيم؟ وكذلك يقول فى ص ١٥٩: «ثم ألا ترى».
ويقول فى «الخصائص ٣٤٨/ ١»: «وإنما جاز ذلك فى هذا الموضع لا لشئ يرجع إلى نفس أو، بل لقرينة انضمت من جهة المعنى: أى أو» وهذا أسلوب غير قاصد. فإن «لا» فى قوله: لا لشئ، عاطفة، ولم يتقدم معطوف عليه.
ويقول فى «الخصائص ٣٦١/ ١»: «لا سيما والأصمعى ليس ممن ينشط للمقاييس» ودخول الواو بعد لا سيما لا يجيزه بعض النحويين، وهو المرادى، وإن أجازه غيره.
***