أما سوره فمائة وأربع عشرة سورة بإجماع من يعتد به، وقيل: وثلاث عشرة: بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، أخرج أبو الشيخ عن أبى، قال: الأنفال وبراءة سورة واحدة.
وأخرج عن أبى رجاء، قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة سورتان أم سورة؟ قال:
سورتان، ونقل مثل قول أبى عن مجاهد.
وأخرجه ابن أبى حاتم عن سفيان.
وأخرج ابن أشتة عن ابن لهيعة، قال: يقولون: إن براءة من يسألونك، وإنما لم تكتب فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم، لأنها من يسألونك وشبهتهم اشتباه الطرفين وعدم البسملة ويرده تسمية النبى ﷺ كلا منهما، ونقل صاحب الإقناع أن البسملة ثابتة لبراءة فى مصحف ابن مسعود، قال: ولا يؤخذ بهذا
وأخرج القشيرى فى الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل ﵇ لم ينزل بها فيها.
وفى المستدرك: عن ابن عباس، قال: سألت على بن أبى طالب: لم تكتب فى براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأنها أمان وبراءة، نزلت بالسيف.
وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها.
وفى مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة؛ لأنه لم يكتب المعوذتين.
وفى مصحف أبى ست عشرة، لأنه كتب فى آخره سورتى القدر والخلع.
وأخرج أبو عبيد عن ابن سيرين، قال: كتب أبى بن كعب فى مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين واللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين.
وأخرج الطبرانى فى الدعاء من طريق عباد بن يعقوب الأسدى، عن يحيى بن يعلى الأسلمى، عن ابن أبى هبيرة، عن عبد الله بن زرير الغافقى، قال: قال لى عبد الملك بن مروان:
لقد علمت ما حملك على حب أبى تراب إلا إنك أعرابى جاف، فقلت: والله لقد جمعت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علمنى منه على بن أبى طالب سورتين علمهما إياه
[ ١ / ١٨ ]
رسول الله ﷺ ما علمتهما أنت ولا أبوك: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.
وأخرج البيهقى من طريق سفيان الثورى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى نقمك، إن عذابك بالكافرين ملحق.
قال ابن جريج: حكمة البسملة إنهما سورتان فى مصحف بعض الصحابة.
وأخرج محمد بن نصر المروزى فى كتاب الصلاة عن أبى بن كعب أنه كان يقنت بالسورتين، فذكرهما، وأنه كان يكتبها فى مصحفه.
وقال ابن الضريس: أنبأنا أحمد بن جميل المروزى، عن عبد الله بن المبارك، أنبأنا الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: فى مصحف ابن عباس قراءة أبى وأبى موسى:
بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثنى عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق.
وأخرج الطبرانى بسند صحيح عن أبى إسحاق قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد ابن أسيد بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك ونستغفرك.
وأخرج البيهقى وأبو داود فى المراسيل، عن خالد بن أبى عمران: أنه نزل بذلك على النبى ﷺ وهو فى الصلاة مع قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، لما قنت يدعو على مضر.
تنبيه: كذا نقل جماعة عن مصحف أبى أنه ست عشرة سورة، والصواب أنه خمس عشرة فإن سورة الفيل وسورة لإيلاف قريش فيه سورة واحدة، ونقل ذلك السخاوى فى جمال القراء عن جعفر الصادق وأبى نهيك أيضا.
قال السيوطى: ويرده ما أخرجه الحاكم والطبرانى من حديث أم هانئ أن رسول الله ﷺ قال: فضل الله قريشا بسبع. . . الحديث، وفيه: وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها معهم غيرهم لإيلاف قريش، وفى كامل الهذلى عن بعضهم أنه قال: الضحى وألم نشرح سورة واحدة، نقله الإمام الرازى فى تفسيره عن طاوس وغيره من المفسرين.
فائدة: قيل الحكمة فى تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله والإشارة إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته وسورة إبراهيم وبراءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم إلى غير ذلك، والسور سورا طوالا
[ ١ / ١٩ ]
وأوساطا وقصارا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز، فهذه سورة الكوثر آيات، وهى معجزة إعجاز سورة البقرة، ثم ظهرت لذلك حكمة فى التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه، قال الزركشى فى البرهان:
فإن قلت: فهلا كانت الكتب السالفة كذلك؟ قلت: لوجهين، أحدهما أنها لم تكن معجزات من جهة النظم والترتيب، والآخر: أنها لم تيسر للحفظ.
لكن ذكر الزمخشرى ما يخالفه، فقال فى الكشاف: الفائدة فى تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة، وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور، وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة وبوّب المصنفون فى كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم منها الجنس إذا انطوت تحته أنواع، وأصناف كان أحسن وأفخم من أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب، ثم أخذ فى آخر كان أنشط له، وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا نفس ذلك منه، ونشط للسير ومن ثم جزئ القرآن أجزاء وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها، فيعظم عنده ما حفظه. ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ «البقرة» و«آل عمران» جد فينا.
ومن ثم كانت القراء فى الصلاة بسورة أفضل ومنها أن التفصيل بسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملائمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحظ المعانى والنظم إلى غير ذلك من الفوائد، انتهى.
وما ذكره الزمخشرى من تسوير سائر الكتب هو الصحيح أو الصواب، فقد أخرج ابن أبى حاتم عن قتادة، قال: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وذكروا أن فى الأنجيل سورة تسمى سورة الأمثال.
***