كان ابن جنى واسع الرواية والدراية فى اللغة، ونرى قدرا صالحا من اللغة مرجعه إلى هذا الإمام.
ومن أمثلة هذا ما جاء فى الخصائص فى باب «فى الشئ يسمع من الفصيح لا يسمع من غيره»، فقد أورد البيت:
مارية لؤلؤان اللون أودها … طل وبنس عنها فرقد خضر
ثم قال: «وقوله: بنس عنها، هو من النوم». وفى اللسان بنس: «قال ابن سيده: قال ابن جنى: قوله: بنس عنها، إنما هو من النوم، غير أنه إنما يقال للبقرة. ولا أعلم هذا القول من غير ابن جنى».
وفى اللسان فرح: «ورجل فرح، ومفروح، عن ابن جنى».
وقوله: «عن ابن جنى» راجع إلى الصيغتين الأخيرتين كما ذكره فى التاج.
وفى اللسان أيضا خرفع: «الخرفع، والخرفع، والخرفع-بكسر الخاء وضم الفاء-الأخيرة
[ ١ / ٥٣ ]
عن ابن جنى». وهذا فى الخصائص ٦٨/ ١.
وكذلك قال فى الضئبل؛ فقد حكى صاحب اللسان عن ابن جنى: الضئبل، بكسر الضاد وضم الباء، وهو ما فى الخصائص فى الموطن السابق.
وفى اللسان: «واستكبر الشئ: رآه كبيرا وعظم عنده، عن ابن جنى».
وهو فى علل العربية وتخريجها وبيان الحكمة فى تصاريفها واستخراج مناسبات الاشتقاق لا يشق له غبار.
على أنه قد يركب متن الشطط والإسراف فى الاشتقاق.
فهو فى باب «فى تلاقى المعانى على اختلاف الأصول والمبانى» من الخصائص يذكر أن المسك فعل من أمسكت الشئ، كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسة عليه، ولا يعدل صاحبها عنه.
والمسك فارسى معرب، ذكره الجواليقى فى كتابه «المعرب» وعربيته المشموم كما فى المزهر ١٦٦/ ١.
ويقول الأستاذ الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على معرب الجواليقى: «لم أجد من ادعى أن المسك معرب غير الجواليقى»، وقد علمت أن المزهر قد عرض لعدة من المعربات، وقد نقله عن الثعالبى.
وفى اللسان مسك: «وقال الجواهرى: المسك من الطيب فارسى معرب. قال: وكانت العرب تسميه المشموم».
وذكر فى الباب السابق للقطعة من المسك، ثم قال: «فقيل له صوار؛ لأنه فعال من صاره يصوره إذا عطفه وثناه. وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسة من يسمه إليه، وليس من خبائث الأرض فيعرض عنه، وينحرف إلى شق غيره» والصوار أيضا فارسى كما فى اللسان، وإن أهمله الجواليقى.
وفى الباب نفسه يذكر الرطل الذى يوزن به، ويشتقه من ترطل الشعر، وهو فارسى معرب. وقد ذكر فى كتاب الألفاظ الفارسية المعربة.
وفى هذا الباب يقول: «فلان طفيلى. وذلك أنه يميل إلى الطعام». وهذا-وإن قال بعض اللغويين-غير المشهور المتعارف؛ فإنما الطفيلى منسوب إلى طفيل بن زلال: وهو رجل من أهل الكوفة كان يأتى الولائم دون أن يدعى إليها، فنسب إليه من يأتى هذا العمل.
***