بسم الله الرحمن الرحيم
ومن ذلك قراءة الأعرج: "وهُمْ لا يُفْرِطُون"١.
قال أبو الفتح: يقال: أفرط في الأمر إذا زاد فيه، وفرَّط فيه "٥٢ظ": إذا قصَّر، فكما أن قراءة العامة: ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾: لا يقصرون فيما يؤمرون به من تَوَفِّي من تحضر منيته، فكذلك أيضًا لا يزيدون، ولا يَتَوَفَّوْنَ إلا من أُمروا بتَوَفِّيه. ونظيره قوله جل وعز: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار﴾ ٢.
ومن ذلك قراءة أُبي وابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن يزيد المدني ويعقوب، ورُويت عن سليمان التيمي٣: "لِأَبِيهِ آزَرُ"٤.
وقرأ ابن عباس بخلاف: "أَأَزْرًا نَتَّخِذ" بهمزتين، واستفهام، وينصبهما، وينون.
وقرأ أبو إسماعيل رجل من أهل الشام: "أَئزرًا" مسكورة الألف منونة "تتَّخذ".
قال أبو الفتح: أما "آزَرُ" فنداء، وأما "أَئِزْرًا" فقيل: "إِزْرًا" هو الصنم، و"أَزْرًا" بالفتح أيضًا.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "قَنْوَان"٥ بالفتح.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون قَنْوَان هذا اسمًا للجمع غير مكسر، بمنزلة رَكْب عند سيبويه والجامل والباقر٦؛ وذلك أن فَعْلان ليس من أمثلة الجمع.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٦١. ٢ سورة الرعد: ٨. ٣ هو سليمان ابن قَتة -بفتح القاف ومثناة من فوق مشددة- وقتة أمه، التيمي مولاهم، البصري، ثقة. عرض على ابن عباس عرضات، وعرض عليه عاصم الجحدري. طبقات القراء: ١/ ٣١٤. ٤ سورة الأنعام: ٧٤. ٥ سورة الأنعام: ٩٩. ٦ الجامل: القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه، والباقر: جماعة البقر مع رعاتها.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقرأت على أبي علي في بعض كتب أبي زيد قوله:
خلع الملوك وسار تحت لوائه شَجَرُ العُرا وعُرَاعِرُ الأقوام١
وقال أبو زيد: عُراعِر جمع عُرْعُرة، فقلت لأبي علي: كيف يكون هذا وأوله مضموم؟ فقال -يعني أبو زيد: إنه اسم للجمع يفيد مفاد التكسير.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "وخَلْقَهم"٢ بجزم اللام.
قال أبو الفتح: أي وخَلْق الجن، يعني ما يَخْلُقونه: ما يأفكون فيه ويتكذَّبونه. يقول: جعلوا له الجن شركاء، وأفعالهم شركاء أفعاله أو شركاء له إذا عَني بذلك الأصنام ونحوها.
ومن ذلك قراءة عمر وابن عباس ﵄: "وحَرَّفُوا له" بالحاء والفاء.
وقال أبو الفتح: هذا شاهد بكذبهم، ومثله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣ وأصله من الانحراف؛ أي: الانعدال عن القصد، وكلاهما من حرْفِ الشيء؛ لأنه زائل عن المقابلة والمعادلة، وهو أيضًا معنى قراءة الجماعة: ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالخاء والقاف، ومعنى الجميع: كَذبوا.
ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وَلَم يَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ"٤ بالياء.
قال أبو الفتح: يحتمل التذكير هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون في "يكن" ضمير اسم الله؛ أي: لم يكن الله له صاحبة، وتكون الجملة التي هي "له صاحبة" خبر كان.
والثاني: أن يكون في "يكن" ضمير الشأن والحديث على شريطة التفسير، وتكون الجملة بعده تفسيرًا له وخبرًا، كقولك: كان زيد قائم؛ أي: كان الحديث والشأن زيد قائم.
_________________
(١) ١ لمهلهل. شجر العرا: الذي يبقى على الجدب، وفي الصحاح: والعروة أيضًا من الشجر: الشيء الذي لا يزال باقيًا في الأرض لا يذهب، وجمعة عرا، والعراعر: الشريف من الرجال، وهو هنا اسم جمع كما روى المؤلف، ويروى: عَراعر بالفتح جمع عُراعر بالضم. اللسان: "عرعر"، والصحاح: "عرو". ٢ "وخلقهم وخرقوا" في الآية ١٠٠ من سورة الأنعام. وقال في البحر ٤/ ١٩٤: وقرأ ابن عمر وابن عباس: "وحرفوا" بالحاء المهملة والفاء، وشدد ابن عمر الراء وخففها ابن عباس. ٣ سورة النساء: ٤٦. ٤ سورة الأنعام: ١٠١.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والثالث: أن تكون "صاحبة" اسم "كان"، وجاز التذكير هنا للفصل بين الفاعل والفعل بالظرف الذي هو الخبر؛ كقولنا: كان في الدار هند.
ومثل ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: حضر القاضيَ اليوم امرأةٌ.
وأنا أرى أن تذكير "كان" مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير الأفعال سواها وسوى أخواتها مع فاعليها.
وكان في الدار هند أسوغ من قام في الداره هند؛ وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله؛ لأن الفعل انطبع "٥٣و" بالفاعل حتى اكتسى لفظه من تأنيثه، فقيل: قامت هند وانطلقت جُمْل، من حيث كان الفعل والفاعل يجريان مجرى الجزء الواحد، وإنما كان ذلك كذلك لأن كل واحد منهما لا يستغني عن صاحبه، فأنث الفعل إيذانًا بأن الفاعل الموقع بعده مؤنث، وليس كذلك حديث كان وأخواتها؛ لأنه ليست "كان" مع اسمها كالجزء الواحد، من قِبَل أنك لو حذفت "كان" لاستقل ما بعدها برأسه، فقلت في قولك: كان أخوك جالسًا: أخوك جالس، فلما أن قام ما بعدها برأسه، ولم يحتج إليها؛ لم يتصل به اتصال الفاعل بفعله، نحو: قام جفعر وجلس بِشر.
ألا تراك لو حذفت الفعل هنا لانفرد الفاعل جزءًا برأسه، فلم يستقل بنفسه استقلال الجملة بعد "كان" بنفسها؟ فلما لم تَقْوَ حاجته إلى "كان" قوة حاجة الفاعل إلى الفعل انحطت رتبته في حاجته إلى "كان"، فامتاز منها امتيازًا قد أحطنا به، فساغ لذلك ألا يلزم تأنيث "كان" لاسمها إذا كان مونثًا تأنيث الفعل لفاعله إذا كان مؤنثًا، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا، فافهمه؛ فإن هذه حاله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وقتادة، ورُويت عن الحسن: "دُرِسَتْ"١، ابن مسعود وأُبي: "دَرَسَ". ابن مسعود أيضًا: "دَرسْن".
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٠٥. وفي البحر المحيط ٤/ ١٩٧: وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة: "دُرست" مبنيًّا للمفعول مضمرًا فيه؛ أي: درست الآيات؛ أي: ترددت على أسماعهم حتى بليت وقدمت في نفوسهم وأمحيت. وقرأ باقي السبعة: "دَرَسْتَ" يا محمد في الكتب القديمة.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال أبو الفتح: أما "دُرِسَتْ" ففيه ضمير الآيات، معناه: وليقولوا درستَها أنت يا محمد، كالقراءة العامة "دراسْتَ"١.
ويجوز أن يكون "دُرِسَتْ" أي: عفت وتنوسيت؛ لقراءة ابن مسعود: "دَرَسْن" أي: عفون، فيكون كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٢، ونحو ذلك.
وأما "دَرَس" ففيه ضمير النبي -ﷺ- وشاهد هذا: دارسْتَ؛ أي: فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء قالوا: شيء قرأه أو قارأه فأَتى به، وليس من عند الله؛ أي: يفعل هذا بهم لتقوى أثرة التكليف عليهم زيادة في الابتلاء لهم؛ كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحق عليها الثواب، وإن شئت كان معناه فإذا هم يقولون كذا، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ ٣ أي: فإذا هو عدو لهم.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة وسلام٤ يعقوب وعبد الله بن يزيد: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا﴾ ٥، ورُوي عنهم أيضًا: "بَغْيًا وعُدُوًّا"٦.
قال أبو الفتح: العَدْوُ والعُدُوُّ جميعًا: الظلم والتعدي للحق، ومثلهما العدوان والعداء، قال الراعي:
كتبوا الدُّهَيْمَ على العَداء لمسرِف عادٍ يريدُ خيانةً وغُلُولا٧
ومثله الاعتداء، قال أبو نُخَيْلَة:
ويعتدى ويعتدى ويعتدى وهو بعين الأسد المسوَّد
_________________
(١) ١ في البحر ٤/ ١٩٧: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "دارسْتَ" أي: دراست يا محمد غيرك في هذه الأشياء. ٢ سورة الأنعام: ٢٥. ٣ سورة القصص: ٨. ٤ هو سلام بن سليمان الطويل أبو المنذر المزني مولاهم، البصري ثم الكوفي، ثقة جليل ومقرئ كبير. أخذ القراءة عرضًا عن عاصم بن أبي النجود وأبي عمرو بن العلاء وعاصم الجحدري وغيرهم. وقرأ عليه يعقوب الحضرمي وغيره. ومات سنة ١٧١. طبقات القراء: ١/ ٣٠٩. ٥ سورة الأنعام: ١٠٨. ٦ سورة يونس: ٩٠. ٧ رُوي: "كتب" مكان "كتبوا"، و"من" مكان "على"، و"مخانة" مكان "خيانة"، الدهيم: تضربها العرب مثلًا في الشر والداهية. الجمهرة: ٣٥٦.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ومثل العُدُوِّ والعَدْوِ من التعدي الرُّكوب والرَّكب، قال:
أو رَكب البراذين
يريد: ركوب.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة وسلام ويعقوب وعبد لله بن يزيد والأعمش والهمذاني: "وَيَذَرْهُم"١ بالياء وجزم الراء.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر إسكان المرفوع تخفيفًا، وعليه قراءة مَن قرأ أيضًا: "وَمَا يُشْعِرْكُم"٢ بإسكان الراء، وكأن "يشعرْكم" أعذر من "يَذَرْهُم"؛ لأن فيه "٥٣ظ" خروجًا من كسر إلى ضم، وهو في "يَذَرْهُم" خروج من فتح إلى ضم.
ومن ذلك قراءة عطية العَوْفِي: "وقدْ فَصَلَ لكم"٣ خفيفة.
قال أبو الفتح: هو من قولك: قد فَصَلَ إليكم وخرج نحوكم.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن شرف: "ولْتَصْغَى، ولَيَرْضَوْه، ولْيَقْتَرِفُوا"٤ بجزم اللام في جميع ذلك.
قال أبو الفتح: هذه اللام هي الجارة؛ أعني: لام كي، وهو معطوفة على الغرور من قول الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: للغرور "وَلِأَنْ تصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ"، إلا أن إسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال على قوته في القياس؛ وذلك لأن هذا الإسكان إنما كثر عنهم في لام الأمر نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ٥، وإنما أُسكنت تخفيفًا لثقل الكسرة فيها، وفرقوا بينها وبين لام كي بأن لم يسكنوها، فكأنهم إنما اختاروا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٠. ٢ في إتحاف فضلاء البشر ١٢٩: وقرأ "يشعرْكم" بإسكان الراء وباختلاس حركتها أبو عمرو من روايتيه. ٣ سورة الأنعام: ١١٩. ٤ سورة الأنعام: ١١٣. ٥ سورة الحج: ٢٩.
[ ١ / ٢٢٧ ]
السكون للام الأمر، والتحريك للام كي من حيث كانت لام كي نائبة في أكثر الأمر عن أن، وهي أيضًا في جواب كان سيفعل إذا قلت: ما كان ليفعل، محذوفة مع اللام ألبتة، فلما نابت عنها قووها بإقرار حركتها فيها؛ لأن الحرف المتحرك أقوى من الساكن، والأقوى أشبه بأن ينوب عن غيره من الأضعف.
نعم، وقد رأيناهم إذا أسكنوا بعض الحروف أنابوه عن حركته وعاقبوا بينه وبينها، وذلك نحو: الجواري والغواشي، صارت الياء في موضع الرفع والجر معاقِبة لضمتها وكسرتها في قولك: هؤلاء الجواري ومررت بالجواري، فكأن لام كي على هذا إذا أُسكنت معاقبة لأن، وكالمعاقِبة أيضًا لكسرتها؛ فلذلك أقروها على كسرتها، ولم يجمعوا عليها منابها في أكثر الأمر عن أن وقد ابْتُزَّت حركة نفسها أيضًا.
وأيضًا فإن الأمر موضع إيجاز واستغناء، ألا تراهم قالوا: صه ومه، فأنابوهما عن الفعل المتصرف، وكذلك حاءِ وعاءِ وهاءِ.
ومن ذلك قراءة الحسن: "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِه"١ بضم الياء.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن تكون "مَنْ" في موضع جر بإضافة "أعلم" إليها، لا فيمن ضم ياء يُضل، ولا فيمن فتحها؛ من حيث كانت "أعلم" أفعل، وأفعل هذه متى أضيفت إلى شيء فهو بعضه، كقولنا: زيد أفضل عشيرته؛ لأنه واحد منهم، ولا نقول: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس منهم، لا نقول أيضًا: النبي -ﷺ- أفضل بني تميم على هذا؛ لأنه ليس منهم؛ لكن تقول: محمد -ﷺ- أفضل بني هاشم؛ لأنه منهم، والله يتعالى علوًّا عظيمًا أن يكون بعضَ المضلين أو بعض الضالين.
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٢ فليس من هذا؛ إنما تأويل ذلك -والله أعلم- وجده ضالًّا، كقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ٣، وذلك مشروح في موضعه، فقوله أيضًا: "أَعْلَمُ مَنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ" أي: يُجيرُه عن الحق ويصد عنه.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٧. ٢ سورة الجاثية: ٢٣. ٣ سورة الضحى: ٧.
[ ١ / ٢٢٨ ]
كما أن قراءة مَن قرأ: "أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ": مَنْ يجور عنه، ألا ترى إلى قوله قبل ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فلا محالة "٥٤و" أنه -سبحانه- أراد بمن يضل عن سبيله، فحذف الباء وأوصل "أعلم" هذه بنفسها، أو أضمر فعلًا واصلًا تدل هذه الظاهرة عليه، حتى كأنه قال: يعلم، أو علم مَن يُضِلُّ عن سبيله. يؤكد ذلك ظهور الباء بعده معه في قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقوله بعده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ .
وقد يجوز أن تكون "مَنْ" هذه مرفوعة بالابتداء، و"يُضل" بعدها خبر عنها، و"أعلم" هذه معلقة عن الجملة، حتى كأنه قال: إن ربك هو أعلم أيُّهم يُضِلُّ عن سبيله، كقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ١.
فأما الجر فمدفوع من حيث ذكرنا، وإذا كان ذلك كذلك علمت أن "مَن" في قول الطائي:
غدوتُ بهم أَمَدَّ ذَوِيَّ ظِلًّا وأكثَرَ مَنْ ورَائِي ماءَ وادِي٢
لا يجوز أن تكون "مَنْ" في موضع جر بإضافة أكثر إليه؛ إذ ليس واحدًا ممن وراءه، فهو إذن منصوب الموضع لا محالة بأكثر أو بما دل عليه أكثر؛ أي كَثَرتُهم: كنتُ أكثرَهم ماء واد.
ولا يجوز فيه الرفع الذي جاز مع العلم؛ لأن كثرت ليس من الأفعال التي يجوز تعليقها؛ إنما تلك ما كان من الأفعال داخلًا على المبتدأ وخبره، وأظنني قد ذكرت نحو هذا في صدر هذا الكتاب.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن السلمي: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ"٣.
قال أبو الفتح: يحتمل رفع شركاء تأويلين:
أحدهما: وهو الوجه؛ أن يكون مرفوعًا بفعل مضمر دل عليه قوله: "زُين"؛ كأنه لما قال: زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادهم، قيل: مَن زينه لهم؟ فقيل: زينه لهم شركاؤهم، فارتفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه "زُين"، فهو إذن كقولك: أُكل اللحمُ زيدٌ، ورُكِبَ
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ١٢. ٢ من قصيدة لأبي تمام في مدح أحمد بن أبي داود والاعتذار إليه، وضمير "بهم" لإياد في بيت سابق. انظر: الديوان بشرح التبريزي: ١/ ٣٧٥. ٣ سورة الأنعام: ١٢٣، وقرأ الجمهور ﴿زَيَّنَ﴾ مبنيًّا للفاعل، ونصب ﴿قَتْلَ﴾ مضافًا إلى ﴿أَوْلادِهِمْ﴾ ورفع ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فاعلًا بزين. البحر: ٤/ ٢٢٩.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الفرسُ جعفرٌ، وترفع زيدًا وجعفرًا بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، وإياك وأن تقول: أنه ارتفع بهذا الظاهر؛ لأنه هو الفاعل في المعنى لأمرين:
أحدهما: أن الفعل لا يرفع إلا الواحد فاعلًا أو مفعولًا أقيم مقام الفاعل، وقد رفع هذا الفعل ما أقيم مقام فاعله وهو "قَتْلُ أَوْلادِهِمْ"، فلا سبيل له إلى رفع اسم آخر على أنه هو الفاعل في المعنى؛ لأنك إذ انصرفت بالفعل نحو إسنادك إياه إلى المفعول لم يجز أن تتراجع عنه فتسنده إلى الفاعل؛ إذ كان لكل واحد منهما فعل يخصه دون صاحبه، كقولك: ضَرَب وضُرِب، وقَتَل وقُتِلَ، وهذا واضح.
والآخر: أن الفاعل عندنا ليس المراد به أن يكون فاعلًا في المعنى دون ترتيب اللفظ، وأن يكون اسمًا ذكرته بعد فعل وأسندته ونسبته إلى الفاعل؛ كقام زيد وقعد عمرو. ولو كان الفاعل الصناعي هو الفاعل المعنوي للزمك أن تقول: مررت برجلٌ يقرأ، فترفعه لأنه قد كان يفعل شيئًا وهو القراءة، وأن تقول: رأيت رجلٌ يحدث، فترفعه بحديثه، وأن تقولم في رفع زيد من قولك: زيد قام: إنه مرفوع بفعله؛ لأنه الفاعل في المعنى؛ لكن طريق الرفع في "شركاؤهم" هو ما أَريتك من إضمار الفعل له لترفعه به، ونحوه ما أنشده صاحب الكتاب من قول الشاعر:
لِيُبْك يزيد ضارِعٌ لخصومة ومُخْتبِطٌ مما تُطيح الطوائح١
كأنه لما قال: ليبك يزيد، قيل: مَن يبكيه؟ فقال: ليبكه ضارع لخصومة، والحمل على المعنى كثير جدًّا، وقد أفردنا له فصلًا في جملة شجاعة العربية من كتابنا الموسوم بالخصائص٢.
فهذا هو الوجه المختار في رفع الشركاء "٥٤ظ" وشاهده في المعنى قراءة الكافة: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، ألا ترى أن الشركاء هم المزيِّنون لا محالة؟
وأما الوجه الآخر: فأجازه قطرب؛ وهو أن يكون الشركاء ارتفعوا في صلة المصدر الذي هو القتل بفعلهم، وكأنه: وكذلك زُين لكثير من المشركين أنْ قَتَلَ شركاؤهم أولادَهم، وشبهه بقوله: حُبِّبَ إليَّ ركوبُ الفرس زيدٌ؛ أي: أن ركب الفرسَ زيدٌ. هذا -لعمري- ونحوه صحيح المعنى، فأما الآية فليست منه، بدلالة القراءة المجتمع عليها، وأن المعنى أن المزيِّن هم الشركاء، وأن القاتل هم المشركون، وهذا واضح.
_________________
(١) ١ للحارث بن نهيك. المختبط: الطالب المعروف، وأصل الاختباط ضرب الشجر للإبل ليسقط ورقها فتعلفه الإبل، تطيح: تذهب وتهلك. الكتاب: ١/ ١٤٥، ١٨٣. ٢ الخصائص: ٢/ ٣٦٠-٤٤١.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وَلِيَلْبَسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ"١ بفتح الباء.
قال أبو الفتح: المشهور في هذا لَبِست الثوب أَلْبَسه، ولَبَست عليهم الأمر أَلْبِسُه.
فأما أن تكون هذه لغة لم تتأد إلينا: لبِست عليهم الأمر ألبَسه، في معنى لبَسته ألبِسه.
وإما أن تكون غير هذا؛ وهو أن يراد به شدة المخالطة لهم في دينهم، فالاعتراض فيه بينه وبينهم ليشكُّوا فيه ولا يتمكنوا من التفرد به، كما أن لابس الثوب شديد المماسة له والالتباس به، فيقول على هذا: لبِست إليك طاعتَك، واشتملْتُ الثقة بك؛ أي: خالطت هذه الأشياء وماسستها؛ تحققًا بها وملابسة لها، وعليه قول القُلاخ السعدي:
نكسوهُم مخشونَةً لِبَاسًا
يعني: السيوف. وقد مر به لفظًا ألبتة شاعرنا فقال:
وإنا إذا ما الموت صرَّح في الوغى لَبِسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا٢
فإما أن يكون هذا الشاعر نظر إلى هذه القراءة، وإما أن يكون أراد المراد بها فسلك سنة قارئها، فاعرف ذلك ولا تقل ما يقوله من ضعفت نحيزته٣، ورَكَّت طريقته: هذا شاعر مُحْدث، وبالأمس كان معنا، فكيف يجوز أن يحتج به في كتاب الله جل وعز؟ فإن المعاني لا يرفعها تقدُّم، ولا يُزري بها تأخر. فأما الألفاظ فلعمري إن هذا الموضع معتبرٌ فيها، وأما المعاني ففائتة بأَنفسها إلى مغرسها، وإذا جاز لأبي العباس أن يحتج بأبي تمام في اللغة كان الاحتجاج في المعاني بالمولَّد الآخر أشبه.
ومن ذلك قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار: "حَرْثٌ حِرْج"٤، وقراءة الناس: ﴿حِجْرٌ﴾ .
قال أبو الفتح: قد قدمنا في كتابنا الخصائص٥ صدرًا صالحًا من تقلب الأصل الواحد والمادة الواحدة إلى صور مختلفة يَخْطِمها٦ كلها معنى واحد، ووسمناه بباب الاشتقاق الأكبر،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٣٧. ٢ للمتنبي، الديوان: ٢/ ٣٨٨. ٣ النحيزة: الطبيعة. ٤ سورة الأنعام: ١٣٨. ٥ انظر: الخصائص: ٢/ ١٣٣-١٣٩. ٦ خطم البعير بالخطام: جعله في أنفه، والخطام: كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به، يريد: ينظمها ويقودها.
[ ١ / ٢٣١ ]
نحو: ك ل م، ك م ل، م ل ك، م ك ل، ل ك م، ل م ك، وإنها مع التأمل لها ولين مَعطِف الفكر إليها آئلة إلى موضع واحد ومترامية نحو غرض غير مختلف، كذلك أيضًا يقال: ح ج ر، ج ر ح، ح ر ج، ر ج ح، ج ح ر. وأما ر ح ج فمهمل فيما علمنا، فالتقاء معانيها كلها إلى الشدة والضيق والاجتماع، من ذلك الحِجْر وما تصرف منه، نحو: انحجر، واستحجر الطين، والحُجرة وبقيته، وكله إلى التماسك في الضيق. ومنه الحرَج: الضيق، والحِرْج مثله، والْحَرجَةُ: "٥٥و" ما التف من الشجر فلم يكن دخوله، ومنه الْحُجر وبابه لضيقه، ومنه الْجَرْح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه، ومنه رجح الميزان؛ لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض؛ فقرب منها، وضاق ما كان واسعًا بينه وبينها.
فإن قلت: فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعُد الآخر منها، قيل: كلامنا على الراجح، والراجح هو الداني إلى الإرض. فأما الآخر فلا يقال له: راجح، فليزم ما ألزمته، وإذا ثبت ذلك -وقد ثبت- فكذلك قوله تعالى: "حَرثٌ حِرْج" في معنى "حِجْر"، معناه عندهم: أنها ممنوعة محجورة أن يَطْعَمَها إلا من يشاءون أن يُطعموه إيَّاها بزعمهم.
ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين: "خالِصَةً"١.
وقرأ: "خالصًا" سعيد بن جبير.
وقرأ: "خالِصُه" ابن عباس بخلاف والزهري والأعمش وأبو طالوت.
وقرأ: "خالِصٌ" ابن عباس وابن مسعود والأعمش بخلاف.
قال أبو الفتح: أما قراءة العامة: ﴿خَالِصَةٌ﴾ فتقديره: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لنا؛ أي: خالص لنا، فأنث للمبالغة في الخلوص، كقولك: زيد خالِصَتِي، كقولك: صَفِيِّي وثقتي؛ أي: المبالغ في الصفاء والثقة عندي، ومنه قولهم: فلان خاصَّتي من بين الجماعة؛ أي: خاصِّي الذي يخصني، والتاء فيه للمبالغة وليكون أيضًا بلفظ المصدر، نحو: العاقبة والعافية، والمصدر إلى الجنسية، فهي أعم وأوكد.
ويدلك على إرادة اسم الفاعل هنا -أي: خالص- قراءة سعيد بن جبير "خَالِصًا"، وعليه
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٣٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
القراءة الأخرى: "خَالِصٌ لذكورنا"، والقراءة الأخرى: "خالِصُه لِذكورنا"١، ألا تراه اسم فاعل وإن كان مضافًا؟ لكن الكلام في نصب خَالِصًا وخالِصةً، وفيه جوابان:
أحدهما: أن يكون حالًا من الضمير في الظرف الجاري صلة على "ما"، كقولنا: الذي في الدار قائمًا زيد.
والآخر: أن يكون حالًا من "ما" على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها إذا كان معنى بعد أن يتقدم صاحب الحال عليها، كقولنا: زيد قائمًا في الدار.
واحتج في ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢، فيجوز على هذا في العربية لا في القراءة؛ لأنها سنة لا تُخالَف "وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"٣.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون "خالصًا" "وخالصةً" حالًا من الضمير في لنا؟ ٤ قيل: هذا غير جائز؛ وذلك أنه تَقدَّم على العامل فيه وهو معنى وعلى صاحب الحال، وهذا ليس على ما بَيَّنَا.
ولا يجوز أن يكون "خالصةً" حالًا من الأنعام؛ لأن المعنى ليس عليه، ولعزَّة الحال من المضاف إليه.
ومن ذلك قراءة على -﵇- والأعرج وعمرو بن عبيد: "خُطُؤات"٥ بالهمز مثقلًا، وقرأ: "خَطَوات" أبو السمال.
قال أبو الفتح: أما "خُطُؤات" بالهمز فواحدها خُطْأَة؛ بمعنى الخَطَأ، أثبت ذلك أحمد بن يحيى.
وأما "خَطَوات" فجمع خَطْوة، وهي الفَعْلَة الواحدة من خَطوت، كغزوت غزوة، ودعوت دعوة. والمعنى: لا تتبعوا خَطوات الشيطان؛ أي: آثاره، لا تقتدوا به، وتقديره على هذا حذف المضاف؛ أي: لا تتبعوا مواضع خَطوات الشيطان.
وإن شئت أجريته على ظاهره من غير تقدير حذف كقولك: لا تتبع أفعال المشركين "٥٥ظ"
_________________
(١) ١ في الأصل: "خالص لنا" و"خالصة لنا"، والآية: "لذكورنا". ٢ سورة الزمر: ٦٧. ٣ من الآية السابقة. ٤ الآية: "لذكورنا" كما تقدم. ٥ سورة الأنعام: ١٤٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولا تأْتَم بأديان الكافرين. ومن قرأ: "خُطُوات" بلا همز فأمره واضح، وهو جمع خُطْوة، وهي ذَرْع ما بين القدمين، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة طلحة: "الضَّأَن"١ بفتح الهمزة.
قال أبو الفتح: الضَّأْنُ جمعٌ، واحدته ضائِن وضائنة، وصرَّفوا فعله فقالوا: ضَئِنَت العَنْز ضَأَنًا، إذا أشبهت الضأن. وأما الضَّأَن بفتح الهمزة في هذه القراءة، فمذهب أصحابنا فيه وفي مثله مما جاء في فَعْل وفَعَل وثانيه حرف حلق؛ كالنهْر والنهَر، والصخْر والصخَر، والنعْل والنعَل، وجميع الباب، أنها لغات كغيرها مما ليس الثاني فيه حرفًا حلقيًّا، كالنشْز والنشَز، والقص والقصَص.
ومذهب البغداديين أن التحريك في الثاني من هذا النحو إنما هو لأجل حرف الحلق، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب وغيره، ويؤنسني بصحة ما قالوه أني أسمع ذلك فاشيًا في لغة عُقيل، حتى لسمعت بعضهم يومًا قال: نَحَوَه، يريد: نَحْوه. فلو كانت الفتحة في الحاء هنا أصلًا معتزمة غير إتباع لكونها حرفًا حلقيًّا لوجب إعلال اللام التي هو واو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، كغَضَاة وشَجَاة٢، فكان يقال: نحاة، وهذا واضح، غير أن لأصحابنا ألا يقبلوا من اللغة إلا ما رُوي عن فصيح موثوق بعربيته، ولست أُثبت هذه الفصاحة المشروطة لمن سمعت منه هذه اللفظة؛ أعني: نَحَوَه.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر: "تَمَامًا عَلَى الَّذي أَحْسَنُ"٣.
قال أبو الفتح: هذا مستضعف الإعراب عندنا؛ لحذفك المبتدأ العائد على الذي؛ لأن تقديره: تمامًا على الذي هو أحسن، وحذْف "هو" من هنا ضعيف؛ وذلك أنه إنما يُحذف من صلة الذي الهاء المنصوبة بالفعل الذي هو صلتها، نحو: مررت بالذي ضربتَ؛ أي: ضربتَه، وأكرمتَ الذي أهنتَ؛ أي: أهنتَه، فالهاء ضمير المفعول، ومن المفعول بُدٌّ، وطال الاسم بصلته، فحذفت الهاء لذلك، وليس المبتدأ بنيِّف ولا فضلة فيحذف تحفيفًا، لاسيما وهو عائد الموصول،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٤٣. ٢ الغضاة: واحدة الغضا لنوع من الشجر، أما الشجاة فلم نعثر عليها فيما بين أيدينا من معاجم. ٣ سورة الأنعام: ١٥٤.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأن هذا قد جاء نحوه عنهم؛ حكى سيبويه عن الخليل: "ما أنا بالذي قائل لك شيئًا سوءًا" أي: بالذي هو قائل، وقال:
لم أرَ مثل الفتيان في غبن الـ أيام ينسَون ما عواقبها١
أي: ينسون الذي هو عواقبها.
ويجوز أن يكون "ينسون" معلقة كما علقوا نقيضتها التي هي يعلمون، وتكون "ما" استفهامًا وعواقبها خبر "ما"، كقولك: قد علمت مَن أبوك وعرفت أيُّهم أخوك؟، وعلى الوجه الأول حمله أصحابنا.
ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "مِمَّنْ كَذَبَ بِآياتِ اللهِ"٢ خفيفة الذال.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون دخول الباء هنا حملًا على المعنى؛ وذلك لأنه في معنى مَكَرَ بها، وكفر بها، وما أكثر هذا النحو في هذه اللغة، وقد ذكرناه فيما مضى، ومنه قوله:
ألم يأْتيك والأنباءُ تَنمي بما لاقت لبون بني زياد٣
زاد الباء في بما لاقت لما كان معناه ألم تسمع بما لاقت لبونهم، وفيه ما أنشدَناه أبو علي: "٥٦و"
أم كيف ينفعُ ما تعطى العَلوقُ به رئْمانَ أنف إذا ما ضُنَّ باللبِن٤
ألحق الباء في به لما كان تعطى في معنى تسمح به، ألا تراه قال في آخر البيت: إذا ما ضُنَّ باللبن؟ فالضن نقيضُ السماحة والبذل.
_________________
(١) ١ لعدي بن زيد، ويروى: عقب، جمع عقبة بضم فسكون وهي الشدة، وفي الأصل: غبر، وهو تحريف. قال ابن الشجرى: قوله: "في غبن الأيام" يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرك الأوسط في البيع، والأشهر غبنته في البيع غبنًا بسكون وسطه، والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل في الرأي، وفعله غبن يغبن مثل فرح يفرح، يقال: غبن رأيه، والمعنى: في رأيه، ومفعول الغبن في البيت محذوف؛ أي: في غبن الأيام إياهم. وانظر: الأغاني، طبعة دار الكتب: ٢/ ١٤٧، والخزانة: ٢/ ٢١. ٢ سورة الأنعام: ١٥٧. ٣ انظر الصفحة ٦٧ من هذا الجزء. ٤ لأُفنون التغلبي، ويروى: "تأتي" مكان "تعطي"، العلوق: التي عطفت على ولد غيرها فلم تدر، وقال اللحياني: هي التي ترأم بأنفها وتمنع درتها، رئمت الناقة ولدها ترأمه رأمًا ورأمانًا: عطفت عليه ولزمته، وفي التهذيب: رئمانًا: أحبته. اللسان: "رأم، وعلق".
[ ١ / ٢٣٥ ]
ومن ذلك قراءة زهير الفُرْقُبي١: "يَوْمُ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ"٢ بالرفع.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ارتفاع اليوم بالابتداء، والجملة التي هي قوله تعالى: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ خبر عنه، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام والعلم به، وإذا كانوا قد قالوا: السمن مَنَوان بدرهم، فحذفوا وهم يريدون "منه" مع قصر الكلام؛ كان حذف العائد هنا لطول الكلام أسوغ، وتقديره: لا ينفع فيه نفسًا إيمانها، ومثله قولهم: البُرُّ الكْرُّ٣ بستين؛ أي: الكُرُّ منه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ٤ ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون على حذف العائد؛ أي: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا منهم، وله نظائر كثيرة؛ لكنا نحذف٥ الإطالة إذ كان هذا كتابًا مختصرًا ليقرب على القراء ولا يلطُف عنهم، وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتاب الحجة في قراءة السبعة، فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرًا ممن يدَّعي العربية -فضلًا على القَرَأة- منه، وأجفاهم عنه.
ومن ذلك قراءة أبي العالية: "لا تَنْفع نفسًا إيمانُها" بالتاء فيما يروى عنه، قال ابن مجاهد: وهذا غلط.
قال أبو الفتح: ليس ينبغي أن يُطْلَق على شيء له وجه في العربية قائم -وإن كان غيره أقوى منه- أنه غلط، وعلى الجملة فقد كثر عنهم تأنيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته
_________________
(١) ١ هو زهير الفرقبي النحوي، يُعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، وكان في زمن عاصم. روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي. وإنما قيل له: الفرقبي؛ لأنه كان يتجر إلى ناحية فرقب، ومات سنة ١٥٥، وقيل: سنة ١٥٦. وفي الأصل: العرقبي بالعين، في البحر المحيط ٤/ ٢٦٠: القروى، وكل تحريف. وفي القاموس: زهير بن ميمون الفرقبي الهمداني قارئ نحوي، أو هو بقافين. وفي معجم البلدان: فرقب بضم أوله وسكون ثانيه وقاف وباء موحدة: موضع. قال الفراء: ينسب إليه زهير الفرقبي من أهل القرآن. وانظر: طبقات القراء: ١/ ٢٩٥، وإنباه الرواة: ٢/ ١٨. ٢ سورة الأنعام: ١٥٨. ٣ الكر بالضم: مكيال للعراق، وستة أوقار حمار، أو هو ستون فقيزًا، أو أربعون إردبًّا. ٤ سورة الكهف: ٣٠. ٥ كذ بالأصل، ويظهر أنها محرفة عن "نحذر".
[ ١ / ٢٣٦ ]
إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به. وأنشدنا أبو علي لابن مقبل:
قد صرَّح السيرُ عن كُتْمَان وابتُذِلت وقعُ المحاجن بالْمَهرية الذُّقُن١
فأنث "الوقع" وإن كان مذكرًا لَمَّا كان مضافًا إلى "المحاجن"، وهي مؤنثة؛ إذ كان الوقع منها. وكذلك قول ذي الرمة:
مشَيْن كما اهتزَّت رماح تسفهت أعاليَهَا مرُّ الرياح النواسِم٢
فأنث "الْمَر" لإضافته إلى الرياح وهي مونثة؛ إذ كان "الْمَر" من الرياح، ونظائر ذلك كثيرة جدًّا لا وجه للإطالة بذكرها، فهذا وجه يشهد لتأنيث الإيمان؛ إذ كان من النفس وبها.
وإن شئت حملته على تأنيث المذكر لَمَّا كان يعبر عنه بالمؤنث، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٣، فتأنيث الْمِثل لأنه في المعنى حَسَنة.
فإن قلت: فهلَّا حملته على حذف الموصوف، فكأنه قال: فله عشر حسنات أمثالها، قيل: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قبلُ ليس بمستحسن في القياس، وأكثر مأتاه إنما هو في الشعر؛ ولذلك ضعف حمل "دانيةً" من قوله: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ ٤ على أنه وصف جنة؛ أي: وجنةً دانيةً عليهم ظلالها، عطفًا على جنة من قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ وجَنةً دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا؛ لما فيه من حذف الموصوف "٥٦ظ" وإقامة الصفة مقامه حتى عطفوها على قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ ودانيةً عليهم ظلالها، فكانت حالًا معطوفة على حال قبلها، فلهذا يضعف أن يكون تقدير الآية على: فله عشر حسنات أمثالها؛ بل تكون أمثالها غير صفة لكنه محمول على المعنى؛ إذ كن حسنات كما ترى.
وعليه أيضًا قوله تعالى: "تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"٥؛ لما كان ذلك البعض سيارة في المعنى.
_________________
(١) ١ صرح السير: كشف، كتمان: اسم موضع، وقيل: اسم جبل، المحاجن: العصي المعوجة، المهرية: يريد بها الإبل المنسوبة إلى مهرة إحدى قبائل اليمن، الذقن: جمع الذقون؛ وهي من الإبل التي تميل ذقنها إلى الأرض تستعين بذلك على السير. يريد: أن السير قد كشف لهم عن هذا الموضع ببلوغهم إياه، وأن إبلهم قد ابتذلت بوقع المحاجن عليها تستحث على السير، ففي الكلام قلب. انظر: اللسان" "كتم"، ومعاني القرآن: ١/ ١٨٧، والخصائص: ٢/ ٤١٨. ٢ رُوي: "رويدًا" مكان "مشين"، و"مرضى" مكان "مر". تسفهت الريح الغصون: حركتها واستخفتها. وانظر: ديوان ذي الرمة: ٦١٦، واللسان "سفه"، والكتاب: ١/ ٢٥، ٣٣، والديوان: ٣٠٣. ٣ سورة الأنعام: ١٦٠. ٤ سورة الإنسان: ١٤. ٥ سورة يوسف: ١٠.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وحكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لَغُوب١، جاءته كتابي فاحتقرها، قال: فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة؟ فلا تعجب إلا من هذا الأعرابي الجافي وهو يعلل هذا التعليل في تأنيث المذكر، وليس في شعر منظوم فيُحتمل ذلك له، إنما هو في كلام منثور، فكذلك يكون تأنيث الإيمان، ألا تراه طاعة في المعنى؟ فكأنه قال: لا تنفع نفسًا طاعتها، والشواهد كثيرة؛ لكن الطريق التي نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة.
ومن ذلك قراءة النخعي وأبي صالح مولى ابن هانئ، ويُروى أيضًا عن الأعمش ويحيى: "الَّذِينَ فَرَقُوا دِينَهُمْ"٢ بالتخفيف.
قال أبو الفتح: أما "فَرَقُوا" بالتخفيف فتأويله أنهم مازُوه عن غيره من سائر الأديان، هذا ظاهر "فرَقوا" بالتخفيف. وقد يحتمل أن يكون معناه معنى القراءة بالتثقيل؛ أي: فرَّقوه، وعضَّوْه أعضاء، فخالفوا بين بعضه وبعض؛ وذلك أن فَعَل بالتخفيف يكون فيها معنى التثقيل، ووجه هذا أن الفعل عندنا موضوع على اغتراق جنسه، ألا ترى أن معنى "قام زيد": كان منه القيام، و"قعد": كان منه القعود؟ والقيام -كما نعلم- والقعود جنسان، فالفعل إذن على اغتراق جنسه، يدل على ذلك عمله في جميع أجزاء ذلك الجنس من مفرده ومثناه ومجموعه، ونكرته ومعرفته، وما كان في معناه، وذلك قوله: قمت قومة وقومتين وألفَ قومة، وقمت قيامًا وقيامًا طويلًا، وجلست جلوسًا وجلوسًا قصيرًا، وقمت القيام الذي تعلم. وقال:
لعمري لقد أحْبَبْتُكَ الحبَّ كُلَّه٣
وقالوا: قعد القرفصاء، وعَدَا البَشَكَى٤، ووثب الْحَجَزى٥، فعمل الفعل في جميع أجزاء
_________________
(١) ١ اللغوب: الضعيف الأحمق. ٢ سورة الأنعام: ١٥٩. ٣ عجزه: وزدتك حبًّا فلم يكن قبل يعرف وانظر: الخصائص: ٢/ ٤٤٨. ٤ أي: عدوًا سريعًا خفيفًا. ٥ أي: وثبًا سريعًا.
[ ١ / ٢٣٨ ]
المصادر من لفظه ومن غير لفظه كما كان معناه، يدل على أن وضعه لاغتراق جنسه؛ إذ الفعل لا يعمل من المصادر إلا فيما كان عليه دليل، ألا تراك لا تقول: قمت قعودًا، ولا خرجت دخولًا؛ لأنه لا دليل في الفعل على ذلك؟ وهذا واضح مُتَنَاهٍ في البيان.
وإذا كان كذلك عُلم منه وبه أن جميع الأفعال ماضيها وحاضرها ومتلقاها مجاز لا حقيقة، ألا تراك تقول: قمت قومة، وقمت على ما مضى، دال على الجنس؟ فوضعك القومة الواحدة موضع جنس القيام، وهو فيما مضى وما هو حاضر وفيما هو متلقى مستقبل، من أذهب شيء في كونه مجازًا.
ولذلك ما١ كان شيخنا أبو علي يقول: إن قولنا: قام زيد في كونه مجازًا بمنزلة قول القائل: خرجت فإذا الأسد، يريد بذلك: أن الأسد هنا لاغتراق الجنس؛ وإنما وجد ببابه أسدًا واحدًا، فأطلقه "٥٧و" على جميع جنسه الذي لا يحيط به إلا خالقه جل وعز.
فهذا كقولك: قام زيد في وضعه إياه على البعض وإن كان مفادُ "قام" الاغتراقَ للكل؛ إذ كان قيام زيد جزءًا مما لا يحاط به، ولا يحاط٢ الوهم إلا على كلَا ولَا٣ على قصوره.
وهذا موضع يسمعه الناس مني ويتناقلونه دائمًا عني، فيُكبرونه ويكثرون العجب به، فإذا أوضحته لم يسأل عنه استحياء، وكان يستغفر الله لاسيحاشه كان منه.
وكشفت هذا الموضع يومًا لبعض من كان له مذهب في المشاغبة -عفا الله عنا وعنه- فتوقف فيه، ثم قال: أوكذلك أفعال القديم عندك؟ فقلت: هذا موضع لا تعلُّق له بذكر القدم والحدوث؛ وإنما هو طريق مسلوكة يتعاقبها القديم والمحدَث تعاقبًا واحدًا، ألا تراك تقول: خلق الله كذا؟ أفتظن أن هذا ينتظم كل خلق في الوهم؟ فإن قلت: نعم، لزمك أن يكون هو الخالق لأفعال العباد، ومذهبك نافٍ لهذا عندك، فلما بلغ الموضعُ بنا إلى هذا أَمسك، ثم مضى فقرأ شيئًا من كلام شيخنا فعاد معترفًا بما قلت له منه، غير أننا أُعلمنا بذلك أن العلل عنده مروية غير مدرية، وليست بحقائق ولا عقلية.
_________________
(١) ١ ما زائدة. ٢ كذا في الأصل، والمعروف أن يستعمل هنا: يحيط. ٣ في اللسان "لا": إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شيء خفي قالوا: كان فعله "كلا"، وربما كرروا فقالوا: كلا ولا؛ كأنه يريد: ولا يحيط الوهم -على قصوره- بما يحيط به من القيام إلا في وقت قليل بالنسبة إلى جملة الزمن الذي يقع القيام فيه.
[ ١ / ٢٣٩ ]