بسم الله الرحمن الرحيم
[١٠١ظ] قراءة يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف: "هَذَا ذِكْرٌ مِنْ مَعِيَ وَذِكْرٌ مِنْ قَبْلِي١"، بالتنوين في "ذكر"، وكسر الميم من "مِنْ".
قال أبو الفتح: هذا أحد ما يدل على أن "مع" اسم، وهو دخول "مِنْ" عليها.
حكى صاحب الكتاب وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر مِنْ عندي ومِنْ قَبلي، أي: جئت أنا به، كما جاء به الأنبياءُ مِنْ قَبلي، كما قال الله "تعالى": ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٢.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: "الْحَقُّ فَهُمْ مُعْرِضُون"٣.
قال أبو الفتح: الوقف في هذه القراءة على قوله "تعالى": "لا يَعْلَمُونَ"، ثم يستأنف: "الحقُّ"، أي هذا الحق، أو هو الحق؛ فيحذف المبتدأ، ثم يوقف على "الحق"، ثم يستأنف فيقال: فهم معرضون، أي: فهم معرضون٤، أي: أكثرهم لا يعلمون.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: "فَذَلِكَ نُجْزِيهُ"٥، برفع الهاء والنون.
قال ابن مجاهد: لا أدري ما ضم النون؟ لا يقال إلا جزيت، كما قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٢٤. ٢ سورة النساء: ١٦٣. ٣ جزء من الآية ٢٤ السابقة، وقبله منها: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ . ٤ كذا في النسختين، وهو تكرار. ٥ سورة الأنبياء: ٢٩. ٦ سورة سبأ: ١٧.
[ ٢ / ٦١ ]
قال أبو الفتح: هو لعمري غريب عن الاستعمال، إلا أن له وجها أنا أذكره.
وذلك أنه يقال: أجزأني الشيء: كفاني، وهذا يجزئني من كذا، أي يكفيني منه، فكأنه في الأصل نجزئ به جهنم، أي نكفيها به، ومعناه: نمكنها منه. فتأتي عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، ثم حُذف حرف الجر. فصار نجزئه جهنم، أي: نُطعمه جهنم، كما حُذف الحرف في قوله "تعالى": ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١، أي: من "قومه"، ثم أبدلت الهمزة من نجزئه ياء على حد أخطيت وقريت؛ فصارت ياء ساكنة: نجزِيهُ، وأقرت الهاء على ضمتها وهو الأصل، كما قرأ أهل الحجاز: "فَخَسَفْنَا بِهُو بِدَارِهُو الْأَرْضَ٢".
وزاد في حسن الضمة هنا أن الأصل الهمز. والهاء مع الهمزة هنا مضمومة. أي: نجزئه، فلما أبدلت الهمزة على غير قياس صارت الهاء كأن لا ياء قبلها؛ لأنه ليس هناك مسوغ للهمز لولا حمله على قريت وبابه، فبقيت الهاء على ضمتها تنبيها على أن الهمز ياء في الحكم، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قَوِيّ عذر، فهذا٣ طريق الصنعة فيه. وهو أمثل من أن يحمل على إعطاء في بابه بما لا طريق إلى تسهيل طريقه.
ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفي وأبي حيوة: "رَتَقًا"٤، بفتح التاء.
قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجيء المصدر على فَعْل ساكن العين. واسم مفعول منه على فعَل مفتوحها، وذلك قولهم: النفْضُ للمصدر والنَّفَضُ للمنفوض٥، والخبْط. المصدر والخبَط الشيء المخبوط، والطرْد المصدر والطرَد المطرود. وإن كان قد يستعمل مصدرا، نحو: الحلْب والحلَب. فقراءة الجماعة: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ كأنه مما وضع من المصدر موضع اسم المفعول، كالصيْد في معنى المصيد، والخّلْق بمعنى المخلوق.
وأما "رَتَقًا"، بفتح التاء فهو المرتوق، أي: كانتا شيئا واحدا مرتوقا، فهو إذًا كالنفض
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٥٥. ٢ سورة القصص: ٨١. ٣ في ك: وهذا. ٤ سورة الأنبياء: ٣٠. ٥ في ك: النقض للمصدر والنقض للمنقوض، وهو تحريف. وسيأتي قريبا ذكر النقض.
[ ٢ / ٦٢ ]
والخبط، بمعنى المنفوض والمخبوط. ونحو من ذلك مجيئهم بالمصدر على فَعْل مفتوح الفاء [١٠٢و]، واسم المفعول على فِعْل بكسرها، نحو رعيْت رَعيًا والرِّعي: المرعى، وطحنت الشيء طحنا والطِّحن: المطحون. ونقضت الشيء نقضا. والنِّقض: التعب، فكأنه منقوض. وسوغ الانحراف عن المصدر تارة على فَعَل والأخرى إلى فِعْل -تعاقبُ فِعْل وفَعَل في أماكن صالحة على المعنى الواحد، وهو المِثْل والمَثَل، والبِدْل والبَدَل، والشِّبْه والشَّبَه. ومن المعتل القِيل والقَال، والرِّير١ والرَّار. والكِيح٢ والكَاح، والقِير والقَار.
وقالوا أيضًا صِغْوُهُ٣ معك وصَغَاهُ معك، وكذلك عندي ما عدلوا بِفَعَل تارة إلى فِعْل، وأخرى إلى فُعْل، وذلك قولهم: بِنْت على فِعْل وأُخْت على فُعْل. وأصل كل واحد منهما فَعَل: بنو. وأخو، فلما مالوا إلى التأنيث جاءوا "ببنت" على فِعل. و"أخت" على فُعل؛ فصارا في التقدير بنو وأخو، ثم أبدلوا الواو تاء كتُجَاه وتُرَاث؛ فصارت بِنْتًا وأُخْتًا.
وقد مالوا أيضا ببعضه إلى فَعْل. فقالوا: هَنْت٤، وأصله فَعَل: هَنَوٌ، فأصاروه إلى هَنْو، ثم أبدلوا الواو تاء، فقالوا: هَنْت. وقابل ذلك أيضا من كلامهم ما كان فيه ثلاث لغات. نحو الشُّرب والشَّرب والشِّرب، والزَّعم والزُّعم والزِّعم. وقالوا شَنِئْتُه شَنْئًا وشِنئًا وشُنئًا.
وقال أبو عبيدة: هو قُطْب الرحى وقِطْب وقَطْب، فهذا طريق مقابلة صنعة اللغة ولفظة واحدة منه في هذا الحد، وعلى التنبه وتدارك الوضع -يقوم مقام كتاب لغة يحفظ هكذا سردا، ولا تَبُلّ النفس بنحو ذلك من لطيف الصنعة فيه يدا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن سريج الأصبهاني: "آَتَيْنَا بِهَا"٥، بالمد.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "آتَيْنَا" هنا فاعَلْنا لا أفْعَلْنا؛ لأنه لو كانت أفعَلْنا لما احتيج إلى الباء ولقيل: آتيناها. كما قال "تعالى": ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ٦،
_________________
(١) ١ الرير: المخ الذائب. ٢ الكيح: عرض الجبل. ٣ صغوه: ميله. ٤ لغة في الهن، من قولهم للرجل: ياهن. ٥ سورة الأنبياء: ٤٧. ٦ سورة الإسراء: ٥٩.
[ ٢ / ٦٣ ]
فآتينا إذا من قوله: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ فاعلْنا، ومضارعها يُوَاتِي١ كيُهاتِي٢ في قول الجماعة إلا أبا علي فإنه كان يقول في هات: غير ما يقول الناس فتصريف هذا الفعل آتينا نُواتِي مُواتاة، وأنا مواتٍ، وهو مواتًى. ومن قال: ضاربت ضِرَابًا قال: إتاءً، ومن قال: ضِيرَابا قال: إيتاءً؛ فإيتاءُ على فِيعال كضِيراب، ومن قال:
أقاتلُ حتى لا أرى لي مُقاتًلا٣
قال: مواتًى.
ومن ذلك قراءة ابن عباس، وعكرمة والضحاك: "الْفُرْقَانَ ضِيَاءً"٤، بغير واو.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "ضياء" هنا حالا، كقولك: دفعت إليك زيدا مجملا لك ومسددا من أمرك، وأصحبتك القرآن دافعا عنك ومؤنسا لك. فأما في قراءة الجماعة: "وضياء" بالواو، فإنه عطف على الفرقان، فهو مفعول به على ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي نهيك وأبي السمال: "فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا"٥.
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد عن أبي بكر محمد بن هارون٦ عن أبي حاتم قال: فيها لغات: جِذاذا، وجُذاذا، وجَذاذا. قال: وأجودها الضم، كالحُطام والرُّقات، وكذلك روينا عن قطرب: جَذَّ الشيءَ يجُذه جَذًّا [١٠٢ظ] وجُذاذا وجِذاذا وجَذاذا.
_________________
(١) ١ هو في النسختين "يواتي" على التسهيل. ٢ يهاتي: يفاعل من هات يا رجل، بمعنى أعط. ٣ من قول كعب بن مالك: أقاتلُ حتى لا أرى لي مُقاتًلا وأنجو إذا غُم الجبانُ من الكربِ أو من قول زيد الخيل: أقاتلُ حتى لا أرى لي مُقاتًلا وأنجو إذا لم ينجُ إلَّا المكيّسُ والمكيس: من كيسه، إذا جعله كيسا، وانظر اللسان "قتل"، والخصائص: ١: ٣٦٧، ٢: ٣٠٤. ٤ سورة الأنبياء: ٤٨. ٥ سورة الأنبياء: ٥٨. ٦ محمد بن هارون: لعله محمد بن هارون الطبري، روى الحروف عن أبي حاتم السجستاني، وروى عنه الحروف محمد بن الحسن النقاش، طبقات ابن الجزري: ٢: ٢٧٣.
[ ٢ / ٦٤ ]
ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبي إسحاق والأشهب ورويت عن أبي عمرو: "أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ"١.
قال أبو الفتح: تكون "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" بدلا من "أُمَّتُكُمْ"، كقولك: زيد أخوك رجل صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ "أُمَّتَكُمْ" بالنصب بدلا وتوضيحا "لهذه". ورفع "أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ" لأنه٢ خبر إن لكان وجها جميلا حسنا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: "وَحَرِمَ عَلَى قَرْيَةٍ"٣.
وقرأ: "وحرُم" ابن عباس -بخلاف- وأبو العالية وعكرمة.
وقرأ: "وَحَرَمَ عَلَى قَرْيَةٍ" قتادة ومطر الوراق.
وقرأ: "وَحَرِمَ"، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين في الميم عكرمة، بخلاف.
وقرأ: "وحَرْمٌ"، بفتح الحاء، وسكون الراء والتنوين ابن عباس، بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "حَرِمَ" فالماضي من حَرِمَ٤، كقَلِقَ من قَلِقٍ، وبَطِرَ من بَطِرٍ. قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قبر ماله٥، وأحرمته: قمرته. قال زهير:
وإن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمٌ٦
وأما "حَرُمَ" فأمره في الاستعمال ظاهر.
ومن جهة أحمد بن يحيى: "وَحَرِمٌ عَلَى قَرْيَةٍ"، أي: واجبٌ وحرامٌ، معناه: حُرِّمَ ذلك عليها، فلا تُبعث إلى يوم القيامة، وهذا على زيادة "لا"٧، وحَرِمَ الرجلُ: إذا لجَّ في شيء ومَحَكَ٨.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٩٢. ٢ في ك: لأن، وهو تحريف. ٣ سورة الأنبياء: ٩٥. ٤ الظاهر أنه يريد بقوله: فالماضي من حرم -إن حرم لازم، ولذا الوصف منه على فَعِل كمثل: قَلِق وبَطِر، وإلا فالفعلُ لا يُؤخذ من الوصف. ٥ يقال: قمرته المال، أي: سلبته إياه في القمار. ٦ روي "مسغبة" مكان "مسألة". والخليل: الفقير، من الخلة. الديوان: ١٥٣، والأمالي: ١: ١٩٦، والكتاب: ١: ٤٣٦. ٧ الآية بتمامها: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُون﴾ . ٨ محك: لج وتمادى في اللجاجة.
[ ٢ / ٦٥ ]
وأما "حَرُمَ" فمن حَرَمْتُه الشيءَ: إذا منعْتُه إياه، فقد عاد إذًا إلى معنى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ . وأما "حَرْمٌ"، بفتح الحاء، وتسكين الراء فمخفف من حَرِمٌ على لغة بني تميم، فهو كبَطْر من بَطِرٍ، وفَخْذ من فَخِذٍ، وكَلْمة من كَلِمَة. وقال أبو وعلة:
لا تأمنَنْ قوما ظلمتَهُمُ وبدأتَهُمُ بالشرِّ والحِرْمِ.
فكسَر، فهذا يصلح أن يكون من معنى اللجاج والمحك، ويصلح أن يكون من معنى الحرمان، أي: ناصبتهم وحرمتهم إنصافك.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "مِنْ كُلِّ جَدَث يَنْسِلُونَ١".
قال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجَدَفُ بالفاء لبني تميم. وقالوا: أجدثْتُ له جَدَثًا، ولم يقولوا: أجدفْتُ، فهذا يريك أن الفاء في "جَدَفٍ" بدل من الثاء في "جَدَثٍ". ألا ترى الثاء أذهب في التصرف من الفاء؟ وقد يجوز أن يكونا أصليين إلا أن أحدهما أوسع تصرفا من صاحبه، كما قالوا: وَكَّدْتُ عهدَه وأَكَّدْتُه، إلا أن الواو أوسع تصرفًا من الهمزة. ألا تراهم قالوا: قد وَكَدَ وَكْدَهُ٢، أي: شغل به، ولم يقولوا: أَكَدَ أَكْدَهُ؟ فالواوُ إذًا أوسعُ تصرفًا، وعليه قالوا: مودَّةٌ وكِيدَةٌ، ولم يقولوا: أكِيدَةٌ. وقالوا: وَكَّدْتُ السَّرجَ، والوِكَادُ٣، ولم تستعملْ هنا الهمزةُ، فهذا مذهبٌ مقتاس على ما رأيتك هنا.
ومن ذلك قراءة ابن السَّمَيفع: "حَصْبُ جَهَنَّمَ٤"، ساكنة الصاد.
وقرأ: "حَضَبُ"، بالضاد مفتوحة- ابن عباس.
وقرأ: "حَضْبُ"، ساكنة الضاد كُثِّير عَزَّة٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٩٦. ٢ الوكد: الهم، والمراد، والقصد. ٣ الوكاد: سير يشد به الرحل، وجمعه وكائد. ويقال أيضا: أكاد. ٤ سورة الأنبياء: ٩٨. ٥ هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن أياس بن عبد العزى، وله فيها أشعار كثيرة. وكان عبد الملك بن مروان يتهمه بالتشيع مات سنة ١٠٥ ودفن في مقابر المدينة. تزيين الأسواق: ٣٩ وما بعدها.
[ ٢ / ٦٦ ]
وقرأ: "حَطَبُ جَهَنَّمَ" علي بن أبي طالب وعائشة "﵉" وابن الزبير وأبي بن كعب وعكرمة.
قال أبو الفتح: أما الحَضَبُ١ بالضاد مفتوحة، وكذلك بالصاد غير معجمة فكلاهما الحطب، ففيه ثلاث لغات: حَطَبُ، وحَضَبُ، وحَصَبُ، وإنما يقال: حَصَبٌ إذا ألقي في التنور والموقد. فأما ما لم يستعمل فلا يقال له: حصب. وقال أحمد بن يحيى: أصل الحَصْب الرمي، حطبًا كان أو غيره. [١٠٣و] فهذا يؤكد ما ذكرناه من كونه المرمي في النار.
قال الأعشى:
فًلا تَكُ في حَرْبِنًا مِحْضَبًا لِتَجْعَلَ قوْمَكَ شَتَّى شُعُوبَا٢
فأما "الحَصْب" ساكنا بالصاد والضاد فالطرح، فقراءة من قرأ: "حَضْبُ جَهَنَّمَ" و"حَصْبُ جَهَنمَ" بإسكان الثاني منهما إنما هو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول. كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى المصيد. وقد تقدم ذكر ذلك٣.
ومن ذلك قراءة أبي زرعة٤: "السُجُلِّ"٥ بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبي هريرة.
وقرأ: "كَطَيِّ السِّجْلِ"، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام- الحسن، وأجازه أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة.
وقرأ أبو السمال: "السَّجْل"، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة.
قال أبو الفتح: السَّجْل: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: هو
_________________
(١) ١ في ك: الحصب بالصاد، وهو تحريف. ٢ المحضب: المسعر، وهو عود تحرك به النار عند الإيقاد. رواه اللسان منسوبا إلى الأعشى أيضا، ولم نعثر عليه في ديوانه، ورواه البحر "٦: ٣٤٠"، وفيه "فتجعل" مكان "لتجعل". ٣ انظر الصفحة ٦٢ من هذا الجزء. ٤ هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل غيرهما، رأى عليا -﵁- وروى عن جده وأبي هريرة ومعاوية وغيرهم، وروى عنه عمه إبراهيم بن جرير وإبرهيم النخعي والحارث العكلي وغيرهم. وكان من علماء التابعين الثقات وأهل الصدق. تهذيب التهذيب: ١٢: ٦٩. ٥ سورة الأنبياء: ١٠٤.
[ ٢ / ٦٧ ]
فارسي معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو عربي، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو مَلَك، وقال آخرون: هو كاتب كان للنبي "ﷺ"، وذلك مدفوع؛ لأن كتابه معروفون.
ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجلّ هنا فاعل في المعنى، وإنما هو مفعول في المعنى. وهو كقولك: كطي الكتاب للكتابة، وقوله: "للكتاب" كقولك: للكتابة، أي كطي الكتاب لأن يكتب فيه؟
ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: "وَإِنْ أَدْرِيَ لَعَلَّه"١، "وَإِنْ أَدْرِيَ أَقرِيبٌ"٢، بفتح الياء فيهما جميعا.
قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمري كذلك، لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمي وأفضي، إلا أن تحريكها بالفتح في هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا.
وذلك أنك إذا قلت: "أدري" فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخرهُ، آخرَ ما لك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامي وداري. فلما تشابه الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع في "أدري" و"صاحبي"؛ ففتحت الياء في "أدري" كما تفتح في نحو "داري" و"غلامي".
ولا تستبعد في الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لما أشبه حرف اللين في مصيبة -وإن كانت عينا- حرف اللين في صحيفة وإن كان زائدا٣. وقالوا ما هو أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم٤ لما أشبها بالمثال نحو أركبُ وأذهبُ، وقالوا أيضا: مَسِيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ياء فعيل الزائدة، فقالوا:
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ١١١. ٢ سورة الأنبياء: ١٠٩. ٣ في ك: رائدا، وهو تحريف. ٤ الأصرم: الفقير الكثير العيال.
[ ٢ / ٦٨ ]
أمسلة. كما قالوا: أجربة١، قالوا: سالت معنانه٢. فحذفوا ياء معين، وهو من العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة. هذا هو الظاهر. فأما قولهم: مَسِيل ومُسُل، وأَمْعَنَ بحقِّهِ: إذا أجاب إليه وانقاد له -فقد يجوز أن يكون إنما ساغ ذلك لما سمعوهم يقولن: مُعْنَان [١٠٣ظ] وأمْسِلَة، كما قال أبو بكر في قولهم٣ ضَفنَ الرجلُ يضفِنُ إذا جاء ضيفًا مع الضيف: لما قالوا ضيفَنَ، فأشبه فيعلا٤. فصارت النون في ضيفن كالأصل، إلا أن فَيْعَلا أكثر من فَعْلَن. فاشتُقَّ منه على أقوى ما يجب في مثله؛ فثبتت النون في ضَفَن لاما وإن كانت في ضَيْفَن زائدة. فكذلك شبهوا ياء "أدري" بياء غلامي وداري من حيث ذكرنا. فاعرفه معنى كالعذر أو عذرا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "قُلْ رَبُّ احْكُمْ"٥ بضم الباء، والألف ساقطة على أنه نداء مفرد.
قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعني حذف حرف النداء مع الاسم الذي يجوز أن يكون وصفا لأي. ألا تراك لا تقول: رجل أقبل؛ لأنه يمكنك أن تجعل الرجل وصفا لأي. فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال في قوله "تعالى": ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ٦: إنه أراد يا هؤلاء. وحذف حرف النداء من حيث كان "هؤلاء" من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا لأي في نحو قوله:
ألا أيُّها ذا المنزِلُ الدارِسُ الذي كأنَّكَ لم يعهدْ بِكَ الحيَّ عاهِدُ٧
_________________
(١) ١ الأجربة: جمع الجريب، ومن معانيه: الوادي، والمزرعة. ٢ المعنان: مجاري الماء في الوادي. وقد أورده الصحاح واللسان والقاموس في "معن"، وذكر في اللسان أنه قد يكون مفعولا من العيون، أو من عنت الماء، أي: استنبطته، وقد يكون فعيلا من المعن. ٣ في ك: كلامهم. ٤ أي: وإنما هو فعلن. ٥ سورة الأنبياء: ١١٢. ٦ سورة هود: ٧٨. ٧ البيت لذي الرمة، ويروى صدره: ألا أيها الربع الذي غير البلى يقول: كأن هذا المنزل لدروسه لم يقم به أحد، ولا له به عهد، انظر الديوان: ١٢٢، والكتاب: ١: ٣٠٨.
[ ٢ / ٦٩ ]
و"رَبُّ" مما يجوز أن يكون وصفا لأي، ألا تراك تجيز يأيها الربُّ؟ قال أصحابنا فلم يكونوا ليَجمعوا عليه حذف موصوفه وهو "أي"، وحذف حرف النداء جميعا١.
وعلى أن هذا قد جاء مثلُه في المثَل، وهو قولهم: افتدِ مخنُوق٢، وأصبِحْ ليل٣، وأطرقْ كَرا٤. يريد يا مخنوق، وياليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن كانت٥ منثورة فإنها تجري في تحمل الضرورة لها مجرى المنظوم في ذلك. قال أبو علي: لأن الغرض في الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك، فجرى المثل مجرى الشعر في تجوز الضرورة فيه ومن الشعر قوله:
عجِبْتُ لِعطَّارٍ أَتانا يَسُومُنا بِدَسْكَرَةِ المَرَّانِ دُهْنَ البنفسجِ
فَقُلْتُ له: عطارُ هَلّا أتيْتَنا بنَوْر الخزامى أو بِخُوصَةِ عَرْفَجِ٦
_________________
(١) ١ في هامش نسخة الأصل: غيره يخرج هذه القراءة على أنه مضاف إلى ياء المتكلم، لكن حذف، فعومل بعد حذفها معاملة المنادى المفرد. فهو إذًا مضاف في التقدير وإن كان مفردا في اللفظ، فلا يكون إذًا حذف أداة النداء شاذا ولا ضعيفا. وجاء مثل هذا في البحر: ٦: ٣٤٥. ٢ مثل يضرب لكل مضطر مشفوق عليه. ويروى افتدي مخنوق. وفي الأصل "اقتد" بالقاف، وهو تحريف. وانظر الأمثال للميداني: ٢: ٢٤. ٣ مثل قالته امرأة من طيئ كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر، فكرهت من ليلتها مكانها معه، إذ كان مفركا لا تحبه النساء. فجعلت تقول: "يا خير الفتيان، أصبحت، فيرفع رأسه، فيرى الليل كما هو، فتقول: أصبِحْ ليل! يقال ذلك في الليلة الشديدة التي يطول فيها الشر. أمثال الميداني: ١: ٤١٦ ٤ مثل، بقيته: أن النعامة في القرى. يضرب للذي ليس عنده غناء، ويتكلم، فيقال له: اسكت، وتوق انتشار ما تلفظ به كراهة ما يعقبه. وقولهم: أن النعامة في القرى، أي: تأتيك، فتدوسك بأخفافها. ويقال: أن الكروان يقال له: أطرق كرى، أنك لن ترى. فإذا سمعها لبد بالأرض، فيلقى عليه ثوب، فيصاد. وأصل كرا: كروان، فرخم بحذف النون، وحذفت معها الألف لكونها لينا زائدا ساكنا مكملا أربعة، ثم قلبت الواو ألفا، لتحركها، وانفتاح ما قبلها. وانظر الأمثال للميداني: ١: ٤٤٥، والأساس "كرى". والخزانة: ١: ٤٩٤، وحاشية الصبان على الأشموني في باب النداء. ٥ في ك: وإن كانت عندنا. ٦ الخزامى: عشبة طويلة العيدان، صغيرة الورق، حمراء الزهر، طيبة الريح. والعرفج: ضرب من النباب سهل، وقيل: إنه طيب الريح، أغبر اللون إلى الخضرة، وله زهر أصفر، وليس له حب ولا شوك. وقيل غير ذلك في وصفه.
[ ٢ / ٧٠ ]
أراد يا عطار.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدري والضحاك وابن محيصن: "رَبِّي احْكُمْ بِالْحَقِّ" بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم.
[ ٢ / ٧١ ]