بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الحسن: "لأُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد١"، بغير ألف.
قال أبو الفتح: قد مضى مثل هذا٢.
وقرأ أبو جعفر: "مَالًا لُبَدًا٣".
قال أبو الفتح: يكون بلفظ الواحد زمل وجباء، ويكون جمع لا بد، كقائم وقوم، وصائم وصوم، وقد تقدم ذكره٤.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد٥"، ساكنة الهاء.
_________________
(١) ١ سورة البلد: ١. ٢ انظر الصفحة ٣٤١ من هذا الجزء. ٣ سورة البلد: ٦. ٤ انظر الصفحة ٣٣٤ من هذا الجزء. ٥ سورة البلد: ٧.
[ ٢ / ٣٦١ ]
قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الهاء فيما مضى١.
ومن ذلك قرأ: "فِي يَوْمٍ ذِا مَسْغَبَةٍ٢" - الحسن وأبو رجاء.
قال أبو الفتح: هو منصوب، ويحتمل نصبه أمرين:
أظهرهما أن يكون مفعول "إطعام"، أي: وأن تطعموا ذا مسغبة، "ويتيما" بدل منه، كقولك: رأيت كريما رجلا. ويجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة، كقولك: رأيت كريما عاقلا، وجاز وصف الصفة الذي هو كريم؛ لأنه لما لم يجز على موصوف أشبه الاسم، كقولك الأعشى:
وبيداء تحسب آرامها رجال إباد بأجيادها٣
فقوله: "تحسب" صفة لبيداء، وإن كانت في الأصل صفة. وكذلك قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق٤
فقوله: خاوي المخترق صفة لقوله: قاتم الأعماق، وهو صفة لموصوف محذوف، أي: وبلد قاتم قاتم الأعماق، كما أن قوله: "وبيداء، ورب بيداء، ورب بلدة بيداء. فاعرف ذلك، فهذا أحد وجهي قوله: "ذِا مَسْغَبَةٍ".
والآخر أن يكون أيضا صفة، إلا أنه صفة لموضع الجار والمجرور جميعا، وذلك أن قوله ﴿فِي يَوْمٍ﴾ ظرف، وهو منصوب الموضع، فيكون وصفا له على معناه دون لفظه، كما جاز أن يعطف عليه في معناه دون لفظه في قوله:
ألا حي ندماني عمير بن عامر إذا ما تلاقينا من اليوم أوغدا٥ [١٦٧و]
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٤٤، والصفحة ٣٢٣ من الجزء الأول. ٢ سورة البلد: ١٤. ٣ من قصيدة في مدح سلامة ذي فائش بن يزيد الحميري. ويروى "بأجلادها" مكان "بأجيادها". والآرام: حجارة تنصب في الصحراء ليهتدي بها المسافر. وأجلاد الإنسان: جسمه وبدنه، وخص أيادا بالذكر لأنها توصف بضخامة الأجسام. وانظر ديوان الشاعر: ٧١. ٤ انظر الصفحة ٨٦ من الجزء الأول. ٥ البيت لكعب بن جعيل، كما في الكتاب ١: ٣٤.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
حتى كأنه قال: اليوم، أو غدا. وكذلك قول الآخر:
كشحا طوى من بلد مختارا من يأسه اليائس أو حذارا١
ونظائره كثيرة، فلذلك يكون قوله: "فِي يَوْمٍ ذِا مَسْغَبَةٍ" على أن "مسغبة" صفة ليوم على معناه، دون لفظه.
_________________
(١) ١ للعجاج، ويروى "عن" مكان "من". والكشح: الجنب، أو الخصر. ويقال لكل من أضمر شيئا: طوى كشحه عليه. قال الأعلم: يصف ثورا وحشيا أو حمارا خرج من مكان إلى مكان، خوفا من صائد، أو يأسا من مرعى كان فيه، فيقول: طوى كشحه على ما نوى من النقلة مختارا لذلك يأسا منه أو حذرا. وانظر الكتاب ١: ٣٥، والديوان ٢١، وفي ك: "حذرا" وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٦٣ ]