بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة ابن عباس -بخلاف- وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن الأعمش: "أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ١"، بغير ألف.
وقرأ علي "﵇" وأبو عبد الرحمن السلمي: "أَوْ أَثَرَةٍ"، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: الأثرة والأثارة التي تقرأ٢ بها العامة: البقية، وما يؤثر. وهي من قولهم: أثر الحديث يأثره أثرا وأثرة. ويقولون: هل عندك من هذا أثرة وأثارة، أي: أثر. ومنه سيف مأثور، أي: عليه أثر الصنعة، وطرائق العمل.
وأما "الأثرة٣"، ساكنة الثاء فهي أبلغ معنى؛ وذلك أنها الفعلة الواحدة من هذا الأصل، فهي كقولك: ائتوني بخبر واحد، أو حكاية شاذة، أي: قد قنعت في الاحتجاج لكم بهذا القدر، على قلته، وإفراد عدده.
ومن ذلك قراءة عكرمة وابن أبي عبلة وأبي حيوة: "بِدْعًا مِنَ الرُّسُل".
قال أبو الفتح: هو على [١٤٧و] حذف المضاف، أي: ما كنت صاحب بدع، ولا معروفة مني البدع. قال:
وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب٤
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ٤. ٢ في ك: تقرؤها. ٣ ضبطت في الأصل مضمومة الهمزة، وهو تحريف كما لا يخفي. ٤ للنابغة الجعدي، وقبله: وبعض الأخلاء عند البلا ء والرزء أروغ من ثعلب والخلالة مثلثة: الصداقة. وجعل الأعلم "أبا مرحب" رجلا "الكتاب: ١: ١٠"، وفسره اللسان "رحب" بالظل. وانظر الأمالي: ١: ١٩٥، والسمط: ٤٦٥.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
أي كخلالة أبي مرحب. وما أكثر هذا المضاف في القرآن، وفصيح الكلام.
ومن ذلك قراءة علي وأبي عبد الرحمن السلمي: "بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا١".
قال أبو الفتح: تحتمل اللغة أن تكون حسنا هنا مصدرا، كالمصادر التي اعتقب عليها الفعل والفعل، نحو الشغل والشغل، والبخل والبخل، وهو واضح.
وتحتمل أن يكون "الحسن" هنا اسما صفة لا مصدرا، لكنه رسيل٢ القبيح كقولنا: الحسن من الله، والقبيح من الشيطان، أي: وصيناه بوالديه فعلا حسنا، ونصبه وصيناه به؛ لأنه يفيد مفاد ألزمنا الحسن في أبويه. وإن شئت قلت: هو منصوب بفعل غير هذا، لا بنفس هذا؛ فيكون منصوبا بنفس ألزمناه، لا بنفس وصيناه؛ لأنه في معناه.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ٣".
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم حذف القول؛ لدلالة ما يليه عليه، كقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ ٤﴾، أي: يقولون: سلام عليكم، وكذلك هذه القراءة، مفسرة لقراءة الجماعة: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه﴾، لو لم تأت قراءة عبد الله هذه لما كان المعنى إلا عليها، فكيف وقد جاءت ناصرة لتفسيرها؟
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء والججدري وقتادة وعمرو بن ميمون والسلمي ومالك ابن دينار والأعمش وابن أبي إسحاق، واختلف عن الكل إلا أبا رجاء ومالك بن دينار: "لا تَرَى"، بالتاء مضمومة، "إِلَّا مَسَاكِنُهُم٥"، بالرفع.
وقرأ الأعمش: "إِلَّا مَسَاكِنُهُم"، وكذلك يروى عن الثقفي ونصر بن عاصم.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ١٥. ٢ يريد برسيلة أنه يقابله ويقرن إليه. ٣ سورة الأحقاف: ٢٤. ٤ سورة الرعد: ٢٣، ٢٤. ٥ سورة الأحقاف: ٢٥.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال أبو الفتح: أما "ترى"، بالتاء ورفع "المساكن" فضعيف في العريبة، والشعر أولى بجوازه من القرأن؛ وذلك أنه من مواضع العموم في التذكير، فكأنه في المعنى لا يرى شيء إلا مساكنهم. وإذا كان المعنى هذا كان التذكير لإراته هو الكلام.
فأما "ترى" فإنه على معاملة الظاهر، والمساكن مؤنثة، فأنث على ذلك. وإنما الصواب ما ضرب إلا هند، ولسنا نريد بقولنا: أنه على إضمار أحد وإن هند بدل من أحد المقدر هنا، وإنما نريد أن المعنى هذا؛ فلذلك قدمنا أمر التذكير. وعلى التأنيث قال ذو الرمة:
يرى النحز والأجرال ما في غروضها فما بقيت إلا صدور الجراشع١
وهو ضعيف، على ما مضى.
وأما "مسكنهم" فإن شئت قلت: واحد كنى من جماعته، وإن شئت جعلته مصدرا وقدرت حذف المضاف، أي: لا ترى إلا آثار مسكنهم. فلما كان مصدرا لم يلق لفظ. الجمعية به كما قال ذو الرمة:
تقول عجوز مدرجي متروحا على بابها من عند أهلي وما ليا٢
فالمدرج هنا [١٤٧ظ] مصدر، ألا تراه قد نصب الحال؟ ولو كان مكانا لما عمل، كما أن المغار من قوله:
وما هي إلا في إزار وعلقة مغارا بن همام على حي خثعما٣
مصدر أيضا: ألا تراه قد علق به حرف الجر؟ وهذا واضح. وحسن أيضا أن يريد "بمسكنهم" هنا الجماعة، وإن كان قد جاء بلفظ الواحد؛ وذلك أنه موضع تقليل لهم وذكر العفاء عليهم، فلاق بالموضع ذكر الواحد؛ لقلته عن الجماعة، كما أن قوله "سبحانه":
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٠٧ من هذا الجزء. ٢ روى "بيت" مكان "عند" و"غاديا" مكان "ماليا". وانظر الديوان: ٦٥٣، وأمالي الزجاجي: ٨٩. ٣ ينسب إلى حميد بن ثور، وليس في ديوانه، وذكر في المستدرك. وينسب إلى الطماح بن عامر بن الأعلم بن خويلد العقيل، شاعر مجيد. والعقلة بالكسر: ثوب قصير بلا كمين تلبسه الصبية تلعب فيه. يصف امرأة كانت صغيرة تلبس العلقة حين أغار ابن همام على خثعم، وهي قبيلة من اليمن. انظر الكتاب: ١: ١٢٠، والخصائص: ٢: ٢٠٨.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ١﴾، أي: أطفالا. وحسن لفظ الواحد هنا؛ لأ، هـ موضع تصغير لشأن الإنسان، وتحقير لأمره، فلاق به ذكر الواحد لذلك، لقلته عن الجماعة، ولأن معناه أيضا تخرج كل واحد منكم طفلا، وقد ذكرنا نحو هذا٢. وهذا مما إذا سئل الناس عنه قالوا: وضع الواحد موضع الجماعة اتساعا في اللغة، وأنسوا حفظ المعنى ومقابلة اللفظ به؛ لتقوى دلالته عليه، وتنضم بالشبه إليه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة٣ وحنظلة بن النعمان بن مرة: "إِفْكِهِم٤"، بفتح الألف، والفاء، والكاف.
وقرأ: "وَذَلِكَ إِفْكُهُم"، بالمد، وفتح الفاء مخخفة - عبد الله بن الزبير.
وقرأ: "إِفْكُهُم"، مشددة الفاء - أبو عياض، بخلاف.
وقراءة الناس: "وَذَلِكَ إِفْكُهُم"، فذلك أربعة أوجه.
قال أبو الفتح أما "إِفْكُهُم" فصرفهم، وثناهم. قال:
إن تك عن أحسن المروءة ومأ فوكا ففي آخرين قد أفكوا٥
وهو صرف بالباطل، وأرض مأفوكة، أي: مقلوبة التراب.
وأما "إِفْكُهُم" فيجوز أن يكون أفعلهم، أي: أصارهم إلى الإفك، أو وجدهم كذلك، كما تقول: أحمدت الرجل: وجدته محمودا.
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٥. ٢ انظر الصفحة ٨٧ من هذ الجزء. ٣ هو عكرمة مولى بن عباس أبو عبد الله المفسر، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، روى عن مولاه وأبي هريرة وعبد الله بن عمر. وقد تكلم فيه لرأيه لا لروايته، فإنه أتهم بأنه كان يرى رأي الخوارج وعرض عليه علباء بن أحمد وأبو عمرو بن العلاء. وروى عنه أيوب وخالد وخلق. مات سنة ١٠٥ وقيل نحو ذلك طبقات ابن الجزري: ١: ٥١٥. ٤ سورة الأحقاف: ٢٨. ٥ لعروة بن أذينة، وفي اللسان "أفك": لعمرو بن أذنية، وهو تحريف. ويروى "أفضل" مكان أحسن، و"الصنيعة" و"الخليفة" مكان "المروءة". يريد أن لم توفق للأحسن فأنت في قوم قد صرفوا عنه أيضا. انظر مقاييس اللغة: ١: ١١٨، والصحاح، والتاج، والأساس: "أفك".
[ ٢ / ٢٦٧ ]
ويجوز أن يكون أفعل على معنى فعل، كصد وأصد، وقد مضى ذكره.
ويجوز أن يكون "آفْكُهُم" فاعلهم كغالطهم وخادعهم.
وأما "أفْكُهُم" ففعلهم؛ وذلك لتكثير ذلك١ الفعل بهم، وتكرره منه عليهم.
وحكى الفراء فيها قراءة أخرى، وهي: "وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ"، وقال فيه: إلإفك والأفك، الحذر والحذر. ومن جهة أحمد بن يحيى:
مالي أراك عاجزا أفيكا أكلت جديا وأكلت ديكا
تعجز أن تأخذ ما أريكا٢
الأفيك: المصروف عن وجهه وحيلته. وروينا عن قطرب أن ابن عباس قرأ: "وَذَلِكَ آفْكُهُمْ"، بمعنى صارفهم، فذلك ست قراآت.
ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفي: "مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌا٣".
قال أبو الفتح: هو على فعل مضمر، أي: بلغوا أو بلغو بلاغا، كما أن من رفع فقال: "بلاغ" فإنما رفع على أضمار المبتدأ، أي: ذلك بلاغ، أو هذا بلاغ.
قال أبو حاتم: قرأ: "بلغ"، على الأمر أبو - مجلز وأبو سراج الهذلي.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فَهَلْ يُهْلَك٤".
قال هارون: وبعض الناس يقول: "فَهَلْ يُهْلَك".
وقرأ الناس: "يُهْلَك".
قال أبو الفتح: "أما يهلك"، بكسر اللام فواضحة، وهي المعروفة.
وأما "يهلك" بفتح الياء واللام جميعا فشاذة، ومرغوب عنها؛ لأن الماضي هلك، فعل مفتوحة [١٤٨و] العين، ولا يأتي يفعل، بفعل العين فيهما جميعا إلا الشاذ. وإنما هو أيضا
_________________
(١) ١ في ك: هذا. ٢ اقتصر في اللسان على الشطر الأول. ٣ سورة الأحقاف: ٣٥. ٤ سورة الأحقاف: ٣٥.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
لغات تداخلت، ولكنه يأتي مع حروف الحلق إذا كانت١ عينا أو لاما، نحو قرأ يقرأ، وسأل يسأل. وليس لك أن تحمل هلك يهلك على أبى يأبى، وتحتج بأن أول هلك حرف حلق كأبى، لأن آخر أبى ألف، والألف قريبة المخرج من الهمزة، وإن كانت في أبى منقلبة.
ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: "وَلَمْ يَعْي٢"، بكسر العين، وسكون الياء.
قال أبو الفتح: هذا مذهب ترغب٣ العرب عنه، وهو إعلال عين الفعل وتصحيح لامه، وإنما جاء ذلك في شيء من الأسماء، وهو غاية، وآية، وثاية٤، وطاية٥. وقياسها٦ غياة، وأياة، وطياة، وثياة، أو ثواة. ولم يأت هذا في الفعل إلا في بيت شاذ. أنشده الفراء، وهو قول الشاعر:
وكأنها بنين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فتعي٧
فأعل العين، وصحح اللام، ورفع ما لم ترفعه العرب. وإنما تعله، نحو يرمي ويقضي. وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أجراه مجرى لم يبع، فحذف العين؛ لسكونها، وسكون الياء الثانية. ووزن لم يعي لم يفل مثل لم يبع، والعين محذوفة لالتقاء الساكنين.
_________________
(١) ١ في النسختين: كان. ٢ من قوله تعالى في سورة الأحقاف: ٣٣: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ..﴾ . ٣ في ك: نزعت. ٤ الثاية: مأوى الإبل، عازبة، أو خول البيت. ٥ الطاية: السطح، ومربد التمر. ٦ لأن المعتل العين واللام تعل لامه، وتجري عينه مجرى الصحيح. وانظر الهمع: ١: ٥٤. ٧ السبيكة: قطعة مستطيلة من الفضة.
[ ٢ / ٢٦٩ ]