بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -﵄- وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وأصحاب عبد الله وزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبي رجاء بخلاف ورُويت عن النبي ﷺ: "الحيُّ القيَّام"١، وقرأ علقمة٢: "الحيُّ القَيِّم".
قال أبو الفتح: أما "القيَّام" ففيعال من قام يقوم؛ لأن الله تعالى هو القيم على كل نفس، ومثله من الصفة على فيعال الغيْداق٣ والبَيْطار، وأصله: القيْوَام، فلما التقت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فصارت القيام، ومثله قولهم: "ما بالدار ديَّار"، وهو فيعال من دار يدور وأصلها دَيْوار، وأهل الحجاز يقولون للصَّوَّاغ: الصَّيَّاغ، فعلى هذا ينبغي أن يحمل لا على فَعَّال؛ لأنه كان يجب أن يكون صوَّاغًا، هذا هو الباب.
وأما الفيَّاد لِذَكر البوم فحمله أبو علي على أنه فَعَّال من الأسماء؛ وذلك أنه من فاد يفيد إذا تبختر. وأما الجيَّار للسُّعال فكذا يجب أن يكون أيضًا، وهو فَعَّال من لفظ "جَيْر" بمعنى نعم ومعناها؛ وذلك أن السَّعلة تجيب أختها كما أن جير جواب.
قال العجاج:
تجاوب الرَّعْدِ إذا تبوَّجا٤
وأنشدنا أبو علي:
إذا حنَّت الأولى سَجَعْنَ لها معا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٢. ٢ هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو شبل النخعي الفقيه الكبير، ولد في حياة النبي -ﷺ- وأخذ القرآن عرضًا عن ابن مسعود، وسمع من علي وعمر وأبي الدرداء وعائشة، عرض عليه القرآن إبراهيم بن يزيد النخعي وغيره، وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، مات سنة ٦٢. طبقات القراء: ١/ ٥١٦. ٣ الغيداق: الكريم، وشباب غيداق: ناعم. ٤ قبله: سحا أهاضيب وبرقا مرعجا مرعجًا: متلألئًا، تبوج: صاح. وانظر: ديوان العجاج: ٨، وروايته: يجاوب.
[ ١ / ١٥١ ]
والحديث طويل لكن هذا طريقه.
وأما القَيِّم من قام يقوم بأمره، وهو من لفظ قيَّام ومعناه قال:
الله بيني وبين قيِّمها يفر مني بها وأَتَّبع
لما قال الشاعر هذا قيل له: لا، "٣٣ظ" بل الله بين قيمها وبينك.
و"القيوم" قراءة الجماعة، فيعول من هذا أيضًا، ومثله الدَّيُّور في معنى الدَّيَّار.
ومن ذلك قراءة الحسن: "الأَنجيل"١ بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: هذا مثال غير معروف النظير في كلامهم؛ لأنه ليس فيه أفعيل بفتح الهمزة، ولو كان أعجميًّا لكان فيه ضرب من الحِجاج؛ لكنه عندهم عربي، وهو أفعيل من نجل ينجُل: إذا أثار واستخرج، ومنه نَجْلُ الرجل لولده؛ لأنه كأنه استخرجهم من صلبه وبطن امرأته، قال الأعشى:
أنجب أزمان والداه به إذ نَجَلاه فنعم ما نَجلا٢
أي: أنجب والداه به أزمان إذ نجلاه، ففصل بالفاعل بين المضاف الذي هو أزمان وبين المضاف إليه الذي هو إذ، كقولهم: حينئذ، ويومئذ، وساعتئذ، وليلتئذ.
وقال أبو النجم:
تنجُل أيديهن كل منْجل
يريد: أيدي الإبل؛ أي: تثير بأيديها في سيرها ما تمر به من نبت وحجر وغيرهما.
وقيل له: إنجيل؛ لأن به ما٣ استخرج علم الحلال والحرام ونحوهما، كما قيل: توراة، وهو فوعلة من وَرَى الزنْد إذا قدح وأصله وَوْرَيَة، فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء كما قالوا: التُّجاه والتُّخَمة والتُّكْلان والتَّيقُور٤، وهي من الوجه والوخامة والوكيل والوقار، وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت توراة، فهذه من ورى الزند: إذا ظهرت ناره، وهذا من نَجَل ينجُل: إذا استَخْرج؛ لما في هذين الكتابين من معرفة الحِل والحِرْم كما قيل لكتاب نبينا -ﷺ- الفرقان؛ لأنه فرَّق بين الحق والباطل، وهذا الحديث الذي نحن عليه من بابٍ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣. ٢ رُوي: "أيام" مكان "أزمان". الديوان: ٢٣٥. ٣ ما زائدة. ٤ التيقور: الوقار.
[ ١ / ١٥٢ ]
ضُمنه كتابنا الخصائص وسَمتُه: باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني١؛ وذلك أن التوراة من لفظ ورى، والإنجيل من لفظ ن ج ل، والفرقان من ف ر ق، والتوارة فوعلة، والإنجيل إفعيل، والفرقان فُعلان. فالأصول مختلفة والمباني كذلك، والمعاني واحدة ومعتنقة، وكلها للإظهار والإبراز والفرق بين الأشياء، أفلا ترى إلى هذه الحكمة الممرور بها، الواطئة الأقدام عليها، المسهو لعادة الدعة وقلة المراعاة والمراجعة عنها؟
وفي كل شيء له شاهد يدل على أنه واحد٢
ونظائره تكاد تكون أكثر من الرمل، منه قولهم للمسك: صِوَار، فأصلاهما مختلفان: هذا من م س ك، وهذا من ص ور، ومثالاهما كذلك؛ لأن مِسْكًا فِعْلٌ، وصِوَار فِعَال، ومعنياهما واحد؛ وذلك لأنه سمي مسكًا لأنه بطيب رائحته يمسك الحس عليه استلذاذًا له، وصِوَار من صار يصور إذا عطف وجمع فأمسكت الشيء وعطفته وجمعته شيء واحد، ومنه قولهم: سحاب، قيل له ذلك كما قيل له حَبِيّ، فهذا من ح ب و، وهذا من س ح ب، وسحاب فَعال، وحبي فعيل، فالأصلان مختلفان، والمثالان اثنان، والمعنيان واحد، وذلك أنه لثقله ما٣ ينسحب على وجه الأرض، وكذلك ما يحبو عليها، قالت امرأة "٣٤و" تصف غيثًا:
وأقبل يزحف زحف الكسير كأن على عضديه رِفَاقا٤
وقال أوس٥ أو عبيد:
دانٍ مسفٌ فويق الأرض هَيْدبُه يكاد يدفعه مَن قام بالرَّاح
واللطيف الحسن الجميل كثير؛ لكن أين لك بالمحسن المستثير؟ فهذا حديث هذا المثال الذي هو الإنجيل، وأما فتحه فغريب؛ ولكنه الشيخ أبو سعيد -نضر الله وجهه ونوَّر ضريحه- ونحن نعلم أنه لو مر بنا حرف لم نسمعه إلا من رجل من العرب لوجب علينا تسليمه له إذا أُونست فصاحته، وأن نَبْهأَ٦ به، ونتحلى بالمذاكرة بإعرابه، فكيف الظن بالإمام في فصاحته وتحريه وثقته؟ ومعاذ الله أن يكون ذلك شيئًا جنح فيه إلى رأيه دون أن يكون أخذه عمن
_________________
(١) ١ الخصائص: ٢/ ١١٣-١٣٣. ٢ لأب العتاهية. ويُروى: "آية" مكان "شاهد". الديوان: ٧٠. ٣ ما زائدة. ٤ الرفاق: حبل يشد من الوظيف إلى العضد. وقد أورد اللسان "رفق" هذا البيت دون أن ينسبه. ٥ يريد أوس بن حجر، ويرويه بعضهم لعبيد بن الأبرص، هيدب السحاب: ما تهدب منه، أراد الودق ينصب كأنه خيوط متصلة. سمط اللآلي: ٤٤١، والخصائص: ٢/ ١٢٦، واللسان "هدب". ٦ نهبأ: نأنس.
[ ١ / ١٥٣ ]
قبله، وبعد فقد حكى أبو زيد في السِّكِّينة: السَّكِّينة، بفتح السين وتشديد الكاف. فهذا فَعِّيلة وإن لم يكن لها نظير، وإفعيل أخو فِعِّيل، وأحسبني سمعت في بِرْطيل بَرْطيل، فهذا فَعليل بفتح الفاء، وأَفعيل وفَعليل وفَعِّيل يكاد يكون مثالًا واحدًا.
ومن ذلك قراءة أبي واقد الجراح: "رَبَّنَا لا تَزِغْ قُلُوبُنا"١.
قال أبو الفتح: هذا في المعنى عائد إلى قراءة الجماعة: "لا تُزغْ قلوبَنا"؛ وذلك أنه في الظاهر طلب من القلوب ورغبة إليها، فهو كقول الراجز فيما أنشده ابن الأعرابي:
يا رب لا يرجع إلينا طِفْيلا٢
وفسره طفلًا، فظاهره الطلب والرغبة إلى ذلك الإنسان المدعو إليه؛ وإنما المسئول الله سبحانه، حتى كأنه قال: اللهم لا ترجعه إلينا، ويؤكد في ذلك النداء في قوله تعالى: "ربنا"، ويزيد في شرحه لك أنك تقول للأمير: لا ترهقني؛ لأنه يملك التنفيس عنك، ولا تقول له: أيها الأمير، أدخلني الجنة؛ لأن ذلك ليس له ولا إليه؛ فقد علمت إذن أن معنى "لا تَزِغْ قلوبُنا" هو معنى "لا تُزغ قلوبَنا"؛ ألا ترى أن القلوب لا تملك شيئًا فيطلب منها؟ فالمسئول إذن واحد وهو الله سبحانه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وطلحة: "يُرَوْنَهم مِثلَيهم"٣ بياء مضمومة٤.
قال أبو الفتح: هذه قراءة حسنة المعنى؛ وذلك أن رَأيتُ وأرى أقوى في اليقين٥ من أُريتُ وأُرَى، تقول: أرى أن سيكون كذا؛ أي: هذا غالب ظني، وأرى أن سيكون كذا؛ أي: أعلمه وأتحققه؛ وسبب ذلك أن الإنسان قد يُريه غيره الشيء فلا يصح له، فمعناه إذن أن غيره يشرع في أن يراه ولا أنه هو لا يراه، وأما أرى فإخبار بيقين منه، فكذلك هذه الآية: "يُرَوْنَهم مِثلَيهم" أي: يُصوَّر لهم ذلك وإن لم يكن حقًّا؛ لأن الشيء الواحد لا يكون اثنين
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٨. ٢ رواية اللسان "طفل": لا تردد فيه، وطفيل إما أن يكون بناء وضعيًّا كرجل طريم -وهو الطويل- ويعني به طفلًا، وإما أن يكون أراد طفيلًا يصغره بذلك ويحقره، فلما لم يستقم له الوزن غير بناء التصغير وهو يريده، وهذا مذهب ابن الأعرابي، والقياس ما بدأنا به. اهـ. ٣ سورة آل عمران: ١٣. قرأ نافع ويعقوب وسهل: "ترونهم" بالتاء على الخطاب، وقرأ باقي السبعة بالياء على الغيبة. البحر المحيط: ٢/ ٣٩٤. ٤ في المصدر السابق: وقرأ ابن عباس ويعقوب وسهل: "ترونهم" بالتاء على الخطاب، وقرأ السلمي بضم الياء على الغيبة. ٥ في ك: النفس.
[ ١ / ١٥٤ ]
في حال واحد؛ ولكن قد يُظن ويتوهم شيئين بل أشياء كثيرة، ومثله قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ ١، فهذا يُحسِّن هذه القراءة.
وأما قراءة الجماعة: "يَرَوْنَهم " فلأنها أقوى معنى؛ وذلك أنه أوكد لفظًا؛ أي: حتى لا يقع شك فيهم ولا ارتياب بهم أنهم مثلاهم، فهذا أبلغ في معناه من أن يكون مُرٍ يُرِيهم ذلك، فقد يجوز أن يتم له ذلك وقد لا، هذا في ظاهر الأمر؛ فأما على اليقين ومع الحقيقة فلا يجوز أن يكون "٣٤ظ" الشيء الواحد شيئين اثنين فيما له كان واحدًا، ومما جاء مفصولًا فيه بين أَرَى وأُرَى قوله:
تَرَى أو تُراءَى عند معقِد غَرْزِها تهاويل من أجلاد هر مؤوَّم٢
فلما قال: "ترى" استكثر ذلك؛ لأنه مع التحصيل لا حقيقة له، فأتبعه بما لان له القول الأول، فقال: أو تراءى، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة مجاهد: "زَيَّنَ لِلنَّاسِ حُبَّ الشَّهَوَاتِ"٣ بفتح الزاي والياء.
قال أبو الفتح: فاعل هذا الفعل إبليس، ودل عليه ما يتردد في القرآن من ذكره، فهذا نحو قول الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ٤، وما جرى هذا المجرى.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، وقرأ أبو المهلب محارب بن دِثار٥: "شُهَدَاءَ اللَّهِ"٦ مضمومة الشين، مفتوحة الهاء، ممدودة على فعلاء.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٤٣. ٢ البيت للممزق العبدي من قصيدة له قافية، ونصه كما في الأصمعيات ١٨٨: ترى أو تراءى عند معقد غرزها تهاويل من أجلاد هر معلق ولعل كلمة "مؤوم" في رواية الأصل من قول جابر بن حني: أنافت وزافت في الزمام كأنها إلى غرضها أجلاد هر مؤوم الغرز للناقة: مثل الحزام للفرس، والتهاويل: جمع تهويل؛ وهو ما هول به، أجلاد الشيء: شخصه بكماله، والمؤوم: القبيح الخلقة، العظيم الهامة. يريد: كان هرًّا علق عند معقد حزامها أنشب أظافره فيها، فهي تنفر وتسرع. وانظر: المفضليات: ٢١٠. ٣ قراءة الجماعة: "زُين" مبنيًّا للمفعول. سورة آل عمران: ١٤. ٤ سورة النساء: ١٢٠. ٥ هو محارب بن دثار السدوسي الكوفي القاضي، عرض على أبيه عن عمر بن الخطاب، وروى عن جابر وابن عمر. عرض عليه ابنه مسلمة أحد شيوخ يعقوب، وكان من كبار العلماء. طبقات القراء: ٢/ ٤٢. وفي البحر المحيط ٢/ ٤٠٣: وقرأ أبو المهلب عم محارب بن دثار: "شهداء الله"، على وزن فعلاء، جمعًا منصوبًا. ٦ سورة آل عمران: ١٨.
[ ١ / ١٥٥ ]
قال أبو الفتح: هو منصوب على الحال من الضمير في المستغفرين؛ أي: يستغفرونه شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهو جمع شهيد، ويجوز أن يكون جمع شاهد؛ كعالم وعلماء، والأول أجود.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ ١، وقرأ زيد بن ثابت: "ذِرِّيَّة" بكسر الذال، و"ذَرِّيَّة" بفتح الذال.
قال أبو الفتح: يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ:
أحدها: ذرأ، والثاني: ذرر، والثالث: ذرو، والرابع: ذرى.
فأما الهمز، فمن ذرأ الله الخلق.
وأما ذرر، فمن لفظ الذر ومعناه؛ وذلك لما ورد في الخير أن الخلق كان في القديم كالذر.
وأما الواو والياء، فمن ذرَوت الحَب وذَريته، يقالان جمعيًا؛ وذلك لقوله٢ سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٣، وهذا للطفه وخفته، وتلك حال الذر أيضًا.
فهذه الأصول المنزوع إليها، المقود تصريف هذا الموضع عليها.
فأما "ذُرية" المضمومة، فإن أخذتها من ذرأ؛ فإنها في الأصل فُعِّيلة كمُرِّيق٤، وأصلها ذُرِّيئة، فألزمت التخفيف أو البدل كنبِيٍّ في أكثر اللغة، وكالخابية٥، وكالبرية، فيمن أخذها من برأ الله الخلق، وغير ذلك مما أُلزم التخفيف. ومثلها: ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ٦ فيمن جعله فُعِّيلًا من درأَت؛ وذلك لأنه يدرأ الظلمة عن نفسه بضوئه، وأصله على هذا دُرِّيءٌ فخفف، وقد قرئ به مهموزًا٧.
وإن أَخذت الذُّرية من الذَّرِّ احتمل خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون فُعْلِيَّة كبختية وقمرية٨.
والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذر، إلا أنه غُير أولها؛ لما قد يعرض من التغيير لياءي الإضافة، كقولهم في الإضافة إلى أمس: إمسي، وإلى الأفق: أَفَقِي، وإلى الحرَم: حِرْمي، وإلى جَذِيمة: جُذمِيّ، وإلى عبيدة: عُبدِي، وإلى الدهر: دُهْرِي، وإلى السهل: سُهْلِي.
والثالث: أن تكون ذرية فُعِّيلة كمُرِّيقة؛ إلا أن أصلها ذُرِّيرة على هذا، فلما كثرت
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣٤. ٢ في ك: لقول الله. ٣ سورة الكهف: ٤٥. ٤ المريق: الذي أخذ في السمن من الخيل. ٥ الخابية: الحب، من خبأ، وترك همزها. ٦ سورة النور: ٣٥. ٧ وهذه قراءة أبي بكر وحمزة. إتحاف فضلاء البشر: ١٩٩. ٨ البختية: الإبل الخراسانية، والقمرية: ضرب من الحمام.
[ ١ / ١٥٦ ]
الراءات أبدلوا الآخرة ياء وأدغموا فيها ياء فُعِّيلة التي قبلها، ونحو منه مما أبدل فيه أحد الأمثال ياء هربًا من تكريرها قولهم: تظنَّيْتُ، وتَسَرَّيْتُ، وتَلعَّيْتُ١ من اللُّعَاعة وهي يقلة، وقَصَّيتُ أظافري، وتفَضَّيْتُ من الفضة، وكقوله:
تقضِّيَ البازي إذا البازي كسر٢
هو تَفعُّل من الانقضاض، وأصله تقَضُّض، كما أن أصل تظنيت تظننت، وتسريت تسررت؛ لأنه تفعلت من السُّرِّية فيمن أخذها من السِّر "٣٥و" وهو النكاح، أو من السر لأنه٣ في غالب الأمر مكتومة الأمر من صاحبة المنزل. وهذا قول أبي الحسن الكرخي. وأصل تلعيت تلععت، وأصل قصيت أظفاري قصصت، ويمكن أن يكون أُخِذت من أَقاصِيها فلا يكون مبدلًا، وأصل تفضيت تَفَضَّضْتُ، وقالوا: فأبدالوا مع الاثنين٤ في أمللت الكتاب: أمليت، وقال الأسود بن يعفر:
وأقسمت لا أملاه حتى يفارقا٥
يريد: أَملُّه، فأبدلوا الثاني منها ياء للتكرير، ثم أُبدلت الياء ألفًا؛ فصار أملاه.
وأخبرنا أبو علي قال: قال أحمد بن يحيى عنهم: "لا وَرَبْيِك لا أفعل"، يريد: لا وربك، ونظائره كثيرة. فأصل ذرية على هذا ذُرِّيرة فُعِّيلة كمُرِّيقة، فأُبدلت الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء٦، وأدغمت فيها ياء فُعِّيلة؛ فصارت ذُرِّيَّة.
والرابع: أن تكون فُعُّولة كجُبُّورة٧ وكسبوح وقدوس، وأصله على هذا ذُرُّورة، فأبدلت الراء الأخيرة -لما ذكرنا من اجتماع الأمثال- ياء؛ فصارت ذُرُّويَة، ثم أبدلت الواو لوقوعها ساكنة قبل الياء ياء والضمة قبلها كسرة، وأدغمت في الياء المبدلة من الراء؛ فصارت ذُرِّية كما ترى.
_________________
(١) ١ تلعيت: تناولت اللعاعة. ٢ للعجاج، وقبله: إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر داني جناحيه من الطور فمر في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك قد وجهه إلى أبي فديك الخارجي فقتله وقتل أصحابه. سمط اللآلي: ٧٩٠، والديوان: ١٧. ٣ كذا في النسختين، والظاهر أنها: لأنها، أو أن الضمير للشأن. ٤ يريد: مع تكرير حرفين اثنين. ٥ شواهد الشافية: ٤٤١. ٦ في ك: ياء كما ذكرنا. ٧ الجبورة: الجبروت.
[ ١ / ١٥٧ ]
والخامس: أن تكون فُعْلولة منه؛ كقُرْدودة١ وحُبْرورة٢، وأصلها على هذا ذُرُّورة؛ فعُمل فيها ما عمل فيما يليها، فهذا حديث ذرية إذا كانت من ذرر.
وإن كانت من لفظ ذرو أو ذرى احتملت مثالين:
أحدهما: أن يكون فُعُّولة.
والآخر: أن يكون فُعِّيلة.
فإذا كانت فعولة من الواو فأصلها ذُرُّوَّة، كفعولة من غروت غُزُّوَّة، إلا أن الاسم طال وضوعفت في آخره الواو فاستثقلت، فأُبدلت اللام ياء للتخفيف فصار ذُرُّوية، فأبدلت الواو لوقوع الياء بعدها والواو ساكنة ياء والضمة قبلها كسرة كما قلبت هي ياء وأدغمت في الياء؛ فصارت ذُرِّيَّة.
ومثل ذلك مما أبدل لطوله وثِقَل تضعيف الواو أُدْحيَّة٣، وأصلها أُدحُوَّة؛ لأنها من دحوت، وأَدعيَّة وأصلها أُدعُوَّة؛ لأنها من دعوت، وأُحْجِيَّة وأصلها أُحجوَّة؛ لأنها من حجوت؛ أي: ثَبَتُّ، وأُضحيَّة وأصلها أُضْحُوَّة؛ لأنها من الضحوة، فأبدلت لما ذكرنا؛ فصار جميعها إلى الياء.
وإن كانت ذُرية من الياء -وهي فُعُّولة- فخطبها أيسر؛ لأن أصلها ذروية، ولزمها من إبدال الواو وإدغامها ما لزم فيما قبلها. انقضى أمر ذُرية بضم الذال.
وأما "ذِرِّيَّة" بكسر الذال فتكون من ذرأ الله الخلق، فلا يجوز فيها إلا أن تكون فِعِّيلة، وأصلها ذِرِّيئة، ثم أُلزمت التخفيف أو البدل على ما مضى؛ فصارت ذِرِّيَّة.
فإن أَخذت ذِرِّية من الذر احتتملت أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون فِعْليَّة كحِيريِّ٤ دهر.
والآخر: أن تكون منسوبة إلى الذر؛ إلا أنها كسر أولها للتغيير المعتاد مع ياءي الإضافة؛ كقولهم في أمس: إِمسي.
والثالث: أن تكون فِعِّيلة؛ كبِطيخة وجرِّيَّة٥، وأصلها ذِرِّيرة، ثم غيرت الراء الأخيرة لكثرة الراءات ياء على ما مضى، ثم أُدغمت فيها الياء قبلها؛ فصارت ذِرِّيَّة.
_________________
(١) ١ القردودة: ما ارتفع من الأرض. ٢ الحبرور: ولد الحبارى، ولم نعثر عليه بالتاء فيما بين أيدينا من المعاجم. ٣ الأدحية: مبيض النعام في الرمل. ٤ يقال: لا آتيه حِيريّ الدهر، مشددة الآخر وتكسر الحاء؛ أي: مدة الدهر. ٥ الجرية: الحوصلة.
[ ١ / ١٥٨ ]
الرابع: أن تكون "٣٥ظ" فِعْليلَة كحِلتيت١ وحِبرير٢، وأصلها على هذا ذِرِّيرَة، ثم فيها ما عمل في الذي يليها.
فإن أَخذت ذِرية من ذرو أو من ذرى لم تكن إلا فِعِّيله ألبتة، وأصلها من الواو ذِريوة، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها ياء المد قبلها؛ فصارت ذِرية.
وإن كانت من الياء فلا صنعة فيها، فهي كفِعِّيلة من رميت رِمِّيَّة. انقضت ذِرية بكسر الذال.
وأما ذَرِّيَّة بفتح الذال فتكون من لفظ الذَّر، وتكون من لفظ ذرأ، وتكون من لفظ ذرو، وتكون من لفظ ذرى.
فإذا كانت من لفظ ذرر احتملت أن تكون فَعْلِيَّة كبَرْنِيَّة٣، وأن تكون فَعُّولَة كخَرُّوبَة، وأن تكون فَعْلُولة كبَعْكُوكَة٤، وأن تكون فِعِّيلة كسكينة، فتلك أربعة أوجه.
أما فَعْلِيَّة فأمرها واضح.
وأما فَعُّولَة فأصلها ذَرُّورة، فاجتمعت الراءات فأبدلت الآخرة ياء على ما قدمنا ذكره من تظنيت وتقضيت، فصارت ذَرُّوية، فلما اجتمعت الواو والياء وسكن الأول منهما قلبت الواو ياء، وأُدغمت الياء في الياء؛ فصارت ذَرِّية.
وأما فَعْلُولة فأصلها أيضًا ذَرُّورَة، فعُمل فيها من البدل والإدغام ما عمل في فَعُّولة.
وأما فَعِّيلة فأصلها ذَرِّيرَة، فأبدلت الراء الأخيرة لما ذكرنا ياء، وأدغمت فيها ياء المد قبلها؛ فصارت ذَرِّية.
فإذا كانت من لفظ ذرأ احتملت أن تكون فَعِّيلة كسكينة، وأن تكون فَعُّولة كخَرُّوبة.
فإذا كانت فَعِّيلة فأصلها ذَرِّيئة، فألزمت الهمزة التخفيف ألبتة أو البدل فقلبت ياء، ثم أدغمت فيها الياء قبلها؛ فصارت ذَرِّية.
وأما إذا كانت فَعُّولة فأصلها ذَرُّوءة، فأبدلت الهمزة ياء فصارت ذَرُّويَة، ثم أبدلت الواو ياء للياء بعدها، وأدغمت الياء المبدلة في الياء الثانية؛ فصارت ذَرِّيَّة.
ولا يجوز على هذا أن تكون همزة ذَرُّوءَة خففت؛ لأنه لو كان كذلك لقلبت واوًا لوقوع الواو قبلها، ثم أدغمت واو فَعُّولة فيها فصارت ذَرُّوَّة، كما أنك لو خففت مقروءة لقلت: مَقْرُوَّة، وهذا واضح.
_________________
(١) ١ الحلتيت: صمغ الأنجذان -بفتح فسكون فضم- وهو نبات يقاوم السموم. ٢ حبرير: جبل بالبحرين. ٣ البرنية: إناء من خزف، والديك الصغير أول ما يدرك. ٤ بعكوكة القوم بضم الباء وقد تفتح: آثارهم حيث نزلوا، أو خاصتهم، أو جماعتهم.
[ ١ / ١٥٩ ]
وأما فَعِّلية -أعني: ذَرِّيئة- فإنك إن أبدلتها أو خففتها استوى فيها اللفظان، فقلت: ذَرِّيَّة، كما تقول في تخفيف جِرِّيئة١ وأبدالها جِرِّيَّة، وهذا واضح.
وإذا كانت من لفظ الذَّرْوِ فإنها فَعِّيلة، وأصلها ذَرِّيوَة، فقلبت الواو لسكون الياء قبلها، وأدغمت الياء الأولى فيها؛ فصارت ذَرِّيَّة. ولا تحتمل وهي من الواو أن تكون فَعُّولة؛ لأنه كان يجب على هذا أن تكون ذَرُّوَّة، والحمل على أُدْحِيَّة جائز، إلا أنه ليس بالظاهر، وليس كذلك أُدْعِيَّة وأدحية وأضحية؛ لأنه قد أُمن أن يكون في الكلام أُفْعِيل؛ لأنه لم يأتِ عنهم، فلا بد إذن من أن يكون أصلها أُدْحُوَّة وأدعوة وأضحوة، فغيرت إلى الياء تخفيفًا استحسانًا لا وجوبًا، وليس كذلك ذَرِّية لو كانت من الذَّرْو؛ لأنه ليس واجبًا أن تكون فَعُّولة؛ بل قد يجوز أن تكون فَعِّيلة، فافهم ذلك.
وأما إذا كانت من ذرى، فإنها تحتمل أن تكون "٣٦و" فَعُّولة وفَعِّيلة، فأصل فَعُّولة ذَرُّويَة، فأبدلت الواو للياء بعدها، وأدغمت الأولى في الثانية؛ فصارت ذَرِّيَّة.
وأصل فَعِّيلة ذَرِّية هكذا وكما ترى؛ لأنك أدغمت الياء الأولى في الثانية فصارت ذَرِّية، ومثلها من قَضَيْتُ قَضِيَّة، ومن رميت رمية. انتهى القول في ذُرية وذِرية وذَرية، ودعانا إلى إشباع القول عليها أن لم يتقدم أحد ببسطها، وحسبنا الله.
ومن ذلك قراءة إبراهيم٢ فيما رواه المغيرة٣ والأعمش عنه: "نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ بِالْحَقِّ"٤ خفيفة الزاي، ورفع الباء من الكتاب.
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على استقلال الجملة التي هي قوله عز اسمه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ .
ألا ترى أنه لا ضمير في قوله: "نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ" يعود على اسم الله تعالى؟ فعلى هذا ينبغي أن تكون جملة مستقلة أيضًا في قول مَن شدَّد الزاي ونصب الكتاب، فيكون اسم
_________________
(١) ١ الجريئة: القانصة، والحلقوم. ٢ هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي الكوفي الإمام المشهور الصالح الزاهد العالم، قرأ على الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس، قرأ عليه سليمان الأعمش وطلحة بن مصرف، توفي سنة ٩٠، وقيل: سنة ٩٥. طبقات القراء: ١/ ٢٩. ٣ هو المغيرة بن مقسم أبو هاشم الضبي الكوفي الأعمى، روى القراءة عن عاصم بن أبي النجود، وروى عن إبراهيم النخعي، وأكثر روايته عنه، عرض عليه حمزة وأخذ عنه جرير بن عبد الحميد، توفي سنة ١٣٣. طبقات القراء: ٢/ ٣٠٦. ٤ وقرأ الجمهور: "نزَّل" مشددًا، و"الكتابَ"بالنصب. سورة آل عمران: ٣.
[ ١ / ١٦٠ ]
الله مرفوعًا بالابتداء، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر عنه، ويكون ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ صفة له وثناء عليه، وإن شئت جعلت قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ثناء عليه معترضًا بين المبتدأ والخبر، ويكون ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ خبرين عنه، كحلو حامض.
وإن شئت جعلت قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبرًا عنه، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أيضًا خبرين عنه؛ فيكون له ثلاثة أخبار.
وإن شئت أن تخبر عن المبتدأ بعشرة أخبار أو بأكثر من ذلك جاز وحسن؛ لما يتضمنه كل خبر منها من الفائدة، فكأنه أخبر عنه وآثنى عليه، ثم أخذ يقص الحديث فقال: "نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ".
ومَن شدد الزاي ونصب "الكتاب" جاز أن يكون على قوله خبرًا رابعًا، وجاز أن يكون أيضًا جميع ما قبل "نزل" ثناء وإعظامًا، ويفرد قوله: "نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابُ" فيجعل خبرًا عنه؛ كقولك: الله سبحانه، وجل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، يأمر بالعدل، وينهى عن السوء. وفيه اكثر من هذا؛ إلا أن في هذا مقنعًا بحمد الله.
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد الأعرج١: "أَنَّ اللَّهَ يُبْشِرُكَ"٢ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين خفيفة.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا منقولًا من بَشِرْتُ بالأمر في وزن أَنِفْتُ وفَرِحْتُ؛ كقولك: بَطِر وأبطرته، وخرِق وأخرقته، يقال: بَشِر الرجل بالخير وأبشرته وبشَّرته وبَشَرْتُ خفيفة أيضًا.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "إِلَّا رُمُزًا"٣ بضمتين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على قول مَن جعل واحدتها رُمْزَة، كما جاء عنهم ظُلْمَة
_________________
(١) ١ هو حميد بن قيس الأعرج أبو صفوان المكي القارئ، ثقة. أخذ القراءة عن مجاهد بن جبر وعرض عليه ثلاث مرات. روى القراءة عنه سفيان بن عينية وأبو عمرو بن العلاء وإبراهيم بن يحيى بن أبي حية وغيرهم. توفي سنة ١٣٠. طبقات القراء ١/ ٢٦٥. ٢ سورة آل عمران: ٢٩. وقد قرأ ابن عامر وحمزة: "إن الله" بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتح الهمزة. البحر المحيط: ٢/ ٤٤٦. ٣ قراءة الجماعة: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ بفتح الراء وسكون الميم. وفي البحر المحيط ٢/ ٤٥٣: وقرأ علقمة بن قيس ويحيى بن وثاب: "رُمُزًا"، بضم الراء والميم وقرأ الأعمش: "رَمَزًا" بفتح الراء والميم. اهـ. سورة آل عمران: ٤١.
[ ١ / ١٦١ ]
وظُلُمة، وجُمْعَة وجُمُعَة، ويجوز أن يكون جَمَع رُمْزَة على رُمْز، ثم أتبع الضم الضم، كما حكى أبو الحسن عن يونس أنه قال: ما سُمع في شيء فُعْل إلا سُمع فيه فُعُل، وعليه قول طرفة:
وِرَادًا وشُقُر١
يريد: شُقْرًا.
ومن ذلك قراءة إبراهيم وأبي بكر الثقفي: "الْحَوَارِيُون"٢ مخففة الياء في جميع القرآن.
قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة يوجب التوقف عنها والاحتشام منها؛ وذلك لأن فيها "٣٦ظ" ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها، وهذا موضع تعافه العرب وتمتنع منه.
ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ٣ وأصله العاديُون، فاستثقلت الضمة على الياء، فأسكنت وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها؟ فكان يجب على هذا أن يكون الحوارُون كالقاضُون والساعون، إلا أن هنا غرضًا وفرقًا بين الموضعين يكاد يقنع مثله؛ وذلك أن أصل هذه الياء أن تكون مشددة، وإنما خففت استثقالًا لتضعيف الياء، فلما أريد فيها معنى التشديد جاز أن تُحَمَّل الضمة تصورًا لاحتمالها إياها عند التشديد، كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزيون إلى أن أخلص الهمزة ياء ألبتة، وحَمَّلها الضمة تذكُّرًا لحال الهمز المراد فيها، وكما قال في مثال عضْرَفُوط٤ من قرأت: قَرْأَ يُوء، فأبدل الهمزة الثانية التي كانت في قَرْأَءُوء ياء، ثم ضمها بعد أن أخلصها ياء وجرت مجرى الياء التي لا حظَّ فيها لشيء من الهمز.
فإن قيل: فأي الياءين حذف من الحواريين؟
قيل: المحذوفة هي أشبهها بالزيادة، وهي الأولى؛ لأنها بإزاء ياء العطاميس٥ والزناديق.
فإن قيل: فبالثانية وقع الاستثقال، فهلَّا حذفت دون الأولى؟
_________________
(١) ١ البيت بتمامه: أيها الفتيان في مجلسان جردوا منها ورادا وشقر جردوا الخيل: ألقوا عنها جلالها وأسرجوها استعدادًا للقتال، وراد: جمع ورد؛ وهو من الخيل ما كان بين الكميت والأشقر، الشقر: جمع أشقر؛ وهو من الدواب الأحمر. الديوان: ٨٢. ٢ سورة آل عمران: ٥٢. ٣ سورة المؤمنون: ٧، وفي الأصل: "وأولئك"، وهو تحريف. ٤ العضرفوط: دويبة بيضاء ناعمة، ويقال: العضرفوط: ذكر العِظاء. ٥ العطاميس: جمع عطموس بضم العين وسكون الطاء؛ وهي الناقة الهرمة.
[ ١ / ١٦٢ ]
قيل: قد يُغيَّر الأول من المثلين تخفيفًا كما يغير الآخر، وذلك قوله:
يا ليتما أُمُّنا شالت نعامتها إيما إلى جنة أيما إلى نار١
يريد: أَمَّا، وكذلك القول في قيراط ودينار وديماس٢ فيمن قال: دماميس، وديباج فيمن قال: دبابيج، وقد حذفت هذه الياء في الواحد من هذا الجمع. أنشدنا أبو علي وقرأته عليه أيضًا في نوادر أبي زيد:
بَكِّي بعينك واكف القَطْر ابن الحوارِي العالي الذِّكْرِ٣
يريد: الحوارِيّ. وقد خففت ياء النسب في غير موضع مع كونها مفيدة لمعنى النسب، فكيف بها إذا كان لفظها لفظ النسب ولا حقيقة له هناك؟ ألا ترى أن الحواريَّ بمنزلة كرسي في أنه نسب لفظي، ولا حقيقة إضافة تحته؟
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَنْ يُوتِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ"٤، قال أحمد بن صالح٥: كذا قال، قال ابن مجاهد: وعلى هذا ينبغي أن يكون أن يوتِيَ أحدًا.
قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد رفع "أحد" مع قوله "يوتِيَ" مسمى الفاعل؛ وذلك أن معناه أن يوتِي أحد أحدًا مثل ما أوتيتم؛ كقولك: أن يحسن أحد مثل ما أُحْسِنَ إليكم؛ أي: أن يحسن أحد إلى أحد مثل ما أُحْسن إليكم، فتحذف المفعول ويكون معناه ومفاده أن نعمة الله سبحانه لا تُقاس بها نعمة. وهذا مع أدنى تأمل واضح.
ومن ذلك قراءة أبي حيوة٦: "تُدْرِسُون"٧ بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء.
_________________
(١) ١ البيت لسعد بن قرظ من العققة. شالت نعامتها: ارتفعت جنازتها. مختصر الشواهد للعيني: ٢٩٩. ٢ الديماس بفتح الدال ويكسر: الكِنُّ، والسرب، والحمام. ٣ البيت لابن الرقيات. النوادر: ٢٠٥. ٤ قراءة الجماعة: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ ببناء الفعل للمجهول. سورة آل عمران: ٧٣. ٥ أحمد بن صالح الإمام الحافظ أبو جعفر المصري، أحد الأعلام، ولد سنة ١٧٠، قرأ على ورش وقالون وله عن كل منهما رواية، وعلى إسماعيل بن أبي أويس وأخيه أبي بكر عن نافع، وروى حرف عاصم عن حرمى بن عمارة بن أبي حفصة عن أبان العطار، وتوفي سنة ٢٤٨. طبقات القراء: ١/ ٦٢. ٦ هو شريح بن يزيد أبو حيوة الحضرمي الحمصي، صاحب القراءة الشاذة ومقرئ الشام، روى القراءة عن الكسائي وغيره، وروى عنه قراءته ابنه حيوة، وروى أيضًا عنه قراءة الكسائي، توفي سنة ٢٠٣. طبقات القراء: ١/ ٣٢٥. ٧ قراءة الجماعة: ﴿تَدْرُسُونَ﴾ بفتح التاء. وفي البحر المحيط ٢/ ٥٠٦: وقرأ أبو حيوة: "تدرسون" بسكر الراء، ورُوي عنه: "تُدَرِّسون" بضم التاء وفتح الدال وكسر الراء المشددة. سورة آل عمران: ٧٩.
[ ١ / ١٦٣ ]
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا منقولًا من درس هو وأَدرس غيره؛ كقولك: قرأ وأَقرأَ غيره. وأكثر كلام العرب درس ودرَّس غيره، وعليه جاء المصدر على التدريس "٣٧و".
ومن ذلك قراءة الأعرج فيما يُروى عنه: "لَمَّا آتيناكم"١ بفتح اللام وتشديد الميم، "آتيناكم" بألف قبل الكاف.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة إغراب، وليست "لَمَّا" هاهنا بمعروفة في اللغة؛ وذلك أنها على أوجه:
تكون حرفًا جازمًا كقوله الله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ٢.
وتكون ظرفًا في نحو قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ ٣.
وتكون بمعنى إلا في نحو قولهم: أقسمت عليك لَمَّا فعلت؛ أي: إلا فعلت.
ولا وجه لواحدة منهن في هذه الآية.
وأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمِنْ ما آتيناكم، وهو يريد القراءة العامة٤: "لَمَا آتيناكم"، فزاد مِن على مذهب أبي الحسن في الواجب؛ فصارت "لَمِمَّا"، فلما التقت ثلاث ميمات فثقلن حذفت الأولى منهن، فبقي "لَمَّا" مشددًا كما ترى، ولو فُكت لصارت لَنْما، غير أن النون أُدغمت في الميم كما يجب في ذلك فصارت "لَمَّا". هذا أوجه ما فيها إن صحت الرواية بها.
وأما "آتيناكم" بالجمع فطريقه أنه لما ورد مع لفظ الجماعة من النبيين جاء أيضًا مجموعًا تعاليًا في اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ ٥، وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ ٦، ولو كانت: وضربت لكم الأمثال، لم تبلغ في سمو اللفظ وتعاليه٧ في قوله: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ﴾، فتفهَّم معناه.
_________________
(١) ١ قراءة جمهور السبعة: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ بفتح اللام وتخفيف الميم. البحر المحيط: ٢/ ٥٠٩، سورة آل عمران: ١٨. ٢ سورة آل عمران: ١٤٢. ٣ سورة القصص: ٢٢. ٤ أي: في "لما" خاصة كما لا يخفى. ٥ سورة الإنسان: ٢٨. ٦ سورة إبراهيم: ٤٥. ٧ في الأصل "تغاليه" بالغين، وما أثبتناه متفق مع ما قبله
[ ١ / ١٦٤ ]
ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب١: "قُل صَّدَقَ اللَّهُ"٢ بإدغام اللام في الصاد، وكذلك: "قُل سِّيرُوا"٣.
قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فُشو هذين الحرفين -أعني: الصاد والسين- في الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما، فقاربتا بذلك مخرج اللام فجاز إدغامها فيهما، وكذلك هي أيضًا مع الزاي ومع الطاء، والدال والتاء. قرئ: "فَهَل تَّرى لهم"٤، ومع الظاء والثاء والذال، قرئ: "هل ثُّوب الكفار"٥، فأما اللام التي للتعريف فتُدغم في ثلاثة عشر حرفًا، وذلك معروف في موضعه، فلا وجه لإعادته.
ومن ذلك ما رواه مبارك٦ عن الحسن أنه كان يقرأ: "بِثَلاثَهْ آلافٍ"٧ و"بِخَمْسَهْ آلافٍ"٨، وَقْفٌ ولا يُجري واحدًا منهما.
قال أبو الفتح: وجهه في العربية ضعيف؛ وذلك أن ثلاثة وخمسة مضافان إلى ما بعدهما، والإضافة تقتضي وصل المضاف بالمضاف إليه؛ لأن الثاني تمام الأول، وهو معه في أكثر الأحوال كالجزء الواحد، وإذا وصلت هذه العلامة للتأنيث فهي تاء لا محالة؛ وذلك أن أصلها التاء، وإنما يبدل منها في الوقف الهاء، وإذا كان كذلك -وهو كذلك- فلا وجه للهاء؛ لأنها من أمارات الوقف، والموضع على ما ذكرنا متقاضٍ للوصل، غير أنه قد جاء عنهم نحو هذا، حكى الفراء أنهم يقولون: أكلت لحمَا شاة، يريدون: لحم شاة، فيمطلون الفتحة فينشئون عنها ألفًا، كما يقولون في الوقف: قالا، يريدون: قال، ثم يمطلون الفتحة فتنشأ عنها الألف، وهذا المطل لا يكون مع الإسراع والاستحثاث؛ إنما يكون مع الروية والتثبت، وأنشد أبو زيد:
مَحْضٌ نِجَارى طيِّب عنصري٩
_________________
(١) ١ هو أبان بن تغلب الربعي أبو سعيد، ويقال: أبو أميمة الكوفي النحوي، جليل، قرأ على عاصم وأبي عمرو الشيباني وغيرهما، وأخذ القراءة عنه عرضًا محمد بن صالح بن زيد الكوفي، توفي سنة ١٤١، وقيل: سنة ١٥٣. طبقات القراء: ١/ ٤. ٢ سورة آل عمران: ٩٥. ٣ سورة النمل: ٦٩. ٤ سورة الحاقة: ٨، والإدغام قراءة أبي عمرو وهشام في المشهور عنه وحمزة والكسائي. إتحاف فضلاء البشر: ٢٦. ٥ سورة المطففين: ٣٦، والإدغام قراءة حمزة والكسائي وهشام في المشهور عنه. المرجع السابق: ٢٦٩. ٦ هو المبارك بن الحسن بن هلال الثقفي، روى قراءة الحسن البصري. طبقات القراء: ٢/ ٤٠. ٧ سورة آل عمران: ١٢٤. ٨ سورة آل عمران: ١٢٥. ٩ رُوي: "غض" مكان "محض". النجار: الأصل. الخصائص: ٣/ ٢١١.
[ ١ / ١٦٥ ]
يريد: عُنْصُرِي بتخفيف الراء، غير أنه "٣٧ظ" ثقَّلها كما يفعل في الوقف، نحو: خالدّ وجعفرّ، وإذا جاز أن يُنوى الوقف دون المضمر المجرور، وهو على غاية الحاجة -للفطه عن الانفصال- إلى ما قبله جاز أيضًا أن يعترض هذا التلوم والتمكث دون المظهر المضاف إليه؛ أعني: قوله: "آلاف"؛ بل إذا جاز أن يعترض هذا الفتور والتمادي بين أثناء الحروف من المثال الواحد نحو قوله:
أقول إذ خَرَّت على الكَلْكالِ يا ناقتا ما جُلْت من مجالِ١
وقوله فيما أَنشدناه:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة٢
يريد: ينبع. وقوله أُنشدناه:
وأنت من الغوائل حين تُرْمى ومن ذم الرجال بِمُنْتَزَاح٣
يريد: منتزَح مُفْتعَل من نزح، كان التأني والتمادي بالمد بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنهما في الحقيقة اسمان لا اسم واحد أمثل، ونحوه قراءة الأعرج عن ابن أبي الزناد: "بثلاثهْ آلاف" بسكون الهاء، وقد ذكرناه فيما قبل، فهذا تقوية وعذر لقراءة أبي سعيد، وقد أفردناه في الخصائص٤ بابًا قائمًا برأسه، وذكرناه أيضًا في هذا الكتاب.
ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "قَرَحٌ"٥ بفتح القاف والراء.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن يكون فيه لغتان: قرْح، وقرَح، كالحلْب والحلَب، والطرْد والطرَد، والشل والشلل. وفيه أيضًا قُرْح على فُعْل، يقرأ بهما جميعًا٦.
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٣/ ٥٠، واللسان "كلكل". الكلكل: الصدر، أو ما بين الترقوتين، أو باطن الزور. ٢ عجزه: زيافة مثل الفَنيق المكدَم والبيت لعنترة من معلقته. الذفرى: ما خلف الأذن، الجسرة: الناقة الموثقة الخلق، زيافة: شديدة التبختر، الفنيق: الفحل من الإبل، المكدم: المعضض. شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٤٤. ٣ لابن هرمة يرثي ابنه، وقيل: يمدح بعض القرشين، وكان قاضيًا. ويروى: "حيث" مكان "حين"، و"تنمى" مكان "ترمى".الغوائل: جمع غائلة؛ وهي الفساد والشر، وقيل: الدواهي، وترمى بالبناء للمفعول، بمنتزاح: أي ببعد. سر صناعة الإعراب: ٢٩، وشواهد الشافية: ٢٥، والخصائص: ٢/ ٣١٦، ٣/ ١٢١. ٤ انظر: الخصائص: ٣/ ١٢١-١٢٤. ٥ سورة آل عمران: ١٤٠. ٦ قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف بضم القاف ووافقهم الأعمش، وقرأ الباقون بالفتح. إتحاف فضلاء البشر: ١٠٨.
[ ١ / ١٦٦ ]
ثم لا أُبْعدُ من بَعْدُ أن تكون الحاء لكونها حرفًا حلقيًّا يفتح ما قبلها كما تفتح نفسها فيما كان ساكنًا من حروف الحلق، نحو قولهم في الصخْر: الصخَر، والنعْل: النعَل. ولعمري، إن هذا عند أصحابنا ليس أمرًا راجعًا إلى حرف الحلق؛ لكنها لغات، وأنا أرى في هذا رأي البغداديين في أن حرف الحلق يؤثر هنا من الفتح أثرًا معتدًّا معتمدًا؛ فلقد رأيت كثيرًا من عقيل لا أحصيهم يحرك من ذلك ما لا يتحرك أبدًا لولا حرف الحلق، وهو قول بعضهم: نَحَوَه، يريد: نَحْوه، وهذا ما لا توقف في أنه أمر راجع إلى حرف الحلق؛ لأن الكلمة بنيت عليه ألبتة، ألا ترى أن لو كان هذا هكذا لوجب أن يقال: نحاة؛ لأنه فَعَلٌ مما لامُه واو، فيجري مجرى عصاة١ وفتاة.
نعم، وسمعت الشجري يقول في بعض كلامه: أنا مَحَموم، بفتح الحاء. وقال مرة وقد رسم له الطبيب أن يمص التفاح ويرمي بثُفْله فلم يفعل ذلك، فأنكره الطبيب عليه، فقال: إني لأبغي مصه وعِلْيَته تَغَذُو، يريد: تَغْذُو، ولا قرابة بيني وبين البصريين؛ لكنها بيني وبين الحق، والحمد لله، ويكون فتح الحاء من القَرَح لها ما قبلها كفتحها لها عين الفعل المضارع٢، نحو: يسنَح ويسفَح ويسمَح.
ويُؤنِّس بذلك أن هذه الحروف حلقية، فضارعت بذلك الألف التي لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، وهذا قدر ما يتعلَّل به، إلا أن الاختيار أن تكون "القَرَح" لغة.
ومن ذلك قراءة إبراهيم: "مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاقُوه"٣.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنك إذا لقيتَ الشيء فقد لقيَك هو أيضًا، فلما كان كذلك دخله معنى المفاعلة؛ كالمضاربة والمقاتلة، وقد جاء ذلك عينه في هذه "٣٨و" اللفظة عينها، قالت امرأة:
هل الَّا الموت يغلي غاليهْ مختلطًا سافله بعاليهْ
لا بد يومًا أنني ملاقيهْ٤
فأما ما قرأته على أبي علي في نوادر أبي زيد من قوله:
فارقَنا قبل أن نفارقه لما قضى من جماعنا وطَرا٥
_________________
(١) ١ في اللسان: قال الأزهري: ويقال للعصا عصاه بالهاء، ويقال: أخذت عصاته. قال: ومنهم من كره هذه اللغة. ٢ يريد: أن فتح الحاء ما قبلها لأجلها وبسببها ٣ سورة آل عمران: ١٤٣، وهي أيضًا قراءة الزهري. البحر المحيط: ٣/ ٦٧. ٤ رُوي: "ما هو الا" مكان "هل الا"، وانظر: الخصائص: ٢/ ٣٦٤. ٥ البيت للربيع بن ضبع الفزاري. النوادر: ١٥٩.
[ ١ / ١٦٧ ]
فظاهره إلى التناقض؛ لأنا إذا فارقَنا فقد فارقْناه لا محالة، فما معنى قوله بعد: قبل أن نفارقه؟ وهو عندنا على إقامة المسبب مقام السبب في تفسيره: فارقَنا قبل أن نريد فراقه، فوضع المفارقة وهي المسبب موضع الإرادة لها وهي السبب؛ وذلك لقرب أحدهما من صاحبه.
ومثله قوله الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ١ أي: إذا أردت القراءة، وهو كثير قد مر في هذا الكتاب، وقد أفردنا له في الخصائص٢ بابًا قائمًا برأسه.
ومن ذلك قراءة حطان بن عبد الله:٣ "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُل"٤، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
قال أبو الفتح: هذه القراءة حسنة في معناها؛ وذلك أنه موضع اقتصاد بالنبي -ﷺ- وإعلام أنه لا يلزم ذمته ممن يخالفه تبعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥، وقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ٧، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ٨.
ومعلوم أن "إنما" موضوعة للاقتصاد والتقليد، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٩؟ فهذا كقوله: ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١٠، وقوله: ﴿وَقَلِيل مَا هُمْ﴾ ١١، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ١٢. فلما كان موضع اقتصاد به، وفكٍّ ليد الذم عن ذمته، وكان من مضى من الأنبياء -﵈- في هذا المعنى مثله، لاق بالحال تنكير ذكرهم بقوله: "قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلُ".
وذلك أن التنكير ضرب من الكف والتصغير، كما أن التعريف ضرب من الإعلام والتشريف، ألا ترى إلى قوله:
فمن أنتم إنانسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر١٣
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٩٨. ٢ انظر: الخصائص: ٣/ ١٧٣-١٧٧. ٣ هو حطان بن عبد الله الرقاشي، ويقال: السدوسي، كبير القدر، صاحب زهد وورع وعلم، قرأ على أبي موسى الأشعري عرضًا، قرأ عليه عرضًا الحسن البصري، مات سنة نيف وسبعين. طبقات القراء: ١/ ٢٥٣. ٤ قراءة الجمهور: "الرسل" بالتعريف. سورة آل عمران: ١٤٤. ٥ سورة العنكبوت: ١٨. ٦ سورة آل عمرن: ١٢٨. ٧ سورة الرعد: ٧. ٨ سورة يونس: ٤٢. ٩ سورة فاطر: ٢٨. ١٠ سورة هود: ٤٠. ١١ سورة ص: ٢٤. ١٢ سورة سبأ: ١٣. ١٣ لزياد الأعجم. الدرر اللوامع: ١/ ١٣٧.
[ ١ / ١٦٨ ]
فأين هذا من قوله:
هذا الذي تَعْرِف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم؟ ١
ولهذا قال:
من حديث نَمَى إليَّ فما أطـ ـعَمُ غُمْضًا ولا ألذ شرابي٢
فنكَّر الغمض احتقارًا له إذ كان لا يعرفه، وعرَّف الشراب إذ كان لا بد أن يشرب وإن قل. قال:
على كل حال يأكل المرء زادَه من الضر والبأساء والحدَثان
ولأجل ذلك لم تندب العرب المبهم ولا النكرة لاحتقارها، وإنما تندب بأشهر أسماء المندوب؛ ليكون ذلك عذرًا لها في اختلاطها وتفجعها، ويؤكده أيضًا قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣، فجرى قوله سبحانه: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلُ" مجرى قولك لصاحبك: اخدم كما خَدَمَنَا غيرُك من قبلك ولا تبعة عليك بعد ذلك، فهذا إذن موضع إسماح له، فلا بد إذن من إلانة ذكره، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ ٤ فأضاف "٣٨ظ" سبحانه من عذرهم، وأعلَمَ ألا متعلق عليه بشيء من أمرهم، فلهذا حسن تنكير "رسل" هاهنا، والله أعلم.
وأما من قرأ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فوجه تعريفهم ومعناه: أنكم قد عرفتم حال مَن قبله من الرسل في أنهم لم يطالبوا بأفعال مَن خالفهم، وكذلك هو ﷺ، فلما كان موضع تنبيه لهم كان الأليق به أو يومئ إلى أمر معروف عندهم.
ومن ذلك قراءة الأعمش، فيما رواه القطعي٥ عن أبي زيد عن المفضَّل عن الأعمش: "ومَن
_________________
(١) ١ للحزين الكناني، واسمه عمرو بن عبيد بن وهب بن مالك، أحد بني عبد مناة بن كنانة، يقوله في عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوان، وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم حسن الوجه، والناس يروون هذه الأبيات للفرزدق في مدح علي بن الحسين، ولم أعثر عليها في ديوانه. وانظر: الحماسة: ٢/ ٢٦٩. ٢ يروى: من حديث نمى إليَّ فما ير قأ دمعي وما أسيغ شرابي وهو لعلفاء بن الحارث. معجم الشعراء: ٤٢٣. ٣ سورة غافر: ٧٨. ٤ سورة آل عمران: ٤٤. ٥ هو محمد بن يحيى بن مهران أبو عبد الله القطعي البصري، إمام مقرئ، مؤلف متصدر، أخذ القراءة عرضًا عن أيوب بن المتوكل وهو أكبر أصحابه، وروى الحروف سماعًا عن أبي زيد الأنصاري وغيره، وروى القراءة عنه أحمد بن علي الخزاز وغيره. طبقات القراء: ٢/ ٢٧٨.
[ ١ / ١٦٩ ]
يُرِدْ ثواب الدنيا يُوتِه منه ومَن يُرِدْ ثوابَ الآخرة يُوتِه منها وسنجزي الشاكرين"١ بالياء فيهما.
قال أبو الفتح: وجهه على إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه؛ أي: يوته الله، يدل على ذلك قراءة الجماعة: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بالنون.
وحديث إضمار الفاعل للدلالة عليه واسعٌ فاشٍ عنهم، منه حكاية الكتاب أنهم يقولون: إذا كان غدًا فائتني؛ أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في غد فائتني، ومثله حكايته أيضًا:
مَن كذب كان شرًّا له؛ أي: كان الكذب شرًّا له. وعليه قول الآخر:
ومجوَّفات قد علا ألوانها أسآر جُرد مُتْرَصاتٍ كالنَّوَى٢
أي: قد علا التجويف ألوانَها. وقول الآخر:
إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه وخالَف والسفيهُ إلى خلاف٣
وكما أضمر المصدر مجرورًا؛ أعني: الهاء في إليه -يعني إلى السفه- كذلك أيضًا أضمره مرفوعًا بفعله.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن والأشهب والأعمش: "وكَأْيٍ"٤ بهمزة بعد الكاف ساكنة، وياء بعدها مكسورة خفيفة، ونون بعدها، في وزن كَعْيٍ.
قال أبو الفتح: فيها أربع لغات: كأَيّ، وكاءٍ، وكأْي -وهي هذه القراءة- وَكَاءٍ في وزن كَعٍ.
ثم اعلم أن أصل ذلك كله "كأَيٍّ" في معنى كم كأكثر القراءة "وكأَيٍّ من قرية"٥، وهي أَيٌّ دخلت عليها كان الجر، فحدث لها من بعد معنى كم، ولهذه الكاف الجارة حديث طويل في دخولها وفيها معنى التشبيه، وفي دخولها عارية من التشبيه، نحو: كأن زيدًا عمرو، وله كذا وكذا درهمًا، وكأَيٍّ من رجل، ثم إنها لما كثر استعمالها لها تلعبت بها العرب كأشياء يكثر تصرفها فيها لكثرة نقطها بها، فقَدَّمت الياء المشددة على الهمزة فصارت كَيَّأٍ بوزن كَيَّع،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٤٥. ٢ المجوف من الدواب: الذي يصعد البلق منه حتى يبلغ البطن، والأسآر: جمع سؤر؛ وهو بقية الشيء، المترص: المحكم، من ترص الشيء تراصه، فهو مترص وتريص. ٣ رُوي: "زجر" مكان "نُهي". انظر: معاني القرآن: ١/ ١٠٤، والخزانة ٢/ ٣٨٣. ٤ سورة آل عمران: ١٤٦. ٥ سورة محمد: ١٣.
[ ١ / ١٧٠ ]
ثم حذفت الياء المتحركة تشبيهًا لها بسيَّد وميت؛ فصارت "كَيْءٍ" بوزن كَيْعٍ، ثم قلبت الياء ألفًا وإن كانت ساكنة، كما قبلت في ييئس فقيل: ياءس؛ فصارت كاءٍ بوزن كَاعٍ.
وذهب يونس في "كاء" إلى أنه فاعل من الكون، وهذا يبعد؛ لأنه لو كان كذلك لوجب إعرابه؛ إذ لا مانع له من الإعراب.
وأما كأْي بوزن كَعْي، فهو مقلوب كَيْء الذي هو أصل كاء، وجاز قلبه لأمرين:
أحدهما: كثرة التلعب بهذه الكلمة.
والآخر: مراجعة أصل، ألا ترى أن أصل الكلمة كأي؟ فالهمزة إذن قيل الياء. وأما كَأٍ بوزن كَعٍ فمحذوفة من كَاءٍ، وجاز حذف الألف لكثرة الاستعمال، كما قال الراجز "٣٩و":
أصبح قلبي صَرِدا لا يشتهي أن يردا
إلا عرادا عردا وصلِّيانا بردا
وعَنْكَثًا ملتبِدا١
يريد: عاردًا وباردًا. ألا ترى إلى قول أبي النجم:
كأن في الفُرْش العَرَادَ العاردا٢
وكما قالوا: أَمَ والله لقد كان كذا، يريد أَما، وحَذف الألف.
فإن قلت: فما مثال هذه الكلم من الفعل فإن كَأَيٍّ مثاله كفَعْل؛ وذلك أن الكاف زائدة، ومثال أَيٍّ فَعْل كطَيٍّ وزَيٍّ، مصدر طويت وزويت، وأصل أي أوى؛ لأنها فَعْلٌ من أويت، ووجه التقائها أن "أي" أين وقعت فهي بعض من كل، وهذا هو معنى أَوَيْتُ؛ وذلك أن معنى أويت إلى الشيء تساندت إليه، قال أبو النجم:
يأوي ألى مُلْط له وكَلْكَلِ٣
أي: يتساند هذا العير إلى ملاطيه وكلكله.
_________________
(١) ١ هو الضب فيما تزعم العرب، حين يقال له: وردا يا ضب، العراد: نبت في البادية، وكذلك الصليان والعنكث، وفي التكملة قوله: "بردا" تصحيف من القدماء فتبعهم فيه الخلف. والرواية "زردا" وهو السريع الازدراد؛ أي: الابتلاع. ذكره أبو محمد الأعرابي. وانظر: اللسان "عرد"، والخصائص: ٢/ ٣٦٤. ٢ يُروى: "القتاد" مكان "العراد". والعراد: حشيش طيب الريح. وانظر: الخصائص: ٢/ ٣٦٥. ٣ الملط: جمع ملاط؛ وهو المرفق، الكلكل: الصدر، أو هو ما بين الترقوتين، أو باطن الزور.
[ ١ / ١٧١ ]
ونحوه قول طفيل الغنوي:
وآلت إلى أجوازها وتَقَلْقَلت قلائد في أعناقها لم تُقَضَّب١
فمعنى آلت: أي رجعت، والآوي إلى الشيء: معتصم به وراجع إليه، هذا طريق الاشتقاق.
وأما القياس فكذلك أيضًا؛ وذلك أن باب أويت وطويت وشويت مما عينه واو ولامه ياء أكثر من باب حيِيت وعَيِيت مما عينه ولامه ياءان، ولو نَسبتَ إلى "أَيّ" لقلت: أَوَويّ، كما أنك لو نسبت إلى طيّ ولَيّ لقلت: طَوَوِيّ ولَوَوِيّ، وكذلك لو أضفت إلى الري لكان قياسه رَوَويّ. وأما قولهم: رازِيّ، فشاذ بمنزلة كلابِزِي وإصطخْرِزي.
وأما "كَاءٍ" فوزنه كعف وأصله "كَيَّأٍ"، ومثاله كعلَف، فحذفت الياء الثانية وهي لام الفعل، كما حذفت الثانية من ميت، فبقي كَيْء، ووزنه كَعْف، وقَلْبُ الياء ألفًا لا يخرجها أن تكون كما كانت عينًا، ألا ترى أن وزن قام في الأصل فعل لأنه قوم، ومثال قام في اللفظ فَعْل؟ فالألف عين كما كانت الواو التي الألف بدل منها عينًا، وأيًّا كان مثال "كأي" فإنه كفع؛ لأن الهمزة التي هي فاء عادت إلى مكانها من التقدم.
وأما "كَأٍ" بوزن كَعٍ فإنه كف، والعين واللام محذوفتان.
فإن قيل: لَمَّا حذفت الياء الثانية من "كَيَّأٍ" هلا رددت الواو على مذهبك؛ لأنه قد زالت الياء التي قُلبت لها العين قبلها ياء فقدرته كَوْءٍ.
قيل: لما تُلُعِّب بالكلمة تُنوسى أصلها فصارت الياء كأنها أصل في الحرف، ودعانا إلى اعتماد هذا وإن لم تظهر الياء إلى اللفظ أن الألف أُبدلت منها وهي ساكنة، وقلب الألف من الياء الساكنة أضعاف قلبها من الواو الساكنة، ألا تراهم قالوا: حاحيت٢ وعاعيت وهاهيت، وأصلها: حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلبت الياء ألفًا؟
نعم، وقلبوها مكسورًا ما قبلها ألفًا، فقالوا في الحِيرة: حَارِي، كما قالوا في المفتوح
_________________
(١) ١ رُوي: "وتمت" مكان "وآلت". الأجواز: الأوساط، لم تقضب: لم تقطع. يريد أنها لما هزلت اضطربت القلائد في أعناقها. الديوان: ٨. ٢ قال في المنصف: ٣/ ٧٧: يقال: حاحيت حيحاء وحاحاة، وهو التصويت بالغنم: إذا قلت: حاي، أنشد أبو زيد: لَمِعزى أبيك الورق أهون شوكة عليك وحيحاء بها ونعيق عاعيت: صوت مثله؛ وهو العيعاء والعاعاة، إذا قلت: عاي، هاهيت: صوت مثله؛ وهو الهيهاء والهاهاة، إذا قلت: هاي.
[ ١ / ١٧٢ ]
ما قبلها: طائي، وقالوا: ضرب عليه سَاية١، وهي فَعْلَة من سوَّيت، يُعْنى به الطريق، وأصلها سَوْيَة، فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة قبل الياء فصارت سَيّة، ثم قلبت الياء ألفًا فقيل: "ساية"، وهو أولى من أن تكون قلبت الواو من سوية ألفًا قبل القلب والإدغام، وإن أعطيت القول ثني مِقوده طال وطغى وأَمَلَّ وتمادى "٣٩ظ".
ومن ذلك قراءة قتادة: "وكَأَي من نبي قُتِّل معه ربيون كثير"٢ مشددة.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على أن مَن قرأ مِن السبعة قُتل أو قاتل معه ربيون، فإن "ربيون" مرفوع في قراءته بقُتِل أو قاتل، وليس مرفوعًا بالابتداء ولا بالظرف الذي هو معه، كقولك: مررت برجل يَقْرأُ عليه سلاح، ألا ترى أنه لا يجوز كم نبي قُتِّل بتشديد التاء على فُعِّل؟ فلا بد إذن أن يكون ربيون مرفوعًا بقتِّل، وهذا واضح.
فإن قلت: فهلا جاز فُعِّل حملًا على معنى كم؟
قيل: لو انصُرِف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن العود من بعد إلى اللفظ، وقد قال تعالى كما تراه: "معه"، ولم يقل: معهم، فافهم ذلك٣.
ومن ذلك قراءة علي وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبي رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب٤: "رُبِّيون" بضم الراء، وقرأ بفتحها ابن عباس فيما رواه قتاده عنه.
قال أبو الفتح: الضم في "رُبِّيون" تميمية، والكسر ايضًا لغة. قال يونس: الرُّبَّة: الجماعة. وكان الحسن يقول: الرِّبِّيون: العلماء الصُّبُر. قال قطرب: والجماعة أيضًا مع يونس؛ أي: فرق وجماعات.
_________________
(١) ١ في اللسان "سوا": ضرب لي ساية: أي هيأ لي كلمة سواها ليخدعني. ٢ سورة آل عمران: ١٤٦. ٣ قال أبو حيان بعدما لخص كلام ابن جني عن قراءة قتادة: وليس بظاهر؛ لأن كأين مثل كم، وأنت خبير إذا قلت: كم من عان فككته، فأفردت، راعيت لفظ كم ومعناها الجمع، وإذا قلت: كم من عان فككتهم، راعيت معنى كم لا لفظها. وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير والمراد به الجمع، فلا فرق من حيث المعنى بين فككته وفككتهم، كذلك لا فرق بين قتلوا معهم ربيون، وقتل معه ربيون. البحر المحيط: ٣/ ٧٣. ٤ هو عطاء بن السائب أبو زيد الثقفي الكوفي، أحد الأعلام، أخذ القراءة عرضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأدرك عليًّا، روى عنه شعبة بن الحجاج وأبو بكر بن عياش وجعفر بن سليمان، مات سنة ١٣٠. طبقات القراء: ١/ ٤١٣.
[ ١ / ١٧٣ ]
وكان ابن عباس يقول: الواحدة رِبْوَة، وهي عنده عشرة آلاف، وأنكرها قطرب، قال: لدخول الواو في الكلمة، وهذا لا يلزم؛ لأنه يجوز أن يكون بنَى من الرِّبوة فعِّيلًا كبطيخ، فصار رِبِّيّ، ومثله من عزوت عِزِّي، ثم جمع فقيل: رِبِّيون، وأما رَبيون بفتح الراء، فيكون الواحد منها منسوبًا إلى الرَّب، ويشهد لهذا قول الحسن: إنهم العلماء الصُّبُر، وليس ننكر أيضًا أن يكون أراد رِبيون ورُبيون، ثم غيَّر الأول لياء الإضافة كقولهم في أمس: إمسي.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَمَا وَهِنُوا"١ بكسر الهاء.
قال أبو الفتح: فيه لغتان: وهَن يهِن، ووهِن يوهَن، وقولهم في المصدر: الوهَن بفتح الهاء يُؤنِّس بكسر الهاء من "وهِن"، فيكون كفرِق فرَقًا وحذر حذرًا. وحدثنا أبو علي أن أبا زيد حكى فيه كسر الهاء في الماضي، وقولهم فيه: الوَهْن، بسكون الهاء يؤنس بفتح عين الماضي كفَتَر فَتْرُا.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن، ورُويت عن يحيى وإبراهيم: "أَمْنَةً نُعَاسًا"٢ بسكون الميم.
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أنه قال: الأَمْنة: الأمن، والأَمَنَة بفتح الميم: أشبه بمعاقبة الأمن، ونظير ذلك قولهم: الحبَطَ٣ والحبَجَ٤ والرَّمَث٥، كل ذلك في أدواء الإبل. فلما أسكنوا العين جاءوا بالهاء فقالوا: مَغِل مَغْلَة٦ وحَقِل حقلة٧، وقد أفردنا بابًا في كتاب الخصائص لنحو هذا، وهو باب في ترافع الأحكام٨.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٤٦. ٢ قراءة الجمهور: ﴿أَمَنَةً﴾ بفتح الميم. سورة آل عمران: ١٥٤. ٣ الحبط: وجع في بطن البعير من كلأ يستوبله. ٤ الحبج: انتفاخ في بطن البعير من أكل العرفج. ٥ الرَّمَث: أن تشتكي الإبل من أكل الرِّمْث -بكسر الراء وسكون الميم- وهو مرعى لها من الحمض. ٦ المغلة: داء في الحيوان من أكل البقل مع التراب. ٧ الحقلة: من أدواء الإبل، ووجع في بطن الفرس من أكل التراب. ٨ هو في الخصائص: ٢/ ١٠٨-١١٣ بلفظ: "ترافع" بالراء، وفي الأصل: "تدافع" بالدال، وهو تحريف.
[ ١ / ١٧٤ ]
ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "أَوْ كَانُوا غُزًا"١ خفيفة الزاي.
قال أبو الفتح: وجهه عندي أن يكون أراد غزاة، فحذف الهاء إخلادًا إلى قراءة من قرأ: "غُزَّى" بالتشديد، ولا يُستنكر هذا؛ فإن الحرف إذا كان فيه لغتان متقاربتان فكثيرًا ما تتجاذب هذه طرفًا من حكم هذه.
قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن٢ عن أحمد بن يحيى لبلال بن جرير:
إذا خفتهم أو سآيلتهم وجدتَ بهم علة حاضره٣
وذلك أنه يقال: سألته عن حاله وسايلته على البدل، فلما ألف استماعهما تجاذبتا لفظه فجمع بينهما "٤٠و" فيه لتداخلهما وتزاحم حروفهما، وقد حُذفت تاء التأنيث في أماكن قد ذكرناها: ناحٍ في ناحية، ومألُك في مألُكة. وأنشد ابن الأعرابي للعتابي يمدح الكسائي:
أبَى الذمَّ أخلاق الكسائي وانتحى به المجد أخلاق الأُبُو السوابق٤
يريد: الأبوة جمع أب، كالعمومة جمع عم، والْخُئولة جمع خال، وهذا عندي أمثل من أن يكون خرَّج "أُبُوًّا" على أصله من الصحة، وأن يكون من باب نَحْو ونُحوّ، وبَهْو وبُهُو للصدر، ونجو ونجو للسحاب، وعلى أنه قد يمكن أن تكون الهاء مرادة في جميع ذلك، وقد قالوا أيضًا: ابن وبُنُوّ، والقول فيهما سواء.
ووجه آخر؛ وهو أن يكون مخففًا من "غُزًّى"، ونظيره قراءة علي ﵇: "وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَابًا"٥، وبابه "كذَّابًا" كقراءة الجماعة. وقد يجوز أن يكون "كِذَابًا" مصدر كذَب الخفيفة، جرى على الثقيلة لدلالة الفعل على صاحبه، والقول الأول أقوى.
ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه عنه عمرو: "وشاوِرْهُمْ في بَعْض الأمر"٦.
_________________
(١) ١ قراءة الجمهور: ﴿غُزًّى﴾ بتشديد الزاي. سورة آل عمران: ١٥٦. ٢ هو محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن عبيد الله بن مقسم أبو بكر العطار المقرئ النحوي عالم بالعربية، حافظ للغة، حسن التصنيف، مشهور بالضبط والإتقان؛ إلا أنه سلك مسلك ابن شنبوذ، فاختار حروفًا خالف فيها أئمة العامة، ولد سنة ٢٦٥، وتوفي سنة ٣٥٥، وقيل: سنة ٣٥٤. بغية الوعاة: ٣٦. ٣ انظر: الخصائص: ٣/ ١٤٦، ٢٨٠. ٤ انظر: البحر المحيط: ٣/ ٩٣. ٥ سورة النبأ: ٢٨، وبالتخفيف يقرأ الكسائي. إتحاف فضلاء البشر: ٢٦٦. ٦ سورة آل عمران: ١٥٩.
[ ١ / ١٧٥ ]
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على أنك إذا قلت: شربت ماءك -وإنما شربت بعضه- كنت صادقًا، وكذلك إذا قلت: أكلت طعامك، وإنما أكلت بعضه.
ووجه الدلالة منه قراءة الباقين: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ والمعنى واحد في القراءتين، ونحن أيضًا نعلم أن الله سبحانه لم يأمر النبي -ﷺ- بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في جميعه؛ كشرب الماء، وتناول الغذاء؛ وإنما المراد به العاني من أمر الشريعة وما أُرسل ﵇ له، ومع هذا فقد قال سيبويه في باب الاستقامة والاستحالة من الكلام١: فأما المستقيم الكذب فهو قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر ونحوه، فجعْلُه إياه كذبًا يدلك على أن مراده هنا بقوله: ماء البحر جميعه؛ لأنه لا يجوز أن يشرب جميع مائه، فأما على العرف في ذلك على ما مضى فلا يكون كذبًا.
ومن ذلك قراءة جابر بن يزيد وأبي نهيك وعكرمة وجعفر بن محمد: "فإذا عَزَمْتُ"٢ بضم التاء.
قال أبو الفتح: تأويله عندي -والله أعلم- فإذا أَريتُك أمرًا فاعمل به وصِرْ إليه. وشاهده قول الله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٣، وهذا ليس من رؤية العين؛ لأنه لا مدخل له في الأحكام، ولا من العلم؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين. فإذا نقل بالهمزة وجب أن يتعدى إلى ثلاثة، والذي معنا في هذا الفعل إنما هو مفعولان؛ أحدهما: الكاف، والآخر: الهاء المحذوفة العائدة على "ما"؛ أي: بما أراكه الله. فثبت بذلك أنه من الرأي الذي هو الاعتقاد، كقولك: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة ورأي مالك، ونحو ذلك؛ فرأيتُ هذه إذن قسم ثالث ليست من رؤية العين ولا من يقين القلب.
وجاز أن يَنْسب سبحانه العزم إليه؛ إذ كان بهدايته وإرشاده، فهو كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤، وقد جاء فيه ما هو أقوى معنى من هذا؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٥، فخرج اللفظ فيه نافيًا أوله ما أثبته آخره، والغرض فيه
_________________
(١) ١ عنوان الباب كما في الكتاب ١/ ٨: باب الاستقامة من الكلام والإحالة، وعبارته هناك: وأما المستقيم الكذب فقولك ٢ سورة آل عمران: ١٥٩. ٣ سورة النساء: ١٠٥. ٤ سورة آل عمران: ١٢٨. ٥ سورة الأنفال: ١٧.
[ ١ / ١٧٦ ]
ما قدمناه من أن الرمي لما كان بإقداره ومشيئته صار كأنه هو الفاعل له "٤٠ظ" وهو كثير، منه قول الإنسان لمن ينتسب إليه: إنما أَرى بعينك وأسمع بأذنك والفعل منك؛ وإنما أنا آلة لك، ومن عَرف طريق القوم في اللغة سقطعت عنه مئونات التعسف والشُّبَه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وعطاء: "يُخَوِّفُكُمْ أَوْلياءَه"١.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على إرادة المفعول في يخوف وحذفه في قراءة أكثر الناس: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ . وليس هذا كقولنا: فلان يُخوِّف غلامه ويخوف جاريته مِن ضربه إياهما وإساءته إليهما. فالمحذوف هنا هو المفعول الثاني، وهو في الآية المفعول الأول على ما قدمنا.
ومن ذلك قراءة الحر النحوي٢: "يُسْرِعون"٣ في كل القرآن.
قال أبو الفتح: معنى "يسارعون" في قراءة العامة: أي يسابقون غيرهم، فهو أسرع لهم وأظهر خفوفًا بهم، وأما "يسرعون" فأضعف معنى في السرعة من يسارعون؛ لأن مَن سابق غيره أحرص على التقدم ممن آثر الخفوف وحده، وأما سَرُع فعادة ونحيزة؛ أي: صار سريعًا في نفسه.
وفعَل من لفظ فَاعلتُ ضربان: متعد، وغير متعد؛ فالمعتدي كضربت زيدًا وضاربته، وغير المتعدي كقمت وقاومت زيدًا. وأما أسرع وسَرُع جميعًا فغير متعديين؛ لكن سَرُع غريزة، وأسرع كلَّف نفسه السرعة؛ لكن سارع متعد٤.
ومن ذلك ما رواه رَوْح٥ عن أحمد عن عيسى أنه كان يقرأ: "بقُرُبان"٦ بضم الراء.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٧٥. ٢ هو الحر بن عبد الرحمن النحوي القارئ، سمع أبا الأسود الدؤلي، وعنه طلب إعراب القرآن أربعين سنة. بغية الوعاة: ١٧٦. ٣ سورة آل عمران: ١٧٦. ٤ أي: لأن المراد به المشاركة كما يفهم من تفسيره "يسارعون"، وليس المراد به معنى أفعل. ٥ هو روح بن عبد المؤمن أبو الحسن الهذلي مولاهم البصري النحوي، مقرئ جليل ثقة ضابط مشهور، عرض على يعقوب الحضرمي، وهو من جلة أصحابة، وروى الحروف عن أحمد بن موسى وغيره، مات سنة ٢٣٤ أو سنة ٢٣٥. طبقات القراء: ١/ ٢٨٥. ٦ في الآية ١٨٣ من سورة آل عمران.
[ ١ / ١٧٧ ]
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أصله "قُرْبان" ساكنة الراء والضمة فيها إتباع؛ لتعذر فُعُلان في الكلام. وحكى صاحب الكتاب منه السُّلُطان، وذهب إلى أن ضمة اللام إتباع كضمة الراء من القُرُفْصاء١؛ وإنما هي القُرْفُصاء بسكون الراء. ومثله من الإتباع ما حكاه من قولهم: مُنْتُن بضم التاء، وهو مُنْحَدُر٢ من الجبل؛ أي: منحدر. وحكى أيضًا: أجُوءُك وأُنْبُؤُك. فأما العَرَقُصان٣ والعَرَتُن٤ فليس إتباعًا؛ لكنه يراد به العريْقُصان بالياء والعَرَنْقُصان يقال أيضًا، فحذفت الياء والنون، وكذلك العرَتُن إنما هو العَرَنْتُن، فحذفت النون. وكذلك العَبَقُر٥ أصله العَبَيْقُر، فحذفت الياء، فهذا طريق حذف وليس طريق إتباع.
_________________
(١) ١ ضبطت بالقلم في القاموس واللسان والخصائص ٢/ ١٤٣ بسكون الفاء، وضبطت في الأصل بضمها، وهو تحريف. ٢ كذا ضبطه بالأصل، ومثله في اللسان "حدر" وبعده: أتبعوا الضمة الضمة، وضبطه في الخصائص ٢/ ١٤٣ بضم الحاء أيضًا، ولم يذكره في التصويب. ٣ نبات جمته وافره متكاثفة. ٤ شجر يدبغ به. ٥ اسم موضع.
[ ١ / ١٧٨ ]