قال أبو الفتح عثمان بن جنى رحمه الله تعالى وعفا عنه:
اللهم إنا نحمدك أقصى مدى الحامدين، ونعترف بآلائك كما أوجبت على المطيعين من عبادك المعترفين، ونسألك أن تصلى على نبيك المرتضى محمد وآله الطاهرين، وأن تحسن عوننا وتسديدنا على ما أجمعنا فيه القربة إليك فى أملنا به لطف المسعاة فيما يدنى منك، ويحظى بالزلفة لديك، وأن تجعل أعمالنا لك، واتصالاتنا بك، ومطالبنا مقصورة على مرضاتك، وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك وصلتها برأفتك بنا، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا.
فإذا انقضت علائق مددنا، واستوفى ما فى الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا، واستؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا، فاقلبنا إلى كنز جنتك التى لم تخلق إلا لمن وسع ظل رحمتك، واجعل أمامنا هاديا من طاعاتنا لك وزكوات ما علمتناه من وجوه حكمتك، وشرحت صدورنا لمعرفته من لطائف مودعات لغة نبيك، التى فضلتها على سائر اللغات، وفرعت بها فيه سامى الدرجات، وخصصت بأشرفها طريقا وألطفها مسرى وعروقا-كتابك المنزل على لسان أمينك، المرسل إلى جنان صفيك خاتم الرسل، ثم معقب الأنبياء والملل ﷺ وبجل وكرم.
وجعلت عنوان تصديقه، الباعث على سلوك طريقه، ما أودعته من إعجاز كلمه
[ ١ / ١٠١ ]
الذى كد بمهله شد المجدين، واستولى بأوله على آخر غاية الناطقين، ورذيت دون أدناه منن المبرّزين، وخطلت إليه ألسن المفوّهين، وخرست لحكمه شقاشق الشياطين فانتظم لغات العرب على مثناتها [. . . .] وارد القراءات من متوجهاتها، فأتى ذلك على طهارة جميعه، وغزارة ينبوعه-ضربين:
ضربا اجتمع عليه أكثر قرّاء الأمصار، وهو ما أودعه أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد ﵀ كتابه الموسوم بقراءات السبعة؛ وهو بشهرته غان عن تحديده.
وضربا تعدّى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذّا، أى خارجا عن قراءة القرّاء السبعة
[ ١ / ١٠٢ ]
المقدم ذكرها، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرّائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه؛ ولعله، أو كثيرا منه، مساو فى الفصاحة للمجتمع عليه. نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته، وتمطوه قوى أسبابه، وترسو به قدم إعرابه؛ ولذلك قرأ بكثير منه من جاذب ابن مجاهد عنان القول فيه، وماكنه عليه، وراده إليه، كأبى الحسن أحمد بن محمد بن شنبوذ، وأبى بكر محمد بن الحسن بن مقسم، وغيرهما ممن أدى إلى رواية استقواها، وأنحى على صناعة من الإعراب رضيها واستعلاها. ولسنا نقول ذلك فسحا بخلاف القرّاء المجتمع فى أهل الأمصار على قراءاتهم، أو تسويغا للعدول عما أقرّته الثقات عنهم؛ لكن غرضنا منه أن نرى وجه قوة ما يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب فى صحّة الرواية بجرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه، لئلا يرى مرى أن العدول عنه إنما هو غض منه، أو تهمة له.
ومعاذ الله! وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله ﷺ، والله تعالى يقول:
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾؟ وهذا حكم عام فى المعانى والألفاظ، وأخذه: هو الأخذ به، فكيف يسوغ مع ذلك أن ترفضه وتجتنبه، فإن قصر شئ منه عن بلوغه إلى رسول الله ﷺ فلن يقصر عن وجه من الإعراب داع إلى الفسحة والإسهاب، إلا أننا وإن لم نقرأ فى التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع فى القراءة كل جائز رواية ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله تعالى بتقبله وأراد منا العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه، ومرضىّ من القول لديه. نعم وأكثر ما فيه أن يكون غيره من المجتمع عندهم عليه أقوى منه إعرابا وأنهض قياسا؛ إذ هما جميعا مرويان مسندان إلى السلف ﵁.
فإن كان هذا قادحا فيه، ومانعا من الأخذ به فليكونن ما ضعف إعرابه مما قرأ بعض
[ ١ / ١٠٣ ]
السبعة به هذه حاله، ونحن نعلم مع ذلك ضعف قراءة ابن كثير «ضئاء» بهمزتين مكتنفتى الألف، وقراءة ابن عامر: «وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم»، وسنذكر هذا ونحوه فى مواضعه متصلا بغيره، وهو أيضا مع ذلك مأخوذ به.
[ ١ / ١٠٤ ]
ولعمرى إن القارئ به من شاعت قراءته، واعتيد الأخذ عنه. فأما أن نتوقف عن الأخذ به لأن غيره أقوى إعرابا منه فلا، لما قدمنا، فإذا كانت هذه حاله عند الله جل وعلا، وعند رسوله المصطفى، وأولى العلم بقراءة القراء، وكان من مضى من أصحابنا لم يضعوا للحجاج كتابا فيه، ولا أولوه طرفا من القول عليه، وإنما ذكروه مرويا مسلّما مجموعا أو متفرقا، وربما اعتزموا الحرف منه فقالوا القول المقنع فيه. فأما أن يفردوا له كتابا مقصورا عليه، أو يتجردوا للانتصار له، ويوضحوا أسراره وعلله فلا نعلمه- حسن بل وجب التوجه إليه، والتشاغل بعمله وبسط القول على غامضه ومشكله، وما أكثر ما يخرج فيه بإذن الله، وأذهبه فى طريق الصنعة الصريحة، لا سيما إذا كان مشوبا بالألفاظ السمحة السريحة، إلا أننا مع ذلك لا ننسى تقريبه على أهل القراءات ليحظوا به، ولا ينأوا عن فهمه.
فإن أبا على ﵀ عمل كتاب الحجة فى القراءات، فتجاوز فيه قدر
[ ١ / ١٠٥ ]
حاجة القراء إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء، ونحن بالله وله وإليه وهو حسبنا.
على أن أبا على ﵀ قد كان وقتا حدّث نفسه بعمله، وهمّ أن يضع يده فيه، ويبدأ به، فاعترضت خوالج هذا الدهر دونه، وحالت كبواته بينه وبينه؛ هذا على ما كان عليه من خلّو سربه، وسروح فكره، وفروده بنفسه، وانبتات علائق الهموم عن قلبه، يبيت وقواصى نظره محوطة عليه، وأحناء تصوره محوزة إليه، مضجعه مقر جسمه ومجال همته، ومغداه ومراحه مقصوران على حفظ بنيته. ولعلّ الخطرة الواحدة تخرق بفكرى أقصى الحجب المتراخية عنى فى جمع الشتات من أمرى، ودمل العوارض الجائحة لأحوالى، وأشكر الله ولا أشكوه، وأسأله توفيقا لما يرضيه.
وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذّ عن السبعة، وقائل فى معناه مما يمنّ به الله عز اسمه، وإياه نستعين وهو كافىّ ونعم الوكيل.
*** أعلم أن جميع ما شذّ عن قراءة القراء السبعة، وشهرتهم مغنية عن تسميتهم ضربان.
[ ١ / ١٠٦ ]
ضرب شذ عن القراءة عاريا من الصنعة، ليس فيه إلا ما يتناوله الظاهر مما هذه سبيله فلا وجه للتشاغل به؛ وذلك لأن كتابنا هذا ليس موضوعا على جميع كافة القراءات الشاذة عن قراءة السبعة، وإنما الغرض منه إبانة ما لطفت صفته، وأغربت طريقته.
وضرب ثان وهو هذا الذى نحن على سمته، أعنى ما شذ عن السبعة، وغمض عن ظاهر الصنعة، وهو المعتمد المعوّل عليه، المولى جهة الاشتغال به. ونحن نورد ذلك على ما رويناه ثم على ما صحّ عندنا من طريق رواية غيرنا له، لا نألو فيه ما تقتضيه حال مثله من تأدية أمانته، وتحرّى الصحة فى روايته، وعلى أننا ننحى فيه على كتاب أبى بكر أحمد بن موسى بن مجاهد ﵀ الذى وضعه لذكر الشواذ من القراءة، إذ
[ ١ / ١٠٧ ]
كان مرسوما به محنوّ الأرجاء عليه، وإذ هو أثبت فى النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن ليست له روايته، ولا توفيقه ولا هدايته.
فأما ما رويناه فى ذلك فكتاب أبى حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستانى ﵀، أخبرنا به أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسينى، عن أبى بكر محمد بن هارون الرّويانى عن أبى حاتم، وروينا أيضا فى كتاب أبى على محمد بن المستنير قطرب من هذه الشواذ صدرا كبيرا. غير أن كتاب أبى حاتم أجمع من كتاب قطرب لذلك؛ من حيث كان مقصورا على ذكر القراءات، عاريا من الإسهاب فى التعليل والاستشهادات التى انحطّ قطرب فيها، وتناهى إلى متباعد غاياتها.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن على بن وكيع عن أبى الحسن أحمد بن سعيد بن عبد الله الدمشقى، قال: حدثنى محمد بن صالح المصرى ورّاق على بن قطرب، قال: قرأت على أبى محمد بن المستنير قطرب من سورة النحل إلى آخر القرآن. قال: وقرأت على علىّ ابن قطرب من البقرة إلى النحل عن أبيه محمد بن المستنير بمصر فى سنة تسع وأربعين ومائتين. قال أبو الحسن الدمشقى: وحدثنى أبو بكر العبدى بسر من رأى فى سنة سبع وخمسين ومائتين، قال: سمعت أبا على محمد بن المستنير قطربا يمليه فى مدينة السلام، فكتبت منه من البقرة إلى سورة مريم ثم قطع الكتاب، قال: وسمع منى أبو بكر العبدى من سورة مريم إلى آخر الكتاب، وسمعت منه من فاتحة الكتاب إلى سورة مريم.
وأخبرنا أبو على الحسن بن أحمد الفارسى سماعا مع من قرأ عليه كثيرا من هذا
[ ١ / ١٠٨ ]
الكتاب، وأنا حاضره، عن أبى على الحسن بن محمد بن عثمان الفارسى، عن الدمشقى أيضا. وأخبرنا أيضا بما فى كتاب المعانى عن أبى إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج بسماعه منه، وبمعانى الفراء عن ابن مجاهد عن الفراء. وروينا غير ذلك مما سنذكر سنده وقت إحضاره المقول على مشكله إن شاء الله.
اللهم أخلص أعمالنا لوجهك، وأوسعنا من عافيتك وعفوك، إنك سميع الدعاء فعّال لما تشاء.
***
[ ١ / ١٠٩ ]