بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة "أَنْذَرْتَهُم"١ بهمزة واحدة من غير مدٍّ.
قال أبو الفتح: هذا مما لَا بُدَّ فيه أن يكون تقديره: "أأَنْذَرْتَهُم"، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفًا؛ لكراهة الهمزتين، ولأن قوله: "سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ" لَا بُدَّ أن يكون التسوية فيه بين شيئين أو أكثر من ذلك، ولمجيء "أم" من بعد ذلك أيضًا، وقد حُذفت هذه الهمزة في غير موضع من هذا الضرب، قال:
فأصبحتُ فيهم آمنًا لا كمعشرٍ أتوني فقالوا: مِن ربيعة أم مضر؟ ٢
فيمن قال: أم؛ أي: أمن ربيعة أم مضر؟
ومن أبيات الكتاب:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيثُ ابن سهم أم شعيث ابن مِنْقَر٣
وقال الكميت:
طربتُ وما شوقًا إلى البِيض أطرب ولا لَعِبًا مني وذو الشيب يلعب؟ ٤
قيل: أراد: أوذو الشيب يلعب؟
وقالوا في قول الله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٥ أراد: أوتلك نعمة؟ وقال:
لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا بسبع رَمين الجمر أم بثمان؟ ٦
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٦. ٢ البيت لعمران بن حطان من شعر يقوله في قوم من الأزد نزل بهم متنكرًا ويشكر صنيعهم. انظر: الخصائص: ٢/ ٢٨١. ٣ للأسود بن يعفر، شعيث: حي من تميم ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم، وسهم هنا: حي من قيس، ويروى شعيب بالباء وهو تصحيف. الكتاب: ١/ ٤٨٥. ٤ هذا مطلع إحدى هاشمياته. انظر: العيني على هامش الخزانة: ٣/ ١١١، والخصائص ٢/ ٢٨١. ٥ سورة الشعراء: ٢٢. ٦ البيت لعمر بن أبي ربيعة من قصيدة قالها في عائشة بنت طلحة، يقول: الهاني النظر إليهن واشتغال البال بهن عن تحصيل رميهن الجمار بمنى، وعن علم عدد المرات: أهي سبع أم ثمان؟ الكتاب: ١/ ٤٨٥، والخزانة: ٤/ ٤٤٧-٤٤٩، والديوان: ٥٥٦، وفيه "رميت" مكان "رمين".
[ ١ / ٥٠ ]
"٧ظ" يريد: أبسبع؟
وعلى كل حال فأخبرنا أبو علي قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس؛ وذلك أن الحرف نائب عن الفعل وفاعله، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد نابت "ما" عن "أَنفي"، كما نابت "إلا" عن "أَستثني"، وكما نابت الهمزة وهل عن أَستفهم، وكما نابت حروف العطف عن أَعطف، ونحو ذلك.
فلو ذهبتَ تحذف الحرف لكان ذلك اختصارًا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا أنه إذا صح التوجه إليه جاز في بعض الأحوال حذفه؛ لقوة الدلالة عليه.
فإن قيل: فلعله حَذَف همزة "أَنْذَرْتَهُمْ" لمجيء همزة الاستفهام، فكان الحكم الطارئ على ما يشبه هذا من تعاقب ما لا يجمع بينه.
قيل: قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام على ما أرينا في غير هذا، فيجب أن يحمل هذا عليه أيضًا.
وأما همزة أفعل في الماضي، فما أبعد حذفها! فليكن العمل على ما تقدم بإذن الله.
ومن ذلك قراءة أبي طالوت عبد السلام بن شداد١، والجارود ابن أبي سبرة: "وَمَا يُخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"٢ بضم الياء وفتح الدال.
قال أبو الفتح: هذا على قولك: خدعتُ زيدًا نفسَه؛ ومعناه عن نفسه، فإن شئت قلت على هذا: حُذف حرف الجر، فوصل الفعل؛ كقوله عز اسمه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ٣ أي: من قومه، وقوله:
أمرتك الخيرَ٤
_________________
(١) ١ أبو طالوت عبد السلام بن شداد روى القراءة عن أبيه، وروى القراءة عنه الحسن بن دينار. طبقات القراءة لابن الجزري: ١/ ٣٨٥. ٢ سورة البقرة: ٩. ٣ سورة الأعراف: ١٥٥. ٤ من قول عمرو بن معديكرب: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب النشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء: إذا ثبت في موضعه ولزمه، وكأنه أراد بالمال هنا الإبل خاصة؛ فلذلك عطف عليه النشب، وقيل: النشب: جميع المال. الكتاب: ١/ ١٧.
[ ١ / ٥١ ]
أي: بالخير. وإن شئت قلت: حمله على المعنى فأضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعتُ زيدًا عن نفسه، يدخله معنى: انتقصتُه نفسَه، وملكتُ عليه نفسَه، وهذا من أَسَدِّ وأَدمث مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عِنَان الكلام فيأخذه إليه، ويصرِّفه بحسب ما يؤثره عليه.
وجملته: أنه متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر، فكثيرًا ما يُجْرَى أحدهما مجرى صاحبه، فيُعْدَلُ في الاستعمال به إليه، ويُحتذى في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قوله الله جل اسمه: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؟ ١ وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أَجْذِبك إلى كذا وأدعوك إليه، قال: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؟ وعليه قول الفرزدق:
كيف تراني قاليا مِجَنِّي قد قتل الله زيادًا عني٢
فاستعمل "عن" هاهنا لما دخله من معنى قد صرفه الله عني؛ لأنه إذا قتله فقد صُرف عنه.
وعليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٣، وأنت لا تقول: رفثتُ إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها ومعها، لما كان الرفث بمعنى الإفضاء عُدي بإلى كما يُعدَّى أفضيت بإلى، نحو قولك: أفضيت إلى المرأة، وهو باب واسع ومنقاد، وقد تقصيناه في كتابنا "الخصائص"٤، فكذلك قوله ﷿: "وَمَا يُخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ" جاء على خَدعْتُه نفسَه، لما كان معناه معنى: انتقصتُه نفسَه، أو تخوَّنتُه نفسَه.
ورأيتُ أبا علي -﵀- يذهب إلى استحسان مذهب الكسائي في قوله "٨و":
إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْر لعمر الله أعجنبي رضاها٥
_________________
(١) ١ سورة النازعات: ١٨. ٢ يُروى: كيف تراني قاليًا مجني أضرب أمري ظهره للبطن قد قتل الله زيادًا عني وكان الفرزدق هرب من البصرة إلى المدينة واختفى فيها؛ خوفًا من زياد بن أبيه لغضبة غضبها عليه، فلما بلغة موت زياد وهو في المدينة ظهر وأنشد هذا الرجز؛ إظهارًا للشماتة به، وفرحًا بالسلامة منه، وا لمجن: الترس، وقلاه كناية عن عدم الحاجة إليه. انظر: ديوان الفرزدق: ٢/ ٨٨١، والخصائص: ٢/ ٣١٠. ٣ سورة البقرة: ١٨٧. ٤ انظر: الخصائص: ٢/ ٣٠٨ وما بعدها. ٥ البيت للقحيف العقيلي، يمدح حكيم بن المسيب القشيري. الخصائص: ٢/ ٣٣١، والنوادر: ١٧٦، والخزانة: ٤/ ٢٤٧، ومختصر شرح شواهد العيني: ٢١٥.
[ ١ / ٥٢ ]
لأنه قال: عدى رضيت بعلى، كما يُعدى نقيضها وهي سخطت به، وكان قياسه: رضيت عني، وإذا جاز أن يجري الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ.
فهذا مذهب الكسائي، وما أحسنه! وفيه غيره على سمت ما كنا بصدده، وذلك أنه إذا رضي عنه فقد أقبل عليه، فكأنه قال: إذا أقبلَتْ عليَّ بنو قشير، وهو غور١ من أنحاء العربية طريف ولطيف ومصون وبَطين٢.
ومن ذلك قال ابن دريد٣ عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو: "فِي قُلُوبِهِمْ مَرْضٌ"٤ ساكنة.
قال أبو الفتح: لا يحوز أن يكون "مَرْض" مخففًا من مَرَض؛ لأن المفتوح لا يخفف؛ وإنما ذلك في المكسور والمضموم كإِبِل وفَخِذ، وطُنُب وعَضُد، وما جاء عنهم من ذلك في المفتوح فشاذ لا يقاس عليه، نحو قوله:
وما كل مبتاع ولو سَلْف صفقُه يراجع ما قد فاته برِداد٥
يريد: سَلَف، فأسكن مضطرًّا، وعلى أننا قد ذكرنا هذا في كتابنا الموسوم "بالمنصف"٦، وهو شرح تصريف أبي عثمان، وهذا ونحوه قد جاء في الضرورة، والقرآن يُتخير له ولا يتخير عليه.
_________________
(١) ١ كذا في نسختي الأصل وك، ولا يبعد أن تكون "نحو". ٢ بطين: بعيد الشاو. ٣ هو محمد بن الحسن بن دريد الإمام أبو بكر الأزدي اللغوي، صاحب الجمهرة في اللغة، والمقصورة المشهورة، روى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي وأبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي، وروى عنه أبو سعيد السيرافي والمرزباني وأبو الفتوح الأصبهاني. بغية الوعاة: ٣٠. ٤ سورة البقرة: ١٠. ٥ البيت للأخطل، رُوي "مغبون" مكان "متباع"، و"براجع" بالباء مكان "يراجع " بالياء، و"بوداد" مكان "برداد"،المبتاع: المشتري، الصفق: مصدر صفق البائع إذا ضرب بيده على يد صاحبه عند المايعة، والمراد إيجاب البيع، وضمير صفقه للمبتاع أو المغبون، والرداد بكسر الراء: مصدر راد البائع صاحبه إذا فاسخه البيع. انظر: الديوان: ١٣٧، وشرح شواهد الشافية: ١٨-٢١، والمنصف: ١/ ٢١. ٦ انظر: المنصف: ١/ ٢١.
[ ١ / ٥٣ ]
وينبغي أن يكون "مَرْض" هذا الساكن لغة في "مرَض" المتحرك؛ كالحلْب والحلَب، والطرْد والطرَد، والشل والشلل، والعيب والعاب، والذَّيم والذَّام. وقد دللنا في كتابنا الخصائص على تقاود الفتح والسكون، ولأنهما يكادان يجريان مجرى واحدًا في عدة أماكن.
منها أن كل واحد منهما قد يُفْزَع ويُسْتَروح إليه من الضمة والكسرة، ألا تراهم قالوا في غُرُفات ونحوها تارة: غُرَفَات بالفتح، وأخرى: غُرْفَات بالسكون، كما قالوا في سِدِرات تارة: سِدَرات بالفتح، وأخرى: سِدْرات بالسكون.
وأجرَوْا أيضًا الياء المفتوحة في اقتضائها الإمالة مجرى الياء الساكنة، فأمالوا نحو: السَّيَال١ والصِّيَاح، كما أمالوا نحو: شَيْبان وقيس عَيْلان، وقالوا: ضرب يدها، فأمالوا فتحة الدال للياء المفتوحة، وقالوا أيضًا في تكسير جواد: جياد، فأعلُّوا العين كما أعلوها في ثوب وثياب، فأجروا "واو" جواد مجرى "واو" ثوب، وقالوا: مرِض مَرْضًا فهو مارض، كما قالوا: حَرِد٢ حَرْدًا فهو حارد، والفعل كالأصل في مصادر الثلاثية لا سيما في المتعدي منها، والمتعدي أكثر من غير المتعدي؛ فلذلك ساغ فيها فَعْل.
وإنما كان المتعدي أكثر من غيره من قِبَل أن الفعل قد يكون حديثًا عن المفعول به، نحو: ضُرب زيدٌ، كما يكون حديثًا عن الفاعل، نحو: قام زيد. فكما لَا بُدَّ للفعل من الفاعل، فكذلك كثر المتعدي؛ لأن في ذلك تسبُّبًا إلى أن يكون الفعل حديثًا عن المفعول.
ومن ذلك قراءة يحيى بن يَعْمَر٣ وابن أبي إسحاق وأبي السَّمال٤: "اشتروِا الضَّلالة"٥.
قال أبو الفتح: في هذه الواو ثلاث لغات: الضم، والكسر، وحكى أبو الحسن فيها الفتح: "اشتروَا الضَّلالة"، ورويناه "٨ظ" أيضًا عن قطرب، والحركة في جميعها لسكون الواو وما بعدها، والضم أفشى، ثم الكسر، ثم الفتح.
_________________
(١) ١ نبات أبيض له شوك طويل. ٢ حرد عليه: غضب. ٣ يحيى بن يعمر تابعي فقيه أديب نحوي مبرز، سمع ابن عمر وأبا هريرة، وأخذ النحو عن أبي الأسود، تُوفي سنة ١٢٩هـ. بغية الوعاة: ٤١٧. ٤ أبو السمال -بفتح السين وتشديد الميم وباللام- العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة، رواه عنه أبو زيد سعيد بن أوس. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٢٧، وفي القاموس: "وأبو السمال العدوي قعنب المقرئ". ٥ سورة البقرة: ١٦.
[ ١ / ٥٤ ]
وإنما كان الضم أقوى لأنها واو جمع، فأرادوا الفرق بينها وبين واو "أو" و"لو"؛ لأن تلك مكسورة، نحو قول الله سبحانه: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١، ومنهم مَن يضمها٢، فيقول: "لوُ اطلعت"، كما كسر أبو السَّمَّال وغيره من العرب واو الجمع تشبيهًا لها بواو "لو".
وأما الفتح فأقلها، والعذر فيه خفة الفتحة مع ثقل الواو، وأيضًا فإن الغرض في ذلك إنما هو التبلغ بالحركة لاضطرار الساكنين إليها، فإذا وقعت من أي أجناسها كانت أقنعت في ذلك، كما روينا عن قطرب من قراءة بعضهم: " قُمَ اللَّيْل"٣ بالفتح، و"قُلَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ"٤، وبِعَ الثوب. قال: وقيس تقول: "اشْتَرَءوا الضَّلالَةَ". قال: وقال بعض العرب: عصئوا الله مهموزة.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، وقد كتبنا في هذا بابًا كاملًا في الخصائص٥، وذلك أنه شبه حركة التقاء الساكنين -وليست بلازمة- بالضمة اللازمة في "أُقتت" وأدؤر وأُجُوه، إلا أن همز نحو "اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ" من ضعيف ذلك.
ولو وقفتَ مستذكرًا وقد ضمت الواو؛ لقلت: اشتروُوا، ففصلت ضمة الواو، فأَنشأت بعدها واوا، كأنك تستذكر "الضَّلالَة" أو نحوها، فتمد الصوت إلى أن تذكر الحرف. ولو استذكرت وقد كسرت لقلت: اشتروِي، فأنشأت بعد الكسرة ياء. ولو استذكرت وقد فتحت الوو لقلت: اشتروَا٦، كما أنك لو استذكرت بعد مِن، وأنت تريد الرجل ونحوه لقلت: مِنا؛ لأنك أشبعت فتحة من الغلام، وفي منذ: منذو، وفي هؤلاء: هؤلائي. وحَكى صاحب الكتاب: أن بعضهم قال في الوقف: قالا، وهو يريد قال.
وحَكى أيضًا: هذا سَيْفُنِي، كأنه استذكر بعد التنوين، فاضطر إلى حركته فكسره، فأحدث بعده ياء. ولو استذكرت مع الهمز لقلت: اشترءوا، فالواو بعد الهمزة واو مَطْل الضمة، وليست كواو قولك: اجترءُوا، وأنت تريد: افتعلوا من الجرأة.
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ١٧. ٢ هو المطوعي. إتخاف فضلاء البشر: ١٧٥. ٣ سورة المزمل: ٢، وفي البحر ٨/ ٣٦٠: "وقرأ الجمهور "قمِ الليل" بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين، وأبو السمال بضمها إتباعًا للحركة من القاف، وقُرئ بفتحها طلبًا للخفة". ٤ سورة الكهف: ٢٩، وفي البحر ٦/ ١٢٠: "وقرأ أبو السمال قعنب: "وقلَ الحق" بفتح اللام حيث وقع، قال أبو حاتم: وذلك رديء في العربية". ٥ انظر: الخصائص: ٣/ ٨٧. ٦ انظر: المصدر السابق: ١٣٢.
[ ١ / ٥٥ ]
ومن ذلك قراءة الحسن وإبي السَّمَّال: "وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلْمَاتٍ"١ ساكنة اللام.
قال أبو الفتح: لك في ظلمات وكسرات ثلاث لغات: إتباع الضم الضم، والكسر الكسر، ومَن استثقل اجتماع الثقيلين فتارة يعدل إلى الفتح في الثاني يقول: ظُلَمَات وكِسَرات، وأخرى يسكن فيقول: ظُلْمَات وكِسْرَات، وكل جائز حسن.
فأما فَعْلة بالفتح فلَا بُدَّ فيه من التثقيل إتباعًا، فتقول: ثَمَرَة وثَمَرَات، قال:
ولما رأونا باديًا رُكَبَاتُنا على موطن لا نخلط الجِد بالهزل٢
وقال النابغة:
وَمَقْعَدُ أيسار على رُكَبَاتهم ومربطُ أفراس وناد وملعب
وعليه قراءة أبي جعفر٣: "من وراء الْحُجَرات"٤.
وقال بشر:
حتى سقيناهم بكأس مرة مكروهة حُسَواتها كالعلقم
وقد أسكنوا "٩و" المفتوح، وهو ضروة، قال لبيد:
رُحلن لشقة ونُصبن نصبا لوغْرات الهواجرِ والسَّمُوم٥
وقال ذو الرمة:
أَبت ذكرٌ عَوَّدْنَ أحشاء قلبه خُفُوفًا ورفْضَاتُ الهوى في المفاصل٦
روينا ذلك كله، وروينا أيضًا أن بعض قيس قال: ثلاث ظَبْيَات، فأسكن موضع العين، وروينا عن أبي زيد أيضًا عنهم: شَرْيَة وشَرْيات وهو الحنظل، والتسكين عندي في هذا أسوغ منه في نحو رفْضات ووغْرات، من قِبَل أن قبل الألف ياء محركة مفتوحًا ما قبلها، وهذا شرط اعتلالها بانقلابها ألفًا، وتحتاج أن تعتذر من ذلك بأن تقول:
لو قلبت ألفًا لوجب حذفها لسكونها وسكون الألف بعدها، وليس في نحو: رفضات ما يوجب الاعتذار من الحركة، وكان رفضات أقرب مأخذًا من ثمرات من قِبَل أن رفضة حدث ومصدر،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٧. ٢ انظر: الكتاب: ٢/ ١٨٢. ٣ هو الإمام أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني أحد القراء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر، ويقال: اسمه جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وروى عنهم، وروى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم وغيره، مات سنة ١٣٠هـ بالمدينة. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٨٢. ٤ سورة الحجرات: ٤. ٥ الوغرات: جمع وغرة؛ وهي شدة الحر. وانظر: الديوان: ٦. ٦ رفضات الهوى: ما تفرق من هواها في قلبه. وانظر: الديوان: ٤٠٤.
[ ١ / ٥٦ ]
والمصدر قوي الشبه باسم الفاعل الذي هو صفة، والصفة لا تحرَّك في نحو هذا، نحو: صَعْبة وصَعْبات، وخَدْلة١ وخَدْلات، ويدلك على قوة شبه المصدر بالصفة وقوع كل واحد منهما موقع صاحبه، وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ ٢ أي: غائرًا، وقولهم: قم قائمًا؛ أي: قيامًا، وعليه قول الفرزدق:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رِتاج قائمًا ومقام
على حَلْفَة لا أشتُمُ الدهر مسلمًا ولا خارجًا من فيَّ زُورُ كلام٣
أي: ولا يخرج خروجًا. وعليه أيضًا كسروا المصدر، وهو فَعْلٌ عى ما يكسر عليه فاعل في الوصف وهو فواعل. أنشدنا أبو علي:
وإنك يا عم ابن فارس قُرْزُل معيدٌ على قيل الخنا والهواجر٤
يريد جمع هُجْر، فكأنه كسَّر هاجرًا على هواجر.
وأنشدنا أيضًا:
فليتك حال البحر دونك كله وكنت لقى تجري عليه السوائل٥
يريد السيول جمع سيل، وهو كثير جدًّا، فكذلك سَهُل شيئًا إسكان نحو: رَفْضة ووَغْرة؛ لكونهما حدثين ومصدرين لشبههما بالصفة. ويزيد في أُنْسك تسكن عين ما لامه حرف علة لما تُعقبُ من الاعتذار من تحريك عينه، امتناعهم من تحريك العين في فَعْلَة إذا كانت حرف علة، وذلك نحو: جَوْزَات ولَوْزَات وبَيْضَات، ألا ترى أنه لو حرك فقال: جَوَزَات وبَيَضَات؛ لوجب أن يعتذر من صحة العين مع حركتها وانفتاح ما قبلها بأن يقول: لو أعللتُ لوجب القلب، فأقول: جازات وباضات؛ فيلتبس ذلك بما عينه في الواحد ألف منقلبة نحو: قارة٦ وقارات، وجارة
_________________
(١) ١ الخدلة وتكسر داله: المرأة العظيمة الساق المستديرتها، والجمع خدال. ٢ سورة الملك: ٣٠. ٣ رُوي "واقفًا" مكان "قائمًا"، الرتاج: الباب العظيم؛ يعني: باب البيت ومقام إبراهيم ﷺ، ويروى أن الفرزدق حج فعاهد الله بين الباب والمقام ألا يهجو أحدًا، وأن يقيد نفسه حتى يجمع القرآن حفظًا، فلما قدم البصرة قيد نفسه وحلف ألا يطلق قيده عنه حتى يجمع القرآن، وقال: ألم ترني عاهدت ربي انظر: الكتاب: ١/ ١٧٣، وشرح شواهد الشافية: ٧٢ وما بعدها. ٤ البيت لسلمة بن الخرشب الأنماري يخاطب عامر بن الطفيل، قرزل بالضم: اسم فرس كان في الجاهلية، قال ابن الأعرابي: هو فرس عامر بن الطفيل، المعيد: الذي يعاود الشيء مرة بعد مرة. اللسان: قرزل وهجر. ٥ رواه في اللسان "لقي" غير منسوب، واللقي بالفتح: الشيء الملقى لهوانه، وجمعه ألقاه. ٦ القارة: الجبل الصغير المنقطع عن الجبال.
[ ١ / ٥٧ ]
وجارات.
وإذا جاز إسكان العين الصحيحة، نحو: تَمْرات وشَعْرات؛ صار المعتل أحرى بالضمة. نعم، وربما جاء الفتح في العين إذا كانت واوًا أو ياء كما قال الهذلي:
أبو بَيَضَات رائحٌ متأَوِّبٌ رفيقٌ بمسع الْمَنْكِبَيْنِ سَبُوحُ١
وعذره في ذلك: أن هذه الحركة إنما وجبت في الجمع، وقد سبق العلم بكونها في الواحد ساكنة، فصارت الحركة في الجمع "٩ظ" عارضة فلم تُحفل، وفي هذا بعد هذا ضعف، ألا ترى أن هذه الألف والتاء تبنى الكلمة عليهما، وليستا في حكم المنفصل؟ يدلك على ذلك صحة الواو في خُطُوات وكُسُوات، ولو كانت الألف والتاء في ذلك في حكم المنفصل لوجب إعلال الواو؛ لأنها لام وقبلها ضمة، كما أنك لو بنيت فُعُلَة على التذكير من غزوت لأعللت اللام فقلت: غُزُية، حتى كأنك نطقت بفُعِل منه فقلت: غُزٍ.
ولو بنيتها على التأنيث لصحت اللام فقلت: غُزُوَة، فعليه قلت: خُطُوات؛ لأنه مبني على التأنيث، ولو كان على التذكير قلت: خُطِيات، كما قلت: غُزٍ في فُعُل من الغزو.
قال أبو علي: يدلك على أن الكلمة مبنية على الألف والتاء اطِّراد إتباع الكسر للكسر في سِدِرات وكِسِرات مع عزة فِعِل في الواحد، وإنما حكى سيبويه منه: إبل لا غير، وهو كما ذَكر٢، إلا أن مما يؤنس بكون حركة العين غير ملازمة ما رويناه عن قطرب فيما حكاه عن يونس من قوله في جِرْوة: إذا قلت جِرِوات فصحة الواو وهي لام بعد الكسرة تدلك على قلة الاعتداد بها، وعلى ذلك أن يقال: إن هذا شاذ، يدل على شذوذه امتناعهم أن يحركوا عين كُلْية ومُدْية، وأن يقولوا: كُلُيات ومُدُيات؛ لما كان يعقب ذلك من وجوب قلب الياء إلى الواو، فدلنا ذلك على أن نحو جِرِوات شاذ.
وبإزاء هذا أن يقال: هلا قلبوا فقالوا: كُلُوات ومُدُوَات، كما أنهم لو بنوا مثل فُعُلة من قضيت ورميت على التأنيث قلبوا فقالوا: رُمُوَة وقُضُوَة، فهذه أشياء تراها متكافئة أو كذلك، وعلى كل حال فالاختيار خُطْوات بالإسكان، ألا ترى أن الألف والتاء وإن بني الاسم عليهما فإن الجمع على كل حال خارج من الواحد الذي هو الأصل، فمعنى الفرعية موجود في الجمع
_________________
(١) ١ البيت في وصف ذكر النعام، ولم أعثر عليه في ديوان الهذليين. الخصائص: ٣/ ١٨٤، والمنصف: ١/ ٣٤٣، والخزانة: ٣/ ٤٢٩. ٢ سبق في الصفحة: ٣٧ أن ذكر "الإطل" مع "الإبل"، وزاد عليهما في شرح الشافية ١/ ٤٦ خمسة أخرى.
[ ١ / ٥٨ ]
بتلفُّته إلى الواحد، وليست فُعُلَة إذا بنيت على التأنيث مما خرج عن تذكيره فيراعى فيه حكمه، كما رُوعي في الألف والتاء حكم الواحد، فاعرفه فصلًا.
ومن ذلك ما حكاه الفراء عن بعض القراء فيما ذكر ابن مجاهد "يَخَطَّف"١ بنصب الياء والخاء والتشديد. قال ابن مجاهد: ولم يُرْوَ لنا عن أحد.
قال أبو الفتح: أصله يَخْتَطف، فآثر إدغام التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، ولأن التاء مهموسة والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتًا من المهموس، ومتى كان الإدغام يُقوِّي الحرف المدغم حسن ذلك؛ وعلته أن الحرف إذا أدغم خفي فضعف، فإذا أدغم في حرف أقوى منه استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم فيه فقوي لقوته، فكان في ذلك تدارك وتلاف لما جُني علي الحرف المدغم؛ فأَسكن التاءَ لإدغامها والخاءُ قبلها ساكنة، فنقلت الحركة إليها، وقلبت التاء طاء وأدغمت في الطاء؛ فصارت "يَخَطَّف".
ومنهم من إذا أسكن التاء ليدغمها كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بحركتها عن نقل الحركة إليها، فيقول: يَخِطِّف.
ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا لكسرة فاء الفعل ما بعده فيقول: يِخِطِّف، وأنا إِخِطِّف، وأنشدو لأبي النجم: "١٠و"
تدافُعَ الشِّيبِ ولم تِقِتِّل٢
أراد تقتتل، فأسكن التاء الأولى للإدغام، وحرك القاف٦ لالتقاء الساكنين بالكسر فصار تَقتِّل، ثم أتبع أول الحرف ثانيه فصار تِقِتِّل.
وعلى هذا قالوا في ماضيه: خِطَّف، وأصلها اختطف، فأسكن التاء للإدغام فانكسرت الخاء لسكونها وسكون التاء، فحذف همزة الوصل لتحرك الخاء بعدها، وأُدغمت التاء في الطاء فصار "خِطَّف".
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٠، وقال في البحر المحيط ١/ ٩٠: "وقرأ الحسن أيضًا وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة "يَخِطِّف" بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة، وقرأ أيضًا الحسن والأعمش "يِخِطِّف" بكسر الثلاثة وتشديد الطاء". ٢ انظر: المنصف: ٢/ ٢٢٥، والطرائف الأدبية: ٧٥.
[ ١ / ٥٩ ]
ومنهم من يتبع الطاء كسرة الخاء فيقول: خِطِّف، وأنشدونا:
لا حِطِّب القومَ ولا القومَ سقى١
أراد: احتطب على ما مضى.
وحكى أبو الحسن عنهم: فِتِّحوا الأبواب؛ أي: افتتحوا، على ما تقدم.
وكذلك الكلم في قوله: يَهَدِّي ويَهِدِّي ويِهِدِّي٢، وجاء المعذِّورن والْمُعِذِّرون والْمُعُذِّورن٣، ومُرَدِّفين ومُرِدِّفين ومُرُدِّفين٤، تُتْبِع الضم الضم، كما أتبعت الكسر الكسر. وأصله كله: المعتذرون ومرتدفون، وهو باب منقاد، وهذه طريقه.
ومن بعد فيسأل فيقال: ما مثال "يَخَطِّف"؟
قيل: إن أردت الأصل فيفتعِل؛ أي: يختطف، وإن أردت اللفظ ففيه الصنعة وعليه المسألة، فوزنه: يَفَطْعِل، وذلك أن التاء في يفتعل زائدة، فكما أنها لو ظهرت لكانت زائدة فكذلك إذا أَبدلت فالبدل منها زائد؛ لأن البدل من الزائد زائد، ألا ترى أن الطاء من "اصطبر" بدل من التاء في "اصتبر" الذي هو افتعل؟ فكما أن التاء زائدة فكذلك ما هو بدل منها -وهو
_________________
(١) ١ البيت للشماخ، وصدره: خب جروز إذال جاع بكى الخب: اللئيم، والجروز: الأكول. اللسان: حطب. ٢ سورة يونس: ٣٥، من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ . وفي البحر المحيط ٥/ ١٥٦: قرأ أهل المدينة إلا ورشًا "أم من لا يهدي" بفتح الياء وسكون الهاء وتشديد الدال؛ فجمعوا بين ساكنين. وقرأ أبو عمر وقالون في رواية كذلك إلا أنه اختلس الحركة. وقرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن كذلك إلا أنهم فتحوا الهاء. وقرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر كذلك إلا أنهم كسروا الهاء لما اضطروا إلى الحركة حرك بالكسر. وقرأ أبو بكر في رواية يحيى بن آدم كذلك إلا أنه كسر الياء. ٣ سورة التوبة: ٩٠، من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ . ٤ سورة الأنفال: ٩، من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ . قال في البحر المحيط ٤/ ٤٦٥: "وقرأ بعض المكيين فيما رَوَى عنه الخليل بن أحمد وحكاه ابن عطية "مُرَدِّفين" بفتح الراء وكسر الدال مشددة، أصله مرتدفين، فأدغم. ورُوي عن الخليل أنه يضم الراء إتباعا لحركة الميم، وقرئ كذلك إلا أنه بكسر الراء إتباعا لحركة الدال، أو حركت بالكسر على أصل التقاء الساكنين".
[ ١ / ٦٠ ]
الطاء- زائد، فوزن اصطبر على أصله: افتعل، وعلى لفظه: افطعل، فكذلك وزن "يَخَطِّف" من الفعل على لفظه: يَفَطْعِل، فإذا ثبت ذلك -وقد ثبت بحمد الله- فوزن خِطِّف: فِطْعِل، ووزن تِقِتِّل: تِفِعْتِل، ووزن مُرُدِّفين: مُفُدْعِلِين؛ لأن الدال فيه بدل من التاء الزائدة، فهي زائدة من هذا الوجه، كما كانت الطاء في خِطِّف زائدة من هذا الوجه.
وكذلك لو قائل: ما مثل "ازَّيَّنَتْ"١ على أصله؟
قلت: تفعَّلت؛ أي: تزينت، وعلى لفظه: ازْفَعَّلَت.
وكذلك قالوا: "اطَّيَّرْنَا"٢ ووزنه: اطْفَعَّلْنا، وكذلك قول العجلي:
من عبس الصيف قرون الإِجَّل٣
يريد الإِيَّل، فإن اعتقدت أنه فِعْوَل أو فِعْيَل في الأصل فوزنه بعد البدل: فِعْجَل؛ لأن الجيم على هذا بدل من واو فِعْوَل أو ياء فِعْيَل، وهما زائدتان، فهي زائدة، فاعرف ذلك وقسه.
قال ابن مجاهد: وحكى الفراء أن بعض أهل المدينة يسكن الخاء والطاء ويشدد فيجمع بين ساكنين.
قال ابن مجاهد: ولا نعلم أن هذه القراءة رُويت عن أهل المدينة.
قال أبو الفتح: هذا الذي يجيزه الفراء من اجتماع ساكنين في نحو هذا لا يثبته أصحابنا؛
_________________
(١) ١ سورة يونس: ٢٤، من قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ . ٢ سورة النمل: ٤٧، من قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ . ٣ لأبي النجم، من أرجوزة وصف فيها الإبل لهشام بن عبد الملك، أولها: الحمد لله الوهوب المجزل وقبل الشاهد: كأن في أذنابهن الشول والضمير في أذنابهن للإبل، والشول: جمع شائل بلا هاء؛ وهي الناقة التي تشول بذنبها للقاح ولا لبن بها أصلًا، والعبس بفتحتين: ما يتعلق في أذناب الإبل من أبعارها وأبوالها فيجف عليها، يقال منه: أعبست، وعبس الوسخ في يد فلان: أي يبس، وخص العبس بالصيف؛ لأنه يكون أقوى وأصلب، فتشبهه بقرون الإيل لأنها أصلب من قرون غيرها، والإيل بضم الهمزة وكسرها: الذكر من الأوعال. شرح شواهد الشافية: ٤٨٥.
[ ١ / ٦١ ]
وإنما هو اختلاس وإخفاء عليهم فيرون أنه إدغام، وإنما هو إخفاء للحركة وإضعاف للصوت، وهذا كما يُروى في قوله:
ومَسحِه مُرُّ عُقاب كاسِرِ١
أن الحاء مدغمة في الهاء، ويا ليت شعري كيف يجوز لذي نظر أو من يُخْلِد ألى أدني تفكير أن يدَّعِي أن هنا "١٠ظ " إدغامًا، أو أن تجمع بين ساكنين، وقد قابل به جزء التفعيل، وإذا وقع التحاكم إلى بديهة الحس؛ فقد سقطت كلفة إتعاب النفس، ألا ترى أن وزن قوله: "ومسحهِي" مفاعلن، فالحاء مقابَل بها عين "علن"، والعين أول الوتد، وهي كما ترى وتعلم محركة، أفيقابَل في الوزن الساكن بالمتحريك؟ وإذا أفضى الأمر في السفور إلى هاهنا حَسَر شبهة اللبس والعناء، وقد قلنا في كتابنا الموسوم "بسر الصناعة "٢ في هذا ما فيه كفاية وغناء.
قال ابن مجاهد: وقد رُوي عن مجاهد والحسن "يَخْطِف"، ولم يبلغنا أن أحدًا قرأ "خَطَف" بفتح الطاء، فيُقرأ هذا الحرف يَخْطِف، وأحسب أن هذا غلط ممن رواه.
قال أبو الفتح: قد قلنا في كتابنا الموسوم "بالمنصف" وهو شرح تصريف عثمان في نحو هذا من قوله:
وما كل مبتاع ولو سَلْفَ صَفْقُه يراجع ما قد فاته بِرِداد٣
فإذا تأملته أغنى عن إعادته إن شاء الله، وجملته: أن يكون استُغني بِخَطِف عن خَطَف في الماضي، وجاء المضارع عليه كما أن قوله: "سَلْف" يكون مُسَكَّنًا من "سَلِف" وإن لم يستعمل؛ استغناء بسلَف عنه، وقد شرحناه هناك فتركناه هنا.
_________________
(١) ١ قبله: كأنها بعد كَلالِ الزَّاجر المسح: أن تتعب الإبل وتدبرها وتهزلها، يصف ناقة بأنها بعد طول السير والإجهاد تشبه عقابًا منقضة كسرت جناحيها عند انقضاضها. الكتاب: ٢/ ٤١٣، وسر صناعة الإعراب: ١/ ٦٥. ٢ انظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ٦٥، ٦٦. ٣ انظر: الصحفة ٥٣ من هذا الجزء.
[ ١ / ٦٢ ]
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف ومجاهد وطلحة بن مصرِّف١ وعيسى الهمداني٢: "وُقُودُهَا النَّاسُ"٣.
قال أبو الفتح: هذا عندنا على حذف المضاف؛ أي: ذو وُقودِها، أو أصحاب وقودها الناس؛ وذلك أن الوُقود بالضم هو المصدر، والمصدر ليس بالناس؛ لكن قد جاء عنهم الوَقود بالفتح في المصدر؛ لقولهم: وَقَدَت النارُ وَقودًا، ومثله: أُولِعْتُ به وَلُوعًا، وهو حسن القبول منك، كله شاذ، والباب هو الضم.
وكان أبو بكر يقول في قولهم: توضأت وَضوءًا: إن هذا المفتوح ليس مصدرًا؛ وإنما هو صفة مصدر محذوف، قال: وتقديره: توضأت وُضوءًا وَضُوءًا؛ لقولك: توضأت وُضوءًا حسنًا؛ لأن الوَضوء عنده صفة من الوضاءة.
وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: رجل ساكوت بَيِّن الساكوتة، فقال: قياس مذهب أبي بكر في الوَضوء أن يكون هذا على أنه أراد رجل ساكوت بَيِّن السكتة الساكوتة.
وعليه قولهم فيما حكاه الأصمعي: رجل بَيِّنُ الضارورة؛ أي: بين الضَّرة، أو المضرة الضارورة.
وأما قولهم: لص بين اللَّصوصية، وحُرٌّ بين الحروية، وخصصته بالشيء خَصوصِيَّة، فإن شئت قلت: هو على مذهب أبي بكر لص بين اللَّصة اللَّصوصية، والْخَصَّة الْخَصوصية، والْحُرِّية الْحَرورية.
وإن شئت قلت غير هذا؛ وذلك أن ما لا يجيء من الأمثلة بنفسه قد يجيء إذا اتصلت ياء الإضافة به، وذلك كقول الأعشى:
وما أَيْبُلِيٌّ على هيكل بناه وصلَّب فيه وصارا٤
_________________
(١) ١ هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب أبو محمد، كوفي تابعي كبير، له اختيار في القراءة ينسب إليه، أخذ القراءة عرضًا عن إبراهيم بن يزيد النخعي والأعمش ويحيى بن وثاب، وروى القراءة عرضًا عنه عيسى بن عمر الهمداني وأبان بن تغلب وعلي بن حمزة الكسائي، وكانوا يسمونه سيد القراء، مات سنة ١١٢هـ. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٤٣. ٢ هو عيسى بن عمر الهمداني الكوفي القارئ الأعمى، مقرئ الكوفة بعد حمزة، عرض عليه الكسائي، مات سنة ١٥٦، وقيل: سنة ١٥٠. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٦١٢. ٣ سورة البقرة: ٢٤. ٤ بعده: يرواح من صلوات المليـ ـك طورًا سجودًا وطورًا جؤارا بأعظم منه تقى في الحساب إذا النسمات نفضن الغبارا أيبلي: صاحب أيبل؛ وهي العصا التي يدق بها الناقوس، صلب: صور الصليب، صار: سكن. الديوان: ٥٣.
[ ١ / ٦٣ ]
فأيبلي كما ترى فَيْعُلِيّ، ولولا ياء الإضافة لم يجز ذلك، ألا ترى أنه لم يأتِ عنهم فَيْعُل؟ وكذلك قولهم في الإضافة إلى تحبة: تَحَوِيّ، ومثاله: تَفَلِيّ. وليس في كلامهم اسم على تفل، فكذلك جاز خَصوصية وأختاها، هذا مع ما حُكي "١١و" عنهم من القَبول والوَضوء والوَلُوع والوَقود، فإذا جاء هذا المثال في المصدر من غير أن تصحبه ياء الإضافة فهو بأن يأتي معهما أجدر.
ومن ذلك قراءة رؤبة: "مَثَلا مَا بَعُوضَةٌ"١ بالرفع.
قال ابن مجاهد: حكاه أبو حاتم عن أبي عبيدة عن رؤبة.
وقال أبو الفتح: وجه ذلك: أن "ما" هاهنا اسم بمنزلة الذي؛ أي: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلًا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ.
ومثله قراءة بعضهم: "تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ"٢ أي: على الذي هو أحسن.
وحكى صاحب الكتاب عن الخليل: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا؛ أي: الذي هو قائل لك شيئًا.
وعليه قوله:
لم أرَ مثل الفتيان في غِيَر الـ أيام ينسَوْن ما عواقبُها٣
أي: ينسون الذي هو عواقبها، وحَذْفُ الضمير من هنا ضعيف؛ لأنه ليس فضلة كالهاء في نحو قولك: ضربت الذي كلمت؛ أي: كلمته.
وإن شئت كان تقديره: ينسون أيُّ شيء عواقبها؟ فتكون ما استفهامًا، وعواقبها خبرًا عنها، والجملة في موضع نصب بينسون، وجاز فيها التعليق؛ لأنها ضد يذكرون ويعلمون، فيجري مجرى قولك: لا تنسَ أيُّنا أحق بكذا، وأَتذكُرُ أَزيدٌ أفضل أم عمرو؟
ومن ذلك قراءة يزيد البربري: "وَعُلِّمَ آدَمُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا"٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٦. ٢ سورة الأنعام: ١٥٤، والرفع عن الحسن والأعمش كما في الإتحاف: ١٣٢. ٣ لعدي بن زيد، وفي الأصل: غبر بالباء، وهو تحريف، وما أثبتناه هنا عن ك وهامش الأصل، ويروى عقب جمع عقبة بضم فسكون وهي الشدة، ويروى غبن، قال ابن الشجري: قوله: "في غبن الأيام" يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرك الأوسط في البيع، والأشهر غبنته في البيع غبنًا بسكون وسطه، والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل في الرأي، فعله غَبِنَ يغبن مثل فرح يفرح، غبن رأيه، والمعنى في رأيه، ومفعول الغبن في البيت محذوف؛ أي: في غبن الأيام إياهم. الأغاني، طبعة دار الكتب: ٢/ ١٤٧، والخزانة: ٢/ ٢١. ٤ سورة البقرة: ٣١.
[ ١ / ٦٤ ]
قال أبو الفتح: ينبغي أن يُعلم ما أذكره هنا؛ وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل؛ كضرب زيد عمرًا، فإذا عناهم ذكر المفعول قدَّموه على الفاعل، فقالوا: ضرب عمرًا زيد، فإن ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبِه، فقالوا: عمرًا ضرب زيد، فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رَبُّ الجملة، وتجاوزوا به حد كونه فضلة، فقالوا: عمرو ضربه زيد، فجاءوا به مجيئًا ينافي كونه فضلة، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا: عمرو ضرب زيد، فحذفوا ضميره ونَوَوه ولم ينصبوه على ظاهر أمره؛ رغبة به عن صورة الفضلة، وتحاميًا لنصبه الدال على كون غيره صاحب الجملة، ثم إنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له، وبنوه على أنه مخصوص به، وألغَوْا ذكر الفاعل مظهرًا أو مضمرًا، فقالوا: ضُرب عمرو، فاطُّرح ذكر الفاعل ألبتة. نعم، وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل ألبتة، وهو قولهم: أُولعت بالشيء، ولا يقولون: أولعني له كذا، وقالوا: ثُلِجَ فؤاد الرجل، ولم يقولوا: ثَلَجَهُ كذا، وامتُقع لونه، ولم يقولوا: امتقعه كذا، ولهذا نظائر، فرفضُ الفاعل هنا ألبتة واعتماد المفعول به ألبتة دليل على ما قلناه، فاعرفه.
وأظنني سمعت: أولعني١ به كذا، فإن كان كذلك فما أقله أيضا!
وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة؛ وإنما كانت كذلك لأنها تجلو٢ الجملة، وتجعلها تابعة المعنى لها، ألا ترى أنك إذا قلت: رغبت في زيد، أُفيد منه إيثارك له، وعنايتك به، وإذا قلت: رغبت عن زيد، أُفيد منه اطراحك له، وإعراضك عنه، ورغبت في الموضعين بلفظ واحد "١١ظ"، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت، وهذا الذي دعاهم إلى تقديم الفضلات في نحو قول الله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣، وإنما موضع اللام التأخير؛ ولذلك قال سيبويه: إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هي في المصحف يقرؤها: "وَلَمْ يَكُنْ كُفُوًا له أَحَدٌ"٤.
فإن قلت: فقد قالوا: زيدًا ضربته فنصبوه، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرًا يشغل الفعل
_________________
(١) ١ في القاموس: "ولع به كوجل ولعًا محرَّكة وولوعًا بالتفح، وأولعته وأولع به بالضم ". ٢ في نسختي الأصل: تخلو، والظاهر ما أثبتنا. ٣ سورة الصمد: ٤. ٤ عبارة سيبويه: "وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير، والإلغاء والاستقرار، عربي جيد كثير، فمن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وأهل الجفاء من العرب يقولون: ولم يكن كفوًا له أحد، كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرة. انظر: الكتاب: ١/ ٢٧.
[ ١ / ٦٥ ]
بعده عنه حتى أضمروا له فعلًا ينصبه، ومع هذا فالرفع فيه أقوى وأعرب، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه ربَّ الجملة ومبتدأها في قولهم: زيد ضربته.
قيل: هذا وإن كان على ما ذكرتَه فإن فيه غرضًا من موضع آخر؛ وذلك أنه إذا نصب على ما ذكرت فإنه لا يعدم دليل العناية به، وهو تقديمه في اللفظ منصوبًا، وهذه صورة انتصاب الفضلة مقدمة لتدل على قوة العناية به، لا سيما والفعل الناصب له لا يظهر أبدًا مع تفسيره، فصار كأن هذا الفعل الظاهر هو الذي نصبه، وكذلك يقول الكوفيون أيضًا.
فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة حتى ألغوا حديث الفاعل معها، وبنَوا الفعل لمفعوله فقالوا: ضُرب زيد -حَسُن.
قوله تعالى: "وَعُلِّمَ آدَمُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" لما كان الغرض فيه أنه قد عَرَفَها وعَلِمَها، وآنس أيضًا علم المخاطبين بأن الله سبحانه هو الذي علمه إياها بقراءة مَن قرأ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢، هذا مع قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق﴾ ٣، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٤، وقال تبارك اسمه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ٥.
فقد عُلم أن الغرض بذلك في جميعه أن الإنسان مخلوق ومضعوف، وكذلك قولهم: ضُرب زيد، إنما الغرض منه أن يُعلم أنه منضرب، وليس الغرض أن يُعلم مَن الذي ضربه، فإن أُريد ذلك ولم يدل دليل عليه فلَا بُدَّ أن يذكر الفاعل فيقال: ضرب فلان زيدًا، فإن لم يفعل ذلك كلف علم الغيب.
ومن ذلك قراءة الحسن ﵀: "أَنْبِهِمْ"٦ بوزن أَعْطِهِم، ورُوي عنه: "أَنبيهُمُ" بلا همز، ورُوي عن ابن عامر: "أَنْبِئْهِم" بهمز وكسر الهاء. قال ابن مجاهد: وهذا لا يحوز.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن: "أَنْبِهِمْ" كأعطهم، فعلى إبدال الهمزة ياء على أنه يقول: أَنْبَيْتُ كأَعْطَيْتُ، وهذا ضعيف في اللغة؛ لأنه بدل لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
_________________
(١) ١ سورة المعارج: ١٩. ٢ سورة النساء: ٢٨، وفي نسختي الأصل وك: "وخلق الإنسان عجولًا" فجمع جزءًا من هذه الآية وآية: "وكان الإنسان عجولًا" سورة الاسراء: ١١. ٣ سورة العلق: ٢. ٤ سورة الرحمن: ٣. ٥ سورة الرحمن: ١٥. ٦ سورة البقرة: ٣٣.
[ ١ / ٦٦ ]
وحدثنا أبو علي قال: لقي أبو زيد سيبويه فقال: سمعت العرب تقول: قَرَيْتُ وتوضيت، فقال له سيبويه: فكيف تقول في المضارع؟ قال: أَقرأُ. هذا آخر الحكاية عن أبي علي١.
وزاد أبو العباس محمد بن يزيد فيها: فقال له سيبويه: فقد تركت إذن مذهبك.
ونحوه قراءة: "أن تَبَوَّيَا"٢.
ويجوز على هذه القراءة "أَنْبِهُم" على أصل حركة الهاء وهو الضم؛ كقراءة مَن قرأ: "فخسفنا بِهُو وبدارِهُو الأرض"٣.
وأما قراءته على الرواية الأخرى: "أَنبيهُم" فهو على قياس التخفيف الصريح، ولك في هذه الهاء على "١٢و" هذه القراءة الضم والكسر.
أما الضم٤ فمن وجهين:
أحدهما: وهو الأظهر؛ إخراجها على الأصل فيه.
والآخر: وفيه الصنعة؛ وهو أن هذه الياء ليست بلازمة؛ وإنما اجتلبها تخفيف الهمزة؛ وذلك أن الهمزة إذا سكنت مكسورًا ما قبلها فتخفيفها القياسي أن تخلصها في اللفظ ياء، وذلك قولك في ذئب: ذيب، وفي بئر: بير، فقوله: "أَنبِيهم" بياء ساكنة ينبغي أن يكون على التخفيف القياسي، لا على أنه أبدل الهمزة ياء إبدالًا مستكرهًا على حد قولهم في البدل: قريب كأعطيت، فإنما كان ذلك كذلك من قِبَل أنه لو أَبدل لكان قد أَخرج الهمزة على أصلها إلى ذوات الياء، ولو كان فعل ذلك لوجب حذفه كما تحذف لام: أَعطيت وأَغزيت للوقف والجزم، كما حذفها في القراءة الأخرى لما أبدل فقال: "أَنْبِهِمْ"، ولو اعتقد أنه قد أبدل ألبتة لما جاز إثبات الياء في موضع الوقف، كما لا يجوز: أَعطيهم ولا أَغزيهم، إلا أن يحمل ذلك على الضرورة، وإثبات الياء في موضع الجزم والوقف؛ كقوله:
ألم يأْتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبونُ بني زياد ٥
_________________
(١) ١ عبارة أبي علي: "وحُكي عن أبي زيد قال: قلت لسيبويه: سمعت قريت وأخطيت، قال: وكيف تقول في المضارع؟ قلت: أقرأ، قال: يريد سيبويه أن قريت مع أقرأ لا ينبغي؛ لأن أقرأ على الهمز وقربت على القلب، فلا يكون أن يغير بعض الأمثلة دون بعض؛ فدل ذلك على أن القائل لذلك غير فصيح، وأنه مخلط في لغته. انظر: الحجة، النسخة المصورة بدار الكتب برقم ٤٦٢، الجزء ٣، الورقة ٩٦. ٢ سورة يونس: ٨٧، وفي البحر ٥/ ١٨٦: "قرأ حفص في رواية هبيرة: "تبويا" بالياء، وهو تسهيل غير قياسي، ولو جرى على القياس لكان بين الهمزة والألف". ٣ سورة القصص: ٨١. ٤ سيأتي ذكر وجه الكسر في الصفحة: ٧٠. ٥ البيت لقيس بن زهير العبسي، ويُروى: "ألم يبلغك" مكان "ألم يأتيك". الكتاب: ٢/ ٥٩، والنوادر: ٢٠٣، والأغاني: ١٦/ ٢٨.
[ ١ / ٦٧ ]
فإن فعل ذلك ففيه على هذا ضرورتان:
إحداهما: الإبدال، ولا ضرورة إليه.
والآخر١: إثبات حرف العلة في موضع الوقف، وذلك ضرورة أفحش من الأولى؛ لكثرة الإبدال على قبحه، وقلة إثبات حرف اللين في موضع الوقف؛ لكن إذا اعتقد أنه خُفف لم يكن في هذه القراءة ضرورة ألبتة، وفي هذا كافٍ.
وإذا كان "أَنبيهِم" إنما هو على التخفيف القياسي، فكأن الهمزة حاضرة لأنها هي الأصل؛ إذ كان التخفيف له أحكام التحقيق، ألا ترى إلى صحة الواو والياء في تخفيف ضوء وفيء؛ وذلك قولك: هذا ضَوٌ وفَيٌ ونَوٌ وشَيٌ، بضمة الواو والياء مع تحركهما وانفتاح ما قبلهما، وترك قبلهما ألفين لذلك يدل على أن الواو والياء لما تحركتا بحركة الهمزة المحذوفة للتخفيف كانتا لذلك في حكم الساكنين، فكما تصحان هنا سكانتين في ضوء ونوء وفيء وشيء، كذلك صحتا متحركتين في ضَوٍ ونَوٍ وشَيٍ، وعلى ذلك صحت الواو والياء أيضًا في تخفيف نحو: جَيْئَل٢ وحَوْءَب٣ إذا خَففت فقلت: جَيَل وحَوَب، فكما تكون الياء مضمومة مع التحقيق في قوله: "أَنْبِئْهُم"، فكذلك تكون مضمومة مع التخفيف في قولك: "أَنبيهُم"؛ لما بيناه من أن حكم الهمزة المخففة حكم المحققة.
وسألت أبا علي -﵀- فقلت: من أجرى غير اللازم مجرى اللازم فقال: في تخفيف الأحمر: لَحْمر، أيجوز له على هذا أن يقلب الواو والياء في حَوَب وجَيَل ألفًا، فيقول: حاب وجال؟ فقال: لا، وأومأ إلى أن حكم القلب أقوى من حكم الاعتداد بالحركة في لَحمر؛ أي: فلا يبلغ في الجواز ذلك لشناعته، وهو كما ذكر.
وقد يجوز عندي في قراءة الحسن -﵀- هذه أن يكون أراد "أَنبهم" كقراءته في الأخرى، إلا أنه أشبع الكسرة فأنشأ عنها ياء، فقال: "أَنْبِيهم"، كما قد يجوز ذلك في قوله: "أَلَم "١٢ظ" يَأْتِيَك"؛ فإنه أشبع الكسرة فمطها، فبلغت ياء، وعليه الرواية
_________________
(١) ١ كذا في النسختين، كأنه نظر إلى الخبر "إثبات". ٢ الجيئل: الضبع. ٣ الحوءب: الواسع من الأودية والدلاء، وانظر في الكلام عن اللفظين كتاب الخصائص: ٣/ ٩٣.
[ ١ / ٦٨ ]
الأخرى التي ذكرها أبو الحسن وهي قوله: "أَلَمْ يَأْتِك"، وعليه أيضًا ما وجه بعضهم قوله:
كأن لم ترا قبلي أسيرًا يمانيا١
قال: أراد لم ترَ، ثم أشبع الفتحة فأنشا عنها ألفًا.
فإذا جاز ذلك ساغ الضم في الهاء أيضًا على أصل ضمتها.
فإن قلت: فهل يجوز أن تقول: إنه لم يعتدد بالياء لما كانت زائدة مجتلبة للإشباع، فجرت لذلك مجرى ما ليس موجودًا، كما أن من مد "أوائل" إتباعًا كما ترى، على حد قوله:
نفي الدنانير تنقادُ الصياريف٢
قال على هذا: أَوائيل، أقر الهمزة بحالها بدلًا من واو أواول؛ لبعدها من الطرف بالياء الحاجزة؛ لأن هذه الياء لَحَقٌ٣ ونَيِّفٌ مجتلبة للإشباع، وليست لها عصمة ولا مُسكة، فجرت مجرى المنفردة ألبتة، كما يهمز فيقول: أوائل، فكذلك يهمز، فتقول: أوائيل، ولا يحفل بالياء حاجزًا لما ذكرنا، ولا يجرى عندي مجرى ياء طواويس ونواويس؛ إذ كانت الياء هناك ثابتة القدم؛ لكونها بدلًا من واو ناووس وطاووس الثانية؟
فالجواب: أنه إن ذهب إلى هذا على ما رمته كسر الهاء أيضًا؛ وذلك أن أقصى ما في
_________________
(١) ١ صدره: وتضحك مني شيخة عبشمية والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وكان أسر يوم الكلاب، أسرته التيم، قال أبو علي القالي: "قال الأخفش: رواية أهل الكوفة: كأن لم ترن قبلي، وهذا عندنا خطأ، والصواب: ترى، بحذف النون علامة الجزم". وفي المغني أن أبا علي خرجه "فقال: أصله ترأى بهمزة بعدها ألف، كما قال سراقة البارقي: أُرى عيني ما لم ترأياه ثم حذفت الألف للجازم، ثم أبدلت الهمزة ألفًا لما ذكرنا، ويريد "بما ذكرنا" إجراء المحرك مجرى الساكن وعكسه. انظر: ذيل الأمالي: ١٣١ وما بعدها، وسر صناعة الإعراب: ١/ ٨٦، والمغني وحاشية الأمير عليه: ١/ ٢٠٠، ٢٠١. ٢ صدره: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة والبيت للفرزوق، ويروى "الدراهيم" مكان "الدنانير"، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، والتنقاد: النقد؛ وهو تمييز الدراهم، يصف ناقته بسرعة السير في الهواجر، فيقول: إن يديها لشدة وقعها في الحصى تنفيانه فيقرع بعضه بعضًا، ويسمه له صليل كصليل الدراهم، إذا انتقدها الصير فنفى رديئها عن جيدها. انظر: الخصائص: ٢/ ٣١٥، والكتاب: ١/ ١٠، والخزانة: ٢/ ٢٥٥. ٣ لحق: يريد لاحقة، قال في الأساس: "وهو من اللحق: من اللاحقين".
[ ١ / ٦٩ ]
هذا أن تكون الياء في "أنبيهم" مدة إشباعًا لا حكم لها، فكأنها ليست هناك، وإذا لم تكن هناك كسرة الياء -وهي تدعو إلى كسر الهاء- فعلى أي الوجهين حملته، فكسر الهاء هو الكلام.
وأما حديث كسرها من القسمة الأولى١ -وأنت تنوي بأنبيهم التخفيف القياسي- فهو على معاملة اللفظ؛ وذلك أن الملفوظ به الآن وإن كان تخفيفًا إنما هو الياء ألبتة، فعومل لفظها معاملة نحوه ونظيره، فكُسِرَت الهاء مع هذه الياء كما تكسر في نحو: عليهم وإليهم، كما أن قول الله ﷿: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ﴾ ٢ أصله: لكن أنا، فخففت الهمزة وألقيت حركتها على النون فانفتحت، فصارت في التقدير: "لكنَنَا"، فلما التقى الحرفان المثلان متحركين كُره ذلك، وإن كانت حركة النون الأولى غير لازمة من حيث كانت من أعراض التخفيف، وأجريت مجرى اللازمة، فأُسكنت الأولى وأدغمت في الثانية؛ حملًا على حاضر الحال وإجراء غير اللازم مجرى اللازم٣.
وقد كتبنا في الخصائص بابًا مفردًا في إجراء العرب غير اللازم مجرى اللازم، وإجراء اللازم مجرى غير اللازم، فاكتفينا به عن إعادته؛ لئلا يطول هذا الكتاب٤.
نعم، وإذا كانت العرب قد أجرت الحرف الصحيح في نحو هذا مجرى ما لا يعتد به حتى لم يحفلوا بلفظ، نحو قولهم: منهِم واضربهِم، فأن يجروا الياء الساكنة مجرى ذلك لخفائها، ولأن لفظها نفسها داعٍ إلى الكسر -أجدر.
وأما الرواية عن ابن عامر: أَنبئهِم" بالهمز وكسر الهاء، فطريقه أن هذه الهمزة ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين عندهم، فكأنه لا همزة هناك أصلًا، وكأن كسرة الباء على هذا مجاورة للهاء، فلذلك كسرت "١٣و" فكأنه على هذا قال: "أَنبهِم".
ويدل على ما ذكرناه من ضعف الساكن أن يكون حاجزًا حصينًا قولهم: قِنْيَة٥، وهي وهي من قَنَوْت، وصِبْيَة وهي من صَبَوْت، وعِلْية وهي من عَلَوْت، وعِذْي٦ وهو من قولهم: أَرَضُون عَذَوات، وبِلْيُ سفر لقولهم في معناه: بِلْوُ، وهو من بلوت، ومنه ناقة عِلْيَان٧ وهي من علوت، ودَبَّة٨ مهيار وهو من تهور، وفلان قِدْيَة في هذا الأمر وهو من القِدْوة، وأصله
_________________
(١) ١ سبق الوجه الأول في الصفحة: ٦٧. ٢ سورة الكهف: ٣٨. ٣ الخصائص: ٣/ ٩٢. ٤ انظر المصدر السابق: ٨٧ وما بعدها. ٥ القنية: الكسبة؛ أي الكسب. ٦ العذي والعذاة: الأرض الطيبة التربة الكريمة المنبت التي ليست بسبخة. ٧ ناقة عليان: طويلة جسيمة. ٨ الدبة: الكثيب من الرمل.
[ ١ / ٧٠ ]
كله: قِنْوُ، وصِبْوة، وعِلْوة، وعِذْوُ، وبِلْو سفر، وناقة عِلْوان، ودَبة مِهْوَار، فقلبت الواو في ذلك كله للكسرة قبلها، ولم يعتدد الساكن بينهما حاجزًا لضعفه، فكأن الكسرة تباشر الواو فتقلبها لذلك ياء، كما تقلبها لو لم تجد بينهما حاجزًا، فكذلك الهمزة في "أَنْبِئهِم" لا تحجز على هذا النحو الذي ذكرناه.
وروينا عن أبي زيد فيما أخذناه عن أبي علي، وعن غير أبي زيد: منهِم ومنهِ ومنكِم وبِكِم، وأجرى كاف المضمر مجرى هائه، وسترى هذا فيما بعد إن شاء الله.
فقد علمت بذلك أن قول ابن مجاهد: هذا لا يجوز لأوجه له؛ لما شرحناه من حاله.
ورحم الله أبا بكر؛ فإنه لم يأْلُ فيما علمه نصحًا، ولا يلزمه أن يُرِي غيره ما لم يُره الله تعالى إياه، وسبحان قاسم الأرزاق بين عباده، وإياه نسأل عصمة وتوفيقًا وسدادًا بفضله.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"١.
قال أبو الفتح: هذا ضعيف عندنا جدًّا؛ وذلك أن "الملائكة" في موضع جر، فالتاء إذن مكسورة، ويجب أن تسقط ضمة الهمزة من "اسجدوا" لسقوط الهمزة أصلًا إذا كانت وصلًا، وهذا إنما يجوز ونحوه إذا كان ما٢ قبل الهمزة حرف ساكن صحيح، نحو قوله ﷿: "وَقَالَتُ اخْرُج"٣، وادخلُ ادخلُ، فضُم لالتقاء الساكنين لتخرج من ضمة إلى ضمة، كما كنت تخرج منها إليها في قولك: اخرج.
فأما ما قبل همزته هذه متحرك -ولا سيما حركة إعراب- فلا وجه لأن تحذف حركته ويحرك بالضم، ألا تراك لا تقول: قل للرجلُ ادخُل، ولا: قل للمراةُ ادخُلي؛ لأن حركة الإعراب لا تُستهلك لحركة الإتباع إلا على لغة ضعيفة، وهي قراءة بعض البادية: "الْحَمْدِ لِلَّه" بكسر الدال، ونحو منه ما حكاه لي أبو علي: أن أبا عبيدة حكاه من قول بعضهم: دعه في حِرُمِّه، فحذف كسرة راء "حر"، وألقى عليها ضمة همزة أمه، وهذا عندنا على شذوذه أعذر من قوله: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ وذلك أنه خفف همزة تثبت في الوصل وهو قولك: في هنِ أمه، فإذا كانت تثبت في الوصل جاز تخفيفها فيه؛ بل لا يكون التخفيف بإلقاء الهمزة ونقل الحركة إلا في الوصل، وليس فيه إلا شيء واحد؛ وهو حذفه حركة الإعراب لحركة غير ملازمة؛ وإنما هي للهمزة.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٣٤، وفي البحر ١/ ١٥٢: "وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وسليمان بن مهران بضم التاء إتباعًا لحركة الجيم، ونقل أنها لغة أزدشنوءة ". ٢ ما زائدة، وهو يكثر من زيادتها من كلامه. ٣ سورة يوسف: ٣١.
[ ١ / ٧١ ]
وأما قوله: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا" فإن همزة "اسجدوا" يحذفها في الواصل ألبتة، وإذا كانت محذوفة ألبتة لم يكن إلى تخفيفها سبيل؛ لأن الوصل يستهلكها أصلًا، فحركة ماذا -يا ليت شعري! - تنقل وقد حُذف المتحرك بحركته أصلًا فلم يبقَ إلا الإتباع، وحركة الإتباع لا تبلغ مبلغ حركة تخفيف الهمز؛ من حيث كانت "١٣ظ" حركة الهمزة موجودة فيها في الابتداء والوصل جميعًا، فعلمت بذلك قوتها، وحركة الإتباع تجري مجرى الصدى الذي لا اعتداد به، ولا هو عندهم مما يعقد على مثله، فإذا ضعفت الحركة القوية فما ظنك بالحركة الضعيفة؟
ونحو من هذه الحكاية عن أبي عبيدة: مارواه أحمد بن يحيى: قال: كنا عند سعيد بن سَلْم١ أنا وابن الأعرابي فخرجا لصلاة العصر، وتأخَّرت لتجديد الطهر بعدهما، فلما خرجتُ قال لي ابن الأعرابي: أين أنت؟ ألا تسمع لهذا؟ قلت: ما هو؟ وإذا أبو سَرَّار الغنوي يتحدث، قال:
كنت أحضر العراق فإذا أردت أهلي وقد اشتريت منها وتبتَّتُّ٢ أجتاز بامرأة عجوز لها بنيَّات، فإذا نزلت عليها بَهَشْن٣ إلَيَّ وأَطَفْن بِي، فأَفرز لهن مما اشتريت شيئًا أدفعه إليهن، فغبرت زمانًا، ثم جئت العجوز فوجدتها غائبة عن بيتها، وإذا أولئك الجواري قد صرن نساء، فبهشن إليَّ على عادتهن، وجاءت العجوز فوجدَتني خاليًا معهن، فقالت: ما هذا؟ أفي السَّوَتَنْتُنَّه؟ أفي السوتنتنه؟ فقلت: وما في هذا؟ أردات: أفي السوءة أنتنه؟ فحذفت الهمزة من السوءة تخفيفًا، وألقت حركتها على الواو فانفتحت الواو، وألقت حركة الهمزة في أنتنه على كسرة التاء من السوءة فانفتحت، وحذفت همزة أنتنه فصارت: أفي السوتنتنه؟ ٤
هكذا قال أحمد بن يحيى على كسرة التاء، وله وجه، إلا أنه مع هذا ضعيف؛ وذلك أن هذه الهمزة إذا خففت فحذفت، وألقيت حركتها على ما قبلها، لم يكن ذلك الذي قبلها إلا ساكنًا، نحو قوله تعالى في قراءة ورش عن نافع: "قَدَ افْلَحَ الْمُومِنُونَ"٥، "وَالَارْض".
وحكى أبو زيد في خُبَأَة٦: انه سمع بعضهم يقرأ: "ويمسك السماء أن تقع عَلَّرضِ"٧، يريد: على
_________________
(١) ١ هو سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم أبو محمد الباهلي البصري، كان عالمًا بالحديث والعربية، سمع عبد الله بن عوف وطبقته، وسكن خراسان، ثم قدم بغداد أيام المأمون فحدث بها وروى عنه ابن الأعرابي. بغية الوعاة: ٢٥٥. ٢ تبتت: تزودت. ٣ بهش إليه: ارتاح وخف بارتياح. ٤ انظر: الخصائص: ٣/ ١٤٢. ٥ سورة المؤمنون: ١. ٦ امرأة خبأة: لازمة بيتها. ٧ سورة الحج: ٦٥.
[ ١ / ٧٢ ]
الأرض، فحُذفت همزة أرض تخفيفًا، وأُلقي حركتها على اللام وهي ساكنة كما ترى، فصارت عَلَلَرض، فكره اجتماع اللامين متحركتين، فأسكن اللام الأولى وأدغمها في الثانية فصارت "علَّرض"، كما أسكن أبو عمرو: "لَكنَ نَا" حتى صار لذلك "لكنَّا"، فهذا التحفيف مع النقل إنما يكون إذا كان الأول الملقي عليه ساكنًا، فأما إذا كان متحركًا فقد حَمَتْه حركته أن يَقبل حركة أخرى غيرها.
والتاء من السوءة محركة، فكيف يمكن إلقاء الحركة عليها مع وجود حركتها فيها؟ وعليه قراءة الكسائي فيما حدثنا به أبو علي سنة إحدى وأربعين: "بما أُنزلَّيك١" قياسًا -فيما قال أبو علي- على لكنَّا.
قال أبو علي ما نحن عليه ونعى هذه القراءة، وقال لحركة لام أُنزل: فإذا قبح ذلك مع أن حركة اللام بناء، فما الظن بما حركته إعراب، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء، فالجناية إذن عليها فوقها عليها.
وقول أحمد بن يحيى: إنه ألقى فتحة أَنْتُنه على كسرة الهاء، طريقه: أنه لما نقل فتحة همزة أنتن إلى ما قبلها صادفت كسرة السوءة على شناعة النقل مع ذلك، فهجمت الفتحة على الكسرة فابتزَّتها موضعَها، وكلا القولين خبيث وضعيف، وعلى أننا قد أفردنا في كتاب الخصائص بابًا لهجوم الحركات "١٤و" على الحركات، مختلفات كن أو متفقات٢؛ لكنه ليس على هذا الذي كرهناه واستضعفناه.
فهذا كله يشهد بضعف قوله: "قُلْنَا لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا". وفيه أكثر من هذا، ولولا تحامي الإملال لجئنا به، وفيما أوردناه كافٍ مما حذفناه.
ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو عن "الشِّجَرة"٣ فكرهها، وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٤، وقد ذكر في البحر ١/ ٢٤١: أنها شاذة، ولم ينسبها. ٢ انظر: الخصائص: ٣/ ١٣٦. ٣ أي: من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ . في سورة البقرة: ٣٥، وفي البحر المحيط ١/ ١٥٨: "وقرئ "الشِّجَرة" بكسر الشين، حكاها هارون الأعور عن بعض القراء، وقرئ أيضًا "الشِّيَرة" بكسر الشين والياء المفتوحة بعدها، وكره أبو عمرو هذه القراءة وقال: يقرأ بها برابر مكة وسودانها".
[ ١ / ٧٣ ]
وقال هارون الأعور عن بعض العرب: تقول الشِّجرة، وقال ابن أبي إسحاق: لغة بني سُليم الشِّجرة.
قال أبو الفتح: حكى أبو الفضل الرياشي قال: كنا عند أبي زيد وعندنا أعرابي فقلت له: إنه يقول الشِّيَرَة، فسأله فقالها، فقالت له: سله عن تصغيرها، فسأله فقال: شُيَيْرَة.
وأنشد الأصمعي لبعض الرجاز في أرجوزة طويلة:
تحسبه بين الإكام شِيَرة١
وإذا كانت الياء فاشية في هذا الحرف -كما ترى- فيجب أن تجعل أصلًا يساوق الجيم، ولا تُجعل بدلًا من الجيم، كما تجعل الجيم بدلًا من الياء في قولهم: رجل فُقَيْمِج٢؛ أي: فُقَيْمِي، وعَربَانِج؛ أي: عَرَبَانِيّ٣، وقوله:
حتى إذا ما أمسجت وأمسجا٤
يريد أمست وأمسى. قال أبو علي: هذا يدلك على أن ما حذف لالتقاء الساكنين في حكم الحاضر الملفوظ به. قال: ألا ترى أنه أبدل من لام أمسيت بعد أن قدرها ملفوظًا بها، ولو كان الحذف ثابتًا هنا لما جاز أن يبدل من اللام شيء؛ لأن البدل إنما هو من ملفوظ به، كما أن البدل ملفوظ به.
قال: وليست كذلك لام عَشِيَّة إذا حقرتها فقلت: عُشيَّة؛ لأن الياء الثانية من عُشَيِّية لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ لأنه لا ساكنين هناك، وإنما حذفت حذفًا للتخفيف؛ فلذلك سقط
_________________
(١) ١ انظر: اللسان "شجر" ورواه في البحر ١/ ١٥٨: تَحسِبَه بين الأنام شِيرَة والإكام: جمع أكمة؛ وهي الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. ٢ في سر الصناعة ١/ ١٩٢: "وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لرجل من بني حنظلة: من أنت؟ فقال: فقيمج. قال: قلت: من أيهم؟ قال: مرج؛ يريد: فقيمي ومري". وفي القاموس المحيط: "والنسبة إلى فقيم كنانة فقمي كعرني، وهم نسأة الشهور في الجاهلية، وإلى فقيم دارم فقيمي. ٣ عرباني: فصيح، قال في اللسان: "وتقول: رجل عربي اللسان إذا كان فصيحًا، وقال الليث: يجوز أن يقال: رجل عرباني اللسان". ٤ يُعزى للعجاج، ولم أجده في ديوانه و"ما" ساقطة في الأصل. يريد أمست الأتن وأمسى العير، وقيل: أراد أمست النعامة وأمسى الظليم، والله أعلم. سر الصناعة: ١/ ١٩٤، وشرح شواهد الشافية: ٤٨٦.
[ ١ / ٧٤ ]
قول أبي العباس في تحقير العرب عَشِيَّة على عُشَيْشِيَة١؛ لأن الياء لم تثبت هنا فتبدل منها.
وقال أبو الحسن: إن قومًا يقولون في تحقير فَعلية من الياء: إن المحذوف منها الياء الثانية، فعلى هذا قال أبو علي ما قال.
ومما أبدلت فيه الجيم من الياء٢ قوله -ورويناه عن غير وجه:
خالي عُوَيف وأبو عَلِجِّ المطعمان اللحمَ بالعَشجِّ
وبالغدواة فلق البَرْنِجِّ يُقْلَع بالوَد وبالصِّيصِجِّ٣
وروينا أيضًا قوله:
يا رب إن كنتَ قلبت حِجَّتِج فلا يزال شاحج يأتيك بِج٤
_________________
(١) ١ في شرح الشافية ١/ ٢٧٥: "وعشيشية تصغير عشية، والقياس عشية بحذف ثالثة الياءات كما في معية، وكأن مكبر عشيشية عشاة، تجعل أولى ياء عشية شينًا مفتوحة، فتدغم الشين في الشين، وتنقلب الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها". ٢ قال سيبويه: "وأما ناس من بني سعد، فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف لأنها خفيفة، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج، يريدون تميمي، وهذا علج، يريدون علي، وسمعت بعضهم يقول: عربانج، يريدون عرباني". انظر: الكتاب: ٢/ ٢٨٨. ٣ لرجل من البادية، ويروى "عمي" مكان "خالي"، و"كتل وقطع" مكان "فلق"، والفِلَق بكسر الفاء وفتح اللام: جمع فلقة؛ وهي القطعة، والبرنج: أصله البرني؛ وهو نوع من أجود التمر معرب، والود بفتح الواو: لغة في الوتد، والصيصج: أصله الصيصية بكسر الصادين وتخفيف الياء؛ وهي القرن، واحد الصيصي، وجمع الصيصي: الصياصي، وكان يقلع التمر المرصوص بالوتد وبالقرن، يفخر بعميه أو بخاليه. وكان شدد ياء الصيصية في الوقف على لغة مَن يشدد ثم أبدل من الياء جيمًا، وزاد فأجرى الوقف مجرى الوصل، كما قال الراجز: مثل الحريق وافق القَصَبّا انظر: شرح شواهد الشافية: ٢١٣ وما بعدها. وفي المنصف ١/ ١٧٨: "والذي عندي فيه أنه لما اضطر قلب إلى جيم مشددة عدل به إلى لفظ النسب وإن لم يكن منسوبًا في المعنى؛ كما تقول: أحمر وأحمري، فلم تحدث ياء الإضافة هنا معنى زائدًا، فإذا كان الأمر كذلك جاز أن يراد بالصيصج لفظ النسب كما تقدم. فلما اعتزمت على ذلك حذفت تاء التأنيث؛ لأنها لا تجتمع مع ياءي الإضافة، فلما حذفت الهاء بقيت الكلمة في التقدير: صيصي بمنزلة قاضي، فلما ألحقتها ياءي الإضافة حذفت الياء لياءي الإضافة، كما تقول في الإضافة إلى قاض: قاضي، فصارت في التقدير صيصي، ثم إنه أبدلت من الياء المشددة الجيم كما فعلت في القوافي التي قبلها، فصارت صيصج كما ترى". ٤ في النوادر: ١٦٤: وقال المفضل: وأنشدني أبو الغول هذه الأبيات لبعض أهل اليمن: يارب وزاد على ما هنا: أقمر نهات ينزي وفرتج وفي شرح شواهد الشافية: "ولم يخطر ببال أبي علي ولا على بال ابن جني رواية هذه الأبيات عن أبي زيد في نوادره؛ ولهذا نسباها إلى الفراء وقالا: أنشدها الفراء. ولو خطرت ببالهما لم يعدلا عنه إلى الفراء ألبتة؛ لأن لهما غرامًا بالنقل عن نوادره. رُوي "لا هم" مكان "يا رب". الحجة بالكسر: المرة من الحجج، والشاحج: البغل والحمار، من شحج بالفتح يشحج بالفتح والكسر؛ أي: صوت، والأقمر: الأبيض، والنهات: النهاق، ينزي: يحرك، والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن. يقول: "اللهم إن قبلت حجتي هذه فلا تزال دابتي تأتي بيتك، وأنا عليها محرك وفرتي في سيرها إلى بيتك". انظر: شرح شواهد الشافية: ٢١٥ وما بعدها، وسر الصناعة: ١/ ١٩٣.
[ ١ / ٧٥ ]
قال أبو النجم:
كأن في أذنابهن الشُّوَّلِ من عبس الصيف قرون الإجَّل١
يريد: الإيَّل.
فقد يجوز أن تكون الجيم في شِجرَة بدلًا من الياء في شيرة لفشو شيرة، وقلة شِجرة.
ومن ذلك قراءة النبي -ﷺ- وأبي الطفيل٢، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى بن عمر الثقفي: "هُدَيَّ"٣.
قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية في هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم ياء. قال الهذلي٤:
سبقوا هَوَيَّ وأعنقوا لهواهم فتُخِرِّمُوا ولكل جنب مَصْرَعُ
وروينا عن قطرب قول الشاعر٥:
يطوف بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ويطعن بالصُّمُلَّة في قَفَيَّا
فإن لم تَثْأَرَا لي من عِكَبٍّ فلا أرويتما أبدًا صَدَيَّا
قال لي أبو علي: وجه قلب هذه الألف "١٤ظ" لوقوع ياء ضمير المتكلم بعدها، أنه موضع ينكسر فيه الصحيح، نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، فلما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، فقالوا: هذه عَصَيّ، وهذا فتيّ؛ أي: عصاي وفتاي، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيدين، لما لم يتمكنوا من كسر الألف للجر قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا أن تقلب ألف التثنية لهذه الياء، فتقول: هذان غلاميّ؛ لما فيه من زوال علم الرفع، ولو كانت ألف عصا ونحوها علمًا للرفع لم يجز فيها عصَيّ.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٦١ من هذا الجزء. ٢ أبو الطفيل: ذكره ابن الجزري في طبقات القراء في ترجمة بكار بن عبد الله الذي روى عن هارون بن موسى عن إسماعيل المكي عن أبي الطفيل أن النبي -ﷺ- قرأ: "فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَيَّ". طبقات القراء: ١/ ٧٧ س٢٤، وذكره كذلك في ترجمة محمد بن مسلم بن عبيد الله أبي بكر الزهري، الذي روى عن أبي الطفيل وآخرين. الطبقات: ٢/ ٢٦٢، س٢٢. ٣ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة: ٣٨. ٤ هو أبو ذؤيب يرثي أبناء له خمسة هلكوا بالطاعون في يوم واحد. ويروى "لسبيلهم" مكان "لهواهم"، ورُوي "ففقدتهم" مكان "فتخرموا". أعنقوا: أسرعوا، من العنق وهو السير الفسيح، وتخرموا: تخطفهم الموت. وانظر ديوان الهذليين: ١/ ٢. ٥ هو المنخل اليشكري. وعكبه: هو عكب اللخمي صاحب سجن النعمان بن المنذر، الضملة: الحربة أو العصا. انظر: الخصائص: ١/ ١٧٧ واللسان: "عكب".
[ ١ / ٧٦ ]
ومنهم من يبدل هذه الألفات في الوقف ياءات، فيقول: هذه عصيْ، ورأيت حبليْ، وهذه رَجَيْ؛ أي: الناحية؛ يريد رجًا.
ومنهم من يبدلها في الوقف أيضًا واوًا، فيقول: هذه عَصَو وأَفعَو وحُبَلَو.
ومنهم من يبدلها في الوصل واوًا أيضًا، فيقول: هذه حُبْلَو يا فتى.
ومن البدل في الوقف ياء ما أنشده بعض أصحابنا؛ وهو محمد بن حبيب١:
إن لِطيٍّ نسوة الفَضيْ يمنعهن الله ممن قد طغيْ٢
بالمشرفيات وطعن بالقَنيْ يا حبذا جفانك ابن قَحْطَبيْ
وحبذا قدورك الْمُنْصَّبيْ كأن صوت غليها إذا غَلَيْ
صوت جمال هَدَرَيْ فَقَبْقَبيْ
أراد: ابن قحطبة، فإما أن يكون حذف الهاء للترخيم في غير النداء، فبقيت الباء مفتوحة، فأشبع الفتحة للقافية؛ فصارت قحطبًا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى، وإما أن يكون أبدل الهاء ألفًا؛ فصارت قحطبة إلى قحطبا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى، وعلى ذلك يجوز أيضًا أن يكون قوله٣:
كفعل الْهِرِّ يحترِشُ العَظايا
أراد: العَظَاية، ثم أبدل الهاء ألفًا؛ فصار العظايا.
وإن شئت قلت: شبه ألف النصب بهاء التأنيث فقال: العظايا، كما تقول: العظاية، وهذا قول أبي عثمان.
_________________
(١) ١ هو محمد ابن حبيب أبو جعفر، قال ياقوت: من علماء بغداد باللغة والشعر والأخبار والأنساب، ثقة مؤدب، ولا يعرف أبوه، وحبيب أمه، تُوفي بسر من رأى سنة ٢٤٥. انظر البغية: ٣٠، والإنباه: ٣/ ١١٩. ٢ الفضا: من نبات الرمل، وأهل الفضا أهل نجد لكثرته هناك. وانظر: المنصف: ١/ ١٦٠. واقتصر فيه على الأشطر الثلاثة الأولى، وسيأتي بعد قليل كلامه عن: هدري وقبقبي. ٣ هو أعصر بن قيس عيلان، وصدره: ولاعب بالعشي بني أبيه وقبله: إذا ما المرء صم فلم يكلَّم وأَعيا سمعه إلا ندايا والشاهد من أربعة أبيات يرويها اللسان "حمي" منسوبة لأعصر المذكور، وتنسب في حماسة البحتري ٣٢٤ إلى المستوغر بن أبي ربيعة. ويحترش العظايا: يصيدها، والعظاية: دويبة كسام أبرص. وانظر: سر صناعة الإعراب: ١/ ١٨٣، والخصائص: ١/ ٢٩٢.
[ ١ / ٧٧ ]
وفيه قول لي ثالث؛ وهو أن يكون العَظايا جمع عَظَاية على التكسير، كما تقول في حمامة حمائم، فعظايا على هذا كمطايا وحوايا جمع حَوِيَّة١.
وأما قوله: الْمُنَصَّبَيْ فأراد المنصبة، فأبدل الهاء ألفًا، ثم أبدل الألف ياء على ما مضى، ولا يجوز أن يكون أراد هنا الترخيم؛ لأنه فيه لام التعريف، وما فيه هذه اللام فلا يجوز نداؤه أصلًا، فهو من الترخيم أبعد، وهذا يفسد قول من قال في قول العجاج:
أَوالِفًا مكة من وُرْقِ الْحَمِي٢
إنه أراد الحمام ثم رخم؛ لأن ما فيه لام التعريف لا يُنادى اصلًا فكيف يرخم؟ ٣
وأما قوله: هَدَرَيْ، فإنه أراد هدر، ثم أشبع الفتحة على حد قوله:
ينباع من ذِفرى غضوب جَسْرَةٍ٤
فصار هدَرَا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فقال: هدَرَيْ.
وكذلك قوله: قَبْقَبيْ أراد قبقب٥، ثم أشبع فصار قبقبا، وعلى هذا التخريج يسقط قول سيبويه عن يونس في قوله محتجًّا عليه بقول الشاعر:
دعوت لما نا بني مِسْوَرًا فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْورِ٦
_________________
(١) ١ الحوية كغنية: استدارة كل شيء، وما تحوي من الأمعاء. ٢ قبله: ورب هذا البلد المحرَّم والقاطنات البيتَ غير الرُّيَّم ويروي "قواطنًا" مكان "أوالفًا". انظر: الكتاب: ١/ ٥٦، ٥٨، والخصائص: ٣/ ٣٥، والديوان: ٥٩. ٣ قال ابن جني في الخصائص ٣/ ١٣٥: "يريد الحمام، فحذف الألف فالتقت الميمان، فغير على ما ترى". وقال الأعلم الشنتمرى "الكتاب: ١/ ٨": "ووجه آخر: أن يكون حذف الألف من زيادتها، فبقي "الحمم" وأبدل من الميم الثانية ياء استثقالًا للتضعيف، كما قالوا: تظنيت في تظننت، ثم كسر ما قبل الياء لتسلم من الانقلاب إلى الألف، فقال: الحمي". ٤ البيت لعنترة من معلقته، وبقيته: زيافة مثل الفنيق المكرم وضمير ينباع لعرق ناقته الذي يشبهه في البيت قبله برب أو قطران جعل في قمقم أوقدت عليه النار، فهو يترشح به عند الغليان، ويشبه رأسها بالقمقم. والذفرى: ما خلف الأذن، والجسرة: الناقة الموثقة الخلق، والزيف: التبختر والفعل: زاف يزيف، والفنيق: الفحل من الإبل. انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٤٤، واللسان: "نبع". ٥ قبقب: هدر وصوت. ٦ يقول: دعوت مسورًا لرفع نائبة نابتني فأجابني بالعطاء فيها وكفاني مئونتها، وكأنه سأله في دية، وإنما لبى يديه لأنهما الدافعتان إليه ما سأله منه. الكتاب: ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٧٨ ]
قال سيبويه١: لو كان لبيك اسمًا واحدًا -كما يقول يونس، وإنما قُلب في لبيك لاتصاله بالمضمر كما يُقلب في إليك وعليك -لما قال: فَلَبَّيْ "١٥و" يَدَيْ مِسْوَرِ، ولقال: فَلَبَّى يدَيْ مِسْوَرِ، على حد قولك: على يَدَيْ فلان، وإلى يَدَيْ جعفر، فثبات الياء مع المظهر يدلك على أنه لم يقلب في لبيك على حد ما قلب في إليك وعليك، وفي ذلك رد لقول يونس: إن لبيك مفرد كإلبيك وعليك.
قال أبو علي: يمكن يونس أن يقول: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، فكما تقول في الوقف: عَصيْ وفَتيْ كذلك قال: فَلَبَّيْ، ثم وصل على ذلك، هذا ما قاله أبو علي.
وعليه أن يقال: كيف يحسن تقدير الوقف على المضاف دون المضاف إليه؟
وجوابه: أن ذلك قد جاء، إلا ترى إلى ما أنشده أبو زيد٢ من قول الشاعر:
ضَخْمٌ نجارى طيِّب عُنْصُرِّي
أراد: عنصري، فثقَّل الراء لنية الوقف، ثم أطلق بالإضافة من بعد.
نعم، وإذا جاز هذا التوهم مع أن المضاف إليه مضمر، والمضمر المجرور لا يجوز تصور انفصاله، فأن يجوز ذلك مع المظهر الذي هو "يَدي" أولى وأجدر، من حيث كان المظهر أقوى من المضمر.
ومثله قوله:
يا ليتها قد خرجت من فَمِّه٣
أراد: من فمه، ثم نوى الوقف على الميم فثقلها، على حد قوله في الوقف: هذا خالدّ، وهو يجعلّ، ثم أضاف على ذلك فهذا كقولهم: عنصرِّي.
ويُروى من فُمِّه بضم الفاء أيضًا، وفيه أكثر من هذا.
ومن ذلك قراءة الحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى الثفقي والأعمش: "إسْراييل"٤ بلا همز.
_________________
(١) ١ عبارة سيبيويه في الكتاب ١/ ١٧٦: "وزعم يونس أن لبيك اسم واحد؛ ولكنه جاء على هذا اللفظ في الإضافة، كقولك: عليك فلو كان بمنزلة على لقال: فلبيْ يدي مسور؛ لأنك تقول: على زيد إذا ظهر الاسم". ٢ لم نعثر عليه في النوادر، ورُوى "غض" مكان "ضخم". وانظر: الخصائص: ٣/ ٢١١. ٣ بعده: حتى يعود الملك في أُسطمه أسطم البحر والحسب: وسطه ومجتمعه. انظر: اللسان "فوه"، والخصائص: ٣/ ٢١١. ٤ سورة البقرة: ٤٠.
[ ١ / ٧٩ ]
قال أبو الفتح: إن لم يكن ذلك همزًا مخففًا فخَفِيَ بتخفيفه فعُبر عنه بترك الهمز، فذلك من تخليط العرب في الاسم الأعجمي.
قال أبو علي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه، أنشدنا:
هل تعرف الدار لأم الخزرج منها فظَلْتَ اليوم كالْمُزَرَّج١
قال: وقياسه كالمزرجَن؛ لأنه من الزَّرَجون وهو الخمر، والنون في زَرَجون ينبغي أن يكون أصلًا بمنزلة السين من قَرَبُوس٢.
وأنشدنا لرؤبة:
في خِدْرِ ميَّاسِ الدُّمى الْمُعَرجن٣
فهذا من العُرجون، وكذا كان قياسه أن يقول: المزرجن. وإذا جاز للعرب أن تخلِّط في العربي وهو من لغتها، فكيف يكون -ليت شعري- فيما ليس من لغتها؟!
ومما خلطت فيه من لغتها قول لبيد:
دَرَس المنا بِمُتالع فأَبان٤
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ١/ ٣٥٩. ٢ القربوس كحلزون، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر: حنو السرج. ٣ رُوى "معرجن" فكان "المعرجن"، وقبله: أما جزاءُ العارف المستيقن عندك إلا حاجة التفكن أو ذكر ذات الربَذ المعهن العرجنة: تصوير عراجين النخل، وعرجن الثوب: صور فيه العراجين، التفكن: التندم، الربذ: العهون التي تعلق في أعناق الإبل، واحدتهما ربذة. الديوان: ١٦١، والخصائص: ١/ ٣٥٩، واللسان: "عرجن" و"فكن". ٤ عجزه: بالحبس بين البيد والسوبان وقال ابن برى "عجزه": فتقادمت بالحبس والسوبان ورُوي: فتقادمت فالحبس بالسوبان ومتالع بضم الميم وكسر اللام: جبل بنجد، والحبس بالكسر ويروى بالفتح: جبل لبني أسد، وأبان بفتح أوله وتخفيف ثانيه: جبل بيد فيد والنبهانية أبيض، وأبان: جبل أسود، وهما أبانان، وسوبان كطوفان: جبل أو واد أو أرض. وفي الدرر اللوامع ٢/ ٢٠٨: "فالجبس" بالجيم، ولم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما رجعنا إليه من مصادر، والراجح أنه تحريف. وانظر الديوان: ١٣٨، واللسان: "تلع"، ومعجم البلدان، والقاموس المحيط.
[ ١ / ٨٠ ]
يريد: المنازل. وقال علقمة:
مُفدَّم بسَبَا الكَتان مَلْثُومُ١
أراد: بسبائب٢، وهو كثير، ونكره الاستكثار من الشواهد والنظائر؛ تحاميًا لطول الكتاب.
ومن ذلك قراءة الزهري: "وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوَفِّ بِعَهْدِكُمْ"٣ مشددة.
قال أبو الفتح: ينبغي -والله أعلم- أن يكون٤ قرأ بذلك؛ لأن فَعَّلت أبلغ من أفعلت؛ فيكون على "أوفوا بعهدي" أبالغ في توفيتكم؛ كأنه ضمان منه سبحانه أن يعطي الكثير عن القليل، فيكون ذلك كقوله سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٥، وهو كثير.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "يَذْبَحُونَ أَبْنَاءَكُمْ"٦.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن فعَلت بالتخفيف قد يكون فيه معنى التكثير؛ وذلك لدلالة الفعل على مصدره، والمصدر اسم الجنس، وحسبك "١٥ظ" بالجنس سَعَة وعمومًا، ألا ترى إلى قول عبد الرحمن بن حسان:
وكنتَ أذلَّ من وتِد بقاعٍ يشجِّجُ رأسه بالفِهْرِاوجِي٧
ولم يقل: مُوجِّئ، فكأنه قال: يشجج رأسه بالفهر شاج؛ لأن واجئ فاعل كشاج. وأنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقِبْلَة هدَّمتَها ونقرتَها بيديك كلَّ مُنَقَّر
_________________
(١) ١ صدره: كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم: على فمه خرقة، من صفة الإبريق على الاستئناف، ورُوي "مرثوم" مكان "ملثوم" من رثم أنفه؛ أي: كسره. وانظر: المفضليات: ٤٠٢، والخصائص: ١/ ٢٨١، ٢/ ٤٣٧، الكامل: ٢/ ٦٩. ٢ السبائب: جمع سبيبة؛ وهي الشقة البيضاء من الثوب. ٣ سورة البقرة: ٤٠. ٤ في ك: قد قرأ. ٥ سورة الأنعام: ١٦٠. ٦ سورة البقرة: ٤٩. ٧ البيت من قصيدة هجا بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، وكان ابن الحكم قد افتخر على ابن حسان بأن الخلفاء منا لا منكم، وأن الخلافة في قريش، وبنوة أمية منهم، وابن حسان من الأنصار، والأنصار هم الأوس والخزرج، وهم من أزد غسان من عرب اليمن قحطان. والقاع: المستوي من الأرض، والفهر بكسر الفاء: الحجر ملء الكف، الواجي: الذي يدق اسم فاعل من وجأت عنقه إذا ضربته، وفي أمثال العرب: أذل من وتد بقاع. وانظر: الكتاب: ٢/ ١٧٠، والخصائص: ٣/ ١٥٢، وشرح شواهد الشافية: ٣٤٣.
[ ١ / ٨١ ]
كأنه قال: ونقرتها؛ لأن قوله: كل منقَّر عليه جاء، وبعده قوله:
فطار كل مطير
فهذا على أنه كأنه قال: فطَيَّرَ كُلَّ مُطَيَّر، ولما في الفعل من معنى المصدر الدال على الجنس ما١ لم يجز تثنيته ولا جمعه؛ لاستحالة كل واحد من التثنية والجمع في الجنس.
فأما التثنية والجمع في نحو قولك: قمت قيامين، وانطلقت انطلاقين، وعند القوم أفهام، وعليهم أشغال. فلم يُثَن شيء من ذلك، ولا يُجمع ولم يرد وهو مُرادٌ به الجنس؛ ولكن المراد به النوع. وقد شرحنا ذلك في غير موضع من كتبنا، وما خرج من التعليق عنا.
ومن ذلك قراءة الزهري أيضًا: "وَإِذْ فَرَّقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ"٢ مشددة.
قال أبو الفتح: معنى "فرَّقنا" أي: جعلناه فِرَقًا، ومعنى "فرَقنا": شققنا بكم البحر، وفرَّقنا أشد تبعيضًا من فرَقنا، وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ٣ يحتمل أن يكون فرقين، ويحتمل أن يكون أفراقًا؛ ألا ترى أنك تقول: قسمت الثوب قسمين، فكان كل قسم واحد منهما عشرين ذراعًا، كما تقول ذلك وهو جماعة أقسام.
ومن ذلك فرَقتُ شعره أي: جعلته فرقين، وفرَّقت شعره أي: جعلته فِرَقًا، وجاز هنا لفظ الجمع؛ لأن كل رجل منهم قد خرق من البحر وفَرَق خَرْقًا وفِرْقًا.
وقد يكون أيضًا في فرَقنا مخففة معنى فرَّقنا مشددة على ما مضى آنفًا في: "يَذْبَحُونَ أَبْنَاءَكُمْ".
ومن ذلك قال ابن مجاهد: حدثني عبد الله بن محمد٤ قال: حدثنا خالد بن مرداس قال: حدثنا الحكم بن عمر الرُّعَيْني قال: أرسلني خالد بن عبد الله القسري إلى قتادة٥ أسأله
_________________
(١) ١ ما زائدة. ٢ سورة البقرة: ٥٠. ٣ سورة الشعراء: ٦٣. ٤ هو عبد الله بن محمد بن شاكر أبو البختري العبدي البغدادي، روى القراء عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عاصم، وروى عنه ابن مجاهد وابن الأعرابي وابن الجارود. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٤٤٩. ٥ هو قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري الأعمى المفسر، أحد الأئمة في حروف القرآن، روى القراءة عن أبي العالية وأنس بن مالك، وسمع من أنس بن مالك وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وغيرهم، وروى عنه الحروف أبان بن يزيد العطار وغيره، تُوفي سنة ١١٧. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٨٢ ]
عن حروف من القرآن؛ منها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فقال قتادة: "فاقتالوا أنفسكم"١ من الاستقالة.
قال أبو الفتح: اقتال هذه افتعل، ويصلح أن يكون عينها واوًا كاقتاد، وأن يكون ياء كاقتاس.
وقول قتادة: إنها من الاستقالة، يقتضي أن يكون عينها ياء؛ لما حكاه أصحابنا عمومًا: من قِلت الرجل في البيع بمعنى أقلته، وليس في قِلت دليل على أنه من الياء؛ لقولهم: خِفت ونِمت، وهما من الخوف والنوم؛ لكنه في قولهم في مضارعه: أقيله.
وليس يحسن أن يحمله على مذهب الخليل في طِحت أطيح وتهت أتيه، أنهما فَعِلت أَفْعِل من الواو؛ لقلة ذلك.
وعلى أن أبا زيد قد حكى: ما هت الركِيَّةُ تميهُ٢، ودامت السماء تديم؛ لقلة ما هت تميه، ولأن أبا زيد قد حكى في دامت تديم المصدر وهو دَيْمًا، فقد يكون هذا على أن أصل عينه ياء.
وحدثني أبو علي بحلب سنة ست وأربعين قال: قال بعضهم: إن قِلت الرجل في البيع ونحوه إنما هو من: قُلْتُ له افسخ هذا العقد، وقال لي: قد فعلتُ، فهي عند من ذهب إلى ذلك "١٦و" من الواو.
قال أبو علي: ويفسد هذا ما حكوه في مضارعه من قولهم: أقيله، فهذا دليل الياء.
قال: ولا ينبغي أن يحمل على أنه فَعِلَ يَفْعِلُ من الواو -يريد مذهب الخليل٣- لقلة ذلك.
قال: لكنه من قولهم: تَقَيَّلَ فلان أباه، إذا رَجَعَتْ إليه أشباه منه. فمعنى أقلته على هذا: أني رجعت له عما كنت عقدته معه، ورجع هو أيضًا؛ فقد ثبت بذلك أن عين استقال من الياء، ولا يعرف في اللغة افتعلت من هذا اللفظ في هذا المعنى ولا غيره؛ وإنما هو استفعلت استقلت.
وقد يجوز أن يكون قتادة عرف هذا الحرف على هذا المثال، وعلى أنه لو كان بمعنى استقلت لوجب أن يُستعمل باللام، فيقال: استقلت لنفسي أو على نفسي، كما يقال: استعطفت فلانًا
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٥٤، وفي البحر ١/ ٢٠٨: وقرأ قتادة فيما نقل المهدوي وابن عطية والتبريزي وغيرهمم: "فأقيلوا أنفسكم"، قال الثعلبي: قرأ قتادة: "فاقتالوا أنفسكم". ٢ ماهت الركية تماه وتموه وتميه موهًا وميهًا ومووهًا وماهة وميهة، فهي ميهة ككيسة وماهة: كثر ماؤها، والركية: البئر. ٣ انظر: المنصف: ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٨٣ ]
لنفسي وعلى نفسي، وليس معناه أن يسأل نفسه أن يُقِيلَه؛ وإنما يريد: أن يسأل ربه -﷿- أن يعفو عن نفسه. وكان له حرى١ -لو كان على ذلك- أن يقال: فاقتالوا لأنفسكم؛ أي: استقيلوا لها، واستصفحوا عنها.
فأما اقتال متعديًا، فإنما هو في معنى ما يجتره٢ الإنسان لنفسه من خير أو شر ويقترحه، وهو من القول. قال:
بما اقتال من حُكْم عَلَيَّ طبيبُ٣
أي: بما أراده واقترحه واستامه، وليس معنى هذا معنى الآية، بل هو بضده؛ لأنه بمعنى استَلِينُوا واستعطفوا. هذا ما يُحْضِرُه طريق اللغة، ومذهب التصريف والصنعة، إلا أن قتادة ينبغي أن يحسن الظن به، فيقال: إنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده فيه من رواية أو دراية.
ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب النهمي٤: "جَهَرةً"٥ "وزَهَرةً"٦، كل شيء في القرآن محرَّكًا.
قال أبو الفتح: مذهب أصحابنا في كل شيء من هذا النحو مما فيه حرف حلقي ساكن بعد حرف مفتوح: أنه لا يحرك إلا على أنه لغة فيه؛ كالزَّهْرة والزَّهَرة، والنَّهْر والنهَر، والشَّعْر والشَّعَر، فهذه لغات عندهم كالنشْز٧ والنشَز، والحلْب والحلَب، والطرْد٨ والطرَد.
ومذهب الكوفيين فيه أنه يحرك الثاني لكونه حرفًا حلقيًّا، فيجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه؛ كالبحْر والبحَر والصخْر والصخَر.
وما أرى القول من بعد إلا معهم، والحق فيه إلا في أيديهم؛ وذلك أنني سمعت عامة عُقَيل تقول ذاك ولا تقف فيه سائغًا غير مستكره، حتى لسمعت الشجري يقول: أنا محَموم بفتح الحاء، وليس أحد يدعي أن في الكلام مفَعول بفتح الفاء.
_________________
(١) ١ حرى: وجه، فمن معاني الحرى: الناحية. ٢ يجتر: يجر. ٣ صدره كما في النوادر ٢٤٤: ولو أن مَيْتًا يُفْتَدَى لفديتُه وهو في المنصف ٣/ ٩٢: ومنزلة في دار صدق وغبطة وما اقتال والبيت لكعب بن سعد الغنوي. ٤ سهل بن شعيب: كوفي عرض على عاصم بن أبي النجود وعلى أبي بكر بن عياش، روى القراءة عنه عبد الله بن حرملة بن عمرو. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١٩. ٥ سورة البقرة: ٥٥. ٦ سورة طه: ١٣١. ٧ النشز: المكان المرتفع من الأرض. ٨ الطرد: مزاولة الصيد.
[ ١ / ٨٤ ]
وسمعته مرة أخرى يقول -وقد قال له الطبيب: مَصَّ١ التفاح وارم بثُفله: والله لقد كنت أبغي مصه وعِلْيَتُهُ تَغَذُو بفتح الغين، ولا أحد يدعى أن في الكلام يفَعَل بفتح الفاء.
وسمعت جماعة منهم -وقد قيل لهم: قد أقيمت لكم أَنزالكم٢ من الخبز- قالوا: فاللحَم -يريدون: اللحْم- بفتح الحاء٣.
وسمعت بعضهم وهو يقول في كلامه: ساروا نَحَوه بفتح الحاء، ولو كانت الحاء مبنية على الفتح أصلًا لما صحت اللام لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ ألا تراك لا تقول: "١٦ظ" هذه عصَوٌ ولا فتَوٌ؟ ولعمري إنه هو الأصل؛ لكن أصل مرفوض للعلة التي ذكرنا، فعلى هذا يكون جَهَرة وزَهَرة -إن شئت- مبنيًّا في الأصل على فَعَلة، وإن شئت كان إتباعًا على ما شرحنا الآن.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "اثْنَتَا عَشَرَةَ"٤ بفتح الشين.
قال أبو الفتح: القراءة في ذلك: "عَشْرة" و"عَشِرة"، فأما "عَشَرة" فشاذ، وهي قراءة الأعمش.
وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن ألفاظ العدد قد كثر فيها الانحرافات والتخليطات، ونُقضت في كثير منها العادات؛ وذلك أن لغة أهل الحجاز في غير العدد نظير عشْرة: عشِرة، وأهل الحجاز يكسرون الثاني، وبنو تميم يسكنونه، فيقول الحجازيون: نَبِقة وفَخِذ، وبنو تميم تقول: نبْقة وفخذ، فلما ركب الاسمان استحال الوضع فقال بنو تميم: إحدى عشِرة وثنتا عشِرة إلى تسع عشِرة بكسر الشين، وقال أهل الحجاز: عشْرة بسكونها، ومنه قولهم في الواحد: واحد وأَحد، فلما صاروا إلى العدد قالوا: إحدى عشرة، فبنوه على فِعْلَى، ومنه قولهم: عشْر وعَشرة، فلما صاغوا منه اسمًا للعدد بمنزلة ثلاثون وأربعون قالوا: عشرون، فكسروا أوله، ومنه قولهم: ثلاثون وأربعون إلى التسعون، فجمعوا فيه بين لفظين ضدين؛ أحدهما يختص بالتذكير والآخر بالتأنيث.
أما المختص بالتذكير فهو الواو والنون، وأما المختص بالتأنيث فهو قولهم: ثلاث وأربع وتسع في صدر ثلاثون وأربعون وتسعون. وكل واحد من ثلاث وأربع وخمس وست إلى تسع هكذا بغير هاء مختص بالتأنيث. ولما جمعوا في هذه الأعداد -من عشرين إلى تسعين- بين لفظي التذكير والتأنيث صلحت لهما جميعًا، فقيل: ثلاثون رجلًا، وثلاثون امرأة، وخمسون جارية وخمسون غلامًا، وكذلك إلى التسعين.
ومنه أيضًا اختصارهم من ثلثمائة إلى تسعمائة على أن أضافوه إلى الواحد، ولم يقولوا: ثلاث مئين،
_________________
(١) ١ مصصته بالكسر أمصه، ومصصته أمصه كخصصته أخصه. ٢ الأنزال: جمع نزل؛ وهو ما هيئ للنزيل. ٣ في هامش الأصل: "في الأصل الفاء". ٤ سورة البقرة: ٦٠.
[ ١ / ٨٥ ]
ولا أربع مئات إلا مستكرهًا وشاذًّا، فكما ساغ هذا وغيره في أسماء العدد قالوا أيضًا: "اثنتا عَشَرَة" في قراءة الأعمش هذه، وينبغي أن يكون قد روى ذلك رواية، ولم يره رأيًا لنفسه.
وعلى ذلك ما يُروى: من أن أبا عمرو حضر عند الأعمش فروى الأعمش: أن النبي -ﷺ- كان يتخولنا بالموعظة١، فقال أبو عمرو: إنما هو يتخوننا بالنون، فأقام الأعمش على اللام، فقال له أبو عمرو: إن شئت أعلمتك أن الله لم يعلمك من هذا الشأن حرفًا فعلت، فسأل عنه الأعمش، فلما عرف أبا عمرو وكبر عنده وأصغى إليه، وعلى أن هذا الذي أنكره أبو عمرو صحيح عندنا؛ وذلك أن معنى يتخولنا: يتعهدنا، فهو من قوله:
يساقِطُ عنه ورقُه ضارياتِها سِقاط حديد القَين أَخول أَخولا٢
أي: شيئًا بعد شيء، ومنه قولهم: فلان يَخُولُ على أهله: أي يتفقدهم، ويتعهد أحوالهم، ومنه قولهم: خالُ مالٍ، وخائل مال: إذا كان حسن الرِّعْيَة والتفقد للمال٣. والتركيب مما تُغير فيه أوضاع الكلم عن حالها في موضع الإفراد؛ من ذلك حكاية أبي عمرو الشيباني من قول بعضهم في حضَرَمَوْت: حضْرَمُوت "١٧و" بضم الميم؛ ليصير على وزن المفردات نحو عَضْر فُوط٤ ويَسْتَعُور٥.
ومن تحريف ألفاظ العدد ما أنشده أبو زيد في نوادره:
علام قتل مسلم تعمُّدا مذ سنة وخَمِسُون عددا٦
بكسر الميم من خمسون، وعذره وعلته عندي أنه احتاج إلى حركة الميم لإقامة الوزن، فلم ير أن يفتحها فيقول: خَمَسون؛ لأنه كان يكون بين أمرين: إما أن يُظن أنه كان الأصل فتحها ثم أُسكنت، وهذا غير مألوف؛ لأن المفتوح لا يسكن لخفة الفتحة، وإما أن يقال: إن الأصل السكون فاضظر ففتحها، وهذا ضرورة إنما جاء في الشعر، نحو قوله:
مُشْتَبِهِ الأَعلَامِ لَمَّاعِ الْخَفَق٧
_________________
(١) ١ الحديث في البخاري في كتاب العلم، وانظر: الخصائص ٢/ ١٣٠. ٢ البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، يصف الثور وهو يردع عنه الكلاب. والروق: القرن، حديد القين: الشرار. وانظر: الخصائص: ٢/ ١٣٠، ٣/ ٢٩٠، واللسان: "سقط". ٣ انظر: الخصائص: ٢/ ١٢٩. ٤ من معاني العضر فوط: ذكر العظاء. ٥ من معاني اليستعور: الثوب يجعل على عجز البعير. ٦ انظر: النوادر: ١٦٥، والخصائص: ٢/ ٧٧. ٧ لرؤبة، وقبله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق الأعماق: النواحي القاصية، وعمق كل شيء: قعره ومنتهاه، المخترق: مكان الاختراق، اللماع: الذي يلمع سرابه يصف المفازة، وقوله: لماع الخفق؛ أي يلمع فيه السراب؛ أي يضطرب. وانظر: الديوان: ١٠٤، والمنصف: ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ٨٦ ]
أي: الْخَفْق. ومنه قول زهير:
ثم استمروا وقالوا إن مشرَبكم ماء بشرقي سلمى فَيْدُ أو رَكَكُ١
قال أبو عثمان: قال الأصمعي: سألت أعرابيًّا -ونحن في الموضع الذي ذكره زهير- يعني هذا البيت؛ فقلت له: هل تعرف رككًا؟ فقال: قد كان هاهنا ماء يسمى رَكًّا.
قال الأصمعي: فعلمت أن زهيرًا احتاج إليه فحركه، فعدل عن الفتح٢؛ لئلا يُعرف بأثر الضرورة، فعدله إلى موضع آخر فكسر الميم، فكأنه راجَع بذلك أصلًا حتى كأنه كان خمِسون ثم أسكن تخفيفًا، فلما اضطر إلى الحركة كسر، فكان بذلك كمراجع أصلًا لا مستَكرَهًا على أن يُرى مضطرًّا.
وأنَّسه أيضًا بذلك: ما جاء عنهم من قولهم: إحدى عشْرة وعشِرة، فصار خَمِس من خَمِسون بمنزلة عَشِرة، وصار خَمْسون بمنزلة عَشْر.
ومن ذلك قراءة يحيى بن وثاب٣ والأشهب: "وَقُثَّائِهَا"٤.
قال أبو الفتح: بالضم في القُثاء حسن الطريقة؛ وذلك أنه من النوابت، وقد كثر عنهم في هذه النوابت الفُعَّال كالزُّبَّاد٥ والقُلَّام٦ والعُلَّام٧ والثُّقاء٨، ومن هاهنا كان أبو الحسن يقول في رمان: أنه فُعَّال؛ لأنه من النبات، وقد كثر فيه الفعال على ما مضى، وأما قياس مذهب سيبيويه: فأن يكون فُعلان بزيادة النون؛ لغلبة زيادة النون في هذه المواضع بعد الألف.
وله أيضًا وجه من القياس: أنه من معنى رَمَتْتُ الشيء: غذا جمعت أجزاءَه، وهذه حال الرمان، وقد جاء بهذا الموضع نفسه بعض المولدين فقال:
ما يُحسِن الرُّمان يجمع نفسه في قِشِره إلا كما نحن
_________________
(١) ١ استمروا: استقام أمرهم فمروا، وسلمى: أحد جبلي طيئ؛ وهما أجا وسلمى، وفيد أو ركك: ماءان بالبادية، وانظر: الديوان: ١٤٢، والخصائص: ٢/ ٣٣٤، والمنصف: ٢/ ٣٠٩. ٢ يريد فتح ميم "خمسون" من بيت النوادر في الصفحة السابقة عاد إليه هنا ليتمه. ٣ كذا في ك، وفي الأصل يحيى بن عيسى الثقفي، وفي موضع في هامشه: "المعروف في هذا عيسى بن عمر الثقفي"، وفي موضع آخر منه: "والصواب يحيى بن وثاب، وكذا وقع في المحتوى لأبي عمرو، وفي التحصيل للمهدوي"، وكلمة أخرى لم نتبينها. وفي البحر ١/ ٢٢٣: "وقرأ يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وغيرهما "وقُثائها" بضم القاف، وقد تقدم أنها لغة". ٤ سورة البقرة: ٦١. ٥ الزباد: نبت. ٦ القلام: ضرب من الحمض، وفي نسختي الأصل: الفلام بالفاء، وهو تحريف. ٧ العلام: الحناء. ٨ الثفاء: الخردل.
[ ١ / ٨٧ ]
ويدل على أنه من معنى الاجتماع والتضام تسميتهم لرمان البر: الْمَظَّ؛ وذلك لقوة اجتماعه، واتصال أجزائه، فهو من معنى المماظَّة المعازَّة، وهو إلى الشدة، ويدل على صحة مذهب سيبويه في أن الألف والنون إذا جاءتا بعد المضاعف كانتا بحالهما وهما بعد غير المضاعف، ما ورد في الخبر عن النبي ﷺ: أن قومًا وردوا عليه فقال لهم: "مَن أنتم؟ " فقالوا: بنو غيَّان، فقال ﵇: "بل أنتم بنو رَشْدان"، أفلا تراه كيف اشتق الاسم من الغي والغَوَاية حتى حكم بزيادة النون؛ لأنه قابله بضده وهو قوله: "رشدان"، وترك أن يشتقه من الغَيْن، وهو إلباس الغيم؟ ١ ألا ترى إلى قوله:
كأني بَيْنَ خافِيتى عُقاب أصاب حَمامة في يوم غَيْن٢
فصار "غَيَّان" عنده مع التضعيف "١٧ظ" الذي فيه بمنزلة ما لا تضعيف فيه من نحو: مَرْجان وسَعْدان، فكما يحكم بزيادة النون في مثل هذا من غير التضعيف، كذلك حكم بزيادتها مع التضعيف.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس: "وثُومِها٣" بالثاء.
قال أبو الفتح: يقال: الثُّوم والفُوم بمعنى واحد؛ كقولهم: جدث وجدف، وقام زيد ثم عمرو، ويقال أيضًا: فم عمرو؛ فالفاء بدل فيهما جميعًا؛ ألا ترى إلى سَعَة تصرف الثاء في جدث، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وإلى كثرة ثُمَّ وقلة فُمَّ؟ ويقال: الفوم: الحنطة، قال:
قد كنت أحسبني كأغنى واجد وَرَد المدينة عن زراعة فُوم٤
أي: حنطة.
ومن ذلك قراءة زهير الفُرقُبي٥: "الذي هو أَدْنَأ"٦ بالهمز.
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان عن أبي العباس محمد بن يزيد
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ١/ ٢٥٠. ٢ انظر: الكامل للمبرد: ٢/ ٨٧، والمنصف: ٣/ ٤٨، واللسان: "غين". ٣ سورة البقرة: ٦١. ٤ لأبي محجن الثقفي، وانظر: اللسان "فوم"، وروايته فيه "واحد" مكان "واجد"، وهو تحريف. ٥ هو زهير الفرقبي النحوي، له اختيار في القراءة، يروى عنه، وكان في زمن عاصم، روى عنه الحروف نعيم بن ميسرة النحوي. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٢٩٥، وفي البحر ١/ ٢٣٣: "وقرأ زهير الفرقبي -ويقال له: زهير الكسائي- "أدنأ" بالهمز"، وفي القاموس: "وزهير بن ميمون الفرقبي الهمداني قارئ نحوي، أو هو بقافين". ٦ سورة البقرة: ٦١.
[ ١ / ٨٨ ]
عن الرياشي عن أبي زيد قال: تقول: دَنُؤ الرجل يَدْنُؤ دناءَة، وقد دَنأ يدنأ إذا كان دنيئًا لا خير فيه، غير أن القراءة بترك الهمز: "أدنى"، وينبغي أن يكون من دنا يدنو؛ أي: قريب.
ومنه قولهم في المعنى: هذا شيء مقارب للشيء ليس بفاخر ولا موصوف في معناه، ومن هذه المادة قولهم: هذا شيء دونٌ؛ أي: ليس بذاك، وقولهم: هذا دونك، فينتصب هذا على الظرف؛ أي: هو في المحل الأقرب، وينبغي أن يكون "دون" من١ قولك: هذا رجل دون، وصفًا على فُعْل كحُلْو ومُر، ورجل جُدٍّ٢؛ أي: ذي جَدٍّ.
وقد يجوز أن يكون في الأصل ظرفًا ثم وصف به، ويُؤنِّسُ هذا المذهب الثاني أنَّا لا نعرف فعلًا تصرف من هذا اللفظ كدان يدون ولا نحوه، ولو كان في الأصل وصفًا لكان حرى أن يستعملوا منه فِعلا؛ كقولهم: قد حلا يحلو، ومن يَمَرُّ وأَمَرَّ يُمِرُّ، وقد جَدِدْتَ يا رجل. قال الكميت:
وجدت الناس غير ابني نزار ولم أذمهم شرطًا ودُونَا٣
ومن ذلك قراءة يحيى وإبراهيم: "ما سِأَلْتم"٤ بكسر السين.
قال أبو الفتح: فيه نظر؛ وذلك أن هذه الكسرة إنما تكون في أول ما عينه معتلة كبِعت وخِفت، أو في أول فُعِل إذا كانت عينه معتلة أيضًا كقِيل وبِيع وحِلَّ وبِلَّ؛ أي: حُلَّ وبُلَّ، وصِعْق الرجل نحوه، إلا أنه لا تكسر الفاء في هذا الباب إلا والعين ساكنة أو مكسورة كنعم وبئس وصِعْق، فأما أن تكسر الفاء والعين مفتوحة في الفعل فلا.
فإذا كان كذلك فقراءتهما "سِأَلْتم" مكسورة السين مهموزة غريب، والصنعة في ذلك: أن في سأل لغتين: سِلْتَ تَسَال كخِفْتَ تَخَاف، وسأَلْتَ تَسْأَل كسَبَحَتَ تَسْبَح، فإذا أَسندت الفعل إلى نفسك قلت على لغة الواو: سِلْتُ كخِفْتُ، وهي من الواو؛ لما حكاه أصحابنا من قولهم: هما يتساولان.
ومن همز قال: سألت، فأما قراءته٥: "سِأَلْتم"، فعلى أنه كسر الفاء على قول مَن قال: "سِلْتُم" كخِفْتُم، ثم تنبه بعد ذلك للهمزة، فهمز العين بعدما سبق الكسر في الفاء فقال: "سِأَلْتم"؛ فصار ذلك من تركيب اللغة.
_________________
(١) ١ في ك: في قولك. ٢ عظيم الحظ. ٣ الشرط: الدون، وانظر اللسان: "شرط". ٤ سورة: البقرة: ٦١. ٥ في ك: قراءة.
[ ١ / ٨٩ ]
ومثله ما رويناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى من قول بلال بن جرير:
إذا جِئْتَهم أو سآيلْتَهُم وجدتَ بِهِمْ علَّة حاضِرَه١
"١٨و" وذلك أنه أراد فاعلتهم ساءلتهم.
ومن العادة أيضًا أن تُقلب الهمزة في هذا الثاني، فيقال: سايلت زيدًا، ثم إنه أراد الجمع بين العوض والمعوض منه، فلم يمكنه أن يجمع بينهما في موضع واحد كالعرف في ذلك؛ لأنه لا يكون حرفان واقعين في موضع واحد عينين كان أو غيرهما، فأجاءه الوزن إلى تقديم الهمزة التي هي العين قبل ألف فاعلت، ثم جاء بالياء التي هي بدل منها بعدها؛ فصار سآيلتهم٢.
فإن قيل ما مثال: سآيلتهم؟
قلت: هو فعاعلتهم؛ وذلك لأن الياء بدل من الهمزة التي هي عين، والبدل من الشيء يوزن بميزانه، ألا ترى أن من اعتقد في ياء أَيْنُق أنها عين أبدلت قال هي أَعْفُل؛ لأن الياء بدل من الواو التي هي عين نُوق، فالياء إذن عين في موضع العين، كما كانت الواو لو ظهرت في موضع العين، كما أن ياء ريح وعيد في المثال عين فِعْل، كما كانت الواو التي الياء بدل منها عين فعل في رِوْح وعِوْد، وهذا واضح.
وكذلك قوله أيضًا: "سِأَلْتم" بكسر الفاء على حد كسرها في سِلتم، ثم استذكر الهمزة في اللغة الأخرى فقال: سِأَلْتم، ويجوز أيضًا أن يكون أراد سَأَلْتم، فأبدل العين ياء كما أبدلها الآخر في قوله:
سالَتْ هذيلٌ رسول الله فاحشةً ضلَّتْ هذيلٌ بما قالت ولم تُصِبِ٣
فصار تقديره على هذا إلى سِلْتُم من الوجه؛ أي: من طريق البدل، لا على لغة مَن قال: هما يتساولان، فلما كسر السين استذكر الهمزة فراجعه هنا، كما راجعه في القول الأول.
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ٣/ ١٤٦، والبحر المحيط: ١/ ١٣٥. ٢ قال في الخصائص ٣/ ١٤٦: "يريد ساءلتهم، فإما زاد الياء وغير الصورة فصار مثاله: فعايلتهم، وإما أراد ساءلتهم كالأول، إلا أنه زاد الهمزة الثانية فصار تقديره: سآءلتهم بوزن: فعاءلتهم، فجفا عليه التقاء الهمزتين هكذا، ليس بينهما إلا الألف، فأبدل الثانية ياء"، وعبارة الخصائص: "زاد الهمزة الأولى "، والكلام مع كلمة "الأولى" متناقض. ٣ البيت لحسان، وبعده: سألوا رسولهم ما ليس معطيهم حتى الممات وكانوا سبة العرب والفاحشة التي سألتها هذيل أن يحل الرسول لها الزنا. الكتاب: ٢/ ١٣٠، ١٧٠، وشواهد الشافية ٣٣٩.
[ ١ / ٩٠ ]
وقد أفردنا في كتاب الخصائص بابًا في أن صاحب اللغة قد يعتبر لغة غيره ويراعيها١؛ فأغنى عن إعادته هنا.
ومن ذلك قراءة أبي السَّمَّال، رواها أبو زيد فيما رواه ابن مجاهد: "وَالَّذِينَ هَادَوْا"٢ بفتح الدال.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون فاعَلوا من الهداية؛ أي: رامُوا أن يكون أهدى من غيرهم، كقولك: رامَوْا من رميت٣، وقاضَوْا من قضيت، وساعَوْا من سعيت، فيقول في مصدر هادَوا: مهاداة؛ كقاضوا مقاضاة، وساعوا مساعاة، وقد هودِي الرجل يُهَادى مهاداة، إذا كان حوله من يمسكه ويهديه الطريق، ومنه قولهم في الحديث: "مر بنا يهادى بين اثنين"، ومنه قوله:
من أن يرى تهديه فتـ يان المقامة بالعشيه٤
ومن ذلك قراءة قتادة: "وَإِنْ مِنَ الْحِجَارَةِ"٥، وكذلك قراءته: "وَإِنْ مِنْهَا"٦ مخففة.
قال ابن مجاهد: أحسبه أراد بقوله مخففة الميم؛ لأني لا أعرف لتخفيف النون معنى.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أن التخفيف في إِنَّ المكسورة شائع عنهم؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ٧، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ ٨ أي: إنهم على هذه الحال. وهذه اللام لازمة مع تخفيف النون
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ١٤. ٢ سورة البقرة: ٦٢. ٣ في نسختي الأصل: راميت، وهو مخالف لسياق الكلام. ٤ لزهير بن جندب الكلبي، وقبله: والموت خير للفتى فليهلكن وبه بقيه ويُروى بيت الشاهد: من أن يرى الشيخ البجا ل وقد يهادى بالعشيه ويروى "وليهلكن" مكان "فليهلكن". ورجل بجال وبجالة وبجولة: وهو السيد العظيم مع جمال ونبل، وقد بجل ككرم بجالة وبجولة. وانظر: المعمرين: ٢٦، وطبقات الشعراء للجمحي: ٢. ٥ سورة البقرة: ٧٤. ٦ أي: من قوله تعالى: "وَإِنْ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" سورة البقرة: ٧٤. ٧ سورة الفرقان: ٤٢. ٨ سورة القلم: ٥١.
[ ١ / ٩١ ]
فرقًا بين إِنْ مخففة من الثقيلة، وبين إِنْ التي للنفي بمنزلة "ما" في قوله سبحانه: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ١، وقوله:
فما إنْ طبنا جُبْنٌ ولكن منايانا ودولة آخرينا٢
وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "لما يَهْبُطُ"٣ بضم الباء.
قال أبو الفتح: قد بينا في كتابنا "المنصف"٤ -وهو تفسير تصريف أبي عثمان- "١٨ظ" أن باب فَعَل المتعدي أن يجيء على يفعِل مكسور العين؛ كضرب يضرب وحبس يحبس، وباب فَعَل غير المتعدي أن يكون على يفعُل مضموم العين؛ كعقد يقعد وخرج يخرج، وأنهما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا، وهذا في هذا؛ كقتل يقتُل، وجليس يجلِس، إلا أن الباب ومجرى القياس على ما قدمناه، فهبط يهبُط على هذا بضم العين أقوى قياسًا من يهبِط، فهو كسقط يسقط؛ لأن هبط غير متعدٍّ في غالب الأمر كسقط.
وقد ذُهب في هذا الموضع إلى أن هبط هنا متعد، قالوا ومعناه: لما يهبُطُ غيره في طاعة الله ﷿؛ أي: إذا رآه الإنسان خشع لطاعة خالقه، إلا أنه حُذف هنا المفعول تخفيفًا، ولدلالة المكان عليه، ونسب الفعل إلى الحجر؛ لأن طاعة رائيه لخالقه إنما كانت مسببة عن النظر إليه؛ أي: منها ما يهبُط الناظر إليه؛ أي: يُخْضِعه ويُخْشِعه، وقد جاء هبطته متعديًا كما ترى، قال:
ما راعني إلا جناح هابطا على البيوت قَوطَهُ العلابِطَا٥
وأعمله في القوط، فعلى هذا تقول: هبط الشيء وهبطته، وهلك الشيء وهلكته، قالوا في قول العجاج:
ومهمهٍ هالِك من تَعرَّجا٦
_________________
(١) ١ سورة الملك: ٢٠. ٢ البيت لفروة بين مسيك المرادي. ويروى "وما" مكان "فما". والطب: العادة. وانظر: الخصائص: ٣/ ١٠٨، والخزانة ٢/ ١٢١. ٣ سورة البقرة: ٧٤. ٤ انظر: المنصف: ١/ ١٨٦. ٥ جناح: اسم راع، والقوط: القطيع من الغنم، والعلابط: واحدها علبطة؛ وهي القطيع أيضًا لا يقل عن خمسين، والبيت من ثلاثة أبيات رواها أبو زيد في النوادر: ١٧٣، انظر: الخصائص: ٢/ ٢١١. ٦ بعده: هائلة أهواله من أدلجا والتعريج: حبس المطية على المنزل. وانظر: الديوان: ٩، والخصائص: ٥/ ٢١٠.
[ ١ / ٩٢ ]
قولين؛ أحدهما: أنه كأنه قال: هالكِ المتعرجين، والآخر: هالكِ مَن تعرجا؛ أي: مهلك من تعرج١، فتقول على هذا: أصبحت ذا مال مهلوك، وهلكه الله يهلِكه هُلكًا. وإذا كانت كذلك، وكانت هبط هنا قد تكون متعدية، فقراءة الجماعة: "لما يَهْبِطُ" بكسر الباء أقوى قياسًا من يهبُط؛ لأن معناه لما يهبِط مبصرَه ويحطه من خشية الله.
ومن ذهب فيه إلى أن يهبط هنا غير متعد فكأنه قال: وإن منها لما لو هبط شيء غير ناطق من خشية الله لهبط هو، لا أن غير الناطق تصح منه الخشية؛ ألا ترى أن قوله:
لها حافِرٌ مثل قُعب الوليـ ـد تتخذُ الفار فيه مَغَارا
أي: لو اتخذت فيه مغارًا لغوره وتقعبه لوسعها وصلح لها، لا أنها هي تتخذ ألبتة.
ومثله مسألة الكتاب: أَخَذَتْنَا بالْجَودِ٢ وفوقَه؛ أي: لو كان فوق الجود شيء من المطر لكانت قد أخذتْنا به.
وكلام العرب لمن عرفه، ومَن الذي يعرفه؟ ألطف من السحر، وأنقى ساحة من مشوف الفكر، وأشد تساقطًا بعضًا على بعض، وأمس تساندًا نفلًا إلى فرض.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "يَسْمَعُونَ كَلِمَ اللَّهِ"٣.
الكلام كل ما استقل برأسه؛ أعني: الجمل المركبة، نحو: قام محمد، وأبوك منطلق. وقد فَصَلْنَا في أول باب من الخصائص٤ بين الكلام والقول، وأن كل كلام قول، وليس كل قول كلامًا.
فأما الكلم فلا يكون أقل من ثلاث، وذلك أنه جمع كلمة كثَفِنَة٥ وثَفِن، ونَبِقَة ونَبِق، وسَلِمَة٦ وسَلِم؛ ولذلك ما٧ اختاره صاحب الكتاب على الكلام، فقال: هذا باب علم ما الكلم من العربية، ولم يقلك: ما الكلام؛ وذلك لأن الكلام كما قد يكون فوق الاثنين فكذلك أيضًا قد يكون اثنين، وسيبويه إنما أراد هنا٨ ثلاثة أشياء:
_________________
(١) ١ عبارته في الخصائص ٢/ ٢١٠: "أحدهما: أن هالك بمعنى مهلك من تعرج فيه، والآخر: ومهمه هالك المتعرجين فيه كقولك: هذا رجل حسن الوجه، فوضع من موضع الألف واللام". ٢ الجود: المطر الغزيز أو ما لا مطر فوقه. ٣ سورة البقرة: ٧٥. ٤ انظر: الخصائص: ١/ ٥. ٥ من معاني الثفنة: الركبة. ٦ السلمة: الحجر. ٧ ما زائدة. ٨ في ك: وسيبويه هنا.
[ ١ / ٩٣ ]
الاسم والفعل والحرف، فترك اللفظ الذي قد يكون أقل من الجماعة إلى اللفظ الذي لا يكون إلا جماعة "١٩و".
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة١ والحسن بخلاف والحكم بن الأعرج٢: "إِلَّا أَمَانِيْ وَإِنْ هُمْ"٣، و"لَيْسَ بِأَمَانِيْكُمْ وَلا أَمَانِيْ أَهْلِ الْكِتَابِ"٤ الياء فيه كله خفيفة ساكنة.
قال أبو الفتح: أصل هذا كله التثقيل -أَمَانِيُّ جمع أُمْنِيَّة- والتخفيف في هذا النحو كثير وفاشٍ عندهم.
قال أبو الحسن في قولهم أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل ألبتة.
وقال الكسائي: قد سمع فيها التثقيل، وأنشد:
أثافي سُفعًا في مُعَرَّسِ مِرجل٥
والمحذوف من نحو هذا هو الياء الأولى التي هي نظيرة ياء المد مع غير الإدغام، نحو ياء قراطيس، وجراميق٦، وأراجيح، وأعاجيب، جمع أرجوحة وأعجوبة، ألا تراها قد حذفت في قوله:
والبكراتِ الفُسَّجَ العطامسا٧
_________________
(١) ١ هو شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب، إمام ثقة مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاصيتها ومولى أم سلمة ﵂، عرض عليه نافع بن أبي نعيم وأبو عمرو بن العلاء، مات سنة ١٣٠. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٢٩. ٢ في البحر المحيط ١/ ٢٧٦: "وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج". ٣ سورة البقرة: ٧٨. ٤ سورة النساء: ١٢٣. ٥ من معلقة زهير، وعجزه: ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم الأثافي: جمع أثفية؛ وهي الحجر توضع عليه القدر، والسفع: السود يخالط سوادها حمرة، المفرد سفعاء، والمعرس في الأصل: موضع التعريس؛ وهو نزول المسافر ليلًا، والمراد هنا: المكان الذي تنصب القدور فيه، والنؤى: نهير يحفر حول البيت ليجري الماء فيه عند المطر ولا يدخل البيت، والجذم: الأصل. يقول: عرفت من آثار أم أوفى حجارة سودًا كانت تنصب القدور عليها، ونهيرًا كان حول البيت، كأنه أصل حوض أقيم هناك. الديوان: ٤، وشرح المعلقات السبع للزوزني: ٧٣. ٦ الجراميق: جمع جرموق كعصفور؛ وهو ما يلبس فوق الخف. ٧ لغيلان بن حريث الربعي، وقبله: قد قربت ساداتها الروائسا الروائس: جمع الرائسة؛ وهي المتقدمة لسرعتها ونشاطها، والبكرات: جمع البكرة؛ وهي الناقة الفتية، والفسج: جمع فاسج؛ وهي هنا السمينة، والعطامس: جمع العيطموس؛ وهي الناقة الحسناء. الكتاب: ٢/ ١١٩، والخصائص: ٢/ ٦٢.
[ ١ / ٩٤ ]
وقوله:
وغير سُفْع مثل يحامِم١
يريد: يحاميم وعطاميس.
وروينا لعبيد الله بن الحر قوله:
وبُدِّلْتُ بعد الزَّعْفَران وطيبه صَدا الدِّرع من مستحكِماتِ الْمَسامِر
وعلى أن حذف الياء مع الإدغام أسهل شيئًا من حذفه ولا إدغام معه؛ وذلك أن هذه الياء لما أُدغمت خفيت وكادت تستهلك، فإذا أنت حذفتها فكأنك إنما حذفت شيئًا هو في حال وجوده في حكم المحذوف. نعم، وقد يحذف هذا الحرف ويؤتى بالعوض منه حرفًا في حال وجوده في حكم ما ليس موجودًا، وهو تاء التأنيث في نحو قولهم: فرازنة٢ وزنادقة وجحاجحة٣، فالتاء عوض من ياء فرازين وجحاجيح وزناديق، وكذلك قالوا مع الإدغام، وذلك قولهم في أثاني٤ وأناسي: أثانية وأناسية، رواها أبو زيد. وإذا كانوا قد رضوا بالكسرة قبلها دليلًا عليها، وعوضًا منها فهم بأن يقنعوا بالتاء عوضًا منها أجدر.
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبي عمرو "وَآيَدْنَاه"٥.
قال ابن مجاهد -على ما علمناه: ممدوة الألف خفيفة الياء. وقد رُوى عن مجاهد في قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُك﴾ ٦ آيدتك، قال ابن مجاهد: على فاعلتك.
قال أبو الفتح: هذا الذي توهمه ابن مجاهد، وأن آيدتك فاعلتك لا وجه له، وإنما آيدتك أفعلتك من الأَيْد؛ وهو القوة.
وقال أبو علي: إنما كثر فيه أيَّدتك فعَّلتك؛ لما يعرض في آيدتُك من تصحيح العين مخافة توالي إعلالين في آيدتك. وأنشدنا قوله:
ي
ُنْبي تجاليدي وأَقتادَها ناوٍ كرأس الفدَنِ الْمُويَد٧
_________________
(١) ١ لغيلان بن حريث، والسفع بها الأثافي، والمثل: المنتصبة القائمة، جمع ماثلة، واليحامم: جمع يحموم وهو الأسود. وانظر: الكتاب: ٢/ ٤٤٨، وسر صناعة الإعراب: ٦٥. ٢ فرازنة: الشطرنج، جمع فرزان، معرب، وجمعه في اللسان والقاموس فرازين، ولا يأتي القياس فرازنة. شرح الشافية ٢/ ١٨٥. ٣ الجحاجحة: السادة، جمع جحجاح. ٤ كأنه جمع أثناء، وواحد الأثناء ثني كحمل، وهو من الثوب طيه. ٥ سورة البقرة: ٨٧. ٦ سورة المائدة: ١١٠. ٧ ينبي الشيء: يدفعه عن نفسه ولا يتركه يستقر، من نبا جنبه عن الفراش: إذا لم يستقر عليه، تجاليدي: جسمي، الأقتاد: خشب الرحل، واحده قتد، أو هي أدوات الرحل كله، الناوي: السنام والظهر، الفدن: القصر المشيد، والمؤيد العظيم. وانظر: اللسان: "جلد"، والمنصف: ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ٩٥ ]
فهذا من آيدته؛ أي: قويته؛ لأنه مُفعَل كمُكْرَم ومُقتَل١ ومُؤدَم٢، ولو كان آيدتك -كما ظن ابن مجاهد فاعلتك- لكان اسم المفعول منه مُؤايَد كمقاتَل ومضارَب؛ ولكن قراءة من قرأ: "آتَيْنَا بِهَا" فاعلنا٣، ولو كان أفعلنا لما احتاج إلى حرف الجر؛ لأنه إنما يقال: أتيت زيدًا بكذا وآتيته؛ كقولك: أعطيته كذا، فكذاك لو كان آتينا أفعلنا لكان آتيناها كقولك: أعطيناها، أنت لا تقول: آتيته بكذا، كما لا تقول: أعطيته بكذا، فقوله في تلك القراءة: "آتيناها" كقولك: حاضرنا بها، وشاهدنا بها، وهذا واضح.
ومعنى قول "١٩ظ" أبي علي: لو جاء آيدتك على ما يجب في مثله من إعلال عين أفعلت إذا كانت حرف علة فأقمت زيدًا وأشرته وأبعته -أي: عرضته للبيع- لتتابع فيه إعلالان؛ لأن أصل آيدت: أَأْيدت، كما أن أصل آمن: أَأْمن، فانقلبت الهمزة الثانية ألفًا لاجتماع الهمزتين في كلمة واحدة، والأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة، فهي كآمن وآلف، وفي الأسماء نحو: آدم وآدر٤.
فكان يجب أيضًا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على هذا أن تقلب الفاء هنا واوًا؛ لأنها قد تحركت وانفتح ما قبلها، ولَا بُدَّ من بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها، كما قلبت في تكسير آدم أوادم، فكان يلزم على هذا أن تقول: أَوَدتُه كأَقَمْتُه وأدرته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الفاء التي هي في الأصل همزة واوًا فتعتل الفاء والعين جميعًا، وإذا أدى القياس إلى هذا رُفض، وكثر فيه فعَّلْتُ أيدت ليؤمن ذانك الاعتلالان، فلما استُعمل شيء منه جاء قليلا شاذًّا؛ أعني: آيدت.
وإذا كانوا قد أخرجوا عين أفعلت، وهي حرف علة على الصحة نحو قوله:
صددت فأَطولتِ الصدود٥
وقولهم: أغيلت٦ المرأة، وأغيمت السماء، وأَخْوصَ الرِّمثُ٧، وأعوز القوم،
_________________
(١) ١ من أقتله؛ أي عرضه للقتل. ٢ من آدم الخبز؛ أي خلطه بالأدم. ٣ في ك: فاعلناها، و"آتينا بها" في سورة الحج: ٧٤، وفي الكشاف: أنها قراءة ابن عباس ومجاهد. ٤ الآدر: من يصيبه فتق في إحدى خصيتيه. ٥ هذا بعض قوله: صدد فأطولت الصدد وقلما وصال علي طول الصدود يدوم وينسبه في الكتاب إلى عمر بن أبي ربيعة، ولم نثعر عليه في ديوانه، وينسبه الأعلم والبغدادي إلى المرار الفقعسي. وانظر: الكتاب: ١/ ١٢، ٤٥٩، والخصائص: ١/ ١٤٣، ٢٥٧، والمنصف ١/ ١٩١، والخزانة ٤/ ٢٨٧. ٦ أغيلت المرأة ولدها: سقته الغيل؛ وهو اللبن ترضعه المرأة ولدها وهي حامل. ٧ أخوص الرمث: تفطر بورق، والرمث: واحدته رمثة؛ وهو شجر من الحمض.
[ ١ / ٩٦ ]
وأليث الشجر١، وأسوأَ الرجل. ولو خرج على منهج إعلال مثله لم يُخَفْ فيه توالي إعلالين كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع إعلالها مع إعلال الفاء قبلها أولى وأجدر؛ فقد ثبت أن قراءة مجاهد: "إذ آيدتك" إنما هو أفعلتك لا فاعلتك، كما ظن ابن مجاهد.
ومن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: "جَبرَئِلّ"٢ مشددة اللام، بوزن جبرَعِل، وعنه أيضًا وعن فياض بن غزوان٣: "جَبْرَائيل" بوزن جَبْرَاعيل، بهمزة بعد الألف، وبهذا الوزن من غير همز بياءين عن الأعمش، و"مِيكاييل" من غير همز أيضًا ممدود، وقرأ "مِيكَئِلَ" بوزن ميكعل ابن هرمز الأعرج٤ وابن محيصن.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فقد ذكرنا في كتابنا هذا وفي غيره من كتبنا: أن العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه، وأنشدنا في ذلك ما أنشدَناه أبو علي من قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج منها فظَلْت اليومَ كالمزَرَّج٥
يريد: الذي شرب الزَّرجون وهي الخمر، وأنه كان قياسه المزرجن؛ من حيث كانت النون في الزرجون أصلية. نعم، وذكرنا أنهم قد يحرفون ما هو من كلامهم، فكيف ما هو من كلام غيرهم؟ إلا أن جبرَئِل قد قيل فيه: إن معناه عبد الله؛ وذلك أن الجبر بمنزلة الرجل، والرجل عبد الله، ولم يسمع الجبر بمعنى الرجل إلا في شعر ابن أحمر، وهو قوله:
اشرب براووق حُبيت به وانْعم صباحًا أيها الجبر٦
قالوا: وإلٌّ بالنبطية: اسم الله تعالى، ومن ألفاظهم في ذلك أن يقولوا: كورِيال، الكاف بين القاف والكاف، فغالب هذا أن تكون هذه اللغات كلها في هذا الاسم إنما يراد بها جبريال الذي هو كوريال، ثم لحقها من التحريف "٢٠و" على طول الاستعمال ما أصارها إلى هذا التفاوت، وإن كانت على كل أحوالها متجاذبة يتشبث بعضها ببعض.
_________________
(١) ١ أليث الشجر: استعل ورقًا. وعبارة اللسان: أليث السخبر؛ وهو شجر يشبه الإذخر "حشيش طيب الرائحة". ٢ سورة البقرة: ٩٧، ٩٨. ٣ هو فياض بن غزوان الضبي الكوفي، مقرئ موثق، أخذ القراءة عرضًا عن طلحة بن مصرف، وروى الحروف عنه طلحة بن سليمان السمان. انظر: طبقات ابن الجزري: ٢/ ١٣. ٤ هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني، تابعي جليل، أخذ القراءة عرضًا عن أبي هريرة وابن عباس، وروى القراءة عنه عرضًا نافع بن أبي نعيم، نزل الإسكندرية ومات بها سنة ١٢٧. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٨١. ٥ انظر الصفحة ٨٠ من هذا الجزء. ٦ انظر: الخصائص: ٢/ ٢١، واللسان: "جبر".
[ ١ / ٩٧ ]
واستدل أبو الحسن على زيادة الهمزة في "جَبْرَئيل" بقراءة مَن قرأ "جبْريل" ونحوه، وهذا كالتعسف من أبي لحسن لما قدمناه من التخليط في الأعجمي، ويلزم فيه زيادة النون في زرجون؛ لقوله: كالمزرج، والقول ما قدمناه.
وأما "جَبْرايِيل ومِيكاييل" بباءين بعد الألف والمد فيقْوَى في نفسي أنها همزة مخففة وهي مكسورة، فخفيت وقربت من الياء فعبر القراء عنها بالياء، كما ترى في قوله ﷿: "آلاء"١ عند تخفيف الهمز "آلاي" بالياء؛ وسبب ذلك ما ذكرناه من خفاء الهمزة المكسورة وقربها بذلك من لفظ الياء، كما قالوا في "شهر رمضان"٢ في إدغام أبي عمرو: إن الراء من شهر مدغمة في راء رمضان، وهيهات ذلك مذهبًا، وعز مطلبًا، حتى كأنا لم نعلم أن الهاء في شهر ساكنة، وإذا أُدغمت الراء في راء رمضان التقى ساكنان ليس الأول منهما حرف مد كشبابَّة ودابَّة، ولا يكون ذلك إلا أن تنقل حركة الراء الأولى إلى الهاء قبلها، ولو فُعل ذلك لوجب أن يقال: شَهُرّ رمضان بضم الهاء، وليس أحد من القراء يدَّعي هذا فيه: مَن أدغم ومَن لم يدغم.
وأيضًا، فإنه إذا كان هذا النقل فإنما يكون٣ في المتصل، نحو: يستعدّ ويردّ ويفرّ، فأما في المنفصل فإن ذلك لن يجيء في شيء منه إلا في حرف واحد شاذ اجتمع فيه شيئان، كل واحد منهما يحتمل التغيير له:
أحدهما: كونه علمًا، والأعلام فيما يكثر فيه ما لا يكون في غيره، نحو: معديكرب ومَوْهَب وتَهْلَل٤ وحَيْوَة.
والآخر: كثرة استعماله، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرًا، وذلك الحرف قولهم في عبد شمس: هذه عَبُشَمسَ بفتح السين، وأنت لا تقول في نحو هذا قوم موسى: هذا قَوْمُّوسى؛ لما ذكرناه من أن المنفصل في هذا النحو لم تنقله العرب كما نقلت المتصل.
فعلى هذا ينبغي أن نوجه قولهم في "جَبْرايِيل وميكاييل" ببياءين والمد؛ وذلك لأن المد إنما كان فيه لبقاء نية الهمزة المخففة ولفظه فيه، هذا هو القول؛ كقولهم بالمد، وإن كانت الألف والياء بعدها أتَمَّ صوتًا وأبعد ندى منها وبعدها غيرها من الحروف الصحاح، نحو: غرابيل وسرابيل وسراحين وميادين، وقد يجوز من بعد هذا أن تكون ياء صريحة من حيث كان الأعجمي يُتلَعَّبُ فيه بالحروف تَلَعُّبًا، فاعرف ذلك.
_________________
(١) ١ سورة النجم: ٥٥، وسورة الرحمن. ٢ سورة البقرة، ١٨٥، وانظر الإتحاف: ٩٣. ٣ في ك: فإنه إنما. ٤ اسم للباطل.
[ ١ / ٩٨ ]
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن رَوْح١ عن أبي السمال أنه قرأ: "أَوْ كُلَّمَا عَهِدُوا"٢ ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: لا يجوز أن يكون سكون الواو في "أو" هذه على أنه في الأصل حرف عطف كقراءة الكافة: "أوَكلما"؛ من قِبَل أن واو العطف لم تُسكن في موضع علمناه، وإنما يسكن بعدها مما يُخلَط معها فيكونان كالحرف الواحد، نحو قول الله تعالى: "وَهْوَ اللَّه"٣، وقوله سبحانه: "وَهْوَ وَلِيُّهُم"٤ بسكون الهاء، فأما واو العطف فلا تسكن من موضعين:
أحدهما: أنها في أول الكلمة، والساكن لا يبتدأ به.
والآخر: أنها هنا وإن اعتمدت٥ على همزة الاستفهام قبلها فإنها مفتوحة، والمفتوح لا يسكن استخفافًا "٢٠ط" إنما ذلك في المضموم والمكسور نحو: كرْم زيد وعلْم الله، وقد مضى ذكر ذلك، فإذا كان كذلك كانت "أو" هذه حرفًا واحدًا، إلا أن معناها معنى بل للترك والتحول بمنزلة أم المنقطعة، نحو قول العرب: إنها لأبل أم شاء؛ فكأنه قال: بل أهي شاء؟ فكذلك معنى "أو" هاهنا، حتى كأنه قال: "وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ بل كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ"، يؤكد ذلك قوله تعالى من بعده: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾، فكأنه قال: "بل كلما عاهدوا عهدًا بل أكثرهم لا يؤمنون".
و"أو" هذه التي بمعنى أم المنقطعة -وكلتاهما بمعنى بل- موجودة في الكلام كثيرًا، يقول الرجل لمن يتهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول له صاحبه: أَوْ يُحسن الله رأيك، أو يغير الله ما في نفسك؛ معناه: بل يحسن الله رأيك، بل يغير الله ما في نفسك، وإلى نحو هذا ذهب الفراء في قول ذي الرمة:
بدت مثلَ فرنِ الشمس في رَونَقِ الضُّحى وصورتِها أو أنت في العين أملحُ٦
_________________
(١) ١ في طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٢٨٥، ٢٨٦: روح بن عبد المؤمن أبو الحسن الهذلي مولاهم البصري النحوي، وفيها أيضًا: "روح بن قرة البصري، وقال الداني: إنه غير روح بن عبد المؤمن، وتبعه في ذلك الذهبي، وقال الأهوازي: هو ابن عبد المؤمن بن قرة بن خالد البصري، قال ابن الجزري: إن صح ما ذكره الأهوازي في نسب روح بن عبد المؤمن يكونان واحدًا، ويكون ابن قرة نسب إلى جده، وإلا فهما اثنان، وهذا هو الصحيح". ٢ سورة البقرة: ١٠٠. ٣ سورة الأنعام: ٣. ٤ سورة الأنعام: ١٢٧، وفي نسختي الأصل: وهو وليه، وما أثبتناه هو الصواب. ٥ في ك: واو اعتمدت. ٦ لم أعثر عليه في ديوانه،، ويرويه الفراء في معاني القرآن ١/ ٧٢ غير منسوب. وانظر: الخصائص: ٢/ ٤٥٨.
[ ١ / ٩٩ ]
قال: معناه بل أنت في العين أملح، وكذلك قال في قوله الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ١ قال: معناه بل يزيدون، وإن كان مذهبنا نحن في هذا غير هذا؛ فإن هذا طريق مذهوب فيه على هذا الوجه.
وقراءته هنا: "عَهِدُوا عَهْدًا" كأنه أشبه بجريان المصدر على فعله؛ لأن عهِدت عهدًا أشبه في العادة من عاهدت عهدًا، ومن ذلك الحديث المأثور: "مَن وعد وعدًا فكأنما عَهِدَ عهدًا"، وقراءة الكافة: "عاهَدُ واعَهْدا" على معنى أعطَوا عهدًا، فعهدًا على مذهب الجماعة كأنه مفعول به.
وعلى قراءة أبي السمال هو منصوب نصب المصدر، وقد يجوز أن ينتصب على قراءة الكافة على المصدر؛ إلا أنه مصدر محذوف الزيادة؛ أي: معاهدة أو عِهادًا؛ كقاتلت مقاتلة وقتالًا، إلا أنه جاء على حذف الزيادة كقوله:
عمرَكِ الله ساعةً حدِّثِينَا ودَعِينَا من قولِ مَن يؤذينا٢
إنما هو: عمَّرتُكِ الله تعميرًا -دعاء لها- فحذفت زيادة التاء والياء، وعليه: جاء زيد وحده؛ أي: أُوحِدَ بهذه الحال إيحادًا، ومررت به وحده؛ أي: أَوحدته بمروري إيحادًا.
وقد يمكن أن يكون وحده مصدر هو يَحِد وحدًا فهو واحد، والمصدر على حذف زيادته كثير جدًّا، إلا أنه ليس منه قولهم: سلمت عليه سلامًا وإن كان في معنى تسليمًا؛ من قِبَل أنه لو أريد مجيئه على حذف الزيادة لما أُقِرَّ عليه شيء من الزيادة، وفيه ألف سلام زائدة، ومثله: كملته كلامًا، والسلام والكلام ليسا على حذف الزيادة؛ لكنهما اسمان على فَعال بمعنى المصدر، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن عباس والضحاك بن مزاحم٣ وعبد الرحمن بن أَبزَى٤: "وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ"٥بكسر اللام.
قيل: أراد "بالملِكين" داود وسليمان ﵉.
قال أبو الفتح: إن قيل: كيف أطلق الله سبحانه على داود وسليمان اسم الملِك؛ وإنما هما عبدان له تعالى كسائر عبيده من الأنبياء وغيرهم؟
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٤٧. ٢ أورده اللسان في "عمر" غير منسوب. ٣ هو الضحاك بن مزاحم أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الهلالي، تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، سمع سعيد بن جبير وأخذ عنه التفسير، توفي سنة ١٠٥. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٣٧. ٤ هو عبد الرحمن بن أبزى الكوفي مولى خزاعة، روى عن عمر بن الخطاب وأُبي بن كعب ﵄. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٦١. ٥ سورة البقرة: ١٠٢.
[ ١ / ١٠٠ ]
قيل: جاز ذلك لأنه أَطلق عليهما اللفظ الذي يُعتاد حينئذ فيهما، ويطلقه الناس عليهما، فخوطب الإنسان "٢١و" على ذلك باللفظ الذي يعتاده أهل الوقت إذ ذاك، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ١؛ وإنما هو في النار الذليل المهان؛ لكنه خوطب بما يخاطب به في الدنيا، وفيه مع هذا ضرب من التبكيت له، والإذكار بسوء أفعاله، وقد مضى نحو هذا.
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: "بَيْنَ الْمَرِ وَزَوْجِهِ"٢ بفتح الميم وكسر الراء خفيفة من غير همز.
وقراءة الزهري: "الْمَرِّ" بفتح الميم وتشديد الراء.
وقراءة ابن أبي إسحاق: "الْمُرْء" بضم الميم وسكون الراء والهمز.
وقراءة الأشهب٣: "الْمِرْء" بكسر الميم والهمز.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن وقتادة: "بينَ الْمَرِ" بفتح الميم وخفة الراء من غير همز فواضح الطريق؛ وذلك أنه على التخفيف القياسي؛ كقولك في الخبء٤: هذا الْخَبُ، ورأيت الْخَبَ، ومررت بالْخَبِ، تخذف الهمزة وتلقى حركتها على الباء قبلها. وتقول في الجزء: هذا الْجُزُ، ورأيت الْجُزَ، ومررت بالْجُزِ، وعليه القراءة: "الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"٥.
وأما قراءة الزهري: "الْمَرِّ" بتشديد الراء فقياسه: أن يكون أراد تخفيف المرء على قراءة الحسن وقتادة، إلا أنه نوى الوقف بعد التخفيف؛ فصار "الْمَر" ثم ثقل للوقوف على قول من قال: هذه خالدّ، وهو يجعلّ، ومررت بفرجّ٦، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فأقر التثقيل بحاله، كما جاء عنهم قوله:
_________________
(١) ١ سورة الدخان: ٤٩. ٢ سورة البقرة: ١٠٢. ٣ هو مسكين بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم أبو عمرو المصري المعروف بأشهب صاحب الإمام مالك، روى القراءة سماعًا عن نافع بن نعيم. طبقات القراء لابن الجزري ٢/ ٢٩٦. ٤ الخبء: ما خُبئ وغاب، تسمية بالمصدر. ٥ سورة النمل: ٢٥، وهي قراءة أبي وعيسى. وانظر: البحر المحيط: ٧/ ٦٩. ٦ كذا في الكتاب: ٢/ ٢٨٢، وفي الأصل: بعرج، وفي ك: بفرح، وكلاهما تحريف.
[ ١ / ١٠١ ]
بِبازلٍ وجناء أو عَيْهَلِّ كأن مهواها على الكَلْكَلِّ١
يريد: العيهل والكلكل، وكبيت الكتاب:
ضخما يحب الخُلق الأضخمَّا٢
فيمن فتح الهمزة٣، يريد: الأضخم، فثقل ثم أطلق.
وفي هذا شذوذان؛ أحدهما: التثقيل في الوقف، والآخر: إجراء الوصل مجرى الوقف؛ لأنه من باب ضرورة الشعر.
وأما قراءة ابن أبي إسحاق: الْمُرْء بضم الميم والهمز فلغة فيه، وكذلك من قرأ: الْمِرء بكسر الميم، ومنهم من يضم الميم في الرفع ويفتحها في النصب ويكسرها في الجر فيقول: هذا الْمُرء، ورأيت الْمَرء، ومررت بالْمِرء؛ وسبب صنعة هذه اللغة: أنه قد أُلِف الإتباع في هذا الاسم في نحو قولك: هذا امرؤٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئٍ، فيتُبع حركة الراء حركة الهمزة، فلما أن تحركت الميم وسكنت الراء لم يمكن الإتباع في الساكن فنُقل الإتباع من الراء إلى الميم؛ لأنها متحركة، فجرى على الميم لمجاورتها الراء ما كان يجري على الراء، كما يقول ناس في الوقف: هذا بكُر، ومررت ببكِر؛ لما جفا عليهم اجتماع الساكنين في الوقف وشحوا على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقوف عليها نقلوها إلى الكاف، وكما قال من قال في صُوَّم: صُيَّم، وفي قُوَّم:
_________________
(١) ١ لمنظور بن مرثد الأسدي، وأمه حبة، ولذا ينسب إليهما أيضًا، وقبل الشاهد: إن تبخلي يا جمل أو تعتلي أو تصبحي في الظاعن المولى نسل وجد الهائم المغتل البازل: الداخل في السنة التاسعة من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهل: الناقة الطويلة، والمغتل: من به الغلة وهي حرارة العطش، والمراد هنا حرارة الشوق. وانظر: النوادر: ٥٣، والخصائص: ٢/ ٣٥٩، والمنصف: ١/ ١١، وسر صناعة الإعراب: ١/ ١٧٨، وشواهد الشافية: ٢٤٦ وما بعدها. ٢ لرؤبة، ويروى: ضخم بالرفع، ويروى: ببدء مكانه، والبدء: السيد. وانظر: الكتاب: ١/ ١١، ٢/ ٢٨٣، والمنصف ١/ ١٠، وسر صناعة الإعراب: ١/ ١٧٩. ٣ في سر الصناعة ١: ١٨٠، ويروى: الأضخما والضخما ولا حجة فيهما؛ أي: لأن هذين الوزنين قد وردا كثيرًا في كلام العرب؛ مثل: أردب وأرزب، ومثل: خدب وهجف، فتشديد آخرهما غير طارئ للوقف، بخلاف أضخم بفتح الهمزة وتشديد الميم، فإن تشديد آخره طارئ للوقف؛ إذ ليس في الأوزان العربية وزن "أفعل" بفتح الهمزة وتشديد اللام.
[ ١ / ١٠٢ ]
قُيَّم، لما جاورت العين اللام أجراها في الاعتلال مجرى عات وعُتي١ وجاث٢ وجُثي، وقد ذكرنا في تفسير ديوان المتنبي ما في هذا الحرف؛ أعني: المرء والمرأة من اللغات.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "وَمَا هُمْ بِضَارِّي بِهِ مِنْ أَحَدٍ"٣.
قال أبو الفتح: هذا من أبعد الشاذ؛ أعني: حذف النون هاهنا، وأمثل ما يقال فيه: أن يكون أراد: وما هم بضارِّي أحدٍ، ثم فصَل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر.
وفيه شيء آخر وهو أن هناك أيضًا "٢١ظ" "مِن" في من أحد، غير أنه أجرى الجار مجرى جزء من المجرور؛ فكأنه قال: وما هم بضاري به أحد، وفيه ما ذكرنا.
ومن ذلك قراءة قتادة وابن بُريدة وأبي السمال: "لَمثْوَبَةٌ٤".
قال أبو الفتح: قد ذكرنا شذوذ صحتها عن القياس فيما مضى.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء٥: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنَسِّهَا"٦ مشددة السين.
وقرأ سعد بن أبي وقاص والحسن ويحيى بن يعمر: "أو تَنْسَها" بتاء مفتوحة.
وقراءة سعيد بن المسيب والضحاك "تُنْسَها" مضمومة التاء مفتوحة السين.
وفي حرف ابن مسعود: "ما نُنْسِكَ من آية أو نَنسخْها".
قال أبو الفتح: أما "نُنَسِّها" فنُفَعِّلها من النسيان، فيكون فَعَّلْت في هذا كأفعلت في قراءة أكثر القراء: "نُنْسِها"، وهو في الموضعين على حذف المفعول الأول؛ أي: أو ننس أحدًا إياها؛ كقولك: ما نَهبُ من قرية أو نُقْطِعُها؛ أي: أو نُقطع أحدًا إياها.
ومن قرأ: "تَنْسَها" أراد: أو تَنْسها أنت يا محمد.
_________________
(١) ١ عتا عتيًّا بضم العين وعتيًّا بكسرها وعتوًّا: استكبر وجاوز الحد، فهو عاتٍ وعتي، والجمع عُتي بالضم. ٢ جثا كدعا ورمى جثوا وجثيًّا بضمهما: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، وهو جاثٍ، والجمع جُثِي بالضم والكسر. ٣ سورة البقرة: ١٠٢. ٤ سورة البقرة: ١٠٣. ٥ هو عمران بن تيم أبو رجاء العطاردي البصري التابعي الكبير، ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، وكان مخضرمًا، أسلم في حياة النبي ولم يره، عرض القرآن على ابن عباس وتقلنه من أبي موسى، وحدث عن عمر وغيره من الصحابة، مات سنة ١٠٥. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٦٠٤. ٦ سورة البقرة: ١٠٦.
[ ١ / ١٠٣ ]
ومن قرأ "تُنْسَها" مر أيضًا على تنسها أنت، إلا أن الفاعل في المعنى هنا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون الْمُنْسِي لها هو الله تعالى.
والآخر: أن يكون الْمُنْسِي لها ما يعتاد بني آدم من أعراض الدنيا غمًّا أو همًّا، أو عدواة من إنسان، أو وسوسة من شيطان.
فأما قوله عز اسمه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١ فقد يمكن أن يكون ما يحدثه من النسيان أعراض الدنيا مما شاء الله زيادة في التكليف، وتعرضًا بمقاساته ومقاومته للثواب.
ويدل على جواز كون المنسي هو الله تعالى -وإن كانت التلاوة "أو تُنْسَها"- قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٣ مع قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ٤، وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٥.
ويؤكد هذا قراءة ابن مسعود: "ما نُنْسِك من آية"، وفيه بيان، وقد يقول الإنسان: ضُرب زيد، وإن كان القائل لذلك هو الضارب، وهذا يدل على أن الغرض هنا: أن يُعلم أنه مضروب، وليس الغرض أن يعلم مَن ضربه؛ ولذلك بُني هذا الفعل للمفعول، وأُلغي معه حديث الفاعل؛ فقام في ذلك مقامه ورُفع رفعه، فهذه طريق ما لم يُسم فاعله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس فيما رواه سليمان بن أرقم٦ عن أبي يزيد المدني عن ابن عباس: "فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا ثُمَّ اضْطَّرَّهُ"٧، على الدعاء من إبراهيم ﷺ.
قال أبو الفتح: أما على قراءة الجماعة: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فإن الفاعل في "قال" هو اسم الله تعالى؛ أي: لما قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ .
وأما على قراءة ابن عباس: "فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا ثُمَّ اضْطَّرَّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ" فيحتمل أمرين:
_________________
(١) ١ سورة الأعلى: ٦. ٢ سورة النساء: ٢٨. ٣ سورة الأنبياء: ٣٧. ٤ سورة العلق: ١. ٥ سورة الرحمن: ٣. ٦ هو سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري مولى الأنصار، وقيل: مولى قريش، روى قراءة الحسن البصري عنه، وروى الحروف عنه علي بن حمزة الكسائي. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١٢. ٧ سورة البقرة: ١٢٦.
[ ١ / ١٠٤ ]
أحدهما: وهو الظاهر، أن يكون الفاعل في "قال" ضمير إبراهيم ﵇؛ أي: قال إبراهيم أيضًا: ومن كفر فأَمْتِعه يارب ثم اضطرَّه يا رب "٢٢و".
وحَسُنَ على هذا إعادة "قال" لأمرين:
أحدهما: طول الكلام، فلما تباعد آخره من أوله أُعيدت "قال" لبُعْدِها، كما قد يجوز مع طول الكلام ما لا يحوز مع قصره.
والآخر: أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين، فكأن ذلك أَخْذٌ في كلام آخر، فاستؤنف معه لفظ القول، فجرى ذلك مجرى استئناف التصريع في القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى؛ ولهذا ما١ يقول الشاعر في نحو ذلك:
فدع ذا ولكن هل ترى ضوء بارق٢
ويقول:
دع ذا وبهج حَسَبا مُبهَّجا٣
فإذا جاز أن يصُرِّع وهو في أثناء المعنى الواحد نحو قوله:
ألا نادِ في آثارهن الغوانيا سُقين سِمَامًا ما لهن وما ليا
كان التصريع مع الانتقال من حال إلى حال أحرى بالجواز، فهذا أحد الوجهين.
وأما الآخر: فهو أن يكون الفاعل في "قال" ضمير اسم الله تعالى؛ أي: فأَمْتِعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر أو يا مالك أويا إله، يخاطب بذلك نفسه -﷿- فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه؛ كقراءة من قرأ: "قَالَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"٤ أي: اعلم يا إنسان، وكقول الأعشى:
وهل تُطيق وداعًا أيها الرجل٥
_________________
(١) ١ ما زائدة. ٢ عجزه: يضيء حَبِيًّا في ذرى متألق والبيت لخفاف بن ندبة، والجبي: السحاب المتراكم، والذرى بضم الذال: جمع ذروة؛ وهي من كل شيء أعلاه. وانظر الأصمعيات: ١٤. ٣ للعجاج. الديوان: ١٠. ٤ سورة البقرة: ٢٥٩، وقراءة "اعلم" بلفظ الأمر قراءة أبي رجاء وحمزة والكسائي. انظر البحر: ٢/ ٢٩٦. ٥ صدره: ودِّع هريرة إن الركب مرتحل وانظر الديوان: ٥٥، والخصائص ٢/ ٤٧٤.
[ ١ / ١٠٥ ]
وهذا يتصل بباب من العربية غريب لطيف وهو باب التجريد؛ كأنه يجرد نفسه منه ثم يخاطبها، وقد ذكرنا هذا الباب في كتابنا الخصائص١.
وهذا وإن كان مما لا ينبغي أن يُجرى في الحقيقة مثله على الله -سبحانه- لأنه لا تجزؤ هناك؛ فإنه يُجرى على عادة القوم ومذهب خطابهم، وقد نطقوا بهذا نفسه معه -تقدست أسماؤه- أنشدنا أبو علي:
أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا وفي الله إن لم يَعدلوا حَكَمٌ عدل٢
فجرى اللفظ على أنه جُرد منه شيء يسمى حكَمًا عدلًا، وهو مع التحصيل على حذف المضاف؛ أي: وفي عدل الله حَكَمٌ عدل. فتفهَّم هذه المواضع، فإن قدر الإعراب يضيع إلى معناها، وإن كان هو أول الطريق ونهجه إليها.
ويجوز في العربية: "ثم اضطَرِّهِي" بكسر الراء لالتقاء الساكنين، ثم تُبَيَّن الهاء بياء بعدها.
ويجوز أيضًا: "ثم اضطَرِّهِ" تكسر الهاء ولا تتم الياء.
ويجوز: "اضطَرِّهْ" بكسر الراء وفتحها والهاء الساكنة.
ويجوز: "ثم اضطَرُّهُو" بضم الراء كما روينا عن قطرب أن بعضهم يقول: شَمُّ يا رجل.
ويجوز الضم بلا واو.
ويجوز مع ضم الراء وفتحها تسكين الهاء. وقد ذكرت ذلك كله في أماكنه.
ومن ذلك قراءة ابن محصين: ثم "أَطَّرُّه"٣ يدغم الضاد في الطاء.
قال أبو الفتح: هذه لغة مرذولة؛ أعني: إدغام الضاد في الطاء؛ وذلك لما فيها من الامتداد والفشو؛ فإنها من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هي فيما يجاورها.
وهي: الشين والضاد والراء والفاء والميم، ويجمعها في اللفظ قولهم: ضُمَّ شَفْر، وقد أخرج بعضهم الضاد من ذلك وجمعها في قولهم: مِشفر.
قال: لأنه قد حُكي إدغام الضاد في الطاء في قولهم في "اضطجع": "٢٢ظ" اطَّجع.
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ٢/ ٤٧٣. ٢ انظر الصفحة ٤٢ من هذا الجزء. ٣ سورة البقرة: ١٢٦.
[ ١ / ١٠٦ ]
وأنشدوا قوله:
يا رُبَّ أبَّاز من العُفْر صدع تقبَّض الظلُّ إليه واجتمع١
لما رأى أن لا دعه ولا شِبع مال إلى أرطاة حِقْف فاطجع
ويُروى: "فاضطجع" وهو الأكثر والأقيس.
ويُروى أيضًا: "فالْطَجع" يبدل أيضًا اللام من الضاد.
فإن قيل: فقد أحطنا علمًا بأن أصل هذا الحرف اضتجع افتعل من الضجعة، فلما جاءت الضاء قبل تاء افتعل أُبدلت لها التاء طاء، فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام رُدت التاء فقيل: التجع، كما تقول: التجم والتجأ؟
قيل: هذا إبدال عَرَضَ للضاد في بعض اللغات، فلما كان أمرًا عارضًا، وظِلًّا في أكثر اللغات خالصًا؛ أقروا الطاء بحالها إيذانًا بقلة الحفل بما عرَض من البدل، ودلالة على الأصل المنحو المتعمد، وله غير نظير.
ألا ترى إلى قوله:
وكَحَل العينين بالعَوَاوِر٢
وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى بينهما ألف وقد جاوزت الثانية
_________________
(١) ١ الأباز: الوثاب، ويريد به الظبي، والعفر: جمع أعفر؛ وهو الأبيض الذي ليس بشديد البياض، والصدع بالتسكين وقد يحرك: الخفيف اللحم، الدعة: الراحة والسكون، الحقف: التل المعوج من الرمل. ويروى: "الذئب" مكان "الظل". وسكن هاء "دعه" في الوصل لضرورة الشعر، ويقول الفراء: إنها لغة للعرب. وينسب هذا الرجز إلى منظور بن حبة الأسدي. وانظر: المنصف ٢/ ٣٢٩، والخصائص: ١/ ٦٣، ٢٦٣، ٣/ ١٦٣، وشواهد الشافية: ٢٧٤ وما بعدها. ٢ لجندل بن المثنى الطهوي، شاعر راجز إسلامي مهاج للراعي، وجندل من بن تميم، وطهية هي بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، غلب نسبة أولادها إليها، وقبل الشاهد: غرك أن تقاربت أبا عرى وأن رأيت الدهر ذا الدوائر حنى عظامي وأراه ثاغري وكحل وينسبه ابن جني في الخصائص ٣/ ٣٢٦ للعجاج. وتقاربت أبا عرى: قلت: يعني من قلتها قرب بعضها من بعض، وقيل: قربت من الدناءة، من قولك: شيء مقارب إذا كان دونًا، وثاغري من ثغرته: أي كسرت ثغره، وهو في الأصل المبسم ثم أطلق على الثنايا، والعواور: حمع عوار؛ وهو جمع العين، وفسر بالرمد، وبالوخز يجده الإنسان في عينه. وهو هنا يخاطب امراته. الكتاب: ٢/ ٢٧٤، والمنصف ٢/ ٤٩، والخصائص ١/ ١٩٥، ٣/ ١٦٤، ٣٢٦، وشرح شواهد الشافية: ٣٧٤.
[ ١ / ١٠٧ ]
الطرف، ولم يقلبها كما قلبها في أوائل، وأصلها أواول لما ذكرنا؛ إذ كان الأصل هاهنا العواوير، وإنما حذفت الياء تخفيفًا وهي مرادة، فجعل تصحيح الواو في العواور دليلًا على إرادة الياء في عواوير، وكما جعل حذف النون من قوله:
إرهن بنيك عنهم أراهن بني١
أراد: بني، فحذف الياء الثانية لتخفيف القافية، وترك أن يرد النون من "بنين"؛ لأنه لم يَبْنِ الأمر على حذف الياء الثانية ألبتة؛ وإنما حذفها للوقف على الحرف المشدد في الروي المقيد، وكما أنشدنا أبو علي للفرزدق من قوله:
تنظرت نصرًا والسِّماكين أيهما علَيَّ من الغيث استهَلَّت مواطرُهُ٢
أراد: أيهما، فاضطر إلى تخفيف الحروف فحذف الياء الثانية، وكانت ينبغي أن يرد الياء الأولى إلى الواو؛ لأن أصلها الواو، وأن يكون قياسًا واشتقاقًا جميعًا أولى، ولم يقل: أوهما، فيرد الواو الأصلية؛ لأنه لم يَبْنِ الكلمة على حذف الياء ألبتة، فيرد الواو، فيقول: أوهما؛ لأنه إنما اضطر إلى التخفيف هناك وهو ينوي الحرف المحذوف كما ينوي الملفوظ به، ويأتي نظيره في سورة القصص، وقد ذكرنا أخوات لهذا أكثر من عشر في كتاب الخصائص٣؛ فلذلك قال: فالطجع، فترك الطاء بحالها كما قدمنا ذكره.
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولَانِ رَبَّنَا"٤، وفيه: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ"٥، وفيه: "وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَقُولُونَ أَخْرِجُوا"٦.
قال أبو الفتح: في هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدَّر
_________________
(١) ١ رهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه، ويقال:؟ إنه من الشعر الجاهلي. وانظر: اللسان "رهن". ٢ انظر الصفحة ٤١ من هذا الجزء. ٣ انظر باب في بقاء الحكم مع زوال العلة. الخصائص: ٣/ ١٥٧. ٤ كذا في الأصل "ويقولان" بالواو، ومثله في تفسير القرطبي ٢/ ١١٥ قال: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ والمعنى: ويقولان: ربنا، فحذف، وكذلك هي في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا". وفي البحر ١/ ٣٨٨: وقراءة أبي وعبد الله: "يقولان" بإظهار هذه الجملة، ومثله في الكشاف ١/ ٧٤ قال: "ربنا: أي يقولان ربنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال، وقد أظهره عبد الله في قراءته، فلعلهما روايتان"، والآية في سورة البقرة: ١٢٧. ٥ سورة الزمر: ٣. ٦ سورة الأنعام: ٩٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
في نحول هذه الأشياء، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه، دون أن يكون القول مقدرًا معه؛ وذلك كقول الشاعر:
رَجْلانِ من ضبة أخبرانا إنا رأينا رجلا عريانا١
فهو عندنا نحن على: قالا: إنا رأينا، وعلى قولهم لا إضمار قول هناك؛ لكنه لما كان أخبرانا في معنى قالا لنا؛ صار كأنه "٢٢و": قالا لنا، فأما على إضمار قالا في الحقيقة فلا.
وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما نقدره من القول؛ فصار قاطعًا على أنه مراد فيما يجري مجراه.
وكذلك قوله:
يدعون عنترُ والرماح كأنها٢
فيمن ضم الراء من عنتر؛ أي: يقولون: يا عنتر، وكذلك من فتح الراء، وهو يريد: يا عنترة.
وكذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ أي: يقولون، وقد كثر حذف القول من الكلام جدًّا.
ومن ذلك قال ابن مجاهد: قال عباس: سألت أبا عمرو عن ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فقال: أهل الحجاز يقولون: "يعلِّمُهم ويلْعَنُهم"٤ مثقلة، ولغة تميم: "يُعْلِمْهم ويلْعَنْهم.
قال أبو الفتح: أما التثقيل فلا سؤال عنه ولا فيه؛ لأنه استيفاء واجب الإعراب؛ لكن من حذف فعنه السؤال، وعلته توالي الحركات مع الضمات، فيثقل ذلك عليهم فيخففون بإسكان حركة الإعراب، وعليه قراءة أبي عمرو: "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ"٥ فيمن رواه بسكون الهمزة. وحكى أبو زيد: "بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ"٦ بسكون اللام.
وأنشدنا أبو علي لجرير:
_________________
(١) ١ انظر: الخصائص: ٢/ ٣٣٨. ٢ عجزه: أشطان بئر في لبان الأدهم والبيت من معلقته. والأشطان جمع الشطن بالتحريك؛ وهو الحبل الذي يُستقى به، واللبان: الصدر، والأدهم: الأسود؛ يعني فرسه. وانظر: شرح المعلقات السبع: ١٥٢. ٣ سورة الرعد: ٢٣. ٤ سورة البقرة: ١٢٩، ١٥٩. ٥ سورة البقرة: ٥٤. ٦ سورة الزخرف: ٨٠.
[ ١ / ١٠٩ ]
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى فلا تعرفْكم العرب١
يريد: تعرفُكم. ومن أبيات الكتاب:
فاليوم أشربْ غير مُستَحقِبٍ إثمًا من الله ولا واغِلِ٢
أي: أشربُ.
وأما اعتراض أبي العباس هنا على الكتاب، فإنما هو على العرب لا على صاحب الكتاب؛ لأنه حكاه كما سمعه، ولا يمكن في الوزن أيضًا غيره.
وقول أبي العباس: إنما الرواية: "فاليوم فاشرب"، فكأنه قال لسيبويه: كذبتَ على العرب، ولم تَسمع ما حكيته عنهم. وإذا بلغ الأمر هذا الحد من السرَف فقد سقطت كلفة القول معه.
وكذلك إنكاره عليه أيضًا قول الشاعر:
"وقد بدا هَنْكِ من المئزر٣
_________________
(١) ١ البيت في هجاء بني العم؛ وذلك أنه لما تواقف جرير والفرزدق بالمريد للهجاء اقتتلت بنو العم يربوع وبنو مجاشع، فأمدت بنو العم بني مجاشع، وجاءوهم وفي أيديهم الخشب، فطردوا بني يربوع، فقال جرير: مَن هؤلاء؟ قالوا: بنو العم، فقال جرير يهجوهم: ما للفرزدق من عز يلوذ به إلا بني العم في أيديهم الخشب سيروا بني العم ويُروى: "داركم" مكان "منزلكم"، ويروي: "ولم" مكان "فلا". وانظر: الديوان: ٤٩، والأغاني طبعة الدار: ٣/ ٢٥٧، والخصائص: ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧، ٣٤٠. ٢ لامرئ القيس. والمستحقب: المكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على الشرب ولم يدع. يقوله حين قُتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به، فلما أدرك ثأره حلت له بزعمه فلا يأثم بشربها؛ إذ قد وفَّى بنذره فيها. وانظر: الكتاب: ٢: ٢٩٧، والخصائص: ١/ ٧٤. ٣ للأقيشر الأسدي؛ وهو المغيرة بن عبد الله، وكان قد سكر فبدت عورته فضحكت منه امرأته، فقال ثلاثة أبيات، وصدر الشاهد: رحت وفي رجليك ما فيهما وقبله: تقول: يا شيخ أما تستحي من شربك الخمر الى المكبر فقلت: لو باكرت مشمولة صفرًا كلون الفرس الأشقر وأراد بالهن: الفرج، فكنى عنه. وهن: كناية عن كل ما يقبح ذكره، أو ما لا يعرف اسمه من الأجناس. وانظر: الكتاب: ٢/ ٢٩٧، والخصائص: ١/ ٧٤، ٣/ ٩٥.
[ ١ / ١١٠ ]
فقال: إنما الرواية:
وقد بدا ذاك من المئزر
وما أطيب العرس لولا النفقة!
وكذلك الاعتراض عليه في إنشاده قوله:
لا بارك الله في الغواني هل يُصبحن إلا لهن مُطَّلَبُ١
وقول الأصمعي: "في الغواني ما" يريد: في الغواني٢ أَما، ويخفف الهمزة. وقول غيره: "في الغوان أَما"، ولو كان إلى الناس تخير ما يحتمله الموضع والتسبب إليه لكان الرجل أقوم من الجماعة به، وأوصل إلى المراد منه، وأنفى لشغب الزيغ والاضطراب عنه.
فأما قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حِمامُها٣
فحملوه على هذا؛ أي: أو يرتبط بعض النفوس حمامها؛ معناه: إلا أن يرتبط، فأسكن المفتوح لإقامة الوزن واتصال الحركات.
وقد يمكن عندي أن يكون يرتبط عطفًا على أرضها؛ أي: أنا تراك أمكنة إذا لم أرضها ولم يرتبط نفسي حمامها؛ أي: ما دمت حيًّا فأنا متقلقل في الأرض من هذه إلى هذه، ألا ترى إلى قوله:
قَوَّال مُحكَمَة جوَّاب آفاق٤
وهو كثير في الشعر، فكذلك قول بني تميم: "يُعلِّمْهم ويلْعَنْهم" على ما ذكرنا.
ومن ذلك قراءة الزهري: "إلا لِيُعْلَم من يتبع الرسول"٥ بياء مضمومة وفتح اللام. "٢٣ظ"
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون يُعلم هنا بمعنى يعرف؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ لابن قيس الرقيات. وانظر: الكتاب: ٢/ ٥٩، والمنصف: ٢/ ٦٧، والخصائص: ١/ ٢٦٢، ٢/ ٣٤٧. ٢ في الأصل: في الغواني ما، والسياق يقتضي ما أثبتنا. ٣ البيت في معلقة لبيد. ويُروى: "يعتلق" مكان "يرتبط". وانظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٠٩، والخصائص: ١/ ٧٤. ٤ لتأبط شرًّا، وصدره: حَمَّال ألوية شَهَّاد أندية المفضليات: ٢٩. ٥ سورة البقرة: ١٤٣.
[ ١ / ١١١ ]
اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ ١ أي: عرفتم، وتكون "مَن" بمعنى الذي؛ أي: ليُعرف الذي يتبع الرسول، ولا تكون "مَن" هاهنا استفهامًا؛ لئلا يكون الكلام جملة، والجمل لا تقوم مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجيزوا أن يكون قوله٢: "هذا باب علم ما الكلم" أي: أي شيء الكلم، وعلم في معنى: أن يُعلَم، وقد ذكرنا ذاك هناك.
ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر وعاصم الجحدري وأبي رجاء بخلاف: "وإلَه أَبِيكَ"٣ بالتوحيد.
قال أبو الفتح: قول ابن مجاهد بالتوحيد لا وجه له؛ وذلك أن أكثر القراءة: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمعًا كما ترى، فإذا كان أبيك واحدًا كان مخالفًا لقراءة الجماعة؛ فتحتاج حينئذ إلى أن يكون أبيك هنا واحدًا في معنى الجماعة، فإذا أمكن أن يكون جمعًا كان كقراءة الجماعة، ولم يحتج فيه إلى التأول لوقوع الواحد موقع الجماعة، وطريق ذلك أن يكون "أبيك" جمع أب على الصحة، على قولك للجماعة: هولاء أبون أحرار؛ أي: آباء أحرار، وقد اتسع ذلك عنهم. ومن أبيات الكتاب:
فلما تبين أصواتنا بكين وفدَّيْنَنَا بالأبينا٤
وقال أبو طالب:
ألم ترَ أني بعد همٍّ هممته لفرقة حرمن أبين كرام٥
وقال الآخر:
فهو يُفَدَّى بالأبين والخالْ٦
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٦٥. ٢ يريد: سيبويه في أول كتابه. ٣ سورة البقرة: ١٣٣. ٤ لزياد بن واصل السلمى. الكتاب: ٢/ ١٠١، والخزانة: ٢/ ٢٧٥. واللسان "أبي". ٥ الخزانة: ٢/ ٢٧٥. ٦ أورده اللسان في "أبي" غير منسوب، وجعل صدره: أقبل يهوي من دوين الطربال وفي "طربل" يقول: قال دكين: جتى إذا كان دوين الطربال رجعن منه بصهيل صلصال مطهر الصورة مثل التمثال ومن معاني الطربال: المنارة، والصومعة، والهدف المشرف. ويروى: "مطهم" مكان "مطهر".
[ ١ / ١١٢ ]
وقد أشبعنا هذا الموضع١ في شرح ديوان المتنبي.
ويؤكد أن المراد به الجماعة ما جاء بعده من قوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ فأبدل الجماعة من أبيك، فهو جماعة لا محالة؛ لاستحالة إبدال الأكثر من الأقل؛ فيصير قوله تعالى: "وإله أبيك " كقوله: وإله ذويك، هذا هو الوجه، وعليه فليكن العمل.
ومن ذلك ما حكاه ابن مجاهد عن ابن عباس: أنه قال: لا تقرأ ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ٢؛ فإن الله ليس له مثل؛ ولكن اقرأ: "بما آمنتم به".
قال: وروى عنه أيضًا أنه كان يقرأ: "بالذي آمنتم به".
قال: وقال عباس في مصحف أنس٣ وأبي صالح وابن مسعود: "فإن آمنوا بما آمنتم به".
قال أبو الفتح: هذا الذي ذهب إليه ابن عباس حسن؛ لكن ليس لأن القراءة المشهورة مردودة. وصحة ذلك أنه إنما يراد: فإن آمنوا بما آمنتم به، كما أرداه ابن عباس وغيره، غير أن العرب قد تأتي بمثل في نحو هذا توكيدًا وتسديدًا، يقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح٤: مثلي لا يفعل هذا؛ أي: أنا لا أفعله، ومثلك إذا سئل أعطى؛ أي: أنت كذاك، قال:
مثلي لا يُحسن قولًا فَعْ فَعْ٥
أي: أنا لا أحسنه. وفي حديث سيف بن ذي يزن: "أيها الملك، مثل من سَرَّ وبَر" أي: أنت كذاك. وهو كثير في الشعر القديم والمولد جميعًا.
_________________
(١) ١ في ك: الموضوع. ٢ سورة البقرة: ١٣٧. ٣ هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري أبو حمزة، صاحب رسول الله وخادمه، روى القراة عنه سماعًا، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، وقرأ عليه قتادة ومحمد بن مسلم الزهري، توفي سنة إحدى وتسعين. طبقات القراء: ١/ ١٧٢. ٤ في ك: القبح. ٥ قبله: لا تأمريني ببنات أسفع وبعده: والشاة لا تمشي علي الهملع وفع فع: زجر الغنم ودعاؤها، وفي هامش الأصل: فع فع مع الهذيان، ورسم في الخصائص: فعفع، وبنات أسفع الغنم أضيف إلى أسفع، وهو فحل لها، والشاة هنا في معنى الجمع، وتمشي: تنمو وتكثر، والهملع: الذئب؛ كأنه يخاطب امرأته وقد أمرته باقتناء الغنم ورعايتها، فقال: لا أحسن ذلك. وانظر: الخصائص: ٣/ ٣٠.
[ ١ / ١١٣ ]
وسبب توكيد هذه المواضع "بمثل" أنه يراد أن يُجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتًا للأمر وتمكينًا له، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم تَرْسُ فيه قدمه، ولم يؤمن عليه انتقاله إلى ضده.
ومثل ذلك أيضًا قولهم في مدح الإنسان: أنت من القوم الكرام، ومنْزِعُك إلى السادة؛ أي: لك في هذا الفعل سابقة وأول، فأنت مقيم عليه ومحقوق به، ولست "٢٤و" دخيلًا فيه عن غير أول ولا أصل، فيخشى عليك نُبوك عنه.
ولما أريد مثل هذا في الثناء على الله -تعالى- ولم يجز أن يكون تابعًا لسلف، ولا موجودًا له فيه نظير؛ عدلوا به إلى وجه ثالث غير الاثنين المذكورين؛ وهو أن جُعل قديمًا فيه، راسخًا عليه، فكان أثبت له من أن يكون -عز وجهه- مبتدئه أو مرتجله، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢ ونحو ذلك من الآى، فاعرف ذلك أولًا ومبتكرًا. فكذلك قوله ﷿: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: كانوا ممن يؤمن بالحق هذا الجنس على سَعته وانتشار جهاته فقد اهتدوا.
ورحم الله ابن عباس! فإن هذا القول وإن كان اعتراضًا عليه، فعنه أيضًا أُخذ وإليه رُد، وغير ملوم مَن نصر الجماعة، وبالله الحول والاستطاعة.
ومن ذلك قراءة الزهري: "لرَوُوف"٣ بلا همز، ويُثقِّل.
قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون الهمزة فيه مخففة، فلما أخفاها التخفيف ظُنت واوًا للطف هذا الموضع أن تضبطه القراء؛ وذلك أنا لا نعرف في غير هذه اللفظة إلا الهمز، يقال: رؤُف به، ورأَف به، ورئِف، ولم نسمع فيه راف٤ ولا رُفْتُ، والهمزة إذا خففت في نحو هذا لم تبدل، وإنما تُخْفَى، كقولك في سئول فعول من سألت: سَوُول، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة زيد بن علي ﵇: "أَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا"٥ بفتح الهمزة خفيفة اللام، تنبيه.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٣٤. ٢ سورة النساء: ٩٦. ٣ سورة البقرة: ١٤٣. ٤ في القاموس: "رأف الله تعالى بك مثلثة وراف". ٥ سورة البقرة: ١٥٠.
[ ١ / ١١٤ ]
قال أبو الفتح: وجهه أن الوقوف في هذه القراءة على قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ثم استأنف مُنبِّهًا فقال: "أَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي"، كقولك مبتدئًا: ألا زيد فأعرض عنه وأقبل عليَّ، وكأنه -﵇- إنما رأى لقول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ فلو قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لم يقوَ معناه عنده؛ لأنه لا حجة للظالمين على المطيعين، والذي يقوِّي قراءة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فهو معطوف على قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ . وإذا كان عطفًا عليه فأن يكون فهي عقد واحد معه أولى من أن يتراخى عنه، ويكون قوله على هذا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ استثناء منقطعًا؛ أي: لكن الذين ظلموا منهم يعتقدون أن لهم حجة عليكم، فأما في الحقيقة وعند الله تعالى فلا.
فإن قلت: فقد فَصَل بقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ثم عطف بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، وقد كرهت الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه.
قيل: لما كان الأمر للمسلمين بترك خشية الظالمين إنما هو مسبب عن ظلمهم اتصل به اتصال المسبَّب بسببه، فجرى مجرى الجزء من جملته، وليس كذلك استئناف التنبيه بأَلَا، ألا تراها إنما تقع أبدًا في أول الكلام ومرتجلة؟ فاعرف ذلك فرقًا.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس -كرم الله وجوههما- بخلاف وسعيد بن جبير، وأنس بن مالك، ومحمد بن سيرين١، وأبي بن كعب٢، وابن مسعود، وميمون بن مهران: "أَلَّا يَطَّوف بهما"٣. "٢٣ظ"
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ تقرُّبًا بذاك؛ أي: فلا جناح عليه أن يطوف بهما تقربا بذاك إلى الله تعالى؛ لأنهما من شعائر الحج والعمرة، ولو لم يكونا من شعائرهما لكان التطوف بهما بدعة؛ لأنه إيجاب أمر لم يتقدم إيجابه، وهذا
_________________
(١) ١ هو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة البصري مولى أنس بن مالك ﵁، إمام البصرة مع الحسن، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، مات سنة ١١٠. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٥١. ٢ هو أبي بن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري، قرأ علي النبي -ﷺ- القرآن العظيم، وقرأ عليه النبي -ﷺ- للإرشاد والتعليم، اختلف في موته، فقيل: سنة ١٩، وقيل: سنة ٢٠، وقيل: سنة ٣٠، وقيل غير ذلك. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١. ٣ سورة البقرة: ١٥٨.
[ ١ / ١١٥ ]
بدعة، كما لو تطوف بالبصرة أو بالكوفة أو بغيرهما من الأماكن على وجه القربة والطاعة كما تطوف بالحرم؛ لكان بذلك مبتدعًا.
وأما قراءة مَن قرأ: "فلا جُناح عليه ألَّا يطَّوَّف بهما"، فظاهره أنه مفسوح له في ترك ذلك، كما قد يفسح للإنسان في بعض المنصوص عليه المأمور به تخفيفًا؛ كالقصر بالسفر، وترك الصوم، ونحو ذلك من الرخص المسموح فيها.
وقد يمكن أيضًا أن تكون "لا" على هذه القراءة زائدة؛ فيصير تأويله وتأويل قراءة الكافة واحدًا؛ حتى كأنه قال: فلا جناح عليه أن يطَّوف بهما، وزاد "لا"، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ١ أي: ليعلم.
وكقوله:
من غير لا عَصْف ولا اصطرافِ٢
أي: من غير عصف، وهو كثير.
ومن ذلك قراءة الحسن: "أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ"٣.
قال أبو الفتح: هذا عندنا مرفوع بفعل مضمر يدل عليه قوله سبحانه: "لَعْنَةُ اللَّهِ" أي: وتعلنهم الملائكة والناس أجمعون؛ لأنه إذا قال: عليهم لعنة الله، فكأنه قال: يلعنهم الله، كما أنه قال:
تذكَّرت أرضًا بها أهلها أخوالَها فيها وأعمامَها٤
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٢٩. ٢ للعجاج، وقبله: قد يكسب المال الهدان الجافي ويروى: "بغير" مكان "من غير". والهدان ككتاب: الأحمق الثقيل، والعطف: الكسب، والاصطراف: التصرف في وجوه الكسب، افتعال من الصرف. وانظر: الخصائص: ٢٨٣، والديوان: ٤٠. ٣ سورة البقرة: ١٦١. ٤ لعمرو بن قميئة، وكان خرج مع امرئ القيس في سفره إلى قيصر الروم، وهو يتحدث عن ابنته إذ ذكرها في قوله قبل: قد سألتني بنت عمرو عن الـ أرض التي تنكر أعلامها فيذكر أنها حين جاوزت أرض قومها ورأت بلادًا أنكرتها بكت، وهو يعني بذلك نفسه، فلم يعرف أنها كانت معه. وانظر: الكتاب: ١/ ١٤٤، والخصائص: ٢/ ٤٢٧، والخزانة ٢/ ٢٤٧.
[ ١ / ١١٦ ]
فقد عُلم أنها إذا تذكرت الأرض التي فيها أخوالها وأعمامها فقد دخلوا في جميع ما وقع الذكر عليه، فقال بعد: تذكرت أخوالها وأعمامها.
وكانه لما قال:
أسقَى الإله عُدُوات الوادي وجوفَه كل مُلِثٍّ غادي
كل أجش حالك السواد١
فقد سقى الأجش فرفعه بفعل مضر؛ أي: سقاها كل أجش. وهو كثير جدًّا.
ومن ذلك قراءة علي ﵇ والأغرج، ورُويت عن عمرو بن عبيد٢: "خُطُؤات"٣ بضمتين وهمزة، وهي مرفوضة وغلط.
وقرأ أبو السمال: "خَطَوات" بفتح الخاء والطاء.
قال أبو الفتح: أما الهمز في هذا الموضع فمردود؛ لأنه من خطوات لا من أخطأت، والذي يُصرف هذا إليه أن يكون كما تهمزه العرب ولا حظَّ له في الهمز، نحو: حَلَّأت السويق، ورَثَأْثُ رُوحي بأبيات، والذئب يستنشئ٤ ريح الغنم. والحمل على هذا فيه ضعف؛ إلا أن الذي فيه من طريق العذر أنه لما كان من فعل الشيطان غلب عليه معنى الخطأ، فلما تصور ذلك المعنى أَطلعت الهمزة رأسها، وقيل: "خُطُؤات".
وأما خَطَوات فجمع خَطْوة، وهي الفَعْلَة، والْخُطوة ما بين القدمين، والْخُطُوات كقولك: طرائق الشيطان، والْخَطَوات كقولك: أفعال الشيطان.
ومن ذلك قراءة أُبي وابن مسعود: "ليس البر بأن تولوا وجوهكم"٥، قال ابن مجاهد: فإذا كان هكذا لم يجز أن يُنْصب البر.
قال أبو الفتح: الذي قاله ابن مجاهد هو الظاهر في هذا؛ لكن قد يجوز أن يُنْصب "٢٤و" مع الباء، وهو أن تجعل الباء زائدة؛ كقولهم: كفى بالله؛ أي: كفى الله؛ وكقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٦ أي: كفينا، فكذلك "ليس البر بأن تولوا" بنصب البر كما في قراءة السبعة.
_________________
(١) ١ لرؤبة، ويروى: "جنبات" مكان "عدوات". والعدوات: جمع عدوة، وهي مثلثة: جانب الوادي. والملث من المطر: الدائم الملازم. وانظر: الكتاب: ١/ ١٤٦، والديوان: ١٧٣. ٢ هو عمرو بن عبيد بن باب البصري، روى الحروف عن الحسين البصري وسمع منه، وروى عنه الحروف بشار بن أيوب الناقد، مات سنة ١٤٤. "طبقات ابن الجزري: ١/ ٦٠٢. ٣ سورة البقرة: ١٦٨. ٤ الأصل: حليت، ورثيت، يستنشئ أي: يشم. ٥ سورة البقرة: ١٧٧. ٦ سورة الأنبياء: ٤٧.
[ ١ / ١١٧ ]
فإن قلت: فإن "كفى بالله" شاذ قليل، فكيف قست عليه "ليس"، ولم نعلم الباء زيدت في اسم ليس؛ إنما زيدت في خبرها، نحو قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ ١؟ قيل: لو لم يكن شاذًّا لما جوزنا قياسًا عليه ما جوزناه؛ ولكنا نوجب فيه ألبتة واجبًا، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وعائشة -رحمهما الله- وسعيد بن المسيب، وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير، ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختياني، وعطاء: "يُطَوَّقُونَه"٢.
وقرأ "يَطَّوَّقُونَه" على معنى: يتطوقونه مجاهد.
ورُويت عن ابن عباس، وعن عكرمة.
وقرأ "يَطَّيَّقُونَه" ابن عباس بخلاف، وكذلك مجاهد وعكرمة.
وقرأ "يُطَيِّقُونَه" ابن عباس بخلاف.
قال أبو الفتح: أما عين الطاقة فواو؛ لقوهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي به؛ وعليه مَن قرأ "يُطَوَّقُونَه" فهو يُفَعَّلُونه منه، فهو كقوله: يُجَشَّمُونه، ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق في أعناقهم.
وأما "يطَّوَّقُونه" فيتَفعَّلونه منه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: يتطوقونه، فأبدلت التاء طاء، وأدغمت في الطاء بعدها كقولهم: اطَّير يطَّير؛ أي: يتطير.
وتجيز الصنعة أن يكون يتفوعلونه ويتفعولونه جميعًا، إلا أن يتفعَّلونه الوجه؛ لأنه الأكثر والأظهر.
وأما "يَتَطَيَّقُونَه" فظاهره لفظًا أن يكون يتفيعلونه، كتحيَّز أي تفيعل.
أنشدنا أبو علي للهذلي:
فلما جلاها بالإِيَامِ تحيزت ثُبات عليه ذلها واكتئابها٣
فهذا تفيعلت من حاز يحوز، ومثله تفيهق.
وقد يمكن أن يكون أيضًا يَتَطَيَّقُونه يتفَعَّلُونه، إلا أن العينين أبدلتا ياءين، كما قالوا في تهور الجرف: تهيَّر، وعلى أن أبا الحسن قد حكى هار يَهير.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٢٣. ٢ أي من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ من سورة البقرة: ١٨٤. ٣ البيت لأبي ذؤيب، ورُوي: "تحيرت" مكان "تحيزت". الإيام: الدخان، وتحيزت: اجتمع بعضها إلى بعض، وثبات: جماعات. يصف النحل ومشتار العسل. ديوان الهذليين ١/ ٧٩، والخصائص: ٣/ ٣٠٤.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد يمكن أيضًا أن يكون هار يهير من الواو فعِل يفعِل، كرأي الخليل في طاح يطيح، وتاه يتيه.
وليس يقوى أن يكون تيطوَّقونه يتفوعلونه ولا يتفعولونه، وإن كان اللفظ هنا كاللفظ بيتَفَعَّل؛ لقلته وكثرته.
ويُؤنِّس بكون يتطيقونه يتفعلونه قراءة مَن قرأ: "يَتَطَوَّقُونه"، وكذلك يُؤنِّس بكون يُطَيَّقُونَه يُفعَّلونه قراءة مَن قرأ: "يُطَوَّقُونه"، والظاهر من بعد هذا أن يكون يُفَيعلُونه.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي﴾ ١ يعني: آدم -﵇- لقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ٢.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دلالة على فساد قول مَن قال: إن لام التعريف إنما تدخل الأعلام للمدح والتعظيم، وذلك تحو: العباس، والمظفر، وما جرى مجراهما. ووجه الدلالة من ذلك: أن قوله "الناسي" إنما يُعنى به آدم -﵇- فصارت صفة غالبة كالنابغة والصَّعِق، وكذلك الحارث والعباس والحسن والحسين، هي وإن كانت أعلامًا فإنها تجري مجرى "٢٥ظ" الصفات؛ ولذلك قال الخليل: إنهم جعلوه الشيء بعينه؛ أي: الذي حرَث وعَبَسَ، فمحمول هذا أن في هذه الأسماء الأعلام التي أصلها الصفات معاني الأفعال؛ ولذلك لحقتها لام المعرفة كما تعرف الصفات، وإذا كان فيها معاني الأفعال، وكانت الأفعال كما تكون مدحًا فكذلك ما٣ تكون ذمًّا، فهي تحقق في العلم معنى الصفة، مدحًا كانت الصفة أو ذمًّا.
فالمدح ما ذكرناه من نحو: الحارث والمظفر والحسين والحسن، والذم ما جاء في نحو قولهم: فلان بن الصَّعِق؛ لأن ذلك داء ناله٤، فهي بلوى، وأن يكون ذمًّا أولى من أن يكون مدحًا، ألا ترى أن المدح ليس من مَقَاوم ذكر الأمراض والبلاوي، وإنما يقال فيه: إنه كالأسد، وإنه كالسيف؟ ومنه عمرو بن الحمِق، فهذا ذم له لا مدح، وعلى أنهم قد قالوا في الحمق: إنه الصغير اللحية، والمعنى الآخر أشيع فيه، ألا ترى إلى قوله:
فأما كيس فنجا ولكن عسى يغتر بي حَمِق لئيم؟ ٥
ومنه قولهم: فلان بن الثعلب، فدخلته اللام، هو علم لما فيه من معنى الخِبِّ والْخُبث،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٩٩. ٢ سورة طه: ١١٥. ٣ ما زائدة. ٤ في ك: ياله. ٥ انظر: الكتاب: ١/ ٤٧٨.
[ ١ / ١١٩ ]
وذلك عيب فيه لا ثناء عليه، والباب فيه فاشٍ واسع؛ فقد صح إذن أن ما جاء من الأعلام وفيه لام التعريف فإنما ذلك لما فيه من معنى الفعل والوصفية، ثناء عليه كان ذلك أو ذمًّا له، وإنما دعا الكُتَّاب ونحوهم إلى أن قالوا: إن دخول اللام هنا إنما هو لمعنى المدح أن كان أكثره كذلك؛ لأنه إنما العرف فيه أن يسمى من الأسماء الحاملة لمعاني الأفعال مما كان فيه معنى المدح، لا أن هذا مقصور على المدح دون الذم عندنا لما ذكرنا.
ومن ذلك ما روى ابن مجاهد عن الزِّمْل بن جَرْوَل قال: سألت سالم بن عبد الله بن عمر عن النَّفْر فقرأ: "فمن تعجل في يومين فَلَثْمَ عليه، ومن تأخر فَلَثْمَ عليه"١.
قال أبو الفتح: أصله قراءة الجماعة: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إلا أنه حذف الهمزة ألبتة، فالتقت ألف "لا" وثاء "الاثم" ساكنين، فحذف الألف من اللفظ لالتقاء الساكنين، فصارت "فَلَثْمَ عليه".
وقد مر بنا من حذف الهمزة اعتباطًا وتعجرفًا من نحو هذا أشياء كثيرة؛ من ذلك قراءة ابن كثير: "إنها لَحْدَى الكُبَر"٢،
فهذا في الحذف كقوله: "فَلَثْمَ عليه"، إلا أن بينهما من حيث أذكر فرقًا؛ وذلك أن قوله: "لَحْدَى الكُبَر" إنما فيه حذف الهمزة لا غير، وقوله: "فَلَثْمَ عليه" أصله "فلا إثم"، فلما حذف الهمزة تخفيفًا -وإن لم يكن قياسًا- التقت الألف مع ثاء إثم وهي ساكنة، فحذفت الألف من "لا" لالتقاء الساكنين؛ فصار "فَلَثْمَ عليه".
ومثل ذلك سواء مذهب الخليل في "لن"، ألا ترى أن أصلها عنده "لا أن"، فلما حذفت الهمزة التقت ألف "لا" مع نون "أن" فحذفت الالف من "لا" لالتقاء الساكنين، وقد جاء نظيرًا لهذا من حذف الهمزة شيء صالح الكثرة؛ منه قوله:
إن لم أُقاتل فالبسوني برقعا٣
أراد: فألبسوني، ثم حذف الهمزة.
وأنشد أبو الحسن:
تَضِبُّ لِثَاتُ الخيل في حَجَراتها وتسمع من تحت العجاج لَهَزْمَلا٤
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٠٣. ٢ سورة المدثر: ٣٥، وفي البحر المحيط ٨/ ٣٧٨: "قرأ نصر بن عاصم وابن محيصن ووهب بن جرير عن ابن كثير بحذف الهمزة، وهو حذف لا ينقاس، وتخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بين بين". ٣ الخصائص: ٣/ ١٥١. ٤ تضب لثات الخيل: تسيل بالدم، وحجراتها: نواحيها، والعجاج: الغبار، والأزمل: الصوت. وانظر: الخصائص: ٣/ ١٥١.
[ ١ / ١٢٠ ]
أراد: لها أزملا، فحذف الهمزة. نعم، ثم حذف ألف "ها" لفظًا لسكونها وسكون الزاي من بعدها "٢٦و" وعليه القراءة: "أريتَكَ هذا الذي كرَّمتَ عليَّ"١ يريد: أرأيتك.
وأنشد أحمد بن يحيى:
أريتك إن شطَّت بك العام نية وغالك مُصطَافُ الحِمى ومرابعه
وجاء عنهم: سا يسو، وجا يجي، بحذف الهمزة فيهما، وقد أثبتنا من هذا حروفًا جماعة في كتابنا الخصائص٢، وعلى كل حال فحذف الهمزة هكذا اعتباطًا ساذجًا ضعيف في القياس، وإن فشا في بعضه الاستعمال.
ومن ذلك ما رواه هارون عن الحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن: "وَيَهْلَكُ"٣ بفتح الياء واللام ورفع الكاف "الحرثُ والنسلُ" رفع فيهما.
قال ابن مجاهد: وهو غلط.
قال أبو الفتح: لعمري إن ذلك تَرْك لما عليه اللغة، ولكن قد جاء له نظير؛ أعني قولنا: هلَك يهلَك، فعَل يفعَل، وهو ما حكاه صاحب الكتاب من قولنا: أَبى يأبَى، وحكى غيره: قنَط يقنَط، وسلَا يسلَى، وجبا٤ الماء يجبَاه، وركَن يركَن، وقلا يقلَى، وغسا ٥ الليل يغسَى. وكان أبو بكر يذهب في هذا إلى أنها لغات تداخلت؛ وذلك أنه قد يقال: قنَط وقنِط، وركَن وركِن، وسلَا وسلِي، فتداخلت مضارعاتها، وأيضًا فإن في آخرها ألفًا، وهي ألف سلا وقلا وغسا وأبي؛ فضارعت الهمزة نحو: قرأ وهدأ.
وبعد، فإذا كان الحسن وابن أبي إسحاق إمامين في الثقة وفي اللغة؛ فلا وجه لدفع ما قرآ به، لا سيما وله نظير في السماع.
وقد يجوز أن يكون يهلَك جاء على هلِك بمنزلة عطِب، غير أنه استغنى عن ماضيه بهلَك، وقد ذكرنا نحو هذا في كتبانا المنصف٦.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٦١، وفي إتحاف فضلاء البشر ١٧٣: وقرأ "أرايتك" بتسهيل الهمزة الثانية نافع وأبو جعفر، وعن الأزرق أيضًا إبدالها ألفًا خالصة مع إشباع المد للساكنين، وحذفها الكسائي، وحققها الباقون. ٢ انظر "باب في حذف الهمز وإبداله" في الخصائص ٣/ ١٤٩. ٣ سورة البقرة: ٢٠٥. ٤ جبا الماء: جمعه. ٥ غسا الليل: أظلم. ٦ انظر: المنصف، الجزء الأول، الصفحة: ١٨٦.
[ ١ / ١٢١ ]
ومن ذلك قراءة أبي السمال: "فإن زَلِلْتُمْ"١ بكسر اللام.
قال أبو الفتح: هما لغتان: زلَلْت وزلِلْت، بمنزلة ضلَلْت وضلِلْت، إلا أن الفتح فيهما أعلى اللغتين، واسم الفاعل منهما ضال، ولو جاء ضليل لكان قياسًا على ما جاء عنهم من فعيل في فَعَل من المضاعف، نحو: خَفَّ فهو خفيف، وعز فهو عزيز، وقل فهو قليل، وجد فهو جديد، وذلك أنه قد جاء فعيل في فعل من غير المضاعف، وذلك كسد البيع فهو كسيد، وفسد فهو فسيد، فلما جاء ذلك في غير المضاعف كان المضاعف أولى به؛ لثقل الإدغام في ضال وفار، وقد ذكرنا ذلك مشروحًا في غير هذا الموضع من كلامنا.
ومن ذلك ما رُوي عن قتادة في قول الله سبحانه: "فِي ظِلَالٍ مِنَ الْغَمَامِ"٢.
قال ابن مجاهد: هو جمع ظِل.
قال أبو الفتح: الوجه أن يكون جمع ظُلة، كجُلة٣ وجِلال، وقُلة وقِلال؛ وذلك أن الظل ليس بالغيم، وإنما الظُّلة الغيم، فأما الظل فهو عدم الشمس في أول النهار، وهو عرَض والغيم جسم.
ومن ذلك ما رواه ابن طاوس عن أبيه أنه قرأ: "وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ إِلَيْهِمْ خَيْرٌ"٤.
قال أبو الفتح: خير مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أصلح إليهم فذلك خير. وإذا جاز حذف هذه الفاء مع مبتدئها في الشرط الصحيح نحو قوله:
بني ثُعَل لا تنكَعوا العنز شِرْبَها بني ثعل من ينكع العنز ظالم٥
"٢٦ظ" أي: فهو ظالم، كان حذف الفاء هنا، وإنما الكلام بمعنى الشرط لا بصريح لفظه، أجدر وأحرى بالجواز.
وقال: "إليهم" لما دخله معنى الإحسان إليهم، وقد ذكرنا نحو ذلك كثيرًا مما هو محمول على المعنى.
ومن ذلك قراءة مسلمة بن محارب٦: "وَبُعُولَتْهُنَّ أَحَقُّ"٧ ساكنة التاء.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٠٩. ٢ سورة البقرة: ٢١٠. ٣ الجلة: وعاء من خوص. ٤ سورة البقرة: ٢٢٠. ٥ لرجل من بني أسد. ولا تنكعوا: لا تمنعوا، الشرب: النصيب. انظر: الكتاب: ١/ ٤٣٦. ٦ هو مسلمة بن محارب بن دثار السدوس الكوفي، عرض على أبيه، وعرض عليه يعقوب الحضرمي. طبقات ابن الجزري ٢/ ٢٩٨. ٧ سورة البقرة: ٢٢٨.
[ ١ / ١٢٢ ]
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا في قراءة أبي عمرو: "يأمُرْكم"، وأنشدنا فيه الأبيات التي أحدها قول جرير:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى ولا تعرفْكم العرب١
أراد: لا تعرفُكم، فأسكن الفاء استخفافًا لثقل الضمة مع كثرة الحركات.
ومن ذلك ما رواه هارون عن أَسِيد عن الأعرج أنه قرأ: "لا تُضارْ والدة"٢ جزم، كذا قال، جزم.
قال أبو الفتح: إذا صح سكون الراء في "تضار" فينبغي أن يكون أراد: لا تضارِر، كقراءة إبي عمرو، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفًا، وينبغي أن تكون المحذوفة الثانية؛ لأنها أضعف، وبتكريرها وقع الاستثقال. فأما قول الله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ ٣ فإن المحذوف هي الأولى؛ وذلك أنهم شبهوا المضعف بالمعتل العين، فكما قالوا: لستَ قالوا: ظلت، ومثله مَستُ في مسِستُ، وأحسْتُ في أحسستُ، قال أبو زُبيد:
خلا أن العِتاق من المطايا أحسن بن فهُنَّ إليه شُوسُ٤
فإن قلت: فهلا كانت الأولى هي المحذوفة من تضارِر كما حذفت الأولى من ظلِلت ومسِست وأحسست؟
قيل: هذه الأحرف إنما حُذفن لأنهن شُبهن بحروف اللين، وحروف اللين تصح بعد هذه الألف نحو: عَاوَدَ وطَاوَلَ وبَايَعَ وسَايَر، والثانية في موضع اللام المحذوفة، نحو: لا تُرامِ.
فإن قيل: فكان يجب على هذا "لا تضارِ"؛ لأن الأولى مكسورة في الأصل؛ فيجب أن تُقر على كسرها.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١١٠ من هذا الجزء، والمروي هنا عن أبي عمرو مع الشواهد التي أشار إليها هو: "يعلمهم"، "يلعنهم"، و"إلى بارئكم". ٢ سورة البقرة: ٢٣٣. ٣ سورة طه: ٩٧. ٤ من قصيدة في وصف الاسد. ويروى: "سوى" مكان "خلا". وقبله: فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد عموس إلى أن عرسوا وأنخت منهم قريبًا ما يُحَس له مسيس وعموس: قوى شديد، وشوس: جمع أشوس وشوساء، من الشوس؛ وهو النظر بمؤخَّر العين تكبرًا أو تغيظًا. وانظر: الخصائص: ٢/ ٤٣٨، والمنصف: ٣/ ٨٤، وشواهد الكشاف الملحق به: ٦٩.
[ ١ / ١٢٣ ]
قيل: لا، بل لما حذفت الثانية وقد كانت الأولى ساكنة؛ لأنها كانت مدغمة في الثانية أُقرت على سكونها؛ ليكون دليلًا على أنها قد كانت مدغمة قبل الحذف، ولذلك نظائر منها قوله:
وكحَل العينين بالعواوِر١
صحح الواو الثانية وإن كانت تلي الطرف، وقبل الألف التي قبلها واو؛ لأنه جعل الصحة في الواو دليلًا على أنه أراد العواوير، ولو لم يرد لذلك لوجب أنه يهمز فيقول: العوائر، كما همزوا في أوائل وأصلها أواول، وكما جعلوا صحة العين في حَوِلَ وعَوِرَ دليلًا على كون المثال في معنى ما لا بد من صحته، وهو احولَّ واعورَّ، وكما جعلوا ترك رد النون في قوله:
ارهن بنيك عنهم أرهن بني٢
دليلًا على أنه أراد بنيّ، فلما حذف الياء الثانية التي هي ضمير المتكلم لم يرجع النون من بنين؛ لأنه جعله دليلًا على إرادة الياء في بَنيّ، وأنه إنما حذفها للقافية، وهي في نفسه مرادة. وكما قال:
مال إلى أرطاة حِقف فاضطجع٣
ثم أبدل الضاد لامًا فقال: الطجع، وقد كان يجب إذا زالت الضاد أن ترجع تاء افتعل إلى اللفظ، وذلك "٢٧و" أن أصله اضتجع افتعل من الضجعة، فيظهر التاء كما يقال: التجأ إليه والتفت والتقم؛ لكنه ترك الطاء بحالها تنبيهًا على أنه يريد الضاد، وأنه لما أبدلها لامًا اعتدها مع ذلك اعتداد الثابت.
ولذلك نظائر كثيرة، فكذلك ترك الراء من "تُضَارْ"ساكنة كما كانت تكون ساكنة لو خرجت على الإدغام المراد فيها. نعم، وإذا كان نافع قد قرأ: "ومَحْيايْ ومماتي"٤ ساكن الياء من "محيايْ"، ولا تقدير إدغام هناك كان سكون الراء من "لا تضارْ" -وهو يريد تضارّ- أجدر.
وبعد هذا كله ففيه ضعف، ألا ترى أنك لو رخمت قاصًّا -اسم رجل- على قولك: يا حارِ؛ لقلت: يا قاصِ، فرددت عين الفعل إلى الكسر لأنه فاعل، وأصله قاصِص، فمن هنا ضعفت هذه القراءة وإن كان فيها من الاعتذار والاعتلال ما قدمنا ذكره.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٠٧ من هذا الجزء. ٢ انظر الصفحة ١٠٨ من هذا الجزء. ٣ انظر الصفحة ١٠٧ من هذا الجزء. ٤ سورة الأنعام: ١٦٢.
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد روي فيها تشديد الراء مع السكون، ويجب أن يكون هذا على نية الوقف عليها، رُوي ذلك عن أبي جعفر يزيد بن القعقاع١.
ومن ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵇: "وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ"٢ بفتح الياء.
قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول؛ أي: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال "سبحانه": ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ﴾ ٣، و﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ٤، وحَذْفُ المفعول كثير من القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه، قال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥ أي: شيئًا، وأنشدنا أبو علي للحطيئة:
منعمة تصون إليك منها كصونك من رداء شَرعَبِيِّ٦
أي: تصون الكلام منها، وهو كثير جدًّا.
ومن ذلك قراءة الحسن: "أو يعفُو الذي" ٧ ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: سكون الواو من المضارع في موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر، وأصل السكون في هذا إنما هو للألف؛ لأنها لا تحرك أبدًا، وذلك كقولك: أريد أن تحيا، وأحب أن تسعى، ثم شُبهت الياء بالألف لقربها، فجاء عنهم مجيئًا كالمستمر، نحو قوله:
كأن أيديهن بالْمَومَاة أيدي جَوارٍ بِتْنَ ناعماتِ٨
_________________
(١) ١ هو يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور، كبير القدر، عرض القراءة على مولاه عبد الله بن عياش، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وروى عنهم، مات بالمدينة سنة ١٣٠، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: ٢/ ٣٨٢. ٢ سورة البقرة: ٢٣٤. ٣ سورة المائدة: ١١٧. ٤ سورة النحل: ٢٨، ٣٢. ٥ سورة النمل: ٢٣. ٦ تصون إليك: أي عندك، الشرعبي: ضرب من ثياب اليمن. وروى: "تصور" مكان "تصون"، و"كصوك" مكان "كصونك" أي: تميل إليك منها عند العناق كإمالتك الرداء عند التحامك به. وانظر: الديوان: ٣٥، والخصائص: ٢/ ٣٧٢. ٧ سورة البقرة: ٢٣٧. ٨ يصف إبلًا دميت أخفافها وأراد أيدي جوار مخضبات، فلما كان الخضاب من التنعم قال: ناعمات، وهذا من الإشارة والوحي، وانظر: سمط اللآلي: ٧٥٥.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القَرِق أيدي جوار يتعاطين الورِق١
وقال الأعشى:
إذا كان هادي الفتى في البلا دِ صدرُ القناة أطاع الأميرا٢
فيمن رواه برفع الصدر.
وقال الآخر:
حُدْبًا حَدابير من الوَخْشَنِّ تركنَ راعيهن مثل الشَّنِّ٣
وقال الآخر:
يا دار هند عفت إلا أثافيها٤
وقال رؤبة:
سوَّى مساحيهن تقطيط الْحُقَقْ تَفْليلُ ما قارعْن من سُمرِ الطُّرَق٥
وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء في موضع النصب من أحسن الضرورات؛ وذلك لأن الألف ساكنة في الأحوال كلها، فكذلك "٢٦ظ" جعلت هذه، ثم شبهت الواو في ذلك بالياء، فقال الأخطل:
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها رفعن، وأنزلن القطين المولَّدا٦
_________________
(١) ١ لرؤبة. وضمير أيديهن للإبل، والقَرِق: الأملس، وقيل: المستوي من الأرض الواسع، وخص بالوصف لأن أيدي الإبل إذا أسرعت في المستوى فهو أحمد لها، وإذا أبطأت في غيره أجهدها، والورِق: الدراهم. وانظر: الديوان: ١٧٩، والخزانة: ٣/ ٥٢٩، والخصائص: ١/ ٣٠٦. ٢ صدر القناة: أعلى العصا التي يقبض عليها لأنه أعمى، الأمير: الذي يأمره ويقوده. وانظر: الديوان: ٩٥. ٣ الحدابير: جمع حدبار أو حدبير؛ وهي من النوق التي انحنى ظهرها من الهزال ودبر، والوخشن: يريد به الوخش، وزاد فيه نونًا ثقيلة، والوخشن: رذالة الناس وصغارهم وغيرهم، يكون للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد. وفي نسختي الأصل: الرخش بالراء، وهو تحريف. ٤ نسبه في الكتاب ٢/ ٥٥ إلى بعض السعديين ولم يتمه. ٥ مساحيهن: الضمير للحمر، جمع مسحاة؛ وهي الآلة التي يسحى بها الطين؛ أي: يجرف، واستعيرت المساحي هنا لحوافر الحمر، والتقطيط: قطع الشيء، وأرد به تقطيع حقق الطيب وتسويتها، نصبه على المصدر المشبه به؛ لأن معنى سوى وقطط واحد، وتفليل فاعل سوى؛ أي: سوى مساحيهن تكسير ما قارعت من الطرق، جمع طرقة؛ وهي حجارة بعضها فوق بعض. اللسان "قط، وسحا"، والديوان: ١٠٦، ورُوي في اللسان: "سم" مكان "سمر"، وذكر الكلمة بلفظها هذا في أثناء شرح البيت ولم أدرك لها معنى هنا، والظاهر أنه تحريف. ٦ يُروى: "نزلن" مكان "رفعن". والقطين: الخدم. يقول: إذا أردت أن تلهو بحديثهن أسرعن السير، وأنزلن خدمهن لئلا يسمعوا كلامهن. وانظر: الديوان: ٩١، والخصائص: ٢/ ٣٤٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
وقال الآخر:
فما سوَّدتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب١
فعلى ذلك ينبغي أن تحمل قراءة الحسن: "أو يعفُو الذي"، فقال ابن مجاهد: وهذا إنما يكون في الوقف، فأما في الوصل فلا يكون، وقد ذكرنا ما فيه، وعلى كل حال فالفتح أعرب: "أو يعفُوَ الذي".
ومن ذلك قراءة علي -﵇- وأبي رجاء وجُؤيَّة بن عائذ٢: "ولا تَنَاسَوُا الفضل بينكم"٣.
قال أبو الفتح: الفرق بين تَنْسَوْا وتَنَاسَوْا أن تنسوا نَهْي عن النسيان على الإطلاق: انْسُوه أو تَنَاسَوه.
فأما تناسوا فإنه نهي عن فعلهم الذي اختاروه، كقولك: قد تغافل وتصامَّ وتناسى: إذا أظهره من فعله، وتعاطاه وتظاهر به، وأما تَفَعَّل فإنه تَعَمُّلُ الأمر وتكلفه، كقوله:
ولن تستطيع الحلم حتى تحلما٤
أي: حتى تَكَلَّفه.
ومثل الأول قوله:
إذا تخازَرتُ وما بي من خَزَر٥
فإن قيل: ومَن ذا الذي يتظاهر بنسيان الفضل؟
قيل: معناه -والله أعلم- إنكم إذا استكثرتم من هجر الفضل، وتثاقلتم عنه؛ صرتم كأنكم متعاطون لتركه، متظاهرون بنسيانه. وهذا كقولك للرجل يكثر خَطَؤُه: أنت تتحايد الصواب تَوقِّيَ، عرف به، وأنت معتمِلٌ لما لا يحسن، وإن لم يقصد هو لذلك.
_________________
(١) ١ لعامر بن الطفيل. وانظر: الخصائص: ٢/ ٣٤٢، والخزانة: ٣/ ٥٢٧. ٢ في طبقات القراء لابن الجزري ١/ ١٩٩: جؤية بن عاتك، ويقال: ابن عائد، أبو نواس الأسدي الكوفي، روى القراءة عن عاصم، وروى القراءة عنه نعيم بن يحيى. ٣ سورة البقرة: ٢٢٧. ٤ صدره: تَحَلَّم عن الأدنين واستَبْقِ ودَّهُمْ وانظر: اللسان "حلم". ٥ تخازر: ضيق جفنه ليحدد النظر وانظر: الكتاب: ٢/ ٣٩، واللسان "خزر".
[ ١ / ١٢٧ ]
ويُحسِّن هذه القراءة: أنك إنما تنهى الإنسان عن فعله هو، والتناسي من فعله، فأما النسيان فظاهره أنه من فعل غيره به، فكانه أُنسي فنَسِيَ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ ١.
وزاد في حسنه شيء آخر؛ وهو أن المأمور هنا جماعة، وتفاعَلَ لائق بالجماعة؛ كتقاطعوا وتواصلوا وتقاربوا وتباعدوا. فأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ٢ فلاقَ به فعل "نسي"؛ لأن المأمور هنا واحد، ولأن العرف والعادة أن الإنسان لا يكاد يُحض على ما هو حلال له؛ بل الغالب المعتاد أن يُكفَّ عما ليس له تناوله، وعليه وضع التكليف لما يُستحق عن الطاعة فيه من الثواب، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ﴾ ٣، وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ٤، والآي في ذلك كثيرة.
فقوله إذن: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ٣ أي: لك فيها حظ وحلال فتناوله، فلا بأس بتناول الحلال.
ولو قيل: "ولا تناس نصيبك" لكان فائدته: لا تُظهر سهوك عنه، وتتظاهر بنسيانك إياه، وذلك إذا ترك الحلال وهو في صورة الساهي عنه لم تكن له في النفوس منزلة الذي يتركه وهو عالم بحِلِّه له، وإباحته إياه، هذا هو العادة والعرف فيما يتعاطاه أهل الدنيا بينهم.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحن السلمي: "ألم تَرْ إلى الملأ"٥ ساكنة الراء. "٢٧و"
قال أبو الفتح: هذا لعمري هو أصل الحرف: رأَى يرأَى كرعَى يرعَى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف همزته؛ بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها على عبرة التخفيف في نحو ذلك، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وهو قولهم: انت ترى وهو يرى ونحن نرى، وكذلك أفعل منه، كقول الله سبحانه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٦ وأصله: أَرْآك الله، وحكاها صاحب الكتاب عن أبي الخطاب٧، ثم إنه قد جامع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها، وذلك كقول سراقة البارقي:
أُرِي عينيَّ ما لم تَرْأَيَاه كلانا عالم بالتُّرَّهَات٨
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٦٣. ٢ سورة القصص: ٧٧. ٣ سورة طه: ١٣١. ٤ سورة الأعراف: ١٩٩. ٥ سورة البقرة: ٢٤٦. ٦ سورة النساء: ١٠٥. ٧ هو عبد الحميد بن عبد المجيد أبو الخطاب الأخفش الأكبر، مولى قيس بن ثعلبة أحد الأخافشة الثلاثة المشهورين، كان إمامًا في العربية، لقي الأعراب وأخذ عنهم وعن أبي عمرو بن العلاء، أخذ عنه سيبويه والكسائي ويونس. بغية الوعاة: ٢٩٦. ٨ انظر: ديوان سراقة: ٧٨، واللسان "رأى"، والنوادر: ١٨٥، والترهات: الأباطيل، واحدها ترهة.
[ ١ / ١٢٨ ]
فخفف أري، وحقق ترأياه كقولك: تَرْعَيَاه، ورواه١ أبو الحسن ترياه على زحاف الوافر، وأصله "ترأياه" على أن مفاعلَتن لحقها العصب بسكون لامها؛ فنقلت إلى مفاعي لن، ورواية أبي الحسن: "بما لم تَـ" مفاعيل؛ فصار الجزء بعد العصب إلى النقص.
وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد:
ألم تَرءَ ما لاقيت والدهر أعصر ومَن يَتَمَلَّ العيش يرء ويسمع٢
فأخرجه على أصله. وقرأت عليه عنه أيضًا:
هل ترجعَنَّ ليال قد مضَين لنا والعيشُ منقلب إذ ذاك أفنانا
إذ نحن في غرة الدنيا وبهجتها والدار جامعة أزمان أزمانا
ثم استمر بها شَيْحانُ مبتجِحٌ بالبين عنك بما يَرْآك شَنْآنا٣
وقال آخر، وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى فيما أظن:
ألا تلك جارتنا بالغضا تقول أَتَرأَينَه لن يضيعَا٤
وله نظائر مما خرج من هذا الأصل على أولية حاله.
ومن ذلك قال أبو بكر بن مجاهد: "التابوت"٥ بالتاء قراءة الناس جميعًا، ولغة للأنصار٦ "التابوه" بالهاء.
قال أبو الفتح: أما ظاهر الأمر، فأن يكون هذان الحرفان من أصلين؛ أحدهما: تَ بَ ت، والآخر: ت ب هـ، ثم من بعد هذا فالقول أن الهاء في "التابوه" بدل من التاء في "التابوت"، وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كل واحد من التاء والهاء حرف مهموس، ومن حروف الزيادة في غير هذا الموضع، وأيضًا فقد أبدلوا الهاء من التاء التي للتأنيث في الوقف، فقالوا: حمزهْ،
_________________
(١) ١ في ك: روى. ٢ بعده: بأن عزيزًا ظل يرمي بحوزه إلى وراء الحاجزين ويُفرع تملى العيش: استمتع به، والحاجزين: جمع حاجز، يفرع: يأخذ في بطن الوادي، خلاف يصعد. انظر: النوادر: ١٨٥، ١٨٦. ٣ رُوي: "ولذتها" مكان "وبهجتها"، والشيحان بالفتح وبالكسر: الغيور، والمتبجح: الفخور. انظر: النوادر: ١٨٤، والخصائص: ٢/ ٣٦٤. ٤ أورده في اللسان "رأى" ولم ينسبه. ٥ سورة البقرة: ٢٤٨. ٦ في ك: ولغة الأنصار.
[ ١ / ١٢٩ ]
وطلحهْ، وقائمهْ، وجالسهْ، وذلك منقاد مطرد في هذه التاء عند الوقف، ويؤكد هذا أن عامة عُقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول في الفرات: الفراه، بالهاء في الوصل والوقف.
وزاد في الأُنس بذلك أنك ترى التاء في الفرات تشبه في اللفظ تاء فتاة وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخِر الآخر أبدل التاء هاء، ثم جرى على ذلك في الوصل؛ لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلة علة، فيُراعى حال الوقف من حال الوصل ويفصل بينهما، فأشبه ذلك قولهم في صِبيان وصِبية: صُبينا وصُبية؛ وذلك أن الأصل صِبوان وصِبوة، ثم قلب الواو ياء استخفافًا للكسرة قبلها، ولم يعتد بالساكن بينهما حاجزًا لضعفه، ثم لما ضموا "٢٨ظ" وزال الكسر أقروا الياء بحالها؛ جنوحًا إليها لخفتها، ولعلمهم أيضًا أن البدل من الواو لم يكن عن استحكام علة فيعادوا الأصل لزوالها، فلما تصوروا ضعف سبب القلب قنَّعوا١ أنفسهم بالعدول إلى جهة الياء، فقالوا: صُبيان وصُبية، حتى كأن قائلا قال لهم: هلا لما زالت الكسرة راجعتم الواو، فقالوا: أَوَكَان القلب إنما كان عن وجوب أحدثته الكسرة حتى إذا فارقناها عاودنا الواو؟ إنما كان استحسانًا، وكذلك فليكن مع الضمة أيضًا استحسانًا.
ومن ذلك ما رُوي عن الزهري والأعرج وأبي جعفر بخلاف عنهم: "ولا يَوُودُه حِفْظَهُمَا"٢ بلا همز، ولم يُقَل: كيف قالوا؟
قال ابن مجاهد: من لم يهمز قال: "يَوُودُه" فخلف الهمزة بواو ساكنة، فجمع بينها وبين الواو، فيجتمع ساكنان، فإن شاء ضمها فقال: "يَوُودُه"، ومن ترك الهمز أصلًا قال: "يَوْدُه"٣.
قال أبو الفتح: خلَّط ابن مجاهد في هذا التفسير تخليطًا ظاهرًا غير لائق بمن يُعتد إمامًا في روايته، وإن كان مضعوفًا في فقاهته؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿يَؤُودُهُ﴾ لك فيه التحقيق والتخفيف، فمن حقَّق أخلصها همزة، قال: ﴿يَؤُودُهُ﴾ كيعوده، ومن خفَّف جعل الهمزة بين بين؛ أي: بين الهمزة والواو؛ لأنها مضمومة، فجرى مجرى قولك في تخفيف لَؤم: لَوُم، وفي مئونة: موُونة، ولا يخلصها واوًا لأنها مضمومة، فقوله: بلا همز؛ أي: يخففها، كذا أُحسِن الظن بهؤلاء المشيخة.
_________________
(١) ١ قنعوا أنفسهم: أرضوها. ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ قال في البحر المحيط ٢/ ٢٨٠: "قرأ الجمهور: "يئوده" بالهمز، وقرئ شاذًّا بالحذف كما حذفت همزة أناس، وقرئ أيضًا: "يووده" بواو مضمومة على البدل من الهمز".
[ ١ / ١٣٠ ]
فأما ترك الهمز أصلًا فشاذ، وينبغي لمن هو دونهم أن يصان عن أن يُظن ذلك به، فقول ابن مجاهد: إنه يخلف من الهمزة واو ساكنة فيجتمع ساكنان شديد الاضطراب؛ وذلك أنه قد سبق أن سبيل هذا أن يُخفِّف ولا يبدل، وإذا كان مخفِّفًا فالواو متحركة لا ساكنة، فلا ساكنين هناك أصلًا.
نعم، ثم لما قال: إنه يجتمع ساكنان لم يذكر ماذا يُعْمَل فيهما؟ قال: وإن شاء ضمها فقال: "يَوُودُه"، وهذا هو الذي ينبغي أن يعمل عليه؛ ولكن ينبغي أن يعلم أنه لا يُضم الواو؛ بل الضمة على الهمزة، إلا أنها مخففة فقربت بذلك من الواو لضعفها مع ضمها.
وقوله فيما بعد: ومَن ترك الهمز أصلًا قال: "يَوْدُه" يؤكد ما كنا قدمناه من أن قوله: لا يهمز، إنما يريد به التخفيف لا يريد البدل والحذف، ولولا ذلك لم يَقل: ومن ترك الهمز أصلًا، فقوله: "أصلًا" يدل على أنه لا يريد التخفيف الذي كان قدَّمه.
وبعد، فمن ترك الهمزة أصلًا؛ أي: حذفها ألبتة كما يحذفها من قولهم: لاب لك؛ أي: لا أب لك، ومن قولهم: وَيَلُمِّه، وأصلها: ويلٌ لأُمه، ومن قولهم: ناس وأصلها أناس، والله في أحد قولي سيبويه الذي أصله فيه إله، وغير ذلك، فإنه إذا هو حذفها بقيت بعدها الواو التي هي عين الفعل ساكنة فصارت: "يَوْدُه" ومثاله على هذا اللفظ يَعلُه، وأصل هذا كله يَأْودُه كيعوده، يَفعُله كيقتله ونعبده، ثم نقلت الضمة من الواو التي هي عين الفعل "٢٨و" إلى الهمزة التي هي فاء فعله، كما نقلت في يعود من الواو إلى العين فصارت "يئوده" كيعوده، ووزنه الآن يفْعُله، هكذا محصول لفظه، فإذا هو حذف الهمزة ألبتة -وهي فاء الفعل- بقي يَوْدُه في ومن يعلُه، والفاء على ما مضى محذوفة، وعلى أن هذا الحذف لا يُقْدِم أحدٌ عليه قياسًا لنكارته وضيق العذر في اقتباسه، اللهم أن يسمع شيء منه فيودَّى على ما فيه، ويُشرح حديثه بواجب مثله، ولا يحمل سواه على مثل حاله.
ومن ذلك ما رواه جويرية بن بشير، قال: سمعت الحسن قرأها: "أولياؤهم الطَّواغيت"١.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يُفهم هذا الموضع؛ فإن فيه صنعة؛ وذلك أن الطاغوت وزنها في الأصل فَعَلُوت، وهي مصدر بمنزلة الرغَبوت والرهَبوت والرحَموت، وقد يقال فيها: الرَّغَبُوتَى والرهبوتى والرحموتى، ويدل على أنها في الأصل مصدر وقوع الطاغوت على الواحد والجماعة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٧.
[ ١ / ١٣١ ]
يلفظ واحد، فجرى لذلك مجرى قوم عدل ورضًا، ورجل عَدلٌ ورضا، ورجلان عدل ورضا، فأما أصلها فهو طغيُوت؛ لأنها من الياء، ويدل على ذلك قوله ﷿: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ ١، هذا أقوى اللغة فيها؛ لأن التنزيل ورد به.
وروينا عن قطرب وغيره فيها الواو، طغا يطغو طُغُوًّا، وقد يجوز على هذا أن يكون أصله: طَغَوُوت، كفَعَلُوت من غَزَوتُ: غَزَوُوت، وأنا آنس بالواو في هذه اللفظة لما أذكره لك بعد. ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت بعد القلب طَيَغُوت أو طَوَغُوت، فلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت في اللفظ ألفًا؛ فصارت طاغوت كما ترى. ووزنها الآن بعد القلب فَلَعُوت، ومثالها من ضربت: ضَرَبُوت، ومن قتلت قتلوت، هذا إلى هنا بلا خلاف.
وإذا جمع فصار طواغيت احتاج إلى نظر؛ فأما على أن يكون من طغوت فلا سؤال فيه؛ وذلك أن الألف على هذا كانت بدلًا من لام طغوت، فلما احتاج إلى تحريك الألف المنقلبة عنها ردها إلى أصلها وهو الواو، فقال: طواغيت، ووزنها الآن فلاعيت، ولو جاءت على واجب أصلها لكان طغاويت أو طغاييت، كقولك في ملكوت لو كسرتها: ملاكيت، ولو قلبت الواحد على حد قلب الطاغوت لقلت: مكلوت، وإن جمعت على هذا -أعني مقلوبًا- قلت: مكاليت، هذا على أن لام طاغوت واو، ماض منقاد على ما تراه.
لكن مَن ذهب إلى أن لام طاغوت ياء وجب عليه أن يجيب عن قلب الألف من طاغوت واوًا في قولهم: طواغيت، وكان قياسه على الطغيان أن يكون طياغيت.
والجواب: أن طاغوتًا وإن كان من ط غ ى فإنه بعد نقله وقلبه قد صار كأنه فاعول، فلما كسر قلبت ألفه واوًا كما تقلب في نحو تكسير عاقول وعواقيل٢، وراقود٣ ورواقيد، وهذا الشبه اللفظي كثير عنهم فاشٍ متعالَم بينهم؛ ألا تراهم قالوا: مررت بمالِكَ فأمالوا لشبهها بأَلف مالكٍ، وقالوا: طلبتا وعتَتا٤، فأمالوا لشبه "٢٨ظ" آخره بألف سكرى وبشرى؟ فكذلك شبهوا ألف طاغوت بألف جاموس وعاقول.
وحكى يونس في تحقير الناب نويب؛ وذلك أنه حمل الألف هنا إذا كانت عينًا على أحكام ما يكثر؛ وهو قلب العين عن الواو في غالب الأمر، وهو: باب ودار وساق ونار، فقال:
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٥. ٢ العاقول: نبت، ويطلق أيضًا على معظم البحر وغيره. ٣ الراقود: دن كبير أو طويل الأسفل يسيع داخله بالقار. ٤ قال سيبويه: "سمعنا بعضهم يقول: طلبتا وطلبنا زيد؛ كأنه شبه هذه الألف بألف حبلى؛ حيث كانت آخر الكلام ولم تكن بدلًا من ياء". الكتاب: ٢/ ٢٦٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
نُوَيب، وإن كان من الياء حملا على الباب الأكثر، وهو قولك في مال: مُويل، وفي ساق: سُويقة، وفي دار: دُوبرة.
وروينا عن قطرب في كتابه الكبير: طغى يطْغَى ويطغو، وطَغَيتُ وطغِيتُ وطَغوت طُغْيانًا وطُغْوَانًا وطَغْوًا وطُغُوًّا وطَغْوَى، فاعلم.
وألقى علينا أبو علي بحلب سنة ست وأربعين الكلام في طغيان، واعتزم في اللام الياء، فقال له فتى كان هناك من أهل مَنْبِج: فقد قالوا الطَّغوى، فقال أبو علي: خذ الآن إليك، هذا تصريفي، ينكر عليه احتجاجه بذلك؛ أي: ألا تعلم أن طَغْوَى اسم، وأن فَعلى إذا كانت اسمًا وكانت لامها ياء فإنها تقلب إلى الواو، نحو: التقوى والبقوى والفتوى والرَّعْوى والثَّنْوى والعوَّى١. وبعد، فإن كانت طغوى من طغوت فواوه أصلية كواو العدوى والدعوى، وإن كانت من طغيت فإنها بدل من الواو كالفتوى وبابها.
وأما الطواغي فجمع طاغية، قال الله سبحانه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ ٢ فهو يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أُهلكوا بطغيانهم، كقولك: أُهلكوا بالبلية الطاغية؛ أي: التي لا قِبَل لهم بها.
والآخر: أن يكون أُهلكوا بطغيانهم؛ أي: بكفرهم.
ومثل الطاغية وكونها مصدرًا على فاعلة قوله: "لا يُسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةٌ"٣ أي: لغو، وتكسير اللاغية لواغ، كعافية وعواف، وعاقبة وعواقب، ومثل الطاغوت الحانوت، وهي فَعَلوت من حنوت؛ وذلك أن الحانوت يشتمل على من فيه، فكأنه يحنو عليه، فهي من الواو، وقُلبت لامها إلى موضع العين فصار حَوَنوت، ثم قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت حانوت.
_________________
(١) ١ البقوى: فعلى من بقي، والرعوى: فعلى من رعي، والثنوى: فعلى من ثني، والعوى: فعلى من عوي؛ وهي منزل من منازل القمر، تمد وتقصر، وألفها للتأنيث كألف بشرى وحبلى. ٢ سورة الحاقة: ٥. ٣ سورة الغاشية: ١١، وقراءة: "يسمع" مبنيًّا للمجهول مع رفع "لاغية" هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ورويس. الإتحاف: ٢٧٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقول علقمة:
حَانيَّةٌ حُومُ١
منسوب إلى حانيَة فاعلة من هذا اللفظ والمعنى، ألا ترى إلى قول عُمارة:
وكيف لنا بالشرب فيها وما لنا دوانيق عند الحانَوِيِّ ولا نقد
فأما الحانة فمحذوفة من الحانية، ومثالها فاعة، ومثلها البالة من قولهم: ما باليت بهم بالة، أصلها: بالية فاعلة من هذا الموضع، ثم حذفت اللام تخفيفًا، وإلى مثل ذلك ذهب الكسائي في "آية" أنها محذوفة من فاعلة: آيِية.
ومن ذلك قراءة ابن السَّمَيفَع٢: "فبَهَتَ الذي كَفَرَ"٣ بفتح الباء والهاء والتاء، وكذلك قرأ أيضًا نُعيم بن ميسرة٤، وقرأنة أبو حيوة شريح بن يزيد: "فبَهُتَ" بفتح الباء وضم الهاء، والقراءة العامة: "فَبُهِتَ".
قال أبو الفتح: زاد أبو الحسن الأخفش قراءة أخرى لا يحضرني الآن ذكر قارئها، لم يسندها٥ أبو الحسن: "فبَهِتَ" بوزن عَلِمَ، فتلك أربع قراءات.
فأما "بُهِتَ" قراءة الجماعة، فلا نظر فيها.
وأما "بَهِتَ" فبمنزلة خَرِق وفرِق وبرِق.
وأما "بَهُتَ" فأقوى "٢٩و" معنى من بَهِتَ؛ وذلك أن فعُل تأتي للمبالغة كقولهم: قَضُو الرجل إذا جاد قضاؤه، وفقُه إذا قوي في فقهه، وشعُر إذا جاد شعره. وروينا عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: أن العرب تقول:
_________________
(١) ١ البيت بتمامه: كأس عزيز من الأعناب عتَّقَها لبعض أربابها حانية حوم الكأس: الخمر في إنائها، ولا تسمى الخمر كأسًا ولا الظرف كأسًا حتى يجتمعا، وأراد بالعزيز ملِكًا من ملوك الأعاجم، والحوم السود يريد أنها من أعناب سود، وهو على هذا من نعت الكأس؛ أي: خمر سوداء العنب، وصفها بالجمع على معنى ذات أعناب سود، ويقال الحوم: جمع حائم؛ وهو الذي يقوم عليها ويحوم حولها وهو على هذا من وصف الحانية، وهي جماعة الخمارين. وانظر: الكتاب: ٢/ ٧٢، والمفضليات: ٤٠٢، وفيها: "أحيانها" مكان "أربابها"؛ أي: أعدها لفصح أو عيد أو نحو ذلك. ٢ هو محمد بن عبد الرحمن بن السميفع أبو عبد الله اليماني، له اختيار في القراءة يُنسب إليه شَذَّ فيه، قرأ على أبي حيوة شريح بن يزيد، وقيل: إنه قرأ على نافع. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٦١. ٣ سورة البقرة: ٢٥٨. ٤ هو نعيم بن ميسرة أو عمرو الكوفي النحوي، نزل الري وكان ثقة، روى القراءة عرضًا عن عبد الله بن عيسى بن علي، وروى الحروف عن أبي عمرو بن العلاء، وروى الحروف عنه علي بن حمزة الكسائي، تُوفي سنة ١٧٤. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٤٢. ٥ أوردها كذلك في البحر ٢/ ٢٨٩ مسندة إلى الأخفش، ولم يذكر قارئها.
[ ١ / ١٣٤ ]
ضرُبت اليد: إذا جاد ضربها، وكذلك بَهُت: إذا تناهى في الْخَرَق والبَرَق والحيرة والدَّهَش.
وأما "بَهَتَ" فقد يمكن أن يكون من معنى ما قبله، إلا أنه جاء على فَعَل كذَهَل ونَكَل وعجز وكَلَّ ولَغَب، فيكون على هذا غير متعدٍّ كهذه الأفعال.
وقد يمكن أن يكون متعديًا ويكون مفعوله محذوفًا؛ أي: فبَهَتَ الذي كفر إبراهيم ﵇.
فإن قيل: فكيف يجوز على هذا أن يجتمع معنى القراءتين؟ ألا ترى أن بُهِتَ قد عُرف منه أنه كان مبهوتًا لا باهتًا، وأنت على هذا القول تجعله الباهت لا المبهوت.
قيل: قد يمكن أن يكون معنى قوله: بَهت أي رام أن يبهَت إبراهيم ﵇، إلا أنه لم يستوِ له ذلك، وكانت الغلبة فيه لإبراهيم ﵇.
وجاز أن يقول: بَهَتَ، وإنما كانت منه الإرادة، كما قال جل وعز: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ أي: إذا أردتم القيام إليها، كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ٢ أي: إذا أردت قراءته، فاكتفى بالمسبب٣ الذي هو القيام، والقراءة من السبب الذي هو الإرادة.
وقد أفردنا لهذا الموضع بابًا في كتابنا الخصائص٤.
ويجوز جوازًا حسنًا أن يكون فاعل "بَهَتَ" إبراهيم؛ أي: فبَهَت إبراهيمُ الكافرَ؛ ليلتقي معنى هذه القراءة مع معنى الأخرى التي هي: "فبُهِتَ الذي كفر"، وعليه قطع أبو الحسن.
فإن قيل: فما معنى هذا التطاول والإبعاد في اللفظ، ولم يقل: "بُهِتَ" وإبراهيم ﵇ هو الباهت؟
قيل: إن الفعل إذا بُني للمفعول لم يلزم أن يكون ذلك للجهل بالفاعل؛ بل ليعلم أن الفعل قد وقع به، فيكون المعنى هذا لا ذكر الفاعل، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٥، وقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٦، وهذا مع قوله ﷿: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ٧، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق﴾ ٨، فالغرض في نحو هذا المعروف الفاعل إذا بني للمفعول إنما هو الإخبار عن وقوع الفعل به حسب، وليس الغرض فيه ذكر من أوقعه به، فاعرف ذلك.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٦. ٢ سورة النحل: ٩٨. ٣ في نسختي الأصل: السبب، وهو تحريف. ٤ هو "باب في الاكتفاء بالسبب من المسبب، وبالمسبب من السبب". الخصائص: ٣/ ١٧٣. ٥ سورة النساء: ٢٨. ٦ سورة الأنبياء: ٣٧. ٧ سورة ق: ١٦. ٨ سورة العلق: ٢.
[ ١ / ١٣٥ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "فَصِرَّهُنَّ"١ مكسورة الصاد مشددة الراء وهي متفوحة، وقراءة عكرمة: "فَصَرِّهُنَّ إليك" بفتح الصاد، وقال: قَطِّعهُن، وعن عكرمة أيضًا: "فَصُرّهُنَّ" ضم الصاد وشدد الراء، ولم يقل مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، قال: وهو يحتمل الثلاثة، كمُدُّ ومُدَّ ومُدِّ.
قال أبو الفتح: أما "فَصِرَّهُنَّ" بكسر الصاد وتشديد الراء فغريب؛ وذلك أن يفْعِل في المضاعف المتعدي شاذ قليل، وإنما بابه فيه يفْعُل، كصَبَّ الماء يَصُبُّه، وشد الحبل يشده، وفرَّ الدابة يفرها٢، ثم إنه قد مر بي مع هذا مِن يفْعِل في المتعدي حروف صالحة؛ وهي: ثم الحديث يَنُمه ويَنِمه، وعلَّه بالماء يعُلَّه ويعِلَّه، وهَرَّ الحرب يهُرُّها ويهِرُّها٣، وغَذَّ العِرقُ الدم يغُذه ويغِذه٤ "٢٩ظ". وقالوا: حبَّه ويحِبُّه بالكسر لا غير، وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن أن بعضهم قرأ: "لن يَضِرُّوا الله شيئًا"٥ بكسر الضاد في أحرف سوى هذه، ولمجيء المتعدي من هذا مضمومًا -وبابه وقياسه الكسر- نَظَرٌ ليس هذا موضعه، فيكون صِرَّهُن من هذا الباب على صَرَّه يصِرُّه.
وأما "صُرَّهن" بضم الصاد فعلى الباب؛ أعني: ضم عين يفعُل في مضاعف المتعدي، والوجه ضم الراء لضمة الهاء من بعدها، والفتح والكسر من بعد.
وأما "فصَرِّهُنَّ" فهذا فَعِّلْهُنَّ٦ من صَرَّى يُصَرِّي: إذا حَبس وقَطع. قال:
رُب غلام قد صرَى في فقرته ماء الشباب عنفوانَ سَنْبته٧
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٦٨. ٢ فر الدابة: كشف عن أسنانها ليعرف ما سنها. ٣ هر الحرب: كرهها. ٤ كذا في نسختي الأصل، والذي في المعاجم بأيدينا: غذ العرق؛ أي سال. ٥ سورة آل عمران: ١٧٦، وفي الأصل: فلن، وهو تحريف، وفي الإتحاف حين الكلام عن ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ الصفحة ١٠٧، وعن المطوعي: "لن يضِروكم" بكسر الضاد، وكذا: "فلن يضِر الله" ونحوه، أسند إلى ظاهر أو مضمر مفردًا وغيره. ٦ الوزن هنا مع ملاحظة حرف العلة المحذوف كما لا يخفى. ٧ للأغلب العجلي، وبعدهما: أنعظ حتى استد سَم سمته ويُروى: "رأت غلامًا" مكان "رب غلام". والفقرة: إحدى فقار الظهر، والمراد كلها، والسنبت والسنبتة: قطعة من الزمن، والسم: الثقب، والسمة بالكسر وتفتح: الاست، واستد الثقب: انسد. والمعنى: رب غلام امتنع عن غشيان النساء في فورة الشباب؛ حتى صار إذا أنعظ ينسد استه. وانظر: سر صناعة الإعراب: ١٧٥، واللسان والتاج "صري".
[ ١ / ١٣٦ ]
أي: حبسه وقطعه، ومنه الشاة المصراة؛ أي: المحبوسة اللبن المقطوعته في ضرعها عن الخروج.
وماء صَرًى وصِرًى: إذا طال حبسه في موضعه، ومنه الصراء للملاح١؛ وذلك أنه يمسك السفينة ويحفظها ويصريها عما يدعو إلى هلاكها.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر والزهري: "جُزًّا"٢.
قال أبو الفتح: أصله الهمز جزءًا، ثم خففت همزته على قولك في تخفيف الخبء: الخبُ، ثم إنك إذا خففت نحو ذلك ووقفت عليه كان لك فيه السكون على العبرة، وإن شئت الإشمام الجزُ، وإن شئت روم الحركة الجزُ، وإن شئت التشديد على خالدّ وهو يجعلّ، فيقول على هذا: الْجُزَّ، ثم إنه وصل على وقفه، فقال: جُزًّا.
ومثله مما أجرى في الوصل مجراه في الوقف من التشديد، ما أنشدناه أبو علي وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد ين يحيى:
ببازلٍ وجناء أبو عيهَلِّ كأن مهواها على الكلْكَلِّ٣
يريد: العيهل والكَلْكَل.
وفيها ما قرأته على أبي بكر دون أبي علي:
تعرَّضتْ لي بمجاز حِلِّ تعرُّضَ الْمُهْرةِ في الطِّوَلِ٤
وفيها:
ومُقلتان جوْنَتَا الْمَكْحَلِّ
وقد كان ينبغي إذ كان إنما شدد عوضًا من الإطلاق أن إذا أطلق عاد إلى التخفيف، إلا أن العرب قد تجري الوصل مجرى الوقف تارة، الوقف مجرى الأصل، فعلى هذا وجه القراءة المذكورة "جُزًّا"، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة سعيد بن المسيِّب والزهري: "كمثل صَفَوانٍ عليه ترابٌ"٥ بفتح الفاء.
_________________
(١) ١ كذا في نسختي الأصل، والذي في المعاجم التي بأيدينا: الصاري: الملاح، وجمعه صُرَّاء. ٢ من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ سورة البقرة: ٢٦٠. ٣ انظر الصفحة ١٠٢ من هذا الجزء. ٤ رُوي: "بمكان" بدلًا من "بمجاز". والطول بكسر الطاء وتخفيف اللام: الحبل الذي يطول للدابة فترعى فيه. وانظر: شرح شواهد الشافية: ٢٤٩. ٥ سورة البقرة: ٢٦٤.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال أبو الفتح: أكثر ما جاء فعلان في الأوصاف والمصادر؛ فالأوصاف كقولهم: رجل شَقَذَان للخفيف، وقالوا: أكذب من الأَخيذ الصَّبَحَان١ بفتح الباء كما ترى، وقد رُوي الصبْحان بتسكينها، ويومٌ صَخَدان ولَهَبَان لشدة الحر، وعير فَلَتان٢، ورجل صَمَيان: ماض منجرد.
وأما المصادر فنحو الوهجان والنَّزَوَان والغَلَيَان والغثيان والقفزان والنقران. والمعنى -في الوصف والمصدر جميعًا من هذا المثال- الحركة والخفة والإسراع، وهو في الأسماء غير الصفات والمصادر قليل، غير أنهم قد قالوا: الوَرَشان٣ والكَرَوَان والشبهان لضرب من النبت٤، وقيل: الشَّبُهان بضم الباء، وقالوا: العنَبان للتيس من الظباء النشيط، فإذا كان كذلك كان الصفَوان أيضًا مما جاء من غير الأوصاف والمصادر على فعَلان.
ومن ذلك قراءة "٣٠و" الزهري ومسلم بن جندب٥: "ولا تُيمِّموا الخبيث"٦ بضم التاء وكسر الميم.
قال أبو الفتح: فيها لغات: أمَمْتُ الشيء ويممْتُه وأَمَّمْتُه ويَمَّمْتُه وتَيمَّمْتُه، وكله قَصَدتُه.
قال الأعشى:
تؤمُّ سنانا وكم دونه من الأرض مُحْدَوْدِبا غارُها٧
وقال الآخر:
يمْمتُ بها أبا صخر بن عمرو
_________________
(١) ١ قال في اللسان "صبح": "ومن أمثالهم السائرة في وصف الكذب قولهم: أكذب من الآخذ الصبحان. قال شمر: هكذا قال ابن الأعرابي، قال: وهو الحوار الذي قد شرب فروى، فإذا أردت أن تستدر به أمه لم يشرب لريه درتها، قال: ويقال أيضًا: أكذب من الأخيذ الصبحان، قال أبو عدنان: الأخيذ: الأسير، والصبحان: الذي قد اصطبح فروى، قال ابن الأعرابي: هو رجل كان عند قوم فصبحوه حتى نهض عنهم شاخصًا، فأخذه قوم وقالوا له: دلنا على حيث كنت، فقال: إنما بت بالقفر، فبينما هم كذلك؛ إذ قعد يبول، فعلموا أنه بات قريبًا عند قوم، فاستدلوا به عليهم واستباحوهم، والصبحان في ذلك كله مضبوطًا ضبطًا قلميًّا بسكون الباء. ٢ نشيط. ٣ طائرة: وهو ساق حر. ٤ في القاموس أنه: "نبت شائك، له ورد لطيف أحمر وحب كالشهدانج"، والشهدانج: حب القنب. ٥ هو مسلم بن جندب أبو عبد الله الهذلي مولاهم المدني القاص، تابعي مشهور، عرض على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وعرض عليه نافع، وروى عن أبي هريرة وحكيم بن حزام وابن عمر، مات سنة ١٣٠. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٩٦. ٦ سورة البقرة: ٢٦٧. ٧ لم نعثر عليه في ديوانه.
[ ١ / ١٣٨ ]
وقال:
تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عَرْمضُها طام١
الأَمُّ: القصد، ومثله الأَمْتُ، ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد، والإمام أيضًا: خيط البنَّاء؛ لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه، والأُمَّة: الطريقة لأنها متعمدة، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ٢ أي: على طريقة مقصودة.
ومن ذلك قراءة الزهري: "إلا أن تَغْمُضُوا فيه"٣ بفتح التاء من غمض، ورُوي أيضًا: "تُغَمِّضُوا فيه" مشددة الميم، وقرأ قتادة: "إلا أن تُغْمَضُوا فيه" بضم التاء وفتح الميم.
قال أبو الفتح: أما قراءة العامة؛ وهي: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فوجهها أن تأتوا غامضًا من الأمر لتطلبوا بذلك التأول على أخذه، فأغمض على هذا: أتى غامضًا من الأمر، كقولهم: أعمن الرجل: أتى عَمان، وأعرق: أتى العراق، وأنجد: أتى نجدًا، وأغار: أتى الغور. واختيار الأصمعي هنا غار، وليس هذا على قول الأصمعي أتى الغور، وإنما هو غار؛ أي: غمض وانشام٤ هناك، كقولك: ساخ وسرب، ولو أراد معنى صار إلى هناك لكان أغار، كما قال:
نَبِيٌّ يرى ما لا تَرون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا٥
ورواية الأصمعي: غار، على ما مضى، وليس المعنى على ما قدمنا واحدًا.
وأما "تُغْمَضُوا فيه" فيكون منقولًا من غَمَض هو وأغمضه غيره، كقولك: خفي وأخفاه غيره، فهو كقراءة مَن قرأ: "أن تَغْمُضُوا فيه"، ولم يذكر ابن مجاهد هل الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ في هذا غَمَض الشيء يغمُض، كغار يغور، ودخل يدخُل، وكمن يكمُن، وغرب يغرُب.
والمعنى: أن غيرهم يُغْمِضُهم فيه من موضعين:
أحدهما: أن الناس يجدونهم قد غَمَضُوا فيه، فيكون من أفعلت الشيء وجدته كذلك، كأحمدت الرجل: وجدته محمودًا، وأذممته: وجدته مذمومًا، ومنه قوله:
وقومٍ كرامٍ قد نقلنا قِرَاهمُ إليهم فأَتلفنا المنايا وأتلفوا٦
_________________
(١) ١ لامرئ القيس. ضارج: موضع في بلاد بني عبس، والعرمض: الطحلب الأخضر الذي يتغشى الماء، وطام: مرتفع. الديوان: ١٨٢، واللسان: عرمض. ٢ سورة الزخرف: ٢٣. ٣ سورة البقرة: ٢٦٧. ٤ انشام في الشيء: دخل. ٥ للأعشى يمدح النبي ﷺ. وانظر: الديوان: ١٣٥. ٦ للفرزدق. ويروى: "وأضياف ليل قد نقلنا". وانظر: الديوان: ١/ ٥٦١.
[ ١ / ١٣٩ ]
أي: وجدناها مُتْلِفة.
وقوله:
فمضى وأخاف من قُتَيلة موعِدا١
أي: صادفه مخلفًا.
وقول رؤبة:
وأهيج الخلطاء من ذات البرق٢
أي: صادفها مهتاجة النبت.
ومنه قوله الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ ٣ أي: صادفناه غافلًا، ولو كان أغفلنا هنا منقولًا من غفل -أي: منعناه وصددناه- لكان معطوفًا عليه بالفاء "فاتَّبَعَ هواه".
وذلك أنه كان يكون مطاوعًا، وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفًا بالفاء دون الواو، وذلك كقوله: أعطيته فأخذ، ودعوته فأجاب، ولا تقول هنا: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا تقول: كسرته وانكسر، ولا جذبته "٣٠ظ" وانجذب؛ إنما تقول: كسرته فانكسر، وجذبته فانجذب، وهذا شديد الوضوح والإنارة على ما تراه.
وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية منعنا وصددنا لكان معطوفًا عليه بالفاء، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه٤، وإذ لم يكن هكذا، وكان إنما هو "واتبع" فطريقه أنه لما قال: "أغفلنا قبله عن ذكرنا" فكأنه قال: وجدناه غافلًا، وإذا وُجد غافلًا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال إذن: ولا تطع من غفل قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا؛ أي: لا تطع مَن فعل كذا، يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعة الله سبحانه، ونسأل الله توفيقًا من عنده ودُنُوًّا من مرضاته بمنِّه ومشيئته، فهذا أحد وجهي "تُغْمَضُوا فيه"؛ أي: إلا أن توجدوا مُغْمِضين متغاضين عنه.
والآخر: أن يكون "تُغْمَضُوا فيه" أي: إلا أن تُدخلوا فيه وتُجذبوا إليه، وذلك الشيء الذي يدعوهم إليه، ويحملهم عليه هو: رغبتهم في أخذه ومحبتهم لتناوله، فكأنه -والله أعلم-
_________________
(١) ١ للأعشى، وصدره: أثوى وقصر ليله ليزودا وروي: فمضت وأخلف. أثوى بالمكان: أقام، لغة في ثوى. وانظر: الديوان: ٢٢٧، واللسان: أخلف، وثوى. ٢ الخلصاء: أرض بالبادية، والبرق: جمع برقة؛ أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل. وانظر: الديوان: ١٠٥، واللسان: هيج، ومعجم البلدان. ٣ سورة الكهف: ٢٨. ٤ لا يخفى ما فيه من التَّكْرَارِ مع ما قبله.
[ ١ / ١٤٠ ]
إلا أن تسوِّل لكم أنفسُكم أَخْذه فتُحسِّن ذلك لكم، وتعترض بشكه على يقينكم حتى تكاد الرغبة فيه تكرهكم عليه.
ويزيد في وضوح هذا المعنى لك ما روي عن الزهري أيضًا من قراءته: "إلا أن تُغَمِّضُوا فيه" أي: إلا أن تغمِّضوا بصائركم وأعين علمكم عنه؛ فيكون نحوًا من قوله:
إذا تخازرت وما بي من خزر١
وهو معنى مطروق، منه قول الله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ٢، وجاء به بعض المولدين فقال:
خالدَ اللُّؤْمِ أمغض أنت لا بل متغاضي
وآخرُ ذلك قول شاعرنا٣:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى منها وما يُتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسَه ويسومها طلب المحال فتتبع
وما أظرف الأول وأدمثه في قوله:
أبكي إلى الشرق ما كانت منازلها مما يلي الغرب خوف القِيل والقال
وأذكر الخال في الخد اليمين لها خوف الوُشاة وما بالخد من خال٤
ومن ذلك قراءة الحسن: "اتقوا الله وذروا ما بَقِي من الربا "٥ بكسر القاف وسكون الياء.
قال أبو الفتح: قد سبق ما في سكون هذه الياء المكسور ما قبلها في موضع النصب والفتح بشواهده، ومنه قول جرير:
هو الخليفة فارضَوْا ما رضِي لكم ماضي العزيمة ما في حكمه جَنَفُ٦
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٢٧ من هذا الجزء. ٢ سورة يوسف: ٧٦. ٣ هو أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكًا، ويروى: "فتطمع" مكان "فتتبع". وانظر: الديوان: ١/ ٤٠٦. ٤ لابن الأحنف، ورُوي: "منازلهم" مكان "منازلها"، و"في الخد" مكان "بالخد". وانظر: الخصائص: ٣/ ٣١٦. ٥ سورة البقرة: ٢٧٨. ٦ رُوي: هو الخليفة فارضوا ما قضى لكم بالحق يصدع ما في قوله جنف والجنف: الميل والجور. وانظر: الديوان: ٣٩٠، والبحر المحيط: ٢/ ٣٣٧.
[ ١ / ١٤١ ]
ومن ذلك ما رواه ابن مجاهد عن أبي زيد عن أبي السمال: أنه كان يقرأ: "ما بقِي مِن الرِّبُو"١ مضمومة الباء ساكنة الواو.
قال أبو الفتح: في هذا الحرف ضربان من الشذوذ:
أحدهما: الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازمًا.
والآخر: وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأتِ إلا في الفعل نحو: يغزو ويدعو ويخلو، فأما "ذو" الطائية التي بمعنى الذي نحو قوله:
لأَنْتحيا للعظم ذو أنا عارقه٢
فشاذ، وعلى أن منهم مَن يغير هذه الواو إذا فارق الرفع "٣١و" فيقول: رأيت ذا قام وأخوه، ومررت بذي قام أخوه.
وسألت أبا علي عن حكاية أبي زيد "فعلتُه من ذي إلينا"، فقال: أراد من الذي إلينا.
فقلت: فهذا يوجب عليه أن يقول: من ذو إلينا.
فقال -وهو كما قال: قد تغير هذه الواو في النصب والجر، وعلى أن "ذو" هذه لما كانت موصولة وقعت واوها حشوًا فأَشبهت واو طُومار٣، كما أَشبهت عند صاحب الكتاب ياء معديكرب ياء دردبيس٤.
والذي ينبغي أن يُتعلَّل به في الرِّبُو بالواو هو أنه فخَّم الألف انتحاء بها إلى الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم: الصلاة والزكاة، وكمشكاة، وكقولهم: عالم وسالم وسالف وآنف، وكأنه بيَّن التفخيم فقوي الصوت فكان الواو أو كاد، إلا أن الراوي أبو زيد، وما أبعده مع علمه وفقهه باللغة من أن تتطرق ظِنَّةٌ عليه في تحصيل ما يسمعه.
فإن قلت: فلعله شبه ذوات العلة بذوات الهمز فوقف على الواو، كما قالوا: هو الرِّدُو والبُطُو٥.
قيل: هذه الواو إنما تكون مع الهمزة في هذا الكَلَو ومررت بالكَلَيْ في موضع الرفع، وموضع
_________________
(١) ١ من الآية ٢٧٨ من سورة البقرة. ٢ لعارق الطائي، وصدره: لئن لم تغير بعدما قد صنعتم لأنتحيا: لأقصدا، عارقه: من عرق العظم إذا أكل ما عليه من اللحم. وانظر: الحماسة لأبي تمام: ٢/ ٣٢٦. ٣ الطومار: الصحيفة. ٤ الدردبيس: الداهية، والشيخ، والعجوز الفانية. ٥ أصلهما الردء والبطء وأصل ما بعدهما الكلأ.
[ ١ / ١٤٢ ]
الرِّبُو جر بمن في قوله: "مِنَ الرِّبُو"، وعلى أن الكَلو مفتوح ما قبل الواو، والباء من الرِّبُو مضمومة، وعلى أي الأمر حملته فهو شاذ.
ومن ذلك قراءة الزهري ويعقوب: "ومن يُوتِ الحكمةَ"١ بكسر التاء.
قال أبو الفتح: وجهه على أن الفاعل فيه اسم الله تعالى؛ أي: ومَن يُوت الله الحكمة، مَن منصوبة على أنها المفعول الأول والحكمة المفعول الثاني، كقولك: أيَّهم تعطي درهمًا يشكرك.
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبي رجاء ومجاهد فيما رُوي عنه: "فنَظْرَة إلى ميْسُرة"٢، وقراءة عطاء بن أبي رباح: "فناظِرُهُ"٣ بالألف، والهاء كناية، ورُوي أيضًا عن عطاء: "فنِاظِرْهُ إلى ميْسُرِه" أمر.
قال أبو الفتح: أما "فنَظْرَة" بسكون الظاء فمسكَّنة للتخفيف من "نَظِرة "، كقولهم في كلمة: كَلْمة، وفي كَبِد كَبْد، لغة تميمية، وهم الذين يقولون في كَرُم: كَرْم، وفي كُتُب: كُتْب.
وأما "فنَاظِرْه" فكقولك: فياسره فسامحه وليس أمرًا من المناظرة؛ أي: المحاجة والمجادلة؛ لكنها من المساناة٤ والمسامحة، فيقول على هذا: قد تناظر القوم بينهم الحقوق، كقولك: قد تسامحوا فيها ولم يضايق بعضُهم بعضًا.
ويقول عليه: لله متبايعان رأيتهما، فقد تناظرا؛ أي: تسامحا ولم يتحاجا.
_________________
(١) ١ قراءة الجماعة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ مبنيًّا للمفعول. سورة البقرة: ٢٦٩. ٢ قراءة الجماعة: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ . سورة البقرة: ٢٨٠. ٣ قال في البحر ٢/ ٣٤٠: وقرأ عطاء: "فناظرة" على وزن فاعلة، وخرجه الزجاج على أنها مصدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ وقال: قرأ عطاء: "فناظره" بمعنى: فصاحب الحق ناظره؛ أي: منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب. ٤ ساناه: راضاه وداناه.
[ ١ / ١٤٣ ]
وأما "إلى مَيْسُره" فغريب؛ وذلك أنه ليس في الأسماء شيء على مفْعُل بغير تاء؛ لكنه بالهاء، نحو: المقْدُرة والمقْبُرة والمشرُقة١ والمقنُوة٢، وأما قوله:
أَبلغ النعمان عني مألُكا أنه قد طال حبسي وانتظار٣
فطريقه عندنا: أنه أراد مألُكة -وهي الرسالة- غير أنه حذف الهاء وهو يريدها، كما قال كثير:
خليلي إنْ أمُّ الحكيم تَحَملت وأَخْلت لخيمات الْعُذَيب ظلالها٤
يريد: العُذيْبَة "٣١ظ"، وكما قال ملك بن جبار الطائي:
إنا بنو عمكم لا أن نُباعلكم ولا نصالحكم إلا على ناح٥
يريد ناحية. وكذلك قول الآخر:
بُثَيْن الزمى لا إن لا إن لزمتِه على كثرة الواشين أيُّ معون٦
يريد معونة فحذف، وقيل: أراد جمع معونة، وكذلك قول الآخر:
ليوم روع أو فَعالِ مَكْرُم٧
يريد: مكرمة ثم حذف، وقيل: أراد جمع مكرمة، وكذلك أراد هنا إلى ميسرته، فحذف الهاء. وحسن ذلك شيئًا أن ضمير المضاف إليه كاد يكون عوضًا من علم التأنيث، وإليه ذهب الكوفيون في قوله تعالى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ ٨ أنه أراد إقامة، وصار المضاف إليه كأنه عوض من التاء.
_________________
(١) ١ المشرقة مثلثة الراء: موضع القعود في الشمس بالشتاء. ٢ المقنوة من الظل؛ حيث لا تصيبه الشمس في الشتاء. ٣ لعدي بن زيد، من قصيدة يخاطب فيها النعمان بن المنذر، وكان النعمان قد حبسه، المألك: الرسالة. الخزانة: ٣/ ٥٩٧، والمنصف: ٢/ ١٠٤. ٤ بعده: فلا تسقياني من تهامة بعدها بلالًا وإن صوب الربيع أسالها العذيبة: قرية بين الجار وينبع، والجار: بلد على البحر قريب من المدينة. معجم البلدان. ٥ نباعلكم: أي نتزوج منكم وتتزوجوا منا، إلاعلى ناح: أي على ناحية وطرف من الأمر؛ أي: لا نصالحكم صلحًا خاصًّا مطلقًا. الخصائص: ٣/ ٢١٢. ٦ البيت لجميل. شرح شواهد الشافية: ٦٧، والخصائص ٣/ ٢١٢. ٧ لأبي الأخزر الحماني، وصدره: مروان مروان أخو اليوم اليمي وأصل "اليمي" اليوم كحذر، نقلت اللام إلى موضع العين، فانقلبت الواو ياء. الخصائص: ٣/ ٢١٢، وشرح شواهد الشافية: ٦٨. ٨ النور: ٣٧.
[ ١ / ١٤٤ ]
ويشهد لهذا قراءة مَن قرأ: "فنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرة"، قرأ بها نافع في جماعة من الصحابة، فاعرف.
ومن ذلك قراءة الحسن: "واتقوا يومًا يُرجعون فيه"١ بياء مضمومة.
قال أبو الفتح: فيه أنه ترك الخطاب إلى لفظ الغيبة كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ٢، غير أنه تصور فيه معنى مطروقًا هنا فحمل الكلام عليه؛ وذلك أنه كأنه قال: واتقوا يومًا يَرجع فيه البشر إلى الله فأَضمر على ذلك، فقال: يُرجعون فيه إلى الله.
وقد شاع واتسع عنهم حمل ظاهر اللفظ على معقود المعنى، وترك الظاهر إليه، وذلك كتذكير المؤنث وتأنيث المذكر وإفراد الجماعة وجمع المفرد، وهذا فاشٍ عنهم، وقد أفردنا له بابًا في كتابنا في الخصائص ووسمناه هناك بشجاعة العربية٣، وكأنه -والله أعلم- إنما عدل فيه عن الخطاب إلى الغيبة فقال: يُرْجَعُون بالياء رفقًا من الله -سبحانه- بصالحي عباده المطيعين لأمره.
وذلك أن العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوَّفُه ويُتَوعَّدُ به العباد، فإذا قرئ: "تُرجعون فيه إلى الله" فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين، فكأنه -تعالى- انحرف عنهم بذكر الرجعة فقال: "يرجعون فيه إلى الله". ومعلوم أن كل وارد هناك على أهول أمر وأشنع خطر، فقال: يرجعون فيه، فصار كأنه قال: يجازَوْن أو يعاقبون أو يطالبون بجرائرهم فيه، فيصير محصوله من بعد؛ أي: فاتقوا أنتم يا مطيعون يومًا يُعذَّب فيه العاصون.
ومَن قرأ بالتاء "ترجعون" فإنه فضل تحذير للمؤمنين نظرًا لهم واهتمامًا بما يُعقِب السلامة بحذرهم، وليس ينبغي أن يُقْتَصَر في ذكر علة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب بما عادة توسط أهل النظر أن يفعلوه، وهو قولهم: إن فيه ضربًا من الاتساع في اللغة لانتقاله من لفظ إلى لفظ، هذا ينبغي أن يقال إذا عَرِي الموضع من غرض معتمد، وسر على مثله تنعقد اليد.
_________________
(١) ١ قراءة الجماعة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ بتاء مضمومة. سورة البقرة: ٢٨١. ٢ سورة يونس: ٢٢. ٣ انظر: الخصائص: ٢/ ٣٦٠ وما بعدها.
[ ١ / ١٤٥ ]
فمنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١، هذا بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فليس ترك الغيبة إلى الخطاب هنا اتساعًا وتصرفًا؛ بل هو لأمر أعلى ومهم من الغرض أَعْنَى، وذلك أن الحمد معنًى دون العبادة، ألا تراك قد تحمد نظيرك ولا تعبده؛ لأن العبادة غاية الطاعة والتقرب بها هو النهاية "٣٢و" والغاية؟ فلما كان كذاك استعمل لفظ "الحمد" لتوسطه مع الغيبة، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ولم يقل: لك، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى أمد الطاعة قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ فخاطب بالعبادة إصراحًا بها، وتقربًا منه -عز اسمه- بالانتهاء إلى محدوده منها.
وعلى نحو منه جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ فأصرح بالخطاب لَمَّا ذكر النعمة، ثم قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: غير الذين غضبتَ عليهم؛ وذلك أنه موضع تقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار الكلام إلى ذكر الغضب قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، حتى كأنه قال: غير الذين غُضِب عليهم، فجاء اللفظ مُنْحَرَفًا به عن ذكر الغاضب، ولم يقل: غير الذين غضبتَ عليهم، كما قال: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأسند النعمة إليه لفظًا، وزَوَى عنه لفظ الغضب تحسنًا ولطفًا.
فانظر إلى هذه اللغة الكريمة وشرفها، وتلاقي هذه الأغراض اللطيفة وتعطفها، الأقدام تكاد تطؤها، والأفهام مع ثقوبها صافحة عنها، ويا ليت شعري هل تكون سورة أكثر استعمالًا من سورة الحمد، وهذا جزء من أجزاء ما فيها ولم توضع عليه يد؟ شرح الله لإعظام أوامره صدرونا، وأحسن الأخذ إلى طاعته بأيدينا بقدرته وماضي مشيئته.
ومما يتلقاه عامة من يُسْأَل عنه بأنه أَخْذٌ باللغتين، وسعة باختلاف اللفظين: قراءة أبي عمرو: "وتفقَّد الطير فقال ما لِي لا أرى الهدهد"٣ بسكون الياء من "لي"، وقراءته أيضًا: "وما لِيَ لا أعبد الذي فطرني"٤ بتحريك الياء.
وعلة ذلك ليس الجمع بين اللغتين كما يُفتي به جميع من تسأله عنه؛ لكنه لما جاز الوقف على قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ﴾، وأن يستأنف فيقول: ﴿لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾، سكن الياء من "لي"؛ أمارة لجواز الوقوف عليها، ولما لم يحسن الابتداء بقوله: ﴿لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ حرك الياء من "لي" قبلها؛ أمارة لإدراج الكلام ووصله؛ وذاك أن الحركة من أعراض الوصل،
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة: ٥. ٢ سورة الفاتحة: ٧. ٣ سورة النمل: ٢٠. ٤ سورة يس: ٢٢.
[ ١ / ١٤٦ ]
والسكون من أعراض الوقف، فهل يحسن مع وجود هذا الفرق الواضح الكريم أن يُخلد دونه إلى التعذر بما يُخْلِدُ إليه الموهون المضيم؟ اللهم انفعنا بما استودعتناه١، واجعل بك اعتصامنا، وإلى طاعتك توجهنا، إنك لطيف بنا وأنت حسبنا.
ومن ذلك ما رواه مَتُّ بن عبد الرحمن٢ قال: كان أهل مكة يقرءون: "وامرأْتَان"٣ بسكون الهمزة.
قال أبو الفتح: وجه ذلك -والله أعلم- أنهم كانوا يخففون الهمزة فيضعفون حركتها على المعتاد من أمرها، فتقرب من الساكن.
ويدل على أن الهمزة المحركة إذا خففت في نحو هذا قريبة من الساكن، امتناعُ العرب من أن تبتدئ بها مخففة كما تمتنع من الابتداء بالساكن، فلما صارت إلى قولك: "وامراتان" بالَغوا في ذلك فأبدلوها ألفًا؛ فصارت: "وامراتان" بألف ساكنة، كما قال:
يقولون جهلًا ليس للشيخ عَيِّل لعمري لقد أعيلت وانَ رَقُوب٤
يريد: وأنا، فخفف الهمزة فصار "وان"، ثم تجاوز ذلك إلى البدل فأخلصها في اللفظ ألفًا فقال: وان، فكذلك لما "٣٢ظ" أبدل من همزة "وامرأتان" ألفًا فصار تقديره: "وامراتان"، ثم أبدل الهمزة من الألف وإن كانت ساكنة على ما قدمنا ذكره فيما قبل، وعليه قراءة ابن كثير: "وكَشفَتْ عن سأْقَيْها"٥، ومنه: البأز والخأتم والعألم وتَأْبَلْتُ٦ القدر، ونحو ذلك مما قدمنا ذكره، هذا طريق الصنعة فيه والتأتي له.
فأما أن يقدِّر به مقدِّرٌ على أنه أسكن الهمزة المتحركة اعتباطًا ألبتة هكذا فلا؛ لأنه لا نظير له، ألا ترى أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون أبدًا إلا مفتوحًا، نحو: جوزة ورطبة، إلا أن تكون الألف المدة نحو: قتادة وقطاة؟ فأما الهمزة فحرف صحيح حامل للحركة؛ فتجب فتحته ألبتة.
_________________
(١) ١ في ك: استودعتنا. ٢ هو محمد بن عبد الرحمن النيسابوري النحوي يُعرف بمت، عرض القراءة على عيسى بن عمر الكوفي عن طلحة بن مصرف، وروى الحروف عن إسماعيل القسط وشبل بن عباد عن ابن كثير، روى عنه الحروف أحمد بن نصر ونصير بن يوسف، ودخل بغداد زمن الكسائي. طبقات القراء: ٢/ ١٦٨. ٣ سورة البقرة: ٢٨٢. ٤ البحر المحيط: ٣٤٦، والرقوب هنا: الرجل لا يعيش له ولد؛ لانه يرقب موته ويرصده خوفًا عليه. ٥ سورة النمل: ٤٤. ٦ تأبلت القدر: جعلت فيها التابل.
[ ١ / ١٤٧ ]
فإن قلت: أسكن الهمزة تشبيهًا لها بالألف من حيث تساوتا في الجهر، وفي الزيادة، وفي البدل، وفي الحرف، وفي قرب المخرج، وفي الخفاء -فقولٌ ما، غير أنه مخشوب١ لا صنعة فيه، ولا يكاد يُقنع بمثله.
ومن ذلك قراءة عمرو بن عبيد وأبي جعفر يزيد بن القعقاع٢: "ولا يُضارّْ"٣ بتشديد الراء وتسكينها.
قال أبو الفتح: أما تشديد الراء فلا سؤال فيه؛ لأنه يريد يضارَِر، بفتح الراء الأولى أو بكسرها، وكلاهما قد قرئ به؛ أعني: الفتح في الراء الأولى والكسر، والإدغام لغة تميم، والإظهار لغة الحجازيين على ما مضى؛ لكن تسكين الراء مع التشديد فيه نظر.
وطريقه: أنه أَجرى الوصل مجرى الوقف٤، كقوله: سَبْسَبًّا٥
_________________
(١) ١ مخشوب: من خشب الشعر بكسر الشين: قاله من غير تنوق فيه ولا تعمل له. ٢ هو يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر، ويقال: اسمه جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وروى عنهم، ورى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن ورودان وغيرهم، ومات بالمدينة سنة ١٣٠، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: ٢/ ٣٨٢-٣٨٤. ٣ قراءة الجماعة: ﴿وَلا يُضَارَّ﴾ بتشديد الراء وفتحها. سورة البقرة: ٢٨٢. ٤ قال في الكتاب ٢/ ٢٨٢: "وأما التضعيف فقولك: هذا خالد، وهو يجعل، وهذا فرج، حدثنا بذلك الخليل عن العرب؛ ومن ثم قالت العرب من الشعر في القوافي: سبسبا، يريد السبسب، وعيهل يريد العيهل؛ لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل، والواو على ذلك، كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا يدخله ياء ولا واو في الكلام، وأجروا الألف مجراهما؛ لأنها شريكتهما في القوافي، ويمد بها في غير موضع التنوين، ويلحقونها في غير التنوين، فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام ". ٥ من قول رؤبة، وقيل: ربيعة بن صبيح: إذا الدَبى فوق المتون دبا وهبت الريح بمور هبا تترك ما أبقى الدبى سبسبا الدبى بفتح الدال: الجراد قبل أن يطير، المفرد دباة، المتون: جمع متن؛ وهو المكان الذي فيه صلابة وارتفاع، والمور بضم الميم: الغبار، السبسب كجعفر: القفر والمفازة. شواهد الشافية: ٢٥٤-٢٥٩.
[ ١ / ١٤٨ ]
وكلْكَلَّا١، وقد ذكرنا هذا الوصل على نية الوقف فيما مضى، وقد كنا ذكرنا فيما قبل ما يُروى عن الأعرج عن أبي جعفر من تسكين الراء على أنها مخففة، وأيًّا كان ففيه ما مضى.
وقراءة ابن محيصن: "ولا يضارُّ" رفع٢، قال ابن مجاهد: لا أدري ما هي؟
وهذا الذي أنكره ابن مجاهد معروف؛ وذلك على أن تجعل "لا" نفيًا؛ أي: وليس ينبغي أن يضار، كقوله:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى قضيتَه ألا يجور ويقصِدُ٣
فرفع "ويقصد " على أنه أراد: وينبغي له أن يقصد، فرفع يقصد كما يرتفع ينبغي. فكذا هذا؛ أي: وينبغي ألا يضار. وإن شئت كان لفظ الخبر على معنى النهي حتى كأنه قال: ولا يضارِرْ، كقولهم في الدعاء: يرحمه الله؛ أي: ليرحمه الله، ويغفرُ الله لك؛ أي: ليغفر الله لك، ولا يرحمُ الله قاتلك، فرُفع على لفظ الخبر وأنت تريد: لا يرحمْه الله جزمًا، فتأتي بلفظ الخبر وأنت تريد معنى الأمر والنهي على ما ذكرنا.
ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود: "يحاسِبْكم به الله يغفرْ لمن يشاء ويعذبْ من يشاء"٤ جزمٌ بغير فاء.
قال أبو الفتح: جزم هذا على البدل من "يحاسبكم" على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصَّل، فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال، والبعض
_________________
(١) ١ من قول منظور بن مرثد الأسدي: كأن مهواها على الكلكل وموقعا من ثفنات زُل موقع كفَّى راهب يصلي مهواها: سقوطها، والضمير للبازل الوجناء في البيت قبله، الكلكل: الصدر، الثفنات: جمع ثفنة -بفتح الثاء وكسر الفاء- وهي ما يقع على الأرض من أعضاء البعير إذا استناخ كالركبتين، زل بضم الزاي: جمع زلاء؛ وهي الخفيفة، شبه الأعضاء الخشنة من الناقة لكثرة الاستناخة بكفي راهب قد خشنتا من كثرة اعتماده عليهما في السجود. شواهد الشافية: ٢٥٠، وكان الأنسب "وكلكل" بالجر؛ لأنها مجرورة في الشاهد، بخلاف "سبسبا". ٢ أي: مع التشديد، كما في البحر المحيط ٢/ ٣٥٤. ٣ البيت لعبد الرحمن بن أم الحكم. الكتاب: ١/ ٤٣١. ٤ سورة البقرة: ٢٨٤. وقرأ ابن عامر وعاصم ويزيد ويعقوب وسهل: "فيغفر لمن يشاء ويعذب" بالرفع فيهما على القطع، وقرأ باقي السبعة بالجزم عطفًا على "يحاسبكم". البحر المحيط ٢/ ٣٦٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
كضربت زيدًا رأسه، والاشمال كأُحب زيدًا عقله. وهذا البدل ونحوه واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ١؛ لأن مضاعفة العذاب هو لُقِيُّ الأثام، وعله قوله "٣٣و":
رُويدًا بني شيبان بعض وعيدكم تُلاقوا غدا خيلي على سَفَوان
تلاقوا جيادًا لا تَحيد عن الوغى إذا ما غَدَت في المأزِق المتداني
تلاقوهم فتعوفوا كيف صبرهم على ما جَنَتْ فيهم يدا الحدثان٢
فأبدل تلاقوا جيادًا من قوله: تلاقوا غدا خيلي، وجاز إبداله منه للبيان وإن كان من لفظه وعلى مثاله؛ لما اتصل بالثاني من قوله: جيادًا لا تحيد عن الوغى، وأبدل تلاقوهم من تلاقوا جيادًا؛ لما اتصل به من المعطوف عليه وهو قوله: "فتعلموا٣ كيف صبرهم"، وإذا حصلت فائدة البيان لم تُبل أَمِنْ نفس المبدل كانت، أم مما اتصل به فضلةً عليه، أم من معطوف مضموم إليه؟ فإن أكثر الفوائد إنما تجتنى من الألحاق والفضلات. نعم، وما أكثر ما تُصْلِحُ الجمل وتتممها، ولولا مكانها لَوَهتْ فلم تستمسك.
ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما لتمت؛ وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره، أو معه، أو بسببه، أو لتكرمه، أو فأكرمته، أو نحو ذلك، فصحت المسألة؛ لعود الضمير على المتبدأ من الجملة. وعليه قول كثير فيما أظن:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتاراتٍ يَجُم فيغرَق٤
فبالمعطوف على يحسر الماء ما تمت٥ الجملة، وفي هذا بيان.
_________________
(١) ١سورة الفرقان: ٦٨، ٦٩. ٢ الشعر لوداك بن ثميل المازني. ورُوي: "رويد بني" بالإضافة، وبين البيت الثاني والثالث قوله: عليها الكماة الغر من آل مازن ليوث طعان عند كل طعان الحماسة: ١/ ٤١، وسفوان: ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة، وبه ماء كثير السافي، وهو التراب. معجم البلدان. ٣ لفظ الشاعر: "فتعرفوا ". ٤ البيت في ديوان ذي الرمة: ٣٩١، حسر الماء: انكشف. ٥ ما زائدة.
[ ١ / ١٥٠ ]