بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة أبي جعفر: "ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"١ بضم الهاء.
قال أبو الفتح: هذا مذهب ضعيف جدًّا؛ وذلك أن الملائكة مجرورة، ولا يجوز أن يكون حذَف همزة "اسجدوا" وألقى حركتها على الهاء من موضعين:
أحدهما: أن هذا التخفيف إنما هو في الوصل، والوصل يحذف هذه الهمزة أصلًا إذ كانت همزة وصل، فيا ليت شعري من أين له همزة أصلًا في الوصل حتي يُلقي حركتها للتخفيف على ما قبلها، وليست كذلك الهمزات التي تُلقى للتخفيف حركاتهن على ما قبلهن؛ لأن لك أن تثبت هذه الهمزة قبل حذفها للتخفيف؟ ألا تراك أنك إذا خففت همزة أنت من قولك: مَن أنت جاز منَ انت؛ لأن لك أن تحققها قبل التخفيف فتقول: من أنت؟ وليس لك أن تثبت همزة "اسجدوا" في الوصل فتقول: للملائكة أُسجدوا، فيجوز تخفيفها فيما بعد.
وهذا واضح، وهو أذهب في الفحش من قول الفراء: مَنْ فتح "ميم" من قوله تعالى: "ألف لام ميم الله"٢، إنه حذف همزة "الله" وألقى حركتها على ميمِ "ميمَ"؛ لأن له أن يقول: إن الهجاء عندنا على الوقف، فإذا وصل فإنه مع ذلك ينوِي الوقف، والوقف يجوز معه قطع همزة "الله"، وليس كذلك "ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ لأنه ليس من حروف الهجاء فيُنوَى فيه الوقف عليه ثم تخفيف همزته، وعلى أن مذهب الفراء هناك أيضًا مدفوع عندنا لأنه لا يُخَفَّفُ إلا في الوصل، والوصل يُسقط همزة اسم الله تعالى، فالطريق في الفساد واحدة وإن كان فيه في قول الفراء ذلك القدر من تلك الشبهة الضعيفة.
فإن قال الفراء: قولهم: "نون وَالْقَلَمِ"٣ بترك إدغام النون في الواو يدل أن نية الوقف
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١١. ٢ سورة آل عمران: ١، ٢. ٣ سورة القلم: ١.
[ ١ / ٢٤٠ ]
في هذه الحروف مع الوصل موجودة؛ إذ لو كانت موصولة ألبتة لوجب الإدغام، وأن يقال: "٥٧ظ" "نووّالقلم"، كما تدغم النون في الواو من قوله ﷿: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١.
قيل له: ولو كانت في وصلها على حكم الوقف ألبتة عليها لوجب إظهار النون فقيل: "نونْ والقلم" بإظهار النون؛ لقولك في الوقف: "نون" بإظهار النون، فترْك إظهار النون من قوله تعالى: "نون والقلم" يدل على نية الوصل، وإنما لم يكن هناك إدغام لعمري تعقبًا لما كان عليه من الوقف، وإلا فهو موصول لا محالة، وإذا كان موصولًا وجب حذف الهمزة أصلًا، وإذا حذفت أصلًا لم تجد هناك لفظًا تحقِّقه أو تخففه.
ويؤكد ذلك عندك قراءتهم "كاف ها يا عين صاد" بإخفاء النون من عين عند الصاد، كما تُخفى في الوصل إذا قلت: عجبت من صالح، ونحو ذلك.
فقد ترى إلى جريان هذا مع أنه حرف هجاء كجريانه في حال وصله نون عين وسين قاف من قوله: عين سين قاف، فأُخفيت النون من عين عند السين، والنون من سين عند القاف، كما تُخفيان في: عين سالم، ومن قاسم.
ويؤكد أيضًا عندك إدغام الدال من صاد في الذال من "ذِكْر" في قوله: "عين صاد ذِكْرُ رحمةِ ربِّك"٢، كإدغامها فيها في غير الهجاء، كقولك: تعهد ذلك الباب.
وهذا ينبهك على أن ترك إدغام النون من قوله: "نون والقلم" إنما هو لئلا يجتمع هناك ثلاث واوات، فثقل عليهم أن يقولوا: "نووَّالقلم"، ولو كان لنية الوقف ألبتة لظهرت الدال من "صاد ذكر رحمة ربك"، هذا أعلى القراءة وإن كان بعضهم قد أظهرها، إلا أن الإدغام أقوى رواية وقياسًا، فهذا أحد وجهي قبح قراءة أبي جعفر: "ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا لِآدَمَ".
والآخر: أن التخفيف في نحو هذا إنما يكون إذا كان الحرف الأول قبل الهمزة ساكنًا صحيحًا نحو: "قد أفلح"٣، فإذا خففت الهمزة ألقيت حركتها على الساكن قبلها فقَبِلَها لسكونه، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، فقلت: "قَدَ فْلَحَ"، وكذلك: مَن أبوك إذا خففته قلت: مَنَ بُوك؟
فأما إذا كان قبل الهمزة حرف متحرك وأردت تخفيفها فإنك لا تلقى حركة الهمزة عليه، ألا تراك لا تقول: فلان يضربَ خَاه، تريد: يضربُ أَخاه؟ لأن باء يضرب متحركة، فما
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ٨، وفي الأصل: ما له، وهو تحريف. ٢ سورة مريم: ١، ٢. ٣ سورة المؤمنون: ١.
[ ١ / ٢٤١ ]
فيها من حركتها لا يسوِّغُ نقل حركة أخرى إليها عوضًا من حركتها؛ ولذلك ضعفت عندنا قراءة الكسائي: "بما أُنْزِلَّيْك"١؛ لأن اللام من أُنزل مفتوحة، فلا ينقل عليها كسرة همزة إليك ثم يلتقي المثلان متحركين، فيسكن الأول منهما، ويدغم في الثاني كما جُعل ذلك في قوله: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ٢؛ إذ كانت النون من لكن ساكنة فساغت٣ حذف همزة أناء وإلقاء حركتها على النون قبلها، فصارت "لكنَنَا"، فكُره التقاء المثلين متحركين، فأُسكن الأول منهما وأُدغم في الثاني، فصار لكنَّا كما ترى.
وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع من كلامنا مصنفًا وغير مصنَّف.
فإن قلت: فما تصنع بما أخبركم به أبو علي عن أبي عبيدة من قول بعضهم: دعه في حِرُمِّه -بضم الراء- وهو يريد: في حرأُمه؟ ألا ترى كيف أَلقى حركة همزة "أم" على الراء وقد كانت "٥٨و" مكسورة ثم حذف الهمزة، وإلى ما حكاه أحمد بن يحيى من قول أبي السرار في خبر ذكره عند سعيد بن سليم وابنُ الأعرابي حاضرٌ من قول امرأة رأت أبا السرار عند بناتها، فأنكرته: أفي السَّوَتَنْتُنَّه؟ وهي تريد: أفي السَّوْءةِ أَنْتُنَّه؟ فحذفت همزة "أنتنه" وألقت حركتها على تاء "السوءة" وهي مكسورة.
قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يقاس على ضعفه، فضلًا عنه على قلته.
وأيضًا، فإنه حذف همزة ثابتة موجودة في الوصل، وليست كذلك همزة "اسجدوا"؛ لأنها بلا خلاف معدومة في الوصل أصلًا، وما هو معدوم في اللفظ لا يعْرِض فيه تخفيف ولا تحقيق.
فإن توهَّم متوهم أنه يرى قطع همزة "اسجدوا" على ضعف ذلك، ثم فعل من بعد نحوًا من حكاية أبي عبيدة: دعه في حِرُمِّه، فإن هذا أفحش، من حيث كانت همزة "اسجدوا" مما لا يجوز في القرآن قطعه أصلًا؛ لخبث ذلك في الشعر فضلًا عن التنزيل، وما يجب فيه من تخير أفصح اللغات له.
ويزيد في قبح ذلك أنه إن نوى قطع همزة "اسجدوا" فإنما ذلك للوقف قبلها، والوقف هنا قبلها لا يجوز من حيث كان قوله: "اسْجُدُوا لِآدَمَ" معمولَ قوله: "قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ"، ولا يحسن الوقف على الناصب دون منصوبه؛ بل لا يجوز الوقف على العامل دون معموله؛ لاتصاله به، وكونه في بعض الأماكن كالجزء من العامل فيه، نحو: لا رجل في الدار، ومررت بي، والمال لي
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٦٨. ٢ سورة الكهف: ٣٨. ٣ انظر الصفحة ٢٣٧ من هذا الجزء.
[ ١ / ٢٤٢ ]
فيمن أسكن الياء، فهذا كله وما تركناه من نحوه يشهد بفساد قراءة أبي جعفر: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا".
ومن ذلك قراءة الزهري: "مَذُومًا مَدْحُورًا"١.
قال أبو الفتح: هذا على تخفيف الهمزة من "مَذْءومًا"، كقولك في مسئول: مسول.
فإن قلت: أفيكون مِن ذِمتُه أَذيمة؟ قيل: لو كان منه لكان مَذِيمًا كمبيع ومكيل.
فإن قيل: فقد حكى الفراء: هذا بُرّمَكُول، ورجل مسورٌ به، وقد قالوا في مهيب: مَهوب.
قيل: هذا من الشذوذ في منزلة القُصْيا، فلا يحسن الحمل عليه؛ وإنما ذكرناه لئلا يورده من يضعف نظره وهو يظنه طائلًا، فلا تحفل به.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة والزهري: "سَوَّاتِهما"٢ بتشديد الواو.
قال أبو الفتح: حكى سيبويه ذلك لغة قليلة، والوجه في تخفيف نحو ذلك أن تحذف الهمزة وتلقى حركتها على الواو قبلها، فتقول في تخفيف نحو السوءة: السَّوَة، وفي تخفيف الجيئة: الجيَة، ومنهم من يقول: السَّوَّة والْجَيَّة، وهو أدون اللغتين وأضعفهما، ومنهم من يقول في المنفصل من أوْ أَنت: أوَّنت، وفي أبو أيوب: أَبوَّيُّوب، وهو في المنفصل أسهل منه في المتصل؛ لما يوهم "سَوَّة" أنه من مضاعف الواو، نحو: القُوَّة والْحُوَّة.
وقرأ: "سوْءَتِهما"٣ واحدة مجاهد.
ووجه ذلك أن السوءَة في الأصل فَعْلَة من ساء يسوء، كالضربة والقتلة، فأَتاها التوحيد من قِبَلِ المصدرية التي فيها.
فإن قلت: إن الفَعْلَة واحدة من جنسها، والواحد مُعرَّض للتثنية والجمع.
قيل: قد يوضع الواحد موضع الجماعة، وقد مضى ذلك مشروحًا. "٥٨ظ"
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٨. ٢ سورة الأعراف: ٢٠. ٣ قال في البحر ٤/ ٢٧٩: وقرأ مجاهد والحسن: "من سوتهما" بالإفراد وتسهيل الهمزة؛ بإبدالها واوًا وإدغام الواو فيها.
[ ١ / ٢٤٣ ]
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "من هذِي الشجرة"١.
قال أبو الفتح: هذا هو الأصل في هذه الكلمة، وإنما الهاء في "ذه" بدل من الياء في "ذي"، يدل على الياء الأصل قولهم في المذكر: "ذا"، فالألف في ذا بدل من الياء في ذي، وأصل ذا عندنا ذَيّ، وهو من مضاعف الياء مثل: حي، فحذفت الياء الثانية التي هي لام تخفيفًا فبقي ذَيْ. قال لي أبو علي: فكرهوا أن يشبه آخره آخر كي وأي، وأبدلوها ألف كما أبدلت في باءَس ويايَس٢.
ويدل على أن أصل ذا ذَيّ وأنه ثلاثي جواز تحقيره في قولك: ذَيَّا، ولو كان ثنائيًّا لما جاز تحقيره كما لا تحقر "ما"، "ومَن" لذلك. وقد شرحت هذا الموضع في كتابي الموسوم بالمنصف بما يمنع من الإطالة بذكره هنا.
فأما الياء اللاحقة بعد الهاء في "هذهِي سبيلي"٣ ونحوه فزائدة، لحقت بعد الهاء تشبيهًا لها بهاء الإضمار في نحو: مررت بهِي، ووجه الشبه بينهما أن كل واحد من الاسمين معرفة مبهمة لا يجوز تنكيره، وإذا وَقَفْتَ قلت: هذهْ، فأسكنت الهاء، ومنهم من يدعها على سكونها في الوصل كما يسكِّنها عند الوقف عليها، كما أن منهم من يسكن الهاء المضمرة إذا وصلها فيقول: مررت بِهْ أَمس، وذكر أبو الحسن أنها لغة لأزْد السراة، وأنشد هو وغيره:
فظَلْت لدى البيت العتيق أُخليه ومِطْواي مشتاقان لهْ أَرِقان٤
وروينا عن قطرب قول الآخر:
وأَشربُ الماء ما بي نحوَه عَطَشٌ إلا لأَنَّ عيونَهْ سَيْلُ وادِيها٥
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٩. ٢ قال في المنصف ٣/ ٣٥: يقال: يئس ييئس وييئس وياءس يأسًا فهو يائس وأيس يايس، فهو آيس. ٣ سورة يوسف: ١٠٨. ٤ ليعلى الأحول الأزدي، ورُوي: "الحرام" مكان "العتيق"، و"أشيمه وأريفه" مكان "أخيله". ورُوي الشطر الآخر: "ومطواي من شوق له أرقان". وضمير أخيله وله للبرق في بيت قبله. أخليه: من أخيلت السحابة إذا رأيتها مخيلة للمطر بضم الميم؛ أي: تخيل من رآها أنها ماطرة، مطواي: صاحباي. الخزانة: ٢/ ٤٠١، والخصائص: ١/ ١٢٨ والمنصف: ٣/ ٨٤. ٥ بهامش الأصل: "في الأصل: ويشرب". وانظر: الخزانة: ٢/ ٤٠٢، والضرائر للألوسي: ٨٣.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ومن ذلك قراءة الزهري: "يُخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا" من أَخْصَفْت، و"يَخِصفان" الحسن بخلاف، وقرأ "يُخَصِّفَان"١ ابن بريدة والحسن والزهري والأعرج، واختلف عنهم كلهم.
قال أبو الفتح: مألوف اللغة ومستعملها خَصَفت الورق ونحوه، وما أخصفت فكأنها منقولة من خصفت؛ كأنه -والله أعلم- يُخْصِفان أنفسهما وأجسامهما من ورق الجنة، ثم حذف المفعول على عادة حذفه في كثير من المواضع، أنشد أبو علي للحطيئة:
منعَّمةٌ تصون إليك منها كصونك من رداءٍ شرْعبيِّ٢
أي: تصون الحديث ونخزنه.
وأما قراءة الحسن: "يَخِصِّفَان"، فإنه أراد بها يختصفان يفتعلان من خصفت، كقولهم: قرأت الكتاب واقترأته، وسمعت الحديث واسمتعته؛ فآثر إدغام التاء في الصاد فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين؛ فصارت "يَخِصِّفان".
وأما من قرأها "يَخَصِّفان"٣، فإنه أراد أيضًا إدغام التاء في الصاد فأسكنها على العبرة في ذلك، ثم نقل الفتحة إلى الخاء؛ فصار "يَخَصِّفان".
ويجوز "يِخِصِّفَّانِ" بكسر الياء فيمن كسر الخاء إتباعًا، كما قال أبو النجم:
تَدافُعَ الشِّيبِ ولم تِقِتِّل٤
أراد: تَقْتَتِل على ما ذكرت لك. ونحو من ذلك القراءة: يَهَدِّي ويَهِدِّي ويِهِدِّي٥، وأصله كله يَهتدي "٥٩و" على ما مضى.
وأما من قرأ: "يُخَصِّفَان" وهو ابن بريدة والحسن أيضًا والأعرج، واختلف عنهم كلهم فهو يُفَعِّلان، كيُقَطِّعان ويكسران، وهذا واضح.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٢٢. وقال في البحر ٤/ ٢٨٠: وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب: "يخصفان" بفتح الياء، وكسر الخاء والصاد. وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب كذلك، إلا أنه فتح الخاء، ورُويت عن ابن ريدة وعن يعقوب. ٢ تصون إليك: أي عندك، الشرعبي: ضرب من ثياب اليمن. ويُروى: "تصور" مكان "تصون"، "كصورك" مكان "كصونك"؛ أي: تميل إليك منها عند العناق كإمالتك الرداء عند التحامك به. الديوان: ٣٥. ٣ لم يسبق لهذه القراءة ذكر هنا. ٤ تقدم في ص٥٩ من هذا الجزء. ٥ سورة يونس: ٣٥، والأولى قراءة ابن كثير وابن عامر وورش، والثانية قراءة حفص ويعقوب، والثالثة قراءة أبي بكر. وانظر: إتحاف فضلاء البشر: ١٥٠.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ومن ذلك قراءة النبي -ﷺ- وجماعة وعاصم بخلاف: "ورِياشًا"١ بالفتح٢.
قال أبو الفتح: يحتمل رِيَاشٌ شيئين:
أحدهما: أن يكون جمع رِيش، فيكون كشِعْب وشِعَاب ولِهْب٣ ولِهَاب، ولِصْب٤ ولِصَاب، وشِقْب٥ وشِقَاب.
والآخر: أن يكونا لغتين: فِعْلٌ وفِعَال. هكذا قال أبو الحسن، قال: وقال الكلابيون: الرياش: ماكان من لباس أو حشو من فراش ألآو دثار، والريش: المتاع والأموال. وقد يكون الريش في الثياب دون المال. ويقال: هو حسن الريش؛ أي الثياب. والرياش: القشر٦، وهما كما ترى متداخلان.
ومن ذلك قراءة ابن سيرين: "فَإِذَا جَاءَ آجَالُهُمْ"٧.
قال أبو الفتح: هذا هو الظاهر؛ لأن لكل إنسان أجلًا. فأما إفراد الأجل فلأنه جعله جنسًا، أو لأنه مصدر فأتته الجنسية من قِبل المصدرية، وحسن الإفراد لإضافته أيضًا إلى الجماعة، ومعلوم أن لكل إنسان أجلًا، وعليه جاء قوله:
في حَلقِكم عظْم وقد شَجينا٨
لأن لكل إنسان حلقًا، وتقول على هذا: رأس القوم صُلْبٌ؛ أي: رءوسهم صِلَاب. ويجوز أن تقول: رأس القوم صِلَاب؛ حملًا على المعنى.
وندع الإطالة بالشواهد إشفاقًا من الإطالة التي سئلنا اجتنابها على ما بينا في صدر الكتاب.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٢٦. ٢ أي: فتح الياء، وقراءة الجماعة: ﴿وَرِيشًا﴾ . ٣ اللهب: الصدع في الجبل، والشعب الصغير فيه. ٤ اللصب: الشعب الصغير في الجبل، أضيق من اللهب، وأوسع من الشعب. ٥ الشقب: مهواة ما بين جبلين، أو صدع في كهوف الجبال ولصوب الأودية دوة الكهف يوكر فيها الطير. ٦ مما يطلق عليه القشر: كل ملبوس. ٧ سورة الاعراف: ٣٤. ٨ للمسيب بن زيد مناة، وصدره: لا تنكروا القتل وقد سبينا شَجِيَ بالعظم بالكسر يشجى شجًا: اعترض العظم في حلقه. وانظر: اللسان "شجى".
[ ١ / ٢٤٦ ]
ومن ذلك قراءة أُبي بن كعب والأعرج والحسن: "إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ منكم"١ بالتاء.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة بعض الصنعة؛ وذلك لقوله فيما يليه: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ . فالأشبه بتذكير يقصون التذكير بالياء في قراءة الجماعة: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، فتقول على هذا: قامت الزيود وقام الزيدون، وتذكر لفظ قام لتذكير الزيدون، وتؤنث لفظ قامت لأن الزيود مكسر ولا يختص بالتذكير؛ لقولك: الهنود. وقد يجوز قامت الزيدون، إلا أن قام أحسن.
ومن ذلك ما رُوي عن أبي عمرو: "حَتَّى إِذَا إدَّارَكُوا"٢، ورُوي عنه أيضًا: "حتى إذا" يقف ثم يقول: "تَدَارَكُوا"، وظهور التاء في "تداركوا" قراءة ابن مسعود والأعمش.
وقراءة أخرى: "إذآ ادَّاركوا"، قرأ بها مجاهد وحميد ويحيى وإبراهيم.
قال أبو الفتح: قَطْعُ أبي عمرو همزة "ادَّاركوا" في الوصل مشكل؛ وذلك أنه لا مانع من حذف الهمزة؛ إذ ليست مبتدأة كقراءته الأخرى مع الجماعة. وأمثل ما يصرف إليه هذا أن يكون وقف على ألف "إذا" مُمَيِّلًا بين هذه القراءة وقراءته الأخرى التي هي "تداركوا"، فلما اطمأن على الألف لذلك القدر من التمييل بين القراءتين لزمه الابتداء بأول الحرف، فأثبت همزة الوصل مكسورة على ما يجب من ذلك في ابتدائها، فجرى هذا التمييل في التلوم٣ عليه وتطاول الصوت به مجرى وِقفة التذكر في نحو قولك: قالوا -وأنت تتذكر- الآن من قول الله سبحانه: "قالُوا الآن"٤، فتثبت الواو من قالوا لتلومك عليها "٥٩ظ" للاستذكار، ثم تثبت همزة الآن؛ أعني: همزة لام التعريف.
ومثله "اشْتروُوا" إذا وقفت مستذكرًا "للضلالة"٥، فتضم الواو من "اشتروا" على ما كانت عليه من الضم لالتقاء الساكنين، ثم تشبع الضمة لإطالة صوت وِقفة الاستذكار، فتُحدِث هناك واوًا تنشأ عن ضمة واو الضمير، ثم تبتدئ فتقول: "ألضلالة"، فتقطع همزة الوصل لابتدائك بها، فهذا أمثل ما يقال في هذا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٣٥. ٢ سورة الأعراف: ٣٨. ٣ التلوم: التمكث والانتظار. ٤ سورة البقرة: ٧١. ٥ سورة البقرة: ١٦.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ولا يحسن أن تقول: إنه قطع همزة الوصل ارتجالًا هكذا؛ لأن هذا إنما يسوغ لضرورة الشعر. فأما في القرآن فمعاذ الله وحاشا أبي عمرو، ولا سيما وهذه الهمزة هنا إنما هي في فعل، وقلما جاء في الشعر قطع همزة الوصل في الفعل؛ وإنما يجيء الشيء النزر من ذلك في الاسم، نحو قول جميل:
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة على حَدَثان الدهر مني ومن جُمْل١
وقول الآخر:
يا نفس صبرًا كل حي لاق وكل إثنين إلى افتراق٢
أي: لاق منيته، فحذف المفعول، وإنما قل قطع همزة الوصل هذه في الفعل، وجاء ما جاء من ذلك في الاسم؛ حيث كان الفعل مظنة من همزة الوصل، وإنما تدخل من الأسماء ما ضارع الفعل.
وباب همزات الأسماء أن تكون قطعًا، فلما غلب القطع عليها جرت الألسن على العادة في ذلك، واستجازوا قطع همزة الوصل لما ذكرنا.
وليست حال همزة الوصل في الفعل كذلك؛ لأنها معتادة هناك، فازداد قطعها من الفعل ضِيقَ عُذْرٍ لما ذكرنا.
فأما "حتى إذآ ادَّاركوا" بإثبات ألف "إذا" مع سكون الدال من "ادَّاركوا" فإنما ذلك لأنه أجرى المنفصل مجرى المتصل، فشبهه بشابَّة ودابَّة ونحو قولهم: لاهآ الله ذا بإثبات الألف في "ها"، وترك حذفها لالتقاء الساكنين كما حذفت في قول من قال: لاها الله ذا٣.
وقال لي أبو علي: فيها أربع لغات: لاهَا لله ذا بحذف الألف، ولاهآ الله ذا بمدها تشبيهًا بالمتصل على ما مضى في دابة. ولاهآ ألله بإثبات ألف ها وهمزة الله بوزن لاها عَلَّاة ذا.
والرابعة: لاهَأللهِ ذا في وزن هَعَلّله ذا، تحرك ألف "ها" لالتقاء الساكنين وتقلبها همزة، كما قرأ أيوب السختياني: "ولا الضَّأَلِّين"، بوزن الضَعَلِّين. وعليه ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأَبَّة ومأَدَّة.
ومثله أيضًا قراءة أبي عمرو، ورويناها عن قطرب عنه: "قالوا اطَّيْرنا"٤، وحُكي عن بعضهم: هذان عبدآ اللهِ.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الضرائر للألوسي: ١٣٥. ٢ انظر: الخصائص: ٢/ ٤٧٥. ٣ كتب في الأصل كلمة "قصر" فوق "ها". ٤ سورة النمل: ٤٧.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وحُكي عنهم: له ثلثآ المال وهو أشد؛ لأنه غير مدغم.
وقال بعضهم: يآ الله، وبعضهم: يا ألله، وبعضهم: يألله، وبعضهم: ياْلله، فحذف ألف يا لالتقاء الساكنين.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وأبي العلاء بن الشخير ورويت عن أبي رجاء: "حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ"١، وقرأ: "الْجُمَل" -بضم الجيم وفتحة الميم مخففة- ابن عباس وسعيد بن جبير بخلاف وعبد الكريم وحنظلة ومجاهد بخلاف.
وقرأ: "الْجُمْل" -بضم الجيم وسكون الميم- ابن عباس وسعيد بن جبير بخلاف عنهما. "٦٠و"
وقرأ: "الْجُمُل" -بضمتين والميم خفيفة- ابن عباس.
وقرأ أبو السمال: "الْجَمْل" مفتوحة الجيم ساكنة الميم.
قال أبو الفتح: "أما "الْجُمَّل" بالتثقيل و"الْجُمُل" بالتخفيف فكلاهما الحبل الغليظ من القنب، ويقال: حبل السفينة، ويقال: الحبال المجموعة، وكله قريب بعضه من بعض.
وأما "الْجُمْل" فقد يجوز في القياس أن يكون جمع جَمَل كأَسَد وأُسْد ووَثَن ووُثْن، وكذلك المضموم الميم أيضًا كأُسُد.
وأما "الْجَمْل" فبعيد أن يكون مخففًا من المفتوح لخفة الفتحة، وإن كان قد جاء عنهم قوله:
وما كل مبتاع ولو سَلْف صَفْقُهُ براجع ما قد فاته بِرِداد٢
ومن ذلك قراءة عكرمة: "لا يَنَالُهُم اللَّهُ بِرَحْمَةٍ دَخَلُوا الْجَنَّةَ"٣.
وقرأ طلحة بن مُصرِّف٤: "بِرَحْمَةٍ أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ" أي: فُعِلَ ذلك بهم.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٤٠. ٢ البيت للأخطل، وفي الهامش: وإن سلف. ورُوي: "مغبون" مكان "مبتاع"، و"يراجع" بالياء مكان "براجع" بالباء، و"بوداد" مكان "برداد". المبتاع: المشتري، الصفق: مصدر صفق البائع، إذا ضرب بيده على يد صاحبه عند المبايعة، والمراد إيجاب البيع، وضمير صفقه للمبتاع أو المغبون، الرداد بكسر الراء: مصدر راد البائع صاحبه إذا فاسخه البيع. وانظر: الديوان: ١٣٧، وشرح شواهد الشافية: ١٨-٢١. ٣ سورة الأعراف: ٤٩. ٤ هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب أبو محمد، ويقال له: أبو عبد الله الهمداني الكوفي، تابعي كبير، له اختيار في القراءة ينسب إليه. قال العجلي: اجتمع قراء الكوفة في منزل الحكم بن عيينة فأجمعوا على أنه أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش فقرأ عليه ليذهب عنه ذلك. أخذ القراءة عرضًا من إبراهيم بن يزيد النخعي والأعمش ويحيى بن وثاب، وروى القراءة عرضًا عنه الكسائي وغيره، ومات سنة ١١٢. طبقات القراء: ١/ ٣٤٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال أبو الفتح: الذي في هاتين القراءتين خطابهم بقوله سبحانه: "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، وطريق ذلك أن قوله: "أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ" الوقف هنا، ثم يُستأنف فيقال: "دَخَلُوا الجنة"، أو "أُدْخِلُوا الجنة" أي: قد دخَلوا أو أُدخلوا، وإضمار قد موجود في الكلام نحو قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ١ أي: قد حصرت صدورهم؛ أي: فقد دخلوا الجنة، فقال لهم: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقد اتسع عنهم حذف القول كقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ أي: يقولون لهم: سلام عليكم، وقال الشاعر:
رَجْلان من ضبة أخبرانا إنا رأينا رجلًا عريانا٣
أي قالا: إنا رأينا، ولذلك كَسَر. هكذا مذهب أصحابنا في نحو هذا من إضمار القول.
وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون﴾ قولًا مرتجلًا لا على تقدير إضمار القول؛ لكن استأنف الله ﷿ خطابهم، فقال: "أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ"، كما استأنفه تعالى على القراءة المشهورة وهي: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ .
ومثله من ترك كلام إلى كلام آخَرَ بيتُ الكتاب، وهو قوله:
ألا يا بيتُ بالعلياء بيتُ٤
ألا تراه حمله على أنه نادى البيت، ثم ترك خطابه وأقبل على صاحبه، فقال: بالعلياء بيتُ، ثم رجع إلى خطاب البيت فقال له:
ولولا حب أهلك ما أتيت
وسألني قديمًا بعض مَن كان يأخذ عني، فقال: لِمَ لا يكون "بيت" الثاني تكريرًا على الأول
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٩٠. ٢ سور الرعد: ٢٣. ٣ الخصائص: ٢/ ٣٣٨. ٤ عجزه كما سيذكره بعد: ولولا حب أهلك ما أتيت وانظر: الكتاب: ١/ ٣١٢.
[ ١ / ٢٥٠ ]
كقولك: يا زيد زيد، ويكون بالعلياء في موضع الحال من البيت الأول، كما كان قول النابغة:
يا دارَ ميةَ بالعلياء١
قوله: "بالعلياء" في موضع الحال؛ أي: يا دار مية عالية مرتفعة، فيكون كقوله:
يا بؤس للجهل ضَرَّارًا لأقوام٢
هذا معنى ما أورده بعد أن سددت السؤال ومكنته، فقلت: لا يجوز ذلك هنا؛ وذلك أنه لو كان البيت الثاني تكريرًا على الأول لقال: لولا حُب أهلك ما أتيت، فيكون كقولك: يا زيد، لولا مكانك ما فعلت كذا، وأنت لا تقول: يا زيد، ولولا مكانك لم أفعل كذا٣، فإذا بَطَلَ هذا ثبت ما قاله صاحب الكتاب من كونه كلامًا بعد كلام، وجملة تتلو جملة.
وهذا واضح، فقوله على هذا: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ جملة لا موضع لها من الإعراب من حيث كانت مرتجلة، وهي في القول الأول منصوب الموضع على الحال؛ أي: دخلوا الجنة أو أُدخلوا الجنة، مقولًا لهم هذا الكلام الذي هو: لا خوف عليكم، وحُذِفَ القول وهو منصوب على الحال، وأقيم مقامه قوله: "لا خوف عليكم" فانتصب "٦٠ظ" انتصابه، كما أن قولهم: كلَّمته فاه إلى فِيّ منصوب على الحال؛ لأنه ناب عن: جاعلًا فاه إلى فِيّ، أو لأنه وقع موقع مشافهة التي هي نائبة عن مشافِهًا له.
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق: "أو نُرَدَّ "٤ بنصب الدال.
_________________
(١) ١ البيت بتمامه: يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد ورُوي: أعيت جوابًا وما بالربع من أحد. وروي هذا الشطر عجزًا لقوله: وقفت فيه طويلًا كي أسائلها وانظر: الكتاب: ١/ ٣٦٤، وشرح المعلقات السبع للزوزني: ١٩٣. ٢ صدره: قالت بنو عامر خالوا بني أسد والبيت للنابغة؛ يعني: ما كان من عزم بني عامر على قومه في مقاطعة بني أسد والدخول لي حلفهم، فجعلهم في ذلك. خالوا: تاركوا، ويقال للمطلقة: خلية. الكتاب: ١/ ٣٦٤، والخصائص: ٣/ ١٠٦. ٣ أي: وقد قال الشاعر: ولولا حب. ٤ سورة الأعراف: ٥٣.
[ ١ / ٢٥١ ]
قال أبو الفتح: الذي قبله مما هو متعلق به قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾، ثم قال: "أَوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ" فعطف "نرد" على "يشفعوا"، وهو منصوب لأنه جواب الاستفهام وفيه معنى التمني؛ وذلك أنهم قد علموا أنه لا شفيع لهم، وإنما يتمنون أن يكون لهم هناك شفعاء، فيردوا بشفاعتهم، فيعملوا ما كانوا لا يعملونه من الطاعة؛ فيصير به المعنى إلى أنه كأنهم قالوا: إن نُرزق شفعاء يشفعوا لنا أو نُرْدَد، وتقديره مع رفع نرد على قراءة الجماعة: أن نُرزق شفعاء يشفعوا لنا، وإن نردد نعمل غير الذي كنا نعمل. وذلك أنهم مع نصب "نرد" تمنوا الشفعاء وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الرد أيضًا وضَمِنُوا عمل ما لم يكونوا يعملونه؛ أي: إن نُردد نعمل غير الذي كنا نعمل كأنه قال: أو هل نرد فنعمل.
فأما قوله سبحانه: "يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ"١، فقال فيه أبو الحسن: إنهم إنما تمنوا الرد، وضمنوا ألا يُكَذِّبُوا، وهذا يوجب النصب لأنه جواب للتمني، قال: إلا أنه عُطِفَ في اللفظ والمراد به الجواب، وشَبَّهه بقول الله سبحانه: "وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ"٢ بالجر، قال: فهي في اللفظ معطوفة على المسح، وفي المعنى معطوفة على الغسل، قال ونحو منه: هذا حجر ضَبٍّ خربٍ. وقرأها الحسن: "أو تُريدُ فَنَعْملُ" فهو على هذه القراءة على أنهم تمنوا إرادته ﷿ إيمانَهم وعملَهم.
فإن قيل: وكيف يصح تمنيهم إرادتَه منهم الإيمانَ، ومعلوم أنه هو المراد منهم لقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ وغيره من الآي؟
قيل: يكون معناه إرادة اقتسار لهم على الإيمان لا رَدٍّ منه تعالى الأمر إليهم فيه، فيكون هذا كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ٤ أي: لو شاء مشيئة إلجاء أو إكراه لا عَرْض وترغيب.
وساغ في هذه القراءة تمنيهم العمل؛ إذ كان بلطف الله -﷿- لهم فيه وإعانته إياهم عليه.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٢٧. ٢ سورة المائدة: ٦. ٣ سورة الذاريات: ٥٦. ٤ سورة يونس: ٩٩.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وإن شئت قلت: عطَف "نعمل" بالرفع لفظًا وهو ينوي أنه جواب؛ أي: إن شاء الله ذلك مشيئة إلجاء عملنا لا محالة، فيعطفه لفظًا وهو يريد الجواب على ما مضى.
ومن ذلك قراءة حُميد: "يَغْشَى"١ بفتح الياء والشين، ونصب "الليل" ورفع "النهار"٢.
قال أبو الفتح: اتصال قوله تعالى: "يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارُ" بقوله: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ" اتصال الحال بما قبلها، ويكون هناك عائد منها إلى صاحبها وهو الله تعالى؛ أي: يَغشَى الليلَ النهارُ بأمره أو بإذنه، وحذف العائد كما يحذف من خبر المبتدأ في نحو قولهم: السَّمْنُ مَنَوان بدرهم؛ أي: منوان منه بدرهم.
ودعانا إلى إضمار هذا العائد أن تتفق القراءتان على معنى واحد؛ ألا ترى إلى قراءة الجماعة: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾، وأن هذه الجملة في موضع الحال؛ أي: استوى على العرش مُغْشِيًا الليل النهار؛ أي: استوى عليه في هذه الحال "٦١و".
فقوله إذن: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ بدل من قوله: "يغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارُ" للتوكيد، وهو على قراءة الجماعة: "يُغْشِي" أو "يُغَشِّي" حال من الليل؛ أي: يُغَشِّي الليل النهار طالبًا له حثيثًا، وحثيثًا بدل من طالب أو صفة له؛ لأن طالبًا لو كان منطوقًا به حال هناك، والحال عندنا فوصف٣ من حيث كانت في المعنى خبرًا، والأخبار توصف؛ لكن الصفات عندنا لا توصف.
وإن شئت يكون "حثيثًا" حالًا من الضمير في يطلبه، وفيه من بعد هذا ما أذكره؛ وذلك أن الفاعل في المعنى من أحد المفعولين في قراءة الجماعة هو الليل؛ لأنه المفعول الأول، كقولك: أعطيت زيدًا عمرًا، فزيد هو الآخذ وعمرو هو المأخوذ، وأغشيت جعفرًا خالدًا، فالغاشي جعفر والمغشيُّ هو خالد، والفاعل في قراءة حميد هو النهار؛ لأنه مرفوع: "يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارُ"، فالفاعلان والمفعولان جميعًا مختلفان على ما ترى.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٥٤. ٢ قال في البحر المحيط: "وقرأ بالتضعيف الأخوان وأبو بكر، وبإسكان الغين باقي السبعة، وبفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام حميد بن قيس، كذا قال عنه أبو عمرو الداني قال ابن عطية: وأبو الفتح أثبت. انتهى، وهذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت كلام لا يصح؛ إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفة رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات ". ٤/ ٣٠٩. ٣ كذا بالأصل، والأخفش يجيز زيادة الفاء في جميع خبر المبتدأ. شرح الكافية: ١/ ١٠٢.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ووجه صحة القراءتين جميعًا والتقاء معنَيَيْهما أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإن صاحبه أيضًا مُزيلٌ له، فكل واحد منهما على هذا فاعل وإن كان مفعولًا، ومفعول وإن كان فاعلًا. وعلى أن الظاهر في الاستحثاث هنا إنما هو النهار؛ لأنه بسفوره وشروقه قد أظهر أثرًا في الاستحثاث من الليل. وبعدُ، فليس النهار إلا ضوء الشمس، والشمس كائنة محدثة، ولا ضوء قبل أن يخلقها لله جل وعز، فالضوء إذن هو الهاجم على الظلمة، ويطلبه حثيثًا، على هذا حال من النهار؛ لأنه هو الأحث منهما.
ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون يطلبه حالا من النهار وإن كان مفعولًا، كقولك: ضربتْ هندٌ زيدًا مؤلِمَة له، فقد يكون مؤلمة حالًا لزيد، كما قد يجوز أن يكون حالًا من هند؛ وذلك أن لكل واحد منهما في الحال ضميرًا. ومثله قول الله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ١، قد يجوز أن يكون "تحمله" حالًا منها، ويجوز أن يكون حالًا منه، وقد يجوز أيضًا أن يكون٢ منهما جميعًا على قوله:
فلئن لقيتك خاليين لتعلما أيي وأيك فارسا الأحزاب؟ ٣
ويجوز أيي وأيك فارسُ الأحزاب؛ أي: أينا فارس الأحزاب، فكذلك يكون قوله: يطلبه حثيثًا، حالًا منهما جميعًا على ما مضى؛ لأن لهما جميعًا فيه ضميرًا. ولو كان الآية فأتت به قومها تحمله إليه٤ لجاز أن يكون ذلك حالًا منها، ومنه ومنهم جميعًا؛ لحصول ضمير كل واحد منهم في الجملة التي هي حال، فاعرف ذلك.
ولعمري إنك إذا قلت: أغشيتُ زيدًا عمرًا، فإن العرف أن يكون زيد هو الغاشي وعمرو هو المغشيّ، إلا أنه قد يجوز فيه قلب ذلك، لكن مع قيام الدلالة عليه، ألا ترى إلى قوله:
فدع ذا ولكن من ينالُك خيرُه ومن كان يعطي حقَّهن القَصائدا؟
أراد: يعطي القصائد حقهن، ثم قدم المفعول الثاني فجعله قبل الأول من حيث كانت القصائد هنا هي الآخذة في المعنى، ونحوه: كسوت ثوبًا زيدًا، ساغ تقديمه لارتفاع الشك فيه، وليس
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٢٧. ٢ في ك: أن يكون حالًا. ٣ انظر: شرح الشواهد الكبرى للعيني بهامش الخزانة: ٣/ ٤٢٢. ٤ الضمير للقوم.
[ ١ / ٢٥٤ ]
كذلك يُغشي "٦١ظ" الليل النهار؛ من حيث كانا متساويي الحالين في الغِشْيان، وعلى كل حال فكل واحد منهما غاشٍ لصاحبه.
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وقتادة وأبي رجاء والجحدري وسهل بن شعيب١: "نُشْرًا"٢ بضم النون وجزم الشين.
وقرأ: "بَشْرًا" -بفتح الباء ساكنة الشين- أبو عبد الرحمن بخلاف.
وقرأ: "بُشُرًا" -بالباء مضمومة منونين- ابن عباس والسلمي بخلاف وعاصم بخلاف.
وقرأ: "بُشْرى" -غير منونة على فُعْلَى- محمد بن السميفع وابن قطيب.
وقرأ: "نَشَرًا" -بفتح النون والشين- مسروق٣.
قال أبو الفتح: أما "نُشْرًا" فتخفيف "نُشُرًا"٤ في قراءة العامة، والنُّشُر جمع نَشُور؛ لأنها تَنْشُر السحاب وتستدرُّه، والتثقيل أفصح لأنه لغة الحجازيين، والتخفيف في نحو ذلك لتميم.
وأما "بُشُرًا" فجمع بشير؛ لأنه الريح تبشِّر بالسحاب.
وأما "بَشْرًا" فمصدر في موضع الحال، كقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٥ أي: ساعيات، فكذلك "بَشْرًا" أي: باشرات في معنى مبشرات، يقال: بَشَرتُ الرجل أبشُرُه بَشْرًا، فأنا باشر وهو مبشور، وأبشرته أُبْشِرُه، فأنا مُبْشِر وهو مُبْشَر. وبشَّرتُه تبشيرًا، فأنا مُبَشِّر وهو مُبَشَّر. وبَشِر بالأمر يَبْشَر به، فهو بَشِرٌ، كفرح به يفرح فرحًا، وهو فَرِح، وأبشر هو أيضًا يُبْشِرُ إبشارًا، ومنه المثل السائر:
أبشر بما سرك عيني تختلج٦
_________________
(١) ١ هو سهيل بن شعيب الكوفي، عرض على عاصم بن أبي النجود وعلي أبي بكر بن عياش، وروى القراءة عنه عبد الله بن حرملة بن عمرو. ٢ سورة الأعراف: ٥٧. ٣ هو مسروق بن الأجدع بن مالك أبو عائشة، ويقال: أبو هشام الهمداني الكوفي. أخذ القراءة عرضًا عن عبد الله بن مسعود، وروى عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم. وروى القراءة عنه عرضًا يحيى بن وثاب. توفي سنة ٦٣. طبقات القراء: ٢/ ٢٩٤. ٤ هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي، كما في الإتحاف: ١٣٦. ٥ سورة البقرة: ٢٦٠. ٦ انظر: أساس البلاغة "خلج".
[ ١ / ٢٥٥ ]
والبِشَارَة: حسن البَشَرَة، قال أبو إسحاق: قيل لما يُفْرَح به بِشارة؛ لأن الإنسان إذا فرح حسنت بَشَرته.
فإن قيل: فإن البَشَرة قد يبين عليها الحسن تارة والقبح أخرى، فكيف خُص به هاهنا حسنها دون قبحها؟
قيل: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس المطلق على جميع أجزائه المختلفة، ألا تراهم قالوا: لفلان خُلُق فخصوه بالمدح، وإن كان الخلق يكون قبيحًا كما يكون حسنًا؟
وقالوا للكعبة: بيت الله، والبيوت كلها لله، فخصوا باسم الجنس أشرف أنواعه.
وقالوا: فلان متكلم، يعنون به صاحب النظر، والناس كلهم متكلمون.
وأما "بُشْرَى" على فُعْلَى فمنصوبة على الحال أيضًا؛ أي: مُبِشِّرات على ما مضى.
وفي "نَشَرًا" فعلى حذف المضاف؛ أي: ذوات نشر، والنَّشَر أن تنتشر الغنم بالليل فترعى، فهذا على تشيبه السحاب في انتشاره وعمومه من هاهنا ومن هاهنا بالغنم إذا انتشرت للرعي.
ومن ذلك قراءة علي -﵇- وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة والجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء: "وَيَذَرَكَ وَإلَاهَتَكَ"١.
وقرأ: "ويَذَرْكَ" -بإسكان الراء- الأشهب.
وقرأ: "ويذرُك"٢ نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "إلَاهَتَك" فإنه عبادتك، ومنه الإله؛ أي: مستحق العبادة، وقد سميت الشمس إِلاهَة وأَلاهة٣؛ لأنهم كانوا يعبدونها، ويقال: تَأَلَّه تألهًا. قال رؤبة:
سبَّحن واسترجعن من تألهي٤
_________________
(١) ١ سورة الأعرف: ١٢٧. ٢ قال في البحر المحيط ٤/ ٣٦٧: وقرأ نعيم بن ميسرة والحسن بخلاف عنه: "ويذرُك" بالرفع عطفًا على أتذر. ٣ في القاموس المحيط أنه مثلت. ٤ قبله: لله در الغانيات المده المده: من مدهه يمدهه مدهًا، مثل مدحه. وانظر: الديوان: ١٦٥، واللسان "مده، وأله".
[ ١ / ٢٥٦ ]
أي: عبادتي، ويقال: لاهِ أبوك، ولهْ أبوك، ولَهْيَ أبوك ولَهِ أبوك، وفي تصريفها بعض الطول؛ فندعه تخفيفًا.
وأما "ويذَرُك" بالرفع فعلى الاستئناف "٦٢و" أي: فهو يذرك.
وأما "يذَرْك" بالإسكان فيمن "يذَرُك"، كقراءة أبي عمرو: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ"١.
وحكى أبو زيد: "رُسُلْنا" بإسكان اللام استثقالًا للضمة مع توالي الحركات، ولم يسكن أبو عمرو "يَأْمُرُهم" كما أسكن "يأمرُكم"؛ وذلك لخفاء الهاء وخفتها فجاء الرفع على واجبه. وليست الكاف في "يأمركم" بخفِّيه ولا خفيفة خفة الهاء ولا خفاءها، فثقل النطق بها فحذف ضمتَها.
ومن ذلك قراءة الحسن: "إنما طَيْرُكُمْ٢ عند الله"٣.
قال أبو الفتح: الطير جمع طائر في قول أبي الحسن، وفي قول صاحب الكتاب: اسم للجمع، بمنزلة الجامل والباقر غير مكسَّر.
وروينا عن قطرب في كتابه الكبير أن الطير قد تكون واحدًا، كما أن الطائر الذي يقرأ به الجماعة واحد، وعلى أنه قد يكون الطائر جِمَاعًا بمنزلة الجامل والباقر. وأنشد ابن الأعرابي:
وبالعثانين وبالحناجر كأنه تَهتانُ يومٍ ماطرِ
على رءوسٍ كرُءوس الطائر٤
ومن ذلك قراءة الحسن: "عَلَيْهِمُ الْقَمْل"٥ بفتح القاف، وسكون الميم.
قال أبو الفتح: "القَمْل" هنا: هو هذا المعروف، ولا يجوز أن يكون تحريف القُمَّل، ولا لغة
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٨. ٢ كذا في الأصل، والكشاف: ١/ ٣٤٢، وفي البحر المحيط: ٤/ ٣٧، وإتخاف فضلاء الشر: ١٣٨: "طيرهم". ٣ سورة الأعراف: ١٣١. ٤ العثانين: جمع عثنون وهو اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين أو ما نبت علي الذقن وتحته سفلًا أو هو طولها، وشعيرات طوال تحت حنك البعير. وقد أورد البيت الأخير غير معزو في الخصائص: ٢/ ٤٩٠. ٥ سورة الأعراف: ١٣٣، وأولها: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل
[ ١ / ٢٥٧ ]
فيه، كالجمْل والْجُمَّل في قراءة من قرأ: "حَتَّى يَلِجَ الْجَمْلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"؛ لأن لهذا وجهًا قائمًا معروفًا، وهو هذا القَمْل المعروف.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا: "سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ"١.
قال أبو الفتح: ظاهر هذه القراءة مردود؛ لأنه سأُفْعِلُكم من رأيتُ، وأصله: سَأُرْئِيكُم، ثم خففت الهمزة بحذفها وإلقاء حركتها على الراء، فصارت سأُريكم. قالوا: وإذن لا وجه لها، ونحو من هذا قراءته أيضًا: "ولا أَدْرَأْتُكُم به"، إلا أن له وجهًا ما، هو أن يكون أراد: "سأُرِيكم" ثم أشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوًا، فصارت "سَأُورِيكم".
وقد جاء من هذا الإشباع الذي تنشأ عنه الحروف شيء صالح نثرًا ونظمًا، فمن المنثور قولهم: بينا زيد قائم جاء عمرو، إنما يراد بين أوقات زيد قائم جاء فلان، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفًا. ومثله قول عنترة:
يَنْبَاع من ذِفْرَى غَضوب جسرة٢
أراد: ينبع، فأشبع فتحة الباء فنشأت عنها ألف كما ترى، على هذا حمله لنا أبو علي سنة إحدى وأربعين، وقد قال الأصمعي مع ذلك يقال: انباع الشجاع ينباع انبياعًا إذا انخرط ماضيًا من الصف.
وأخبرنا أبو علي عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: جِيء به من حيثُ ولَيْسا٣.
ورَوى الفراءُ عن بعضهم أنه سمعه يقول: أكلت لحما شاة، وهو يريد: لحم شاة، فأشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفًا، وهو اعتراض بين المضاف والمضاف إليه علي ضيق الوقت وقصره بينهما. ومنه المسموع عنهم في الصياريف والدراهيم٤، وأنشدنا أبو علي:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٤٥. ٢ عجزه: زيافة مثل الفنيق المكدم وانظر الصفحة ١٦٤ من هذا الجزء. ٣ أشبع فتحة ليس. وانظر: الخصائص: ٣/ ١٢٣. ٤ يشير إلى قول الفرزدق: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقادُ الصياريف ويُروى: "الدراهم" مكان "الدراهيم"، وانظر: الديوان: ٥٧٠.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وأنني حيثما يسري الهوى بصري من حَوْثُما سلكوا أثنى فأَنظور١
يريد: فأنظره، فأشبع الضمة فأنشأ عنها واوًا، هكذا رواه أبو علي يسري من سريت، ورواه ابن الأعرابي "٦٢ ظ": يشري -بالشين معجمة- أي: يُقلق ويحرك الهوى بصري، وما أحسن هذه الرواية وأطرفها! وأنشد غيرهما:
عَيْطاء جَمَّاء العِظَام عُطْبولْ كأَن في أنيابها القَرَنْفولْ٢
يريد: القَرَنْفُل، فإذا جاز هذا ونحوه نظمًا ونثرًا ساغ أيضًا أن يُتأول لقراءة الحسن: "سأُورِيكُمْ"، أراد: سأُرِيكم وأشبع ضمة الهمزة فأنشأ عنها واوًا، وهو أبو سعيد، والمأثور من فصاحته ومتعالَم قوة إعرابه وعربيته! فهذا مع ما فيه من نظائره أمثل من أن يُتلقي بالرد صِرفًا غير منظور له ولا مسعيٍّ في إقامته. وزاد في احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ، فمُكن الصوت فيه وزاد إشباعه واعتماده، فأُلحقت الواو فيه لما ذكرنا.
ومن ذلك قراءة مجاهد: "فَلا تَشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ"٣، وقرأ أيضًا: "فَلا يَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ".
قال أبو الفتح: الذي رويناه عن قطرب في هذا أن قراءة مجاهد: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ" رفع -كما ترى- بفعلهم، فالظاهر أن انصرافه إلى الأعداء، ومحصوله: يا رب، با تُشْمِتْ أنت بي الأعداء، كقراءة الجماعة.
فأما مع النصب فإنه كأنه قال: لا تَشْمَتْ بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ٤ ونحوه مما يجري هذا المجرى، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلًا نصب به الأعداء٥، فكأنه قال: لا تُشْمِتْ بي الأعداء، كقراءة الجماعة.
_________________
(١) ١ ينسبه الزوزني في شرح المعلقات السبع "١٤٤" إلى إبراهيم بن هرمة. يُروى: "وأنني حوثما يثني"، ويُروى: "يشري" بالشين مكان "يسري"، ويروى: "حيثما" في الشطرين، وحوث: لغة في حيث، ويشري مضارع اشريته، متعدي شري البرق من باب فرح إذا كثر لمعانه، وشري زمام الناقة إذا كثر اضطرابه، وانظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٣، والخزانة: ١/ ٥٨. ٢ رُوي: "ممكورة جم العظام"، العيطاء: الطويلة العنق، والمكمورة: المطوية الخلق من النساء، العطبول: المرأة الفتية الجميلة العنق. وانظر: الخصائص: ٣/ ١٢٤، واللسان "قرنفل". ٣ سورة الأعراف: ١٥٠، وقراءة مجاهد هذه برفع "الأعداء " ونصبها. ٤ سورة البقرة: ١٥. ٥ قال في البحر المحيط ٤/ ٣٩٦: وهذ خروج عن الظاهر، وتكلف في الإعراب. وقد روي: تعدى يشمت لغة، فلا يتكلف أنها لازمة مع نصب الأعداء، وأيضًا قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ إنما ذلك على سبيل المقابلة لقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون﴾ فقال: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾، وكقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، ولا يجوز ذلك ابتداء من غير مقابلة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ومن ذلك قراءة أبي وَجْزَة السعدي: "هِدْنا إليك"١.
قال أبو الفتح: أما "هُدْنا" بضم الهاء مع الجماعة فتُبْنَا، والْهُود: جمع هائد؛ أي: تائب.
وأما "هِدْنا" بكسر الهاء في هذه القراءة فمعناه انجذبنا وتحركنا، يقال: هادَني يهيدُني هيْدًا؛ أي: جذبني وحركني، فكأنه قال: إنا هِدْنا أنفسنا إليك٢، وحركناها نحو طاعتك.
قال:
أَلِمَّا عليها فانعَيانِيَ وانظرا أينصتها أم لا يُهيِّدُها ذِكْري
أي: أم لا يهيجها ويهزها ذكري، ومنه قولهم في زجر الإبل: هِيد؛ أي: أسرعي. قال ذو الرمة:
إذا حداهن بهيدٍ هِيدِ صفحْن للأزرار بالخدود٣
ومن ذلك قال ابن رومي٤: حدثني أحمد بن موسى، وحدثني الثقة عنه أنه قرأ: "النَّبِيَّ الْأَمِّيَّ"٥ بفتح الهمزة، يقول: يأْتم به مَنْ قبله.
قال أبو الفتح: هذا منسوب إلى مصدر أَمَمت الشيء أَمًّا، كقولك: قصدته قصدًا، ثم أضيف إليه ﵇، هذا على هذا التفسير الذي سبق ذكره.
وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد الأُمي بضم الهمزة كقراءة الجماعة، ثم لحقه تغيير النسب، كقولهم في الإضافة إلى أُميَّة: أَموى، بفتح الهمزة، وكقولهم في الدهر: دُهْرِي، وفي الأمس: إِمْسِي، وفي الأفق: أَفَقِي بفتح الهمزة، وهو باب كبير واسع عنهم.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٥٦. ٢ في ك: إليك أنفسنا. ٣ هيد وهيد "بفتح الهاء وكسرها": من زجر الإبل واستحثاثها. صفحن: نظرن بصفاح خدودهن، الأزرار: الحلق التي تجعل في أنوف النوق، وتعقد فيها الأزمة. وانظر: الديوان: ١٦١، وأراجيز العرب للبكري: ٦٩. ٤ هو محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي، ويقال: فيروز، أبو عبد الله البصري، مقرئ جليل. أخذ القراءة عرضًا عن العباس بن الفضل وأبي محمد اليزيدي، وهو من أجل أصحابهما، وروى عن أحمد بن موسى اللؤلئي وعن الكسائي حروفهما. وروى الحروف عنه محمد بن عبيد بن عقيل وعلي بن الحسن. طبقات القراءة: ٢/ ٢١٨. ٥ سورة الأعراف: ١٥٧.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو١ الأسواري: "أُصيبُ به مَن أَسَاءَ"٢.
قال أبو الفتح: هذه القراءة أشد إفصاحًا بالعدل من القراءة الفاشية التي هي: "مَن أشاء"؛ لأن العذاب "٦٣و" في القراءة الشاذة مذكور علة الاستحقاق له، وهو الإساءة، والقراءة الفاشية لا يُتناول من ظاهرها علة أصابة العذاب له، وأن ذلك لشيء يرجع إلى الإنسان، وإن كنا قد أحطنا علمًا بأن الله تعالى لا يظلم عباده، وأنه لا يعذب أحدًا منهم إلا بما جناه واجترمه على نفسه، إلا أنا لم نعلم ذلك من هذه الآية؛ بل من أماكن غيرها. وظاهر قوله تعالى: ﴿مَنْ أَشَاء﴾ بالشين معجمة ربما أوهم من يضعف نظره من المخالفين أنه يعذب من يشاء من عباده، أساء أو لم يسئ، نعوذ بالله من اعتقاد ما هذه سبيله، وهو حسبنا وولينا.
ومن ذلك قراءة الجحدري وسليمان التيمي وقتادة: "وعَزَرُوه"٣ خفيفة الزاي.
قال أبو الفتح: مشهور اللغة في ذلك: عزَّرت الرجل: أي عظمته، وهو مشدد، وقد قالوا: عَزَرتُ الرجل عن الشيء بتخفيف الزاي إذا منعته عن الشيء، ومنه سمي الرجل: عَزْرة؛ فقد يجوز أن يكون "وعزَرُوه" على هذه القراءة؛ أي: منعوه وحجزوا ذكره عن السوء، كقوله: سبحان الله، ألا ترى أن أبا الخطاب فسره فقال: براءة الله من السوء؟ فبرَّأْته من الشيء وحجزته عنه بمعنى واحد.
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن سليمان: "عَشِرة"٤، وقرأ "عشَرة" بفتح الشين بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "عشِرة" بكسر الشين فتميمية، وأما إسكانها فحجازية.
واعلم أن هذا موضع طريف؛ وذلك أن المشهور عن الحجازيين تحريك الثاني من الثلاثي إذا كان مضمومًا أو مكسورًا، نحو: الرسُل والطنُب والكبِد والفخِذ، ونحو: ظرُف وشرُف وعلِم وقدِم. وأما بنو تميم فيسكنون الثاني من هذا ونحوه، فيقولون: رُسْل وكُتْب وكَبْد وفَخْذ، وقد ظَرْف وقد عَلْم، لكن القبيلتين جميعًا فارقتا في هذا الموضع من العدد معتاد لغتهما، وأخذت كل
_________________
(١) ١ هو عمرو بن فايد أبو علي الأسواري البصري، وردت عنه الرواية في حروف القرآن. روى عنه الحروف حسان بن محمد الضرير وبكر بن نصار العطار. مما روى عنه: "إياك نعبد وإياك" بتخفيف الياء. طبقات القراء: ١/ ٦٠٢. ٢ سورة الأعراف: ١٥٦، ١٥٧. ٣ سورة الأعراف: ١٥٧. ٤ سورة الأعراف: ١٦٠.
[ ١ / ٢٦١ ]
واحدة منهما لغة صاحبتها وتركت مألوف اللغة السائرة عنها، فقال أهل الحجاز: اثنتا عشْرة بالإسكان، والتميميون عشِرة بالكسرة.
وسبب ذلك ما أذكره؛ وذلك أن العدد موضع يَحْدث معه ترك الأصول، وتُضم فيه الكلم بعضه إلى بعض، وذلك من أحد عشر إلى تسعة عشرة، فلما فارقوا أصول الكلام من الإفراد وصاروا إلى الضم فارقوا أيضًا أصول أوضاعهم ومألوف لغاتهم، فأسكن من كان يحرك، وحرك من كان يسكن، كما أنهم لما حذفوا هاء حنيفة للإضافة حذفوا معها الياء، فقالوا: حنفي، ولما لم يكن في حنيف هاء تحذف فتحذف لها الياء قالوا فيه: حنيفي، كقولهم: الجاه، وأصله عندنا الوجه، فقلبوه فقدموا العين على الفاء، وكان قياسه أن يقولوا: جَوْه، إلا أنهم لما قلبوا شجُعوا عليه فغيروا بناءه. فأصاروه من جَوْه إلى جَوَه، فانقلبت الواو التي هي فاء في موضع العين ألفًا لانفتاح ما قبلها وحركتها، فصارت جاه كما ترى.
وحسَّن ذلك لهم أيضًا ما أذكره؛ وهو أنهم قد علموا أنهم إذا حركوا الواو وقبلها فتحة انقلبت ألفًا وهي "٦٣ظ" ساكنة كما تعلم أبدًا، فصار عودهم إلى سكون الحرف مسوغًا لهم تحريكه المؤدي إلى سكونه، حتى كأنهم لم يحدثوا في الحروف حدثًا.
فإن قيل: فهلا أقروا الواو على سكونها، واستغنوا بذلك عن تحريكها المؤدي إلى سكون الحرف المنقلب عنها وهو الألف.
قيل: الذي فعلوه أصنع؛ وذلك أنهم إذا قلبوه ألفًا صار بمنزلة وجود الحركة فيه؛ لأن الألف في نحو هذا لا تنقلب إلا عن حركة وهي مع هذا ساكنة، فاجتمع لهم في الألف أمران:
أحدهما: تحريك الساكن لما عَرَض لهم هناك في القلب على عادتهم في إلحاق التحريف١ بعضه ببعض.
والآخر: سكون الألف لفظًا مع ما قدمناه من اعتقاد تحريكها معنى.
وإذا أدى الحرف الساكن مع خفته تأدية المحرَّك على ثقله، فتلك صنعة مأْنوس بها مُعْتَمَدٌ مثلها، وما لحقه تغيير ما فدعا ذاك إلى إلحاقه تغييرًا ثانيًا كثير في اللغة جدًّا، ألا ترى إلى أحد قولي سيبويه في أَينُق: إن الياء فيها بدل من الواو التي هي عين في أصل الكلمة؛ وذلك أن أصلها أَنْوُق، وقد حكاها الفراء فيما رويناه عنه، فقدمت العين على الفاء فصار تقديرها أونق، فلما تقدمت العين على الفاء فتوهنت بذلك قلبوها ياء فقالها: أينق، وكذلك لما أَعلُّوا
_________________
(١) ١ المراد: التغيير والميل عن المعتاد في الاستعمال.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فاء الفعل من اتقى بأن أبدلوها تاء وأدغموها في تاء افتعل أعلُّوها أيضًا بالحذف، فقالوا: تَقَى يَتْقِي. ومثله ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر١:
قَصَرْتُ له القبيلة إذا تَجهْنا وما ضافت بشدته ذراعي
فيمن رواه بفتح الجيم٢، ألا ترى أن وزنه افتعلنا من الوجه اوتَجَهْنا، فلما أُبدلت الواو تاء وأدغمت في تاء افتعل فصارت اتجه، شجُعوا على أن حذفوها أيضًا فقالوا: تَجَه؟ فوزن تَجَه الآن على لفظه تَعَل، ومضارعه يتَجِه، ومثاله يتَعِل، وكذلك تَقَى فَعَل، والجاه وزنه على اللفظ بسكون الألف عَفْل، وهو قبل القلب عَفَل؛ لأنه صار من جَوْه إلى جَوَه، وأصله الأول فعْل لأنه وَجْه، ولولا إشفاقي من الإطالة لبسطت هذا ونحوه بسطًا يونِقُ عارفيه وأهله، وفيما ذكرنا دليل على ما أُغفل.
وأما "اثنتا عشَرة" بفتح الشين فعلى وجه طريف؛ وذلك أن قوله: "اثنتي" يختص بالتأنيث، و"عشَرة" بفتح الشين تختص بالتذكير، وكل واحد من هذين يدفع صاحبه. وأقرب ما تُصرف هذه القراءة إليه أن يكون شبَّه اثنتي عَشَرة بالعقود ما بين العشرة إلى المائة، ألا تراك تقول: عشرون وثلاثون، فتجد فيه لفظ التذكير ولفظ التأنيث؟ أما التذكير فالواو والنون، وأما التأنيث فقولك: ثلاث من ثلاثون؛ ولذلك صلحت ثلاثون إلى التسعين للمذكر والمونث فقلت: ثلاثون رجلًا وثلاثون امرأة، وتسعون غلامًا وتسعون جارية، فكذلك أيضًا هذا الموضع.
ألا تراه قال تعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾؟ ٣ فـ"أَسْبَاطًا" يؤذن بالتذكير، و"أمم" يؤذن بالتأنيث، وهذا واضح.
وحَسُن تشبيه اثنتي عشرة "٦٤و" برءوس العقود دون المائة من حيث كان إعراب كل واحد منهما بالحرف لا بالحركة، وذلك اثنتا عشْرة واثنتي عشْرة، فهذا نحو من قولهم: عشرون وعشرين، وخمسون وخمسين، وتسعون وتسعين، فافهمه.
ومما يدلك على أن ضم أسماء العدد بعضها إلى بعض يدعو إلى تحريفها عن عادة استعمالها قولهم: أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وكان قياس أربع وأربعة وخمس وخمسة أن يكون
_________________
(١) ١ لمرداس بن حصين من بني عبيد اله بن كلاب، شاعر جاهلي. قصرت: حبست، القبيلة: اسم فرسه. ٢ هو الأصمعي، ورواية أبي زيد "تجهنا" بكسر الجيم. وانظر: النوادر: ٦، ٧، والخصائص: ٢/ ٢٨٦، واللسان "وجه". ٣ سورة الأعراف: ١٦٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]
هذا أَحد وأَحَدة، أفلا ترى إلى إحدى -وهي فِعْلَى وأصلها وِحْدى- كيف عاقبت في المذكر فعلًا، وهو أحد وأصله وَحَد؟
فأما إحدى وعشرون إلى التسعين فإنه لما سبق التحريف إليها في إحدى عشرة ثبت فيها فيما بعد.
ومن ذلك ما رواه قتادة عن الحسن: "وقولوا حِطَّةً"١ بالنصب.
قال أبو الفتح: هذا منصوب عندنا على المصدر بفعل مقدر؛ أي: احْطُطْ عنا ذنوبنا حِطَّةً.
قال:
واحطُط إلهي بفضلٍ منك أوزاري
ولا يكون "حطة" منصوبًا بنفس قولوا؛ لأن قلت وبابها لا ينصب المفرد إلا أن يكون ترجمة الجملة، وذلك كأن يقول إنسان:" لا إله إلا الله، فتقول أنت قلت: حقًّا؛ لأن قوله: لا إله إلا الله حق، ولا تقول: قلت زيدًا ولا عمرًا، ولا قلت قيامًا ولا قعودًا، على أن تنصب هذين المصدرين بنفس قلت لما ذكرته.
ومن ذلك قراءة شهر بن حوشب٢ وأبي نهيك٣: "يَعَدُّونَ فِي السَّبْت"٤.
قال أبو الفتح: أراد يعتدون، فأسكن التاء ليدغمها في الدال، ونقل فتحتها إلى العين، فصار يعَدُّون، وقد مضى مثله في يَخَصِّف٥.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وأبي عبد الرحمن والحسن واختلف عن نافع: "بعَذابٍ بِيسٍ"٦ فعل بلا همز، و"بِئْسٍ" وهي قراء السلمي بخلاف، ويحيى وعاصم بخلاف،
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٦١. ٢ هو شهر بن حوشب أبو سعيد الأشعري الشامي ثم البصري، تابعي مشهور. عرض عليه أبو نهيك علباء بن أحمر، ومات سنة ١٠٠، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: ١/ ٣٢٩. ٣ هو علباء بن أحمر أبو نهيك اليشكري الخراساني، له حروف من الشواذ تنسب إليه، وقد وثقوه، عرض على شهر بن حوشب وعكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه داود بن أبي الفرات وغيره، وروى عنه حروفه أبو المهلب العتكي، وقد خرج مسلم حديثه. طبقات القراء: ١/ ٥١٥. ٤ سورة الأعراف: ١٦٣، وقراءة الجماعة: ﴿يَعْدُونَ﴾ بفتح الياء وسكون العين. ٥ انظر الصفحة: ٢٤٥، والآية "يَخْصِفَانِ"، وهذه قراءة الحسن فيما روى عنه محبوب، ورُويت عن ابن أبي بردة ويعقوب. البحر المحيط: ٤/ ٢٨٠. ٦ سورة الأعراف: ١٦٥.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والأعمش بخلاف، وعيسى الهمداني.
"بَيْئِسٍ" مثل فَيْعِل ابن عباس وعاصم بخلاف.
"بَيْئَس" طلحة بن مصرف.
وقرأ أبو رجاء: "بائس "، و"بَيَسٍّ" وزن فَعَلٍّ.
وقراءة نصر بن عاصم وجُؤيَّة١ بن عائذ: و"بَأْس"٢ ورُوي عن مالك بن دينار أيضًا.
و"بَيِّسٍ" وزن فَعِّلٍ، يروى عن نصر بن عاصم أيضًا.
و"بئِس " وزن فعِل قراءة زيد بن ثابت و"بِئْس".
ومما رويت عن الحسن و"بَيْس "، ورويت عن نافع أيضًا.
قال أبو الفتح: أما "بِيس" بغير همز على وزن فِعْل فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد مثال فِعْل، فيكون كما جاء من الأوصاف على فِعْل، نحو: نِضْو٣ ونِقْض٤ وحِلْف، وأصله الهمز كقراءة مَن قرأ "بِئْسٍ" بالهمز، إلا أنه خفف فأبدل ياء فصارت "بيس" كبِير وذيبٍ، فيمن خفف.
والآخر: أن يكون أراد فَعِلًا، فأصله بَئِس كمَطِر وحَذِر، ثم أسكن ونقل الحركة من العين إلى الفاء كالعبرة فيما كان على فَعِل وثانيه حرف الحلق كفخِذ ونغِر٥ وجئِز٦، فصار إلى بِئس، ثم خفف فقال: بِيس، على ما مضى.
وأما "بَئِس" على فَعِل فجاء على قولهم: قد بَئِس الرجل بآسةً: إذا شَجُعَ، فكأنه عذاب مُقدِم عليهم وغير متأخر عنهم.
وقد يجوز أيضًا أن يكون "بَئِس" مقصورًا من بئيس كالقراءة "٦٤ظ" الفاشية، كما قالوا في لبيق: لَبق، وفي سيمج سَمج.
وأما "بَيْئِس" على فَيْعِل ففيه النظر؛ وذلك أن هذا البناء مما يختص به ما كان معتل العين كسيِّد وهين ودين ولين، ولم يجئ في الصحيح، وكأنه إنما جاء في الهمزة لمشابهتها حرفي العلة، والشبه بينها وبينهما من وجوه كثيرة.
_________________
(١) ١ هو جؤية بن عاتك، ويقال: ابن عائذ، أبو أناس -بضم الهمزة ونون بعدها- الأسدي الكوفي. روى القراءة عن عاصم، وذكر الداني أن له اختيارًا في القراءة. طبقات القراء: ١/ ١٩٩. ٢ الواو هنا لا محل لها، فالآية ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ . ٣ النضو: المهزول. ٤ النقض: المنقوض. ٥ النغر: الذي غلا جوفه وغضب، والفعل كفرح. ٦ الجئز: الغصان.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وأما "بَيْسٍ" في وزن جَيْشٍ فطريق صنعته أنه أراد بَئِس، فخفف الهمزة فصارت بين بين؛ أي: بين الهمزة والياء، فلما قاربت الياء ثقلت فيها الكسرة فأسكنها طلبًا للاستخفاف، فصارت في اللفظ ياء، كما خففوا نحو صَيِدَ البعير، فقالوا: صيْدَ وإن كنت العين في صيِد ياء محضة وكانت في بَئِس همزة مخففة، إلا أنه شبهها بياء صَيِد لما ذكرنا من مقاربتها في اللفظ الياء، ونحو من ذلك قول ابن ميادة:
فكان يوْميْذٍ لها حكمُها
أراد: يومئذ، فخفف فصارت الهمزة بين بين وأشبهت الياء فأسكنها، فقال: "يَوْمَيْذٍ"، فهذا كبَيْسٍ على ما ترى.
وقد يجوز أن يكون أراد تخفيف بَيْئِس، فصارت بَيِس ثم أسكن تخفيفًا، كقولهم في عَلِمَ: عَلْم، وفي كلمة: كَلْمة، وفي فَخِذ: فَخْذ، ومثال بيْس على هذا فَيْل.
فأما "بائس" فاسم الفاعل من بئِس على ما قدمنا ذكره.
وأما "بَيَس"١ فطريف، وظاهر أمره أن يكون جاء على ماضٍ مثالُه فَيْعَل كهَيْنَم٢، ثم خففت الهمزة فيه وأُلقيت حركتها على الياء فصار بَيَس، وجاز اعتقاد هذا الفعل وإن لم يظهر كأشياء تثبت تقديرًا ولا تبرز استعمالًا.
وأما "بَيِّس" بتشديد الياء وكسرها، فليس على فَعِّل كما ظن ابن مجاهد؛ بل هو على فَيْعِل تخفيف بيئِس على قول من قال من تخفيف سوءَة: سَوَّة، وفي تخفيف شيء: شيّ، فأبدل الهمزة على لفظ ما قبلها، وعليه قول الشاعر:
يعجل ذا القباضة الوحِيَّا أن يرفع المئزر عنه شَيَّا٣
فصار بَيِّس كما ترى.
وأما "بأْسٍ" فتخفيف بَئِس، كقولك في سَئِم: سأْم، وفي علِم عَلْم.
وأما "بَيْس" فالعمل فيه من تخفيف الهمزة ثم إسكانها فيما بعد كالعمل في "بَيْسٍ" وهو يريد الاسم، وقد مضى ذلك.
_________________
(١) ١ لم يذكر هذا الوجه فيما سبق. ٢ الهينمة: الصوت الخفي. ٣ القباضة: الانكماش والسرعة، الوحي: السريع، وورد الشاهد غير معزوٍّ في كل من اللسان والصحاح "قبض".
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما "بِئِس" فعلى الإتباع مثل: فِخِذ وشِهِد. قال أبو حاتم في قراءة بعضهم: "بِئيَس"، فهذا في الصفة بمنزلة حِذْيم١ فِعْيَل، وكذا مثَّله أبو حاتم أيضًا.
وحكى أبو حاتم أيضًا "بِئِيس" كشِعِير وبِعِير، فكسر أوله لكسر الهمزة بعده.
وحكى أيضًا فيها "بَئِّس" فَعِّل، وأنكرها فردها ألبتة، وأنكر قراءة الحسن: "بِئْس" وقال: لو كان كذا لما كان بُدٌّ معها من "ما" بئِسما كنعم ما.
ومن ذلك قراءة زهير عن خُصَيف: "مِنْ ظُهورهم ذُرِّيئَتَهم"٢ واحدة مهموزة.
قال أبو الفتح: هذا يمنع مِن تَأَوُّل الذرية فيمن لم يهمز أنها من الذر أو من ذَرَوت أو من ذَرَيْت، ويقطع بأنها من ذَرَأْتُ؛ أي: خلقتُ.
فإن قلت: فهلا أجزْتَ أن تكون من الذَّر وجعلتها فُعْلِيَّة غير أنها همزت كما وجد بخط الأصمعي: قَطًا جؤني٣.
قيل: هذا من الشذوذ؛ بحيث لا يُسمع أصلًا، فضلًا عن "٦٥و" أن يتخذ قياسًا.
ومن ذلك قراءة السلمي: "وادَّارسُوا ما فيه"٤، وعباس عن الضبي عن الأعمش: "وادَّكَروا ما فيه".
قال أبو الفتح: "ادَّارسُوا" تدارسوا، كقوله: "ادَّاركوا"٥، والعمل فيهما واحد، وقد تقدم.
_________________
(١) ١ الحذيم: القاطع. ٢ سورة الأعراف: ١٧٢. ٣ القطا الجوني: ضرب من القطا سود بطون الأجنحة والقوادم، قصار الأذناب، وأرجلها أطول من أرجل الكدري، وأجسامها أضخم، تعدل جونية بكدريتين، وفي الأصل: جونيء، وهو تحريف؛ ففي المخصص ٨/ ١٥٧ قال -يعني: أبا حاتم: ووجد في بعض رقاع الأصمعي بعد موته: بعض العرب يهمز الجوني، ولم يقله غيره. الفارسي: هو على توهم الضمة التي في الجيم واقعة على الواو. ومثله قراءة مَن قرأ: "فاستوى على سؤقه". وحُكي عن أبي العباس أنه قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وفي اللسان مثله نقلًا عنه بتصرف، وانظر الخصائص: ٣/ ١٤٦، وكأن وجه المشابهة التي عقدها ابن جني بين ذريئتهم وجؤني هو مطلق الهمز القليل في كلتا الكلمتين، دون تقيد بنوع الحرف المهموز ولا بمكانه من الكلمة التي جاء فيها. ٤ سورة الأعراف: ١٦٩. ٥ سورة الأعراف: ٣٨، وانظر الصفحة ٢٤٧ من هذا الجزء.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وأما "وادَّكرُوا" فأراد تذكروا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ ١.
ومن ذلك قراءة السُّلمي: "إيَّان مرساها"٢ بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: أما "أَيَّان" بفتح الهمزة فَفَعْلان، وبكسرها فِعْلان، والنون فيهما زائدة حملًا على الأكثر في زيادة النون في نحو ذلك.
فإن قيل: فهلا جعلتها فَِعَّالا من لفظ أين، قيل: يمنع من ذلك أن أيان ظرفُ زمان وأين ظرف مكان؛ لكنها ينبغي أن تكون من لفظ "أي"؛ لما ذكرناه من اعتبار زيادة النون في نحو هذا.
ولأن "أيًّا" استفهام كما أن "أَيان" استفهام، وأن "أَيّ" أين كانت فهي بعض من كل، والبعض لا يخص زمانًا من مكان ولا جوهرًا من حدث، فحملها على "أي" أولى من حملها على أين.
وقد كنا قلنا في أي هذه: إنها من لفظ أَوَيْتُ ومعناه.
أما اللفظ فلأن باب طويت وشويت أضعاف باب حَيِيت وعَيِيت.
وأما المعنى فلأن البعض آوٍ إلى الكل ومتساند إليه، فهي إذن من قوله:
يأْوي إلى مُلْطٍ له وكَلْكَلِ٣
يصف البعير يقول: إنه يتساندُ بعضُه إلى بعض، فهو أقوى له، فأصلها على هذا أَوْيٌ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت أَيّ، كقولك: طويت الكتاب طيًّا، وشويت اللحم شَيًّا.
ولو سمت رجلًا بأَيّان، فتحت الهمزة أو كسرتها، لم تصرفه معرفة؛ لأنها كحَمْدان وعِمْران، وإن كسَّرت ذلك الاسم على سِرْحان وسَراحين وحَوْمانة٤ وحوامِين قلت: أوايين، فظهرت الواو التي هي عين أَوَيْتُ، كقولك في تكسير ريَّان أو جمعه على مثال مفاعيل: روايِين، تظهر الواو التي هي عينه لزوال علة القلب عنها.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٤٧. ٢ سورة الأعراف: ١٨٧، وفي الأصل: "أيان يبعثون"، وهذه في النحل: ٢١، وفي النمل: ٦٥، وكسر همزة أيان لغة سليم، ومنهم السلمي. البحر المحيط: ٤/ ٤١٩، ٤٣٤. ٣ الملط: جمع ملاط ككتاب؛ وهو المرفق، الكلكل: الصدر. ٤ الحومانة: المكان الغليظ المنقاد.
[ ١ / ٢٦٨ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "كأنَّك حفيٌّ بِها"١.
قال أبو الفتح: ذهب أبو الحسن في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ إلى أن تقديره: يسألونك عنها كأنك حفي بها، فأخر "عن" وحذف الجار والمجرور للدلالة عليهما، فهذا الذي قدره أبو الحسن قد أظهره ابن عباس، وحذف "عنها" لدلالة الحال عليها، ألا ترى أنه إذا كان حفيًّا بها فمن العرف وجاري عادة الاستعمال أن يُسْأَل عنها، كما أنه إذا سئل عنها فليس ذلك إلا لحفاوته بها؟ وإذا لم يكن بها حفيًّا لم يكن عنها مسئولًا، وكل واحد من حرفي الجر دل عليه ما صحبه فساغ حذفه، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "فَمَرَت بِه"٢ خفيفة.
قال أبو الفتح: أصله "فمرَّت به" مثقلة، كقراءة الجماعة، غير أنهم قد حذفوا نحو هذا تخفيفًا لثقل التضعيف. وحكى ابن الأعرابي فيما رويناه عنه فيما أحسب: ظنْتُ زيدًا يفعل كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣ فيمن أخذه من القرار لا من الوقار، وهذا الحذف في المكسور أسوغ؛ لأنه اجتمع فيه مع "٦٥ظ" التضغيف الكسرة، وكلاهما مكروه، وهو قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ ٤ أي: ظَلِلْتَ، وقالوا: مَسْتُ يده: أي مَسِسْتُها. وقال أبو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا أَحسن به فهُن إليه شُوسُ٥
أراد: أحسسن، وهذا وإن كان مفتوحًا فإنه قد حُمل الهمزة والزائدة، فازداد ثقلًا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٨٧، والقراءة الفاشية: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ . ٢ سورة الأعراف: ١٨٩. ٣ سورة الأحزاب: ٣٣. ٤ سورة طه: ٩٧. ٥ من قصيدة في وصف الأسد، ويروى: "سوى" مكان "خلا". وقبله: فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد عموس إلى أن عرسوا وأنخت منهم قريبًا ما يحس له مسيس عموس: قوي شديد، الشوس: جمع أشوس وشوساء، من الشوس؛ وهو النظر بمؤخَّر العين تكبرًا أو تغيظًا. وانظر: الخصائص: ٢/ ٤٣٨، وشواهد الكشاف: ٦٩.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وقرأ: "فَمَارتْ به" بألف عبد الله بن عمرو، وهذا من مار يمور: إذا ذهب وجاء، والمعنى واحد، ومنه سُمي الطريق مَوْرا للذَّهاب والمجيء عليه، ومنه الْمُورُ: التراب لذلك.
وقرأ ابن عباس: "فاستَمرَّت به "١، ومعناه: مرَّت مكلِّفَة نفسَها ذلك؛ لأن استفعل إنما يأتي في أكثر الأمر لمعنى الطلب؛ كقولك: استطعم أي: طلب الطُّعْم، واستوهب: طلب الْهِبَة، والباب على ذلك.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "إِنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا"٢ نَصْبٌ، "أمثالَكم " نصب.
قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن تكون إن هذه بمنزلة ما، فكأنه قال: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، فأعمل إن إعمال "ما"، وفيه ضعف؛ لأن إن هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص "ما" به، فتجري مجرى ليس في العمل، ويكون المعنى: إنْ هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هي حجارة أو خشب، فهم أقل منكم لأنكم أنت عقلاء ومخاطبون، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟
فإن قلت: ما تصنع بقراءة الجماعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؟ فكيف يُثبت في هذه ما نفاه في هذه؟
قيل: يكون تقديره أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون، فسماهم عبادًا على تشبيههم في خلقهم بالناس٣، كما قال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان﴾ ٤، وكما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٥ أي: تقوم الصنعة فيه مقام تسبيحه.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٨٩، وهذه إحدى الروايتين عند ابن عباس والأخرى: "فاستمرت بحملها"، وانظر: البحر المحيط: ٤/ ٤٣٩. ٢ سورة الأعراف: ١٩٤. ٣ وخرجها أبو حيان بما يجعل الآيتين متطابقتين في المعنى دون تأويل، وهو أن إنْ هي المخففة من الثقيلة، وأعملها عمل المشددة، ونصب خبرها على لغة مَن ينصب من ينصب أخبار إن أخواتها، أو على إضمار فعل تقديره: إن الذين تدعون من دون الله تدعون عبادًا أمثالكم. البحر المحيط: ٤/ ٤٤٤. ٤ سورة الرحمن: ٦. ٥ سورة الإسراء: ٤٤.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ومن ذلك قراءة الجحدري: "يُمَادُّونَهم"١.
قال أبو الفتح: هو يُفَاعِلونهم من أَمددته بكذا، فكأنه قال: يعاونونهم.
ومن ذلك قراءة أبي مِجْلَز٢: "بالغُدُوِّ والإِيصال"٣ بكسر الألف.
قال أبو الفتح: هو مصدر آصلنا فنحن مؤصلون؛ أي: دخلنا في وقت الأصيل. قال أبو النجم:
فَصَدرت بعد أَصِيل المؤصِل
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٢٠٢، وقرأ نافع: "يمدونهم" مضارع أمد، وباقي السبعة: "يمدونهم" من مد. البحر المحيط: ٤/ ٤٥١. ٢ هو لاحق بن حميد السدوسي البصري، تابعي. البحر المحيط: ٤/ ٤٥٣. ٣ سورة الأعراف: ٢٠٥.
[ ١ / ٢٧١ ]