أولها: الاختلاف فى إعراب الكلمة، أو فى حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ وأطهر لكم. ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ وهل يجازى إلاّ الكفور. ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وبالبخل.
﴿فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ وميسرة.
والوجه الثانى: أن يكون الاختلاف فى إعراب الكلمة، وحركات بنائها بما يغير معناها، ولا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ و«ربّنا باعد بين أسفارنا»، و﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ و«تلقونه»، ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ وبعد أمه.
الوجه الثالث: أن يكون الاختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: ﴿وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ و«ننشرها»، ونحو قوله: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وفرّغ.
الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب، ولا يغير معناها، نحو قوله: «إن كانت إلا زقية» و«صيحة» و«كالصّوف المنفوش» و﴿كَالْعِهْنِ﴾.
[ ١ / ٣٦ ]
والوجه الخامس: أن يكون الاختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله:
«وطلع منضود» فى موضع: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾.
والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحو قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، وفى موضع آخر: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت».
والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: «وما عملت أيديهم»، ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾، ونحو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ و«انّ الغنىّ الحميد».
وقرأ بعض السلف: «إنّ هذا أخى له تسع وتسعون نعجة أنثى»، و«إنّ السّاعة آتية أكاد أخفيها من نفسى فكيف أظهركم عليها».
*** فأما زيادة «دعاء القنوت» فى «مصحف أبى»، ونقصان أم الكتاب والمعوذتين من «مصحف عبد الله»، فليس من هذه الوجوه، وسنخبر بالسبب فيه، إن شاء الله.
وكل هذه «الحروف» كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇ وذلك أنه كان يعارضه فى كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على ما يشاء. فكان من تيسيره: أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم:
فالهذلى يقرأ: «عتّى حين» يريد: ﴿حَتّى حِينٍ﴾؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها.
والأسدى يقرأ: «تعلمون» و«تعلم» و«تسودّ وجوه» و«ألم إعهد إليكم».
والتميمى يهمز. والقرشى لا يهمز.
والآخر يقرأ: «وإذا قيل لهم» و«غيض الماء» بإشمام الضم مع الكسر، و«هذه بضاعتنا ردّت إلينا» بإشمام الكسر مع الضم و«ما لك لا تأمنّا» بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان.
ولو أن كل فريق من هؤلاء، أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا؛ لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للّسان، وقطع للعادة.
فأراد الله، برحمته ولطفه أن يحمل لهم متسعا فى اللغات، ومتصرفا فى الحركات، كتيسيره عليهم فى الدين حين أجاز لهم على لسان رسوله، ﷺ، أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته فى فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم.
[ ١ / ٣٧ ]
فإن قال قائل: هذا جائز فى الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعانى؟.
قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد «فاختلاف التضاد» لا يجوز، ولست واجده بحمد الله فى شئ من القرآن إلا فى الأمر والنهى من الناسخ والمنسوخ.
«واختلاف التغاير» جائز، وذلك مثل قوله: وادكر بعد أمة أى بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنه ذكر أمر «يوسف» بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه، ﷺ بالمعنيين جميعا فى غرضين.
وكقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أى تقبلونه وتقولونه، و«تلقونه» من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان؛ لأنهم قبلوه وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا فى غرضين.
وكقوله: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ على طريق الدعاء، و«ربّنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخبر، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان؛ لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم فى البلاد فقالوا: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ فلما فرقهم الله فى البلاد، و«باعد بين أسفارهم»، قالوا:
ربنا باعد بين أسفارنا، وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين فى غرضين.
وكذلك قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ و«لقد علمت ما أنزل هؤلاء» لأن فرعون قال لموسى: إن آياتك التى أتيت بها سحر. فقال موسى مرة: لقد علمت ما هى سحر، ولكنها بصائر. وقال مرة: لقد علمت أنت أيضا ما هى سحر، وما هى إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا.
وقوله: «وأعتدت لهن متكئا» وهو الطعام، و«أعتدت لهن متكا» وهو الأترجّ، ويقال:
الزّماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل الله بالمعنيين جميعا.
وكذلك «ننشرها» ﴿نُنْشِزُها﴾؛ لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو: التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما.
وكذلك: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ و«فرغ»؛ لأن فزع: خفف عنها الفزع، وفرغ: فرغ عنها الفزع.
وكل ما فى القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصا، فعلى مثل هذه السبيل.
***