بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قرأ ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة١ بن مصرف: "يَسأَلونك الأَنْفَالَ"٢.
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالنصب مؤدية عن السبب للقراءة الأخرى التي هي: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، وذلك أنهم إنما سألوه عنها تعرضًا لطلبها، واستعلامًا لحالها: هل يسوغ طلبها؟
وهذه القراءة بالنصب إصراح بالتماس الأنفال، وبيانٌ عن الغرض في السؤال عنها، فإن قلت: فهل يحسن أن تحملها على حذف حرف الجر حتي كأنه قال٣: يسألونك عن الأنفال، فلما حذف عن نصب المفعول، كقوله:
أَمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمرت به٤
قيل: هذا شاذ، إنما يحمله الشعر، فأما "٦٦و" القرآن فيُختار له أفصح اللغات، وإن كان قد جاء: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ٥ و﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٦ فإن الأظهر ما قدمناه.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ احْدَى الطَّائِفَتَيْنِ"٧ يصل ضمة الهاء بالحاء ويسقط الهمزة.
_________________
(١) ١ هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، تابعي كبير. أخذ القراءة عرضًا عن إبراهيم بن يزيد النخعي والأعمش ويحيى بن وثاب. روى القراءة عرضًا عنه محمود بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعيسى بن عمر الهمداني، وعلي بن حمزة الكسائي وغيرهم، توفي سنة ١١٢هـ. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٤٣. ٢ سورة الأنفال: ١. ٣ في ك: كأنه يسألونك. ٤ لعمرو بن معديكرب، وعجزه: فقد تركتك ذا مال وذا نَشب النشب: المال الثابت كالضِّياع ونحوها، وكأنه أراد بالمال هاهنا الإبل خاصة. الكتاب: ١/ ١٧. ٥ سورة الأعراف: ١٥٥. ٦ سورة التوبة: ٥. ٧ سورة الأنفال: ٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
قال أبو الفتح: هذا حذف على غير قياس، ومثله قراءة ابن كثير: "إنها لَحْدَى الكُبَر"١، وقد ذكرنا نحوه، وهو ضعيف القياس، والشعر أَوْلَى به من القرآن.
ومن ذلك قراءة مسلمة٢ بن محارب: "وإذ يعِدْكُمُ الله"٣ بإسكان الدال.
قال أبو الفتح: أسكن ذلك لتوالي الحركات وثقل الضمة، وقد ذكرنا قبله مثله.
ومن ذلك قراءة رجل من أهل مكة، زعم الخليل أنه سمعه يقرأ: "مُرَدِّفين"٤، واختلفت الرواية عن الخليل في هذا الحرف، فقال بعضهم: "مُرُدِّفين"، وقال آخر: "مُرِدِّفين".
قال أبو الفتح: أصله "مُرْتَدِفين" مفتعلين من الرَّدْف٥، فآثر إدغام التاء في الدال، فأسكنها وأدغمها في الدال، فلما التقى ساكنان -وهما الراء والدال- حرك الراء لالتقاء الساكنين، فتارة ضمها إتباعًا لضمة الميم، وأخرى كسرها إتباعًا لكسرة الدال.
ومثله ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ ٦، ومن كسر الراء فلالتقاء الساكنين، وعليه جاء: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾، ويجوز فيهما أن تُنقل حركة الحرف الساكن على الساكن قبله فيقول: "مُرَدِّفِين"، "وَجَاءَ الْمُعَذِّرُون" مُفَعِّلين من الاعتذار، على قولهم: عذَّر في الحاجة: أي قصَّر، وأعذر: تقدم.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "أَمْنَةً نُعَاسًا"٧ بسكون الميم.
_________________
(١) ١ سورة المدثر: ٣٥. ٢ هو مسلمة بن عبد الله بن محارب، أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءة. قال ابن الجزري: لا أعلم على مَن قرأ، وقرأ عليه شهاب بن شرنفة. وكان مع ابن أبي إسحاق، وأبي عمرو بن العلاء. وكان من العلماء بالعربية. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٢٩٨. ٣ سورة الأنفال: ٧، ٩، ١١. ٤ سورة الأنفال: ٩. ٥ مصدر ردفة كسمع ونصر؛ أي تبعه، والرِّدف بالكسر: الراكب خلف الراكب كالمرتدف. ٦ سورة التوبة: ٩٠. ٧ الآية: ١٥٤ في سورة آل عمران، وأما آية الأنفال: ١١ فهي: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾، وابن محيصن يقرأ بسكون الميم في الآيتين. البحر: ٣/ ٨٥، ٤/ ٤٦٨.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون "أمْنة" مخففًا من "أمَنة" كقراءة الجماعة، من قِبَلِ أن المفتوح في نحو هذا لا يُسكن كما يُسكن المضموم في المكسور لخفة الفتحة. وأما قوله:
وما كل مبتاع ولو سَلْف صَفقُه
بِرَاجعِ ما قد فاته بِرِداد١
قال أبو الفتح: فشاذ على أننا قد ذكرنا وجه الصنعة في كتابنا الموسوم بالمنصف٢.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ٣، وقرأ الشعبي٤: "مَا لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ" على معنى: الذي به.
قال أبو الفتح: "ما" هاهنا موصولة، وصلتها حرف الجر بما جره، وكأنه قال: ما لِلطَّهور، كقولك: كسوته الثوب الذي لدفع البرد، ودفعت إليه المال الذي للجهاد، واشتريت الغلام الذي للقتال.
ألا ترى أن تقديره: ويُنَزِّل عليكم من السماء الماء الذي لأن يطهركم به؛ أي: الماء الذي لطهارتكم أو لتطهيركم به. وهذه اللام في قراءة الجماعة: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ هي لام المفعول له، كقوله: زرتك لتكرمني، وهي متعلقة بزرتك، ولا ضمير فيها لتعلقها بالظاهر.
فهي كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ٥، فهي كما ترى متعلقة بنفس "فتحنا" تعلقَ حرف الجر بالفعل قبله.
وأما اللام في قراءة من قرأ: "ما لِيُطَهِّرَكم به" أي: الذي للطهارة به، فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له؛ أي: استقر أو ثبت٦ له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف.
وأما لام المفعول له فلا تكون إلا متعلقة بالظاهر نحو: زرته ليكرمني وأعطيته ليشكرني، أو بظاهر يقوم مقام الفعل كقولك: المال لزيد لينتفع به، فاللام في لزيد متعلقة بمحذوف على ما مضى، والتي في قولك: لينتفع به هي لام المفعول له "٦٦ظ"، وهي متعلقة بنفس قولك:
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٤٩ من هذا الجزء. ٢ المنصف: ١/ ٢١. ٣ سورة الأنفال: ١١. ٤ هو عامر بن شراحيل بن عبد، أبو عمرو الشعبي، الإمام الكبير المشهور، عرض على أبي عبد الرحمن السلمي وعلقمة بن قيس، وروى القراءة عنه عرضًا محمد بن أبي ليلى. ومناقبه وعلمه وحفظه أشهر من أن تُذكر. مات سنة ١٠٥، وله سبع وسبعون سنة. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٥٠. ٥ سورة الفتح: ١، ٢. ٦ ك: وثبت.
[ ١ / ٢٧٤ ]
لزيد، تعلقها بالظرف النائب عن المحذوف في نحو قولك: أزيد عندك لتنتفع بحضوره؟ وزيد بين يديك ليُؤْنِسك.
فاللام هنا متعلقة بنفس الظرفين اللذين هما عندك وبين يديك.
وعلى كل حال، فمعنى القراءة بقوله: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾، والقراءة بقوله: "مَا لِيطَهَّركم به" يرجعان إلى شيء واحد، إلا أن أشدهما إفصاحًا بأن الماء أُنزل للتطهر به هي قراءة مَن قرأ: ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ لأن فيه تصريحًا بأن الماء أنزل للطهارة، وتلك القراءة الشاذة إنما يُعْلَم أنه أُنزل للطهارة به، فالقراءة الأخرى وبغيرها مما فيه إصراح بذلك.
وعلى كل حال، فلام المفعول له لا تتعلق بمحذوف أبدًا، إنما تعلقها بالظاهر، فعلًا كان أو غيره مما يُقام مقامه.
ومن ذلك قراءة أبي العالية١: "رِجْسَ الشيطان"٢ بالسين.
قال أبو الفتح: كل شيء يُستقذَر عندهم فهو رجس، كالخنزير ونحوه.
وفيما قرئ على أبي العباس أحمد بن يحيى٣ قال: الرجس في القرآن: العذاب كالرجز، ورجس الشيطان: وسوستُه وهمزُه ونحو ذلك من أمره، والرجز: عبادة الأوثان، ويقال: هو إثم الشرك كله.
وقرئ: "وَالرِّجْزَ وَالرُّجْزَ"٤ جميعًا "فَاهْجُرْ"، قال: وقال بعضهم: أراد به الصنم. قال: وكل عذاب أُنزل على قوم فهو رجز، ووسواس الشيطان رجز، وقد ترى إلى تزاحم السين والزاي في هذا الموضع، فقراءة الجماعة: ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ معناه كمعنى رجس الشيطان.
_________________
(١) ١ هو رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، من كبار التابعين. أسلم بعد النبي -ﷺ- بسنتين، وأخذ القرآن عرضًا عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس. وصح أنه عرض على عمر. وقرأ عليه شعيب بن الحبحاب والحسن بن الربيع بن أنس والأعمش وأبو عمرو على الصحيح. مات سنة ٩٠، وقيل: سنة ٩٦. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٢٨٤. ٢ سورة الأنفال: ١١. ٣ هو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، الإمام اللغوي أبو العباس ثعلب، النحوي البغدادي، ثقة كبير. له كتاب في القراءات وكتاب الفصيح، روى القراءة عن سلمة بن عاصم ويحيى بن زياد الفراء. وروى القراءة عنه أحمد بن موسى بن مجاهد ومحمد بن القاسم الأنباري ومحمد بن فرج الغساني. ولد سنة ٢٠٠، وتوفي يوم السبت عاشر جُمادى الأولى سنة ٢٩١. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ١٤٨. ٤ الضم في آية الأنفال قراءة ابن محصين. البحر المحيط: ٤/ ٤٦٩.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقد نبهنا في كتابنا المعروف بالخصائص١ من هذه الطريق في تزاحم الحروف المتقاربة ما في بعضه كل مَقْنَع بمشيئة الله.
ومن ذلك قراءة الحسن والزهري: "بين الْمَرِّ وقلبِه"٢.
قال أبو الفتح: وجه الصنعة في هذا أنه خفف الهمزة في "المرء" وألقى حركتها على الراء قبلها، فصارت "بين المرِّ وقبله"، ثم نوى الوقف فأسكن وثقَّل الراء على لغة من قال في الوقف: هذا خالدّ وهو يجعلّ، ثم أطلق ووصل على نية الوقف، فأقر التثقيل بحاله على إرادة الوقف، وعليه قوله، أنشدَناه أبو علي:
بِبَازلٍ وَجناءَ أو عَيْهَلِّ٣
يريد: العيهل، فنوى الوقف فثقل، ثم أطلق وهو يريد الوقف، ومثله ما قرأنا على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى:
ومُقلتان جَوْنتا المكْحَلِّ٤
يريد: الْمَكْحَل. وأول هذه القصيدة:
ليث شبابي عاد للأولِّ وغضَّ عيش قد خلا أَرْغَلِّ٥
وفيها أشياء من هذا الطراز كثيرة، فكذلك "الْمَرِّ" على هذا.
وقراءة الجماعة من بعدُ أقوى وأحسن؛ لأن هذا من أغراض الشعر لا القرآن.
_________________
(١) ١ الخصائص: ٢/ ٨٢-٨٨. ٢ سورة الأنفال: ٢٤، ٢٥. ٣ لمنظور ابن حبة، وحبة أمه، وأبوه مرثد، ومن ثم ينسب إلى منظور بن مرثد. وقبله: إن تبخلي يا جمل أو تعتلِّي أو تصبحي في الظاعن المولِّي نسلّ وجد الهائم المغتلِّ المغتل: من الغلة؛ وهي حرارة العطش، والمراد هنا: حرارة الشوق، والبازل من الإبل: الداخل في السنة التاسعة للذكر والأنثى، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهل: الناقة الطويلة. انظر: الكتاب: ٢/ ٢٨٢، والخصائص: ٢/ ٣٥٩، وشرح شواهد الشافية: ٢٤٦. ٤ الجون: الأسود. ٥ عيش أرغل: واسع.
[ ١ / ٢٧٦ ]
ومن ذلك قراءة العامة: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ١، وقراءة علي وزيد بن ثابت وأبي جعفر محمد بن علي٢ والربيع بن أنس وأبي العالية وابن جماز٣: "لَتُصِيبَنَّ".
قال أبو الفتح: معنيا هاتين القراءتين ضدان كما ترى؛ لأن إحداهما: ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، والأخرى: "لَتُصِيبَنَّ" هؤلاء بأعيانهم خاصة. وإذا تباعد معنيا قراءتين هذا التباعد وأمكن أن يُجمع بينهما كان ذلك جميلًا وحسنًا، ولا يجوز أن يراد زيادة "لا" من قِبَل أنه كان "٦٧و" يصير معناه: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فليس هذا عندنا من مواضع دخول النون، ألا تراك لا تقول: ضربت رجلًا يدخلَنَّ المسجد؟ هذا خطأ لا يقال؛ ولكن أقرب ما يصرف إليه الأمر في تلافي معنى القراءتين أن يكون يراد: لا تصيبن، ثم يحذف الألف من "لا" تخفيفًا واكتفاء بالفتحة منها، فقد فَعَلَت العرب هذا في أخت "لا" وهي أَمَا.
من ذلك ما حكاه محمد بن الحسن من قول بعضهم: أَمَ والله ليكونن كذا، فحذف ألف أَمَا تخفيفًا، وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابي وغيرهما:
فلستُ بمدرك ما فات مني بلَهْف ولا بِلَيت ولا لو اني٤
يريد: بلهفا، فحذف الألف، وذهب أبو عثمان في قوله الله سبحانه: ﴿يَا أَبَتَ﴾ ٥ -فيمن فتح التاء- أنه أراد: يا أبتا، فحذف الألف تخفيفًا، وأنشدوا:
قد وردت من أَمكنه من هاهنا ومن هُنَهْ
إن لم أُروّها فَمَهْ٦
يريد: إن لم أروها فما أصنع؟ أو فما مغناي؟ أو فما مقداري؟ فحذف الألف، وألحق الهاء لبيان الحركة، وروينا عن قطرب٧.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٢٥. ٢ هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر. عرض على أبيه زين العابدين، وورى عنه وعن جابر وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروي عنه ابنه جعفر الصادق والزهري وعمرو بن دينار وجماعة، ولد سنة ٥٦، مات سنة ١١٨، وقيل غير ذلك. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٠٢. ٣ هو سليمان بن مسلم بن جماز، وقيل: سليمان بن سالم بن جماز، أبو الربيع الزهري مولاهم المدني، مقرئ جليل ضابط، عرض على أبي جعفر وشيبة ثم على نافع، وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع، عرض عليه إسماعيل بن جعفر وقتيبة بن مهران. قال ابن الجزري: مات بعد السبعين ومائة فيما أحسب. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣١٥. ٤ الخصائص: ٣/ ١٣٥، والخزانة: ١/ ٣٦. ٥ سورة يوسف: ٤. ٦ ضمير وردت للإبل، ويروى: "إن لم تروها" بتاء الخطاب. وانظر: سر الصناعة: ١/ ١٨٢، والمنصف: ٢/ ١٥٦، وشرح شواهد الشافية: ٤٧٩. ٧ معطوف على: وأنشد أبو الحسن.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فعلى هذا يجوز أن يكون أراد بقوله: "لَتُصِيبَنَّ": لا تُصِيبَنَّ، فحذف ألف "لا" تخفيفًا من حيث ذكرنا.
فإن قلت: فهل يجوز أن يحمله على أنه أراد: لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، ثم أشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفًا كالأبيات التي أنشدتها قبل هذا الموضع، نحو قوله:
ينباع من ذِفْرَى غَضوب جَسْرة١
وهو يريد: ينبع.
قيل: يمنع من هذا المعنى، وهو قوله تعالى يليه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . فهذا الإغلاظ والإرهاب أشبه بقراءة مَن قرأ: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ من أن يكون معناه: إنما تصيب الذين ظلموا خاصة.
فتأمل ذلك؛ فإنه يضح لك بمشيئة الله.
ومن ذلك ما رُوي عن عاصم أنه قرأ: "وَمَا كَانَ صَلاتَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ" نصبًا "إِلَّا مُكَاءٌ وَتَصْدِيَةٌ"٢ رفعًا، رواه عبيد الله٣ عن سفيان٤ عن الأعمش٥ أن عاصمًا قرأ كذلك.
_________________
(١) ١ لعنترة من معلقته، وعجزه: زيافة مثل الفنيق المكدم الذفرى: ما خلف الأذن، والجسرة: الناقة الموثقة الخلق، وزيافة: متبخترة، والفثيق: الفحل من الإبل، مكدم: تكدمه الفحول، ورُوي "المقرم"، وضمير ينباع للعرق. المعلقات السبع: ١١٤، والخصائص: ٣/ ١٢١. ٢ سورة الأنفال: ٣٥. ٣ هو عبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد بن أبي المختار العبسي مولاهم الكوفي، حافظ ثقة. وُلد بعد العشرين ومائة. أخذ القراءة عرضًا عن عيسى بن عمر وشيبان بن عبد الرحمن الهمذاني وعلي بن صالح بن حسن. وروى القراءة عنه عرضًا إبراهيم بن سليمان وأيوب بن علي ومحمد بن عبد الرحمن وغيرهم. وتُوفي سنة ٢١٣. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤٩٣. ٤ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام. ولد سنة ٩٧، وروى القراءة عرضًا عن حمزة، وروى عن عاصم والأعمش حروفًا، وروى الحروف عنه عبيد الله بن موسى. توفي بالبصرة سنة ١٦١. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٠٨. ٥ هو سليمان بن مهران الأعمش أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي الإمام الجليل. ولد سنة ٦٠ أخذ القراءة عرضًا عن إبراهيم النخعي وزر بن حبيش وعاصم وغيرهم، وروى عنه عرضًا وسماعًا حمزة الزيات وابن أبي ليلى وجرير بن عبد الحميد وغيرهم. تُوفي سنة ١٤٨. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣١٦.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قال الأعمش: وإن لحن عاصم تلحن أنت؟! وقد رُوي هذا الحرف أيضًا عن أبان١ بن تغلب أنه قرأ كذلك.
قال أبو الفتح: لسنا ندفع أنَّ جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح، فإنما جاءت منه أبيات شاذة، وهو في ضرورة الشعر أعذر، والوجه اختيار الأفصح الأَعرب، ولكن من وراء ذلك ما أذكره.
اعلم أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما؟ وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسدًا واحدًا معينًا، وإنما تريد: خرجت فإذا بالباب واحد من هذا الجنس، وإذا كان كذلك جاز هنا الرفع في ﴿مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ جوازًا قريبًا، حتى كأنه قال: وما كان صلاتَهم عند البيت إلا المكاءُ والتصديةُ؛ أي: إلا هذا الجنس من الفعل، وإذا كان كذلك لم يجرِ هذا مجرى قولك: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك؛ لأنه ليس في جالس وقائم من معنى الجنسية التي تلاقى معنيا "٦٧ظ" نكرتها ومعرفتها على ما ذكرنا وقدمنا.
وأيضًا فإنه يجوز مع النفي من جعل اسم كان وأخواتها نكرة ما لا يجوز مع الإيجاب، ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيرًا منك، ولا تجيز: كان إنسان خيرًا منك؟ فكذلك هذه القراءة أيضًا، لَمَّا دخلها النفي قَوِي وحسن جعل اسم كان نكرة، هذا إلى ما ذكرناه من متشابهة نكرة اسم الجنس لمعرفته؛ ولهذا ذهب بعضهم في قول حسان:
كأَنَّ سبيئة من بيت رأس يكون مزاجَها عسل وماءُ٢
إنه إنما جاز ذلك من حيث كان عسل وماء هما جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجَها العسل والماء، فبهذا تسهل هذه القراءة، ولا يكون من القبح واللحن الذي ذهب إليه الأعمش على ما ظن.
_________________
(١) ١ هو أبان بن تغلب الربعي، أبو سعيد، ويقال: أبو أميمة الكوفي النحوي. قرأ على عاصم وأبي عمرو الشيباني وطلحة بن مصرف والأعمش. أخذ القراءة عنه عرضًا محمد بن صالح بن زيد الكوفي. توفي سنة ١٤١، وقيل: سنة ١٥٣. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤. ٢ السبيئة: الخمر، ويروى مكانها "سلافة" وهي الخمر أيضًا، ويقال: هو اسم لما سال منها قبل أن تعصر، وذلك أخلصها، وبيت رأس: اسم موضع، وقيل رأس: رئيس الخمارين، وقيل رأس: اسم خمار معروف. الكتاب: ١/ ٢٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
ومن ذلك قراءة الناس ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾ ١ و"العِدْوَةِ" بالضم والكسر. وقرأ: "بالعَدْوَةِ" قتادة٢ والحسن٣ وعمرو، واختلف عنهم.
قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ثالثة، كقولهم: في اللبن رِغوة ورَغوة ورُغوة. ولها نظائر مما جاءت فيها فُعْلة وفِعْلة وفَعْلة، منه قولهم: له صِفوة مالي وصَفوته وصُفوته، روى ذلك أبو عبيدة. ومثله أَوطأته عَشوة٤ وعُشوة وعِشوة، روى ذلك أبو عبيدة وابن الأعرابي.
وروى الكسائي: كلمته بِحَضْرة فلان وحِضْرته، وحكى ابن الأعرابي: غَشوة وغُشوة وغِشوة، وغِلظة وغُلظة وغَلظة. وقالوا: شاة لَجْبة٥ ولُجْبة ولِجْبة، ورِبْوة٦ ورُبْوة ورَبْوة، فكذلك تكون أيضًا العِدْوة والعَدْوة والعُدْوة. وروى ابن الأعرابي أيضًَا: الْمُدية والْمِدية والْمَدية، بالفتح.
ومن ذلك ما يروى عن الأعمش أنه قرأ: "فَشَرِّذ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ "٧ بالذال معجمة.
قال أبو الفتح: لم يمرر بنا في اللغة تركيب ش ر ذ، وأوجه ما يُصْرَف إليه ذلك أن تكون الذال بدلًا من الدال، كما قالوا: لحم خَرادل وخَراذل٨، والمعنى الجامع لهما أنهما مجهوران ومتقاربان.
ومن ذلك قراءة الأشهب العقيلي: "فاجْنُحْ لها"٩ بضم النون.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٤٢، وكسر العين قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وضمها قراءة باقي السبعة. البحر المحيط: ٤/ ٤٩٩. ٢ هو قتادة بن دعامة، أبو الخطاب السدوسي البصري المفسر، أحد الأئمة في حروف القرآن. روى القراءة عن أبي العالية وأنس بن مالك، وسمع من أنس بن مالك وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وغيرهم. وروى عنه الحروف أبان بن يزيد العطار، وروى عنه أبو أيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم. وكان يضرب بحفظة المثل. توفي سنة ١١٧. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٥. ٣ هو الحسن بن أبي الحسن يسار السيد الإمام أبو سعيد البصري، إمام زمانه علمًا وعملًا. قرأ على حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري، وعلى أبي العالية عن أبي وزيد وعمر. وروى عنه أبو عمرو بن العلاء وسلام بن سليمان الطويل، ويونس بن عبيد وعاصم الجحدري. ولد سنة ٢١، وتوفي سنة ١١٠. طبقات ابن الجزري: ١/ ٢٣٥. ٤ العشوة مثلثة: ركوب الأمر على غير بيان، وأوطأه عشوة: حمله على أمر غير رشيد. ٥ اللجبة مثلثة الأول: الشاة قل لبنها، والغزيرة ضد. ٦ الربوة مثلثة: ما ارتفع من الأرض. ٧ سورة الأنفال: ٥٧. ٨ مقطع مفرق. ٩ سورة الأنفال: ٦١.
[ ١ / ٢٨٠ ]
قال أبو الفتح: حكى سيبويه جنَح يجنُح، وهي في طريق ركَد يركُد، وقعَد يقعُد، وسفَل يسفُل في قربها ومعناها. ويؤكد ذلك أيضًا ضَرْبٌ من القياس؛ وهو أن جنح غير متعد، وغير المتعدي الضم أقيس فيه من الكسر، فقعد يقعد أقيس من جلس يجلس؛ وذلك أن يفعُل بابه لِمَا ماضيه فَعُل نحو: شرُف يشرُف، ثم أُلحق به قعد. وباب يفعِل بابه لِمَا يتعدى نحو: ضرب يضرب، فضرب يضرب إذن أقيس من قتل يقتل، كما أن قعد يقعد أقيس من جلس يجلس. وقد تقصيت هذه الطريق في كتابي المنصف١.
ومن ذلك قراءة ابن جماز: "واللهُ يُريد الآخرةِ"٢ يحملها على عَرَضَ الآخرة.
قال أبو الفتح: وجه جواز ذلك على عزته وقلة نظيره أنه لما قال: "تريدون عَرَض الدنيا"، فجرى ذكر العَرَض فصار كأنه أعاده ثانيًا فقال: عَرَض الآخرة "٦٨و" ولا يُنْكَرُ نحو ذلك.
ألا ترى إلى بيت الكتاب:
أكُلَّ امرئ تحسبين امرأً ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا٣
وأن تقديره: وكل نار؟ فناب ذكره "كُلَّا" في أول الكلام عن إعادتها في الآخر، حتى كأنه قال: وكُلَّ نار؛ هربًا من العطف على عاملين، وهما: كل وتحسبين. وعليه بيته أيضًا:
إنَّ الكريم وأبيك يَعتمِلْ إن لم يجد يومًا على من يتكلْ٤
أراد: من يتكل عليه، فحذف "عليه" من آخر الكلام استغناء عنها بزيادتها في قوله: على من يتكل، وإنما يريد: إن لم يجد من يكتل عليه.
وعليه أيضًا قول الآخر:
أتدْفع عن نفس أتاه حِمامُها فهلا التي عن بين جنبيك تَدفع٥
_________________
(١) ١ المنصف: ١/ ١٨٥ وما بعدها. ٢ سورة الأنفال: ٦٨. ٣ البيت لأبي داود. الكتاب: ١/ ٣٣. ٤ لبعض الأعراب. ويعتمل: يحترف لإقامة العيش. الكتاب: ١/ ٤٤٣، والخصائص: ٢/ ٣٠٥. ٥ في ذيل الأمالي ١٠٦، ١٠٧: أنه لرجل من محارب يعزي ابن عم له على ولده، وفي سمط اللآلي ٤٩، وشواهد المغني ١٤٩: أنه لزيد بن رزين بن الملوح المحاربي أخي بني بكر، وهو شاعر فارس. ويروى: "أتجزع" مكان "أتدفع"، ويروى الشطر الثاني: فهل أنت عما بين جنبيك تدفع؟
[ ١ / ٢٨١ ]
أراد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع، فزاد "عن" في قوله: عن بين جنبيك، وجعلها عوضًا من "عن" التي حذفها، وهو يريدها في قوله: فهلا التي، ومعناها: فهلا عن التي.
وله نظائر، فعلى هذا جازت هذه القراءة؛ أعني قوله: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةِ"، في معنى: عرض الآخرة وعلى تقديره. ولعمري إنه إذا نصب فقال على قراءة الجماعة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، فإنما يريد: عرض الآخرة، إلا أنه يَحذف المضاف ويقيم المضاف إليه مقامه، وإذا جَرَّ فقال: يريد الآخرةِ، صار كأن العَرَض في اللفظ موجود لم يحذف، فاحتُمل ضعف الإعراب تجريدًا للمعنى وإزالة للشك أن يَظن ظان أنه يريد الآخرةَ إرادة مرسلة هكذا. هذا إلى ما قدمناه من حذف لفظ لمجيئه فيما قَبْلُ أو بَعْدُ.
آخر الأنفال
[ ١ / ٢٨٢ ]