بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك حكى أبو عمرو أن أهل نجران يقولون: "بَرَاءَةٌ مِنِ اللَّه"١ يَجرُّون الميم والنون.
قال أبو الفتح: حكاها سيبويه، وهي أول القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، غير أنه كثُر استعمال "مِن" مع لام المعرفة، فهربوا من توالي كسرتين إلى الفتح، وإذا كانوا قد قالوا: "قُمَ اللَّيْلَ"٢، "وقُلَ الحق"٣ ففتحوا ولم تلتقِ هناك كسرتان، فالفتح في "مِنَ اللَّهِ" لتوالي الكسرتين أولى.
ومن ذلك قراءة عكرمة: "ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوكُمْ شَيْئًا"٤ بالضاد معجمة، قال: أي لم ينقضوا أموركم، وهو كناية حسنة عن النقص؛ لأنه إذا نقصه شيئًا من خاصه فقد نقصه عما كان، فهذه طريقة.
ومن ذلك قراءة عكرمة أيضًا: "إِيلًا ولا ذِمَّةً"٥ بياء بعد الكسرة خفيفة اللام.
قال أبو الفتح: طريق الصنعة فيه أن يكون أراد "إلا" كقراءة الجماعة، إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام، وانضاف إلى ذلك كسرة الهمزة وثِقَل الهمزة. وقد جاء نحو هذا أحرف صالحة كدينار؛ لقولهم: دنانير، وقيراط: قراريط، وديماس٦ فيمن قال: دماميس،
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١. ٢ سورة المزمل: ٢. ٣ سورة الكهف: ٢٩. ٤ سورة التوبة: ٤. ٥ سورة التوبة: ٨. ٦ الديماس بفتح الدال وتكسر: الكن، والسرب، والحمام.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وديباج فيمن قال: دبايبج، وشيراز١ فيمن قال: شراريز. وقد جاء مع الفتحة استثقالًا للتضعيف وحده. قال سعد بن قُرْط يهجو أمه:
يا ليتما أُمُّنَا شالت نَعامتُها أيما إلى جنة أيما إلى نار٢
وروينا عن قطرب "٦٨ظ":
لا تفسدوا آبَالَكم أَيْمَا لنا أَيْمَا لكم٣
وقال عمر بن أبي ربيعة:
رأيت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت فيَضْحَى وأيما بالعشي فيَخصر٤
وقد قلبوا الثاني منهما فقالوا في أمللت: أمليت، وفي أَمَلُّ: أَمْلَى أنا. وحدثنا أبو علي أن أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وَرَبْيِك لا أَفعل؛ أي: لا ورَبِّك، فكذا تكون قراءة عكرمة "إيلًا ولا ذمةً" يريد "إلا"، وأبدل الحرف الأول ياء لما ذكرناه.
وقد يجوز أن يكون فِعْلًا من أُلْتُ الشيء إذا سُسْته أُءُوله إيالة، إلا أنه قلب الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها.
ومن ذلك قراءة الأعرج٥ وابن أبي إسحاق٦ وعيسى الثقفي٧ وعمرو
_________________
(١) ١ الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه. ٢ كان قرط قد تزوج امرأة نهته أمه عنها، فقالت أمه في ذلك شعرًا، وقال هو أبياتًا يجيبها بها، منها بيت الشاهد. النعامة: قيل: باطن القدم، وقيل: عظم الساق. وقولهم: شالت نعامته، كناية عن الموت؛ فإن من مات ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه وظهرت نعامة قدمه شائلة، وقيل: معناه ارتفعت جنازته، وأيما بالفتح أصلها أما المفتوحة لغة في المكسورة، وأيما أصلها إما بالكسر لكن كثر استعمال أيما بالفتح، شرح التبريزي للحماسة: ٤/ ١٧٥، والخزانة: ٤/ ٤٣١. ٣ الخزانة: ٤/ ٤٣٢. ٤ عارضت: اعترضت في أفق السماء وارتفعت. ويضحى: يبرز للشمس. ويخصر: يؤلمه البرد في أطرافه. الديوان: ١٨٣. ٥ هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدني، تابعي جليل. أخذ القراءة عرضًا عن أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة. ومعظم روايته عن أبي هريرة. وروى القراءة عنه عرضًا نافع بن أبي نعيم، وروى عنه الحروف أسيد بن أسيد. نزل إلى الإسكندرية فمات بها ١١٧، وقيل: سنة ١١٩. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٨١. ٦ هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري. أخذ القراءة عرضًا عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. وروى القراءة عنه عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء وهارون بن موسى. توفي سنة ١٢٩، وقيل: سنة ١١٧، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤١٠. ٧ هو عيسى بن عمر، أبو عمر الثقفي النحوي البصري. عرض القرآن على عبد الله بن أبي إسحاق وعاصم الجحدري. وروى القراءة عنه أحمد بن موسى اللؤلئي وهارون بن موسى وسهل بن يوسف وغيرهم. ومات سنة ١٤٩. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦١٣.
[ ١ / ٢٨٤ ]
ابن عبيد١، ورُويت عن أبي عمرو: "ويتوبَ اللهُ"٢ بالنصب.
قال أبو الفتح: إذا نَصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وإذا رفع كقراءة الجماعة فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو استئناف؛ وذلك أن قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو كقولك: إن تزرني أُحسن إليك وأُعطيَ زيدًا درهمًا، فتنصبه على إضمار أن؛ أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد.
والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف؛ لأنه تم الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، فالتوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم، هذا هو الظاهر؛ لأن هذه حال موجودة من الله تعالى قاتَلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقاتِلوهم، فإن ذهبتَ تعلِّق هذه التوبة بقتالهم إياهم كان فيه ضرب من التعسف بالمعنى.
ومن ذلك قراءة ابن الزبير٣ وأبي وجزة٤ السعدي ومحمد بن علي وأبي جعفر القاري٥: "أَجَعَلْتُمْ سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"٦ وقرأ: "سُقَايَةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ" الضحاك٧.
_________________
(١) ١ هو عمرو بن عبيد بن باب، أبو عثمان البصري. روى الحروف عن الحسن البصري وسمع منه، وروى عنه الحروف بشار بن أيوب الناقد. مات في ذي الحجة سنة ١٤٤. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦٠٢. ٢ سورة التوبة: ١٥. ٣ هو عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر القرشي الأسدي الصحابي بن الصحابي -﵄- قال الداني: وردت الرواية عنه في حروف القرآن. هاجرت أمه وهو حمل في بطنها، فكان أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين. ولد في السنة الثانية، وقُتل في جمادى الأولى سنة ٧٣. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤١٩. ٤ هو يزيد بن عبيد أبو وجزة السعدي المدني. وردت عنه الرواية في حروف القرآن. روى الحروف عنه محمد بن يحيى بن قيس ومحمد بن إسحاق، وروى عنه هشام بن عروة. توفي سنة ١٣٠. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٨٢. ٥ هو يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المدني القارئ، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر، ويقال: اسمه جندب بن فيروز، وقيل: فيروز. عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وروى عنهم. وروى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم وسليمان بن مسلم بن جماز وعيسى بن وردان وغيرهم. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٨٢. ٦ سورة التوبة: ١٩. ٧ هو الضحاك بن مزاحم، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الهلالي، تابعي وردت عنه الرواية في حروف القرآن. سمع سعيد بن جبير. توفي سنة ١٠٥. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٣٧.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال أبو الفتح: أما "سُقاة" فجمع ساقٍ، كقاضٍ وقضاة وغازٍ وغزاة. و"عَمَرَة" جمع عامر، ككافر وكفرة وبارٍّ وبررة.
وأما "سُقاية" ففيه النظر، ووجهه أن يكون جمع ساق، إلا أنه جاء على فُعال كعَرق١ وعُراق، ورَخِل ورُخال٢، وتوءَم وتُؤام، وظِئر وظُآر، وإنسان وأُناس، وثَنِي٣ وثُناء، وبرئ وبُرَاء. فكان قياسه إذا جاء به على فُعال أن يكون سُقاء، إلا أنه أنثه كما يؤنَّث من الجمع أشياء غيره، نحو: حِجارة وعِيارة وقَصير وقِصارة. وجاءت في شعر الأعشى٤ وعُيُورة٥ وخُيوطة٦، وقد جاء هذا التأنيث أيضًا في فُعَال هذا. ذهب أبو علي في قولهم: نُقاوة المتاع إلى أنه جمع نَقوة٧، فعلى هذا جاء سُقاية الحاج، فهو كتأنيث ظُؤار وتُؤام ونحو ذلك.
وكأن الذي آنس مَن قرأ "سُقاة" و"عَمَرَة" و"سُقاية" وعدل إليه عن قراءة الجماعة: ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هربه من أن يقابل الحدث بالجوهر؛ وذلك أن السقاية والعمارة مصدران، و"مَن آمن بالله" جوهر، فلا بد إذن "٦٩و" من حذف المضاف؛ أي: أجعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله؟ فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ: "سقاة" و"عَمَرَة" و"سُقاية" على ما مضى.
ولست أدفع مع هذا أن يكون ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ جع ساق ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ جمع عامر، فيكون كقائم وقيام وصاحب وصِحاب وراع ورِعاء، إلا أنه أنث فِعالًا على ما مضى، فصار كحِجارة وعِيارة، وأن يكونا مصدرَي سقيت وعمرت أقيس؛ لأن ذلك في اللغة أفشى، وبَنَى سقاية وهو جمع ساق على التأنيث لا على أنه أنث سِقاء؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: سِقَاءَة فهمر، كعَظَاءة٨ إذا بنيت على العَظاءِ، ويكون كل واحد منهما قائمًا برأسه.
_________________
(١) ١ العرق: العظم أكل لحمه. ٢ الرخل: الأنثى من أولاد الضأن. ٣ الثني: البعير الطاعن. ٤ يشير إلى قول الأعشى في الديوان ٥٧: لا ناقصي حسب ولا أيد إذا مدت قصاره ٥ العيورة: جمع العير. ٦ جمع خيط. ٧ نقوة الشيء: خياره. ٨ دويبَّة كسام أبرص، وهي بالهمزة لغة العالية، ولغة تميم: العظاية.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ومن ذلك قراءة ابن مسعود١: "وَإِنْ خِفْتُمْ عَائلةً"٢.
قال أبو الفتح: هذا من المصادر التي جاءت على فاعلة كالعاقبة والعافية. وذهب الخليل في قولهم: ما باليت بالة، أنها في الأصل بالية كالعاقبة والعافية، فحذفت لامها تخفيفًا. ومنه قوله سبحانه: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ ٣ أي: لغوًا. ومنه قولهم: مررت به خاصة؛ أي: خصوصًا. وأما قوله تعالى: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ ٤ فيجوز فيه أن يكون مصدرًا؛ أي: خيانة منهم، ويجوز أن يكون على أن معناه على نية خائنة أو عقيدة خائنة. وكذلك أيضًا يجوز أن يكون: لا تسمع فيها كلمة لاغية. وكذلك الآخر على: إن خفتم حالًا عائلة، فالمصدر هنا أعذب وأعلى.
ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والزهري٥ والعلاء بن سَيَّابه والأشهب: "إنما النَّسْي"٦ مخففًا في وزن الْهَدْي بغير همز. قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون أراد النَّسْء على ما يُحكى عن ابن كثير بخلاف أنه قرأ به، ثم أُبدلت الهمزة ياء، كما أُبدلت منها فيما رويناه من قول الشاعر:
أَهبَى التراب فوقه إهبايا٧
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن مسعود بن الحارث، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي، أحد السابقين والبدريين والعلماء والكبار من الصحابة. عرض القرآن على النبي -ﷺ- وعرض عليه الأسود وتميم بن حذلم والحارث بن قيس وزر بن حبيش وغيرهم. وهو أول من أفشى القرآن من في رسول الله -ﷺ- وإليه تنتهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش. توفي بالمدينة آخر سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤٥٨. ٢ سورة التوبة: ٢٨. ٣ سورة الغاشية: ١١. ٤ سورة المائدة: ١٣. ٥ هو محمد بن مسلم بن عبيد الله أبو بكر الزهري المدني أحد الأئمة الكبار. تابعي قرأ على أنس بن مالك، وروى عن عبد الله بن عمرو وغيره، وروى عنه الحروف عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وعرض عليه نافع بن أبي نعيم، توفي سنة ٢٤، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: ٢/ ٢٦٢. ٦ سورة التوبة: ٣٧. ٧ أهبى الفرس التراب: أثاره. انظر: الخصائص: ٢/ ٣٤٨، والمنصف: ٢/ ١٥٦، واللسان: هبا.
[ ١ / ٢٨٧ ]
يريد: إهباء، ونحو منه قوله:
كفِعل الهِر يحترش العَظَايا١
يريد: العَظَاءَة، لا على قول أبي عثمان من أنه شبه ألف النصب بهاء التأنيث، ولا على ما رأيته من كونه تكسير العَظاية كإداوة وأداوَى.
والوجه الثاني: أن يكون فَعْلًا من نَسِيء؛ وذلك أن النسيء من نسأت: أي٢ أخرت، والشيء إذا أُخر ودوفع به فكأنه منسي.
والثالث: وفيه الصنعة أنه أراد النسيء على فعيل، ثم خفف الهمزة وأبدلها ياء، وأدغم فيها ياء فعيل فصارت النَّسِيّ، ثم قصَر فعيلًا بحذف يائه فصار نَسٍ، ثم أسكن عين فعيل فصار نَسْيٌ.
ومثله مما قُصر من فَعيل ثم أسكن بعد الحذف قولهم في سميح: سَمْح، وفي رطيب: رَطْب، وفي جديب: جدب، ومما قصر ولم يسكن قولهم في لبيق: لَبِق، وفي سميج: سَمِج، وقد ذكرنا ذلك.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء٣: "يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا"٤ بفتح الياء والضاد.
قال أبو الفتح: هذه لغة؛ أعني: ضَلِلت أَضَلّ. واللغة الفصحى "٦٩ظ" ضَلَلت أَضِل. وقراءة
_________________
(١) ١ لأعصر بن سعد بن قيس عيلان، وقبله: إذا ما المرء صَم فلم يكلَّم وأَعيا سمعُه إلا ندايا ولاعب بالعشي بني بنيه كفعل يلاعبهم وودوا لو سقوه من الذَّيفان مترعة إنايا فلا ذاق النعيم ولا شرابا ولا يعطَى من المرض الشفايا يحترش: يصيد، الذيقان: السم القاتل، المنصف: ٢/ ١٥٥، والخصائص: ٢/ ٢٩٢، واللسان: حما. ٢ في ك: إذا. ٣ هو عمران بن تيم، ويقال: ابن ملحان، أبو رجاء العطاردي البصري التابعي الكبير. ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، وكان مخضرمًا. أسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يره. وعرض القرآن على ابن عباس وتلقنه من أبي موسى. وروى القراءة عن عرضًا أبو الأشهب العطاردي. ومات سنة ١٠٥. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦٠٤. ٤ سورة التوبة: ٣٧.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الحسن بخلاف وابن مسعود ومجاهد١ وأبي رجاء بخلاف وقتادة وعمرو بن ميمون٢ ورواه عباس٣ عن الأعمش: "يُضَلُّ بِه".
وفيه تأويلان: إن شئت كان الفاعل اسم الله تعالى مضمرًا؛ أي: يُضل الله الذين كفروا، وإن شئت كان تقديره: يُضِل به الذين كفروا أولياءَهم وأتباعَهم.
ومن ذلك قال عباس: سألت أبا عمرو وقرأ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ٤، قال أبو عمرو٥: وفيها قراءة أخرى لا ينصب الياء "ثانِي اثنين".
قال أبو الفتح: الذي يُعمل عليه في هذا أن يكون أراد: ثانيَ اثنين كقراءة الجماعة، إلا أنه أسكن الياء تشبيهًا لها بالألف. قال أبو العباس: هو من أحسن الضرورات، حتى لو جاء به إنسان في النثر كان مصيبًا.
فإن قيل: كيف تجيزه في القرآن وهو موضع اختيار لا اضطرار؟ قيل: قد كثر عنهم جدًّا، ألا ترى إلى قوله:
كأنَّ أيديهن بالقاع القَرِق أيدي عَذَارى يتعاطَيْن الورِق٦
_________________
(١) ١ هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، أحد الأعلام من التابعين والأئمة المفسرين. قرأ على عبد الله بن السائب وعبد الله بن عباس بضعًا وعشرين ختمة، ويقال: ثلاثين عرضة. وأخذ عنه القراءة عرضًا عبد الله بن كثير وابن محيصن وحميد بن قيس وغيرهم. مات سنة ١٠٣، وقيل غير ذلك. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٤١. ٢ هو عمرو بن ميمون أبو عبد الله الأودي الكوفي التابعي الجليل. أخذ القراءة عرضًا عن عبد الله بن مسعود، وروى عن عمر بن الخطاب، وأدرك النبي -ﷺ- ولم يلقه. وروى القراءة عنه أبو إسحاق السبيعي وحصين. توفي سنة ٧٥ أو سنة ٧٤. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦٠٣. ٣ هو العباس بن الفضل بن عمرو بن الفضل بن حنظلة الواقفي الأنصاري البصري. كان من أكابر أصحاب أبي عمرو في القراءة، روى القراءة عرضًا وسماعًا عن أبي عمرو بن العلاء، وعن خارجة بن مصعب عن نافع. ورى القراءة عنه حمزة بن القاسم وغيره. توفي سنة ١٨٦. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٥٣. ٤ سورة التوبة: ٤٠. ٥ هو زبان بن العلاء بن عمار أبو عمرو التميمي المازني البصري أحد القراء السبعة، وليس فيهم أكثر شيوخًا منه. سمع أنس بن مالك وغيره، وقرأ على الحسن البصري وحميد بن قيس الأعرج وأبي العلاء رفيع بن مهران، وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا أحمد بن محمد بن عبد الله الليثي وحسين بن علي الجعفي وخارجة بن مصعب وغيرهم. ومات بالكوفة سنة ١٥٤، وقيل غير ذلك. طبقات ابن الجزري: ١/ ٢٩٠. ٦ لرؤبة. ويُروى: "جوار" مكان "عَذَارى". وضمير أيديهن للأبل، والقاع: المكان الأملس، والقرق: الخشن الذي فيه الحصى، والورق: الدراهم. شبه حذف مناسم الإبل للحصى بحذف عذارى يلعبن بدراهم. انظر: شرح شواهد الشافية: ٤٠٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقول الآخر:
حُدْبًا حدابير من الوَخْشَنَّ تركْن راعيهن مثلَ الشَّنّ١
وقال رؤبة، أنشدَناه أبو علي:
سَوَّى مساحيهن تقطيطَ الْحُقَق تَفْليلُ ما قارعْن من سُمْر الطُّرَق٢
وقال الأعشى:
إذا كان هادي الفتى في البلا د صدرُ القناة أطاع الأميرا٣
وقد جاء عنهم في النثر قولهم: لا أكلمك حَيْرِي٤ دهر، كذا يقول أصحابنا، ولي أنا فيه مذهب غير هذا؛ وهو أن يكون أراد حِيريّ دهر بالتشديد، ثم خفف الكلمة فحذف ياءها الثانية وقد كانت الأولى المدغمة فيها ساكنة، فأقرها على سكونها تلفتًا إلى الياء المحذوفة الثانية؛ لأنها في حكم الثبات كما صحح الآخَرُ الواو في العواور٥؛ لأنه إنما يريد العواوير، فلما حذف الياء وهي عنده في حكم الثبات أقر الواو على صحتها دلالة على أنه يريد الياء.
ومثله أيضًا ما جاء عنهم من تخفيف ياء لا سيما؛ وذلك أن السِّيّ فِعْل من سوّيت، وأصله سِوْي، فقلبت الواو ياء لسكونها مكسورًا ما قبلها، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعًا، فلما حذفت الياء التي هي لام وانفتحت الياء بالتاء فتحة اللام عليها كان يجب أن يرجع واوًا
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٢٦ من هذا الجزء. ٢ لرؤبة يصف أتنًا وحمارًا. والمساحي: جمع مسحاة؛ وهي الآلة التي يسحى بها؛ أي: يقشر، وأراد بالمساحي هنا حوافر الأتن؛ لأنها لشدة وطئها تسحو الأرض، والتقطيط: قطع الشيء وتسويته، ونصبه على المصدر المشبه به؛ لأن معنى سوى وقطط واحد، والحقق: جمع حقة الطيب، والطرق: جمع طرقة؛ وهي حجارة بعضها فوق بعض، ووصف الطرق بالسمرة لأنها أصلب. يريد: أن الحجارة سوت حوافر الأتن كأنما قططت تقطيط الحقق. الديوان: ١٠٦، والكتاب: ٢/ ٥٥، وسمط اللآلي: ٣٢٢، واللسان "قطط". ٣ من قصيدة في مدح هوذة بن علي الحنفي. صدر القناة: أعلى العصا التي يقبض عليها لأنه أعمى، والأمير: الذي يقوده ويأمره. الديوان: ٩٥. ٤ في القاموس: مشددة الآخر، وتكسر الحاء، وحيري دهر ساكنة الآخر وتنصب مخففة؛ أي: مدة الدهر. ٥ يشير إلى قول جندل بن المثنى الطهوي: غرَّكِ أن تقاربت أبا عرى وأن رأيت الدهر ذا الدوائر حنى عظامي وأُراه ثاعري وكحل العينين بالعواور وتقارت أبا عرى: قلت: فقرب بعضها من بعض لقلتها، أو قربت من الدناءة، من قولك: شيء مقارب إذا كان دونًا، وثاغري: مسقط أسناني، والعواور: جمع العوار؛ وهو الرمد. وانظر: الخصائص: ١/ ١٩٥، وشرح شواهد الشافية: ٣٧٤.
[ ١ / ٢٩٠ ]
لأنها عين، أو تصح كما صحت في عِوَض وحِوَل، وأن تقول: لا سِوَما زيد؛ لكنه أقرها على قلبها دلالة على أنه يريد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت لأنها الآن قد وقعت طرفًا فضعفت، فهذا كله ونظائر له كثيرة ألغينا ذكرها؛ لئلا يمتد الكتاب باقتصاصها تشهد بأن يكون قولهم: لا أكلمك حِيرِي دهر، إنما أُسكنت ياؤه لإرداة التثقيل في حيرِيّ دهر، غير أن الجماعة تلقته على ظاهره.
وشواهد سكون هذه الياء في موضع النصب فاشٍ في الشعر، فإذا كثر هذه الكثرة وتقبَّله أبو العباس ذلك التقبل ساغ حمل تلك القراءة عليه.
يؤكد ذلك "٧٠و" أيضًا أنك لو رُمت قطعه ورفعه على ابتداء؛ أي: هو ثاني اثنين؛ لتقطَّع الكلام، وفارقه مألوف السديد من النظام، وإنما المعنى: إلا تنصروه فقد نصره الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ بدل من قوله جل وعز: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
فإن قلت: فإن وقت إخراج الذين كفروا له قبل حصوله -ﷺ- في الغار، فكيف يُبدَل منه وليس هو هو، ولا هو أيضًا بعضه، ولا هو أيضًا من بدل الاشتمال؟ ومعاذ الله أن يكون من بدل الغلط، قيل: إذا تقارب الزمانان وُضع أحدهما موضع صاحبه، ألا تراك تقول: شكرتك إذ أحسنت إلَيَّ، وإنما كان الشكر سببًا عن الإحسان، فزمان الإحسان قبل زمان الشكر، فأعملت شكرت في زمان لم يقع الشكر فيه.
ومن شرط الظرف العامل فيه الفعل أن يكون ذلك الفعل واقعًا في ذلك الزمان؛ كزرتك في يوم الجمعة، وجلست عندك يوم السبت؛ لكنه لما تجاور الزمانان وتقاربا جاز عمل الفعل في زمان لم يقع فيه لكنه قريب منه. وقد مر بنا هذا الحكم في المواضع أيضًا. قال زياد بن منقذ:
وهُمْ إذا الخيل جالوا في كواثبها فوارسُ الخيل ولا مِيلٌ ولا قَزَم١
وإنما مقعد الفارس في صهوة الفرس لا في كاثبته؛ لأن المكانين لما تجاورا استُعمل أحدهما موضع الآخر، ألا ترى إلى قول النابغة:
إذا عرَّضوا الْخَطيّ فوق الكواثب٢
_________________
(١) ١ الكواثب: جمع الكاثبة؛ وهي من الفرس ما بين أصل العنق والكتفين، والميل: جمع الأميل؛ وهو الجبان، والقزم: رذال الناس للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وقد يثنى ويجمع ويؤنث. والبيت في الصحاح واللسان "قزم". ٢ صدره: لهن عليهم عادة قد عرفنها ويُروى: "عرض" مكان "عرضوا". وانظر: اللسان والأساس "كثب".
[ ١ / ٢٩١ ]
ومحال أن يجلس الفارس موضع عرض الرمح من أدنى معرفة الفرس، فافهم بما ذكرنا ما مضى.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "لَوُ اسْتَطَعْنَا"١ بضم الواو.
قال أبو الفتح: شبهت واو "لو" هذه بواو جماعة ضمير المذكرين، فضُمت كما تلك مضمومة في قول الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ ٢، وكذلك شبهت واو الجمع هذه بواو "لو" فكُسرت؛ وذلك على من قرأ: "فَتَمَنَّوِا الْمَوْتَ"، و"الَّذِينَ اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ"٣.
وهناك قراءة أخرى: "اشتروَا٤ الضلالة" بفتح الواو لالتقاء الساكنين، فلو قرأ قارئ متقدم: "لوَ استطعنا" بفتح الواو لكان محمولًا على قول من قال: "اشْتَرَوَا الضَّلالَةَ"، فأما الآن فلا عذر لأحد أن يرتجل قراءة وإن سوغتها العربية، من حيث كانت القراءة سُنة متَّبعة.
ومن ذلك ما رواه ابن وهب عن حرملة بن عمران أنه سمع محمد بن عبد الملك يقرأ: "لَأَعدُّوا له عُدَّهُ"٥.
قال أبو الفتح: المستعمل في هذا المعنى العُدَّة بالتاء، ولم يمرر بنا في هذا الموضع العُدّ، إنما العُدّ: البَثْر يخرج في الوجه.
وطريقه أن يكون أراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته: أي تأَهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير كالعوض منها. وهذا عندي أحسن مما ذهب إليه الفراء في معناه؛ وذلك أنه ذهب في قول الله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ ٦ إلى أنه أراد: إقامة الصلاة، إلا أنه حذف هاء الإقامة لإضافة الاسم إلى الصلاة.
وإنما صار ما ذهبتُ إليه أقوى لأني أقمت الضمير والمجرور مُقام تاء التأنيث، والمضمر المجرور شديد الحاجة إلى ما جره من موضعين: "٧٠ظ" أحدهما: حاجة المجرور إلى ما جره، ألا تراه لا يُفصل بينهما ولا يُقدم المجرور على ما جره؟ والآخر: أن المجرور في "عُدَّهُ" مضمر، والمضمر
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٤٢. ٢ سورة البقرة: ٩٤، وسورة الجمعة: ٦. ٣ سورة البقرة: ١٦. ٤ قراءة "اشتروَا" بفتح الواو هي قراءة أبي السمال قعنب، كما في البحر: ١/ ٧١. ٥ سورة التوبة: ٤٦. ٦ سورة النور: ٣٧.
[ ١ / ٢٩٢ ]
المجرور أضعف من المظهر المجرور للطف الضمير عن قيامه بنفسه، وليست الصلاة بمضمرة١؛ فتضعف ضعف هاء "عُدَّهُ"، فبقدر ضعف الشيء وحاجته إلى ما قبله ما٢ يكاد يُعتد جزءًا منه، فيَخلف جزءًا محذوفًا من جملته، فافهم ذلك.
وأما أصحابنا فعندهم أن الإقام مصدر أقمت كالإقامة، وليس مذهبنا فيه كما ظنه الفراء.
ومن ذلك قراءة ابن الزبير: "ولَأَرْقَصوا خِلالَكم"٣.
قال أبو الفتح: هذا هو معنى القراءة المشهورة التي هي: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾، يقال: وضع البعير يضع وأوضعته أنا أي: أسرعت به، وكذلك الرقْص والرقَص والرقَصان، يقال: رقص وأرقصته أنا، قال:
يا ليتني فيها جَذَعْ أَخُب فيها وأَضَعْ
كأَنني شاة صَدَعْ٤
وقال حسان:
بزجاجة رَقَصَت بما في دنِّها رقَصَ القَلوص براكب مستعجل٥
وفي الخبر: فإذا راكب يوضِع؛ أي: يحث راحلته. وقال جميل:
بماذا تردِّين امرأً جاء لا يرى كوُدِّكِ وُدًّا قد أَكلَّ وأوضعا٦
ولا يقال: رقص إلا للاعب أو للإبل، وشبهت الخمر بذلك.
_________________
(١) ١ في ك: مضمرة. ٢ ما زائدة. ٣ سورة التوبة: ٤٧، وفي تفسير البحر ٥/ ٤٩، وشواذ القراءات للكرماني ١٠١، قراءة أخرى لابن الزبير: "لأرفضوا" بالراء، من رفض: أسرع في مشيه رفضًا ورفضانًا، ثم استشهاد ببيت حسان الآتي: وفيه "رفضت" مكان "رقصت"، و"رفض" مكان "رقص". ٤ لدريد بن الصمة، ويُروى بعد البيت الثالث: أقود وطفاء الزمع ويُروى: "كأنها "مكان "كأنني". وشاة صدع: شابة قوية. انظر: التاج "جذع"، واقتصر في تفسير البحر ٥/ ٤٩ على البيتين: الأول والثاني. ٥ الديوان: ٨٠. ٦ لم أجده في ديوانه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ١، وقرأ طلحة بن أَعيَن قاضي الري: "قل لن يُصيِّبنا" مشددًا.
قال أبو الفتح: ظاهر أمر عين أصاب يُصيب أنها واو؛ ولذلك قالوا في جمع مصيبة: مَصَاوب بالواو، وهي القوية القياسية. فأما مصائب بالهمز فلغط من العرب؛ كهمزهم حلأت٢ السويق، ورثأث٣ زوجي، ونحو ذلك مما هُمز ولا أصل له في الهمز، وواحد المصايب مصيبة ومَصُوبة ومُصاب ومصابة.
وأنا أرى أن تكون مصايب جمع مُصاب؛ لأن الألف هنا وإن كانت بدلًا من العين فإنها أشبه بألف رسالة التي يقال في تكسيرها: رسايل؛ وذلك أن الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة ولا في الأفعال؛ إنما تكون زائدة أو بدلًا، وليست كذلك الياء والواو؛ لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعًا كما يكونان بدلين وزائدتين، فألف مصاب ومصابة أشبه بالزائد من ياء مصيبة وواو مصوبة، فافهم ذلك، فإن أحدًا من إخواننا لم يذكره.
وبعد، فقد مر بنا في تركيب ص ي ب في هذا المعنى، فإنهم قد قالوا: أصاب السهم الهدف يَصيبه كباعه يَبيعه، ومنه قول الكميت:
أَسهُمها الصائداتُ والصُّيُبُ٤
فعلى هذا ومن هذا الأصل تكون قراءة طلحة بالياء، فيكون يفعِّلنا منه، فيصيّب على هذا كيُسيّر ويُبيّع، وقد يجوز أيضًا أن يكون يصيّبنا من لفظ ص وب، إلا أنه بناه على فَيْعَل يُفَيْعل، وأصله على هذا يُصَيْوبنا، فاجتمعت الياء والواو وسَبقت الياء بالسكون فقلبت الواو ياء وأُدغمت فيها الياء فصارت يصيّبنا. ومثله قوله: تحيّز، وهو تفعيل من حاز يحوز، والوجه ما قدمناه؛ لأن فَعَل في الكلام أكثر "٧١و" من فيعل.
ويجوز وجه آخر؛ وهو أن يكون من الواو، إلا أنه لما كثر يُصِيب والمصيبة أُنِس بالياء؛ لكثرة الاستعمال، ولخفتها عن الواو كما قالوا: دِيمة ودِيَم، فلما كثر ذلك وكانت الياء أخف من الواو مروا عليها فقالوا: دامت السماء تَديم.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٥١. ٢ حلأت السويق: حليته. ٣ رثأث: رثيت. ٤ رواه اللسان "صيب"، واقتصر على هذا الشطر، والصيب: جمع صيوب بمعنى صائب.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ولا يحسن أن يُذهب في هذا إلى قول الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه: إنه فعِل يفعِل؛ لقلة ذلك ووجود المندوحة عنه في قولهم: هذا أَتيه منه وأَطيح منه، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة الناس: "إلَّا إحْدى"١ غير ابنت محيصن، فإنه كان يصلها ويسقط الهمزة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك فيما مضى في قراءة ابن محيصن أيضًا في سورة الأعراف.
ومن ذلك قراءة: ﴿مَغَارَاتٍ﴾ ٢، وقرأ سعد بن عبد الرحمن بن عوف: "مُغَارات".
قال أبو الفتح: أما "مغارات" على قراءة الناس فجمع مَغارة أو مَغار، وجاز أن يجمع مغارات بالتاء وإن كان مذكرًا لأنه لا يعقل، ومثله إوان٣ وإوانات، وجمل سِبَطر٤ وجِمال سِبطرات، وحمَّام وحمامات. وقد ذكرنا هذا ونحوه في تفسير ديون المتنبي عند قوله:
ففي الناس بُوقاتٌ لها وطبول٥
ومَغار مَفْعَل من غار الشيء يغور.
وأما مُغَارات فجمع مُغَار، وليس من أَغرت على العدو؛ ولكنه من غار الشيء ويغور، وأَغرته أنا أُغيره، كقولك: غاب يغيب وأَغَبته، فكأنه: لو يجدون ملجأ أو أمكنة يُغيرون فيها أشخاصهم ويسترون أنفسهم، وهذا واضح.
ويؤكد ذلك قراءة مسلمة٦ بن محارب: "مُدْخَلًا"٧ أي: مكانًا يُدخلون فيه أنفسهم، ورويت عن أبي بن كعب٨: "أو مندخلًا"، وهو من قول الشاعر:
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٥٢. ٢ سورة التوبة: ٥٧. ٣ الإوان: الإيوان؛ وهو الصفة العظيمة. ٤ جمل سبطر: طويل على وجه الأرض. ٥ صدره: إذا كان بعض الناس سيفًا لدولة من قصيدة في مدح سيف الدولة. الديوان: ٢/ ٨٧. ٦ هو مسلمة بن عبد الله بن محارب، أبو عبد الله الفهري البصري النحوي، له اختيار في القراءة. قال ابن الجزري: لا أعلم على مَن قرأ. قرأ عليه شهاب بن شرنفة، وكان مع ابن أبي إسحاق وأبي عمرو بن العلاء. وكان من العلماء بالعربية. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٩٨. ٧ سورة التوبة: ٥٧. ٨ هو أبي بن كعب بن قيس، أبو المنذر الأنصاري المدني، سيد القراء بالاستحقاق، وأقرأ هذه الأمة على الإطلاق. قرأ على النبي -ﷺ- القرآن العظيم، وقرأ عليه النبي -ﷺ- بعض القرآن للإرشاد والتعليم، وقرأ عليه ابن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن السائب وغيرهم. واختلف في موته؛ فقيل: سنة ٢٩، وقيل: سنة ٢٠، وقيل غير ذلك، واختار ابن الجزري أنه مات قبل مقتل عثمان بجمعة أو شهر. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١.
[ ١ / ٢٩٥ ]
ولا يدي في حميت السكن تندخل١
ومنفعل في هذا شاذ؛ لأن ثلاثيه غير متعد عندنا.
ومن ذلك ما رواه الأعمش قال: سمعت أنَسًا٢ يقرأ: "لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمِزون"، قيل له: وما يجمزون؟ إنما هي "يجمحون"، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك؛ لكنه لموافقته صاحبه في المعنى. وهذا موضع يجد الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنًا، فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي -صلى الله عليه سلم- ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ؛ إذ لم يثبت التخيير في ذلك عنه، ولما أنكر أيضًا عليه: "يجمزون"، إلا أن حُسْنَ الظن بأَنَس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التي هي: "يجمحون" و"يجمزون" و"يشتدون"، فيقول: اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبي -ﷺ- لقوله ﵇: نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ.
فإن قيل: لو كانت هذه الأحرف مقروءًا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل إلينا، وقيل: أَوَلَا يكفيك أنس موصِّلًا لها إلينا؟ فإن قيل: ان أنسًا لم يحكها قراءة؛ وإنما جمع بينها في المعنى، واعتل في جواز القراءة بذلك لا بأنه رواها قراءة متقدمة. قيل: قد سبق من ذكر حسن الظن ما هو جواب عن هذا.
ونحوٌ من هذه الحكاية "٧١ظ" ما يُروى عن أبي مَهدية٣ من أنه كان إذا أراد الأذان قال: الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين كذلك إلى آخر الأذان، ينطق من ذلك بالمرة الواحدة، ويقول في إثرها: مرتين كما ترى، فيقال له: ليس هكذا الأذان، إنما هو كذا، فيقول: المعنى واحد، وقد علمتم أن التَّكْرَارَ عِيٌّ.
_________________
(١) ١ للكميت، وصدره: لا خطوتي تتعتاطى غير موضعها ويُروى: "السمن" مكان "السكن". والحميت: الزق الذي لا شعر عليه، وهو للسمن، والسكن: أهل الدار، جمع ساكن. انظر: المنصف: ١/ ٧٢، والبحر المحيط: ٥/ ٥٥، واللسان "دخل". ٢ هو أنس بن مالك الأنصاري، أبو حمزة، صاحب النبي -ﷺ- وخادمه. روى عنه سماعًا، وقرأ عليه قتادة والزهري. توفي سنة ٩١. طبقات ابن الجزري: ١/ ١٧٢. ٣ أعرابي صاحب غريب، يروي عنه أهل البصرة، وكان يهيج به المبرد كل سنة مديدة. الفهرست: ٦٩، وانظر أخباره في العقد: ٣/ ٤٨٨.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وهذا لعمري مسموع من أبي مَهدية إلا أنه كان مدخولًا، ألا ترى أن أبا محمد يحيى بن المبارك اليزيدي١ وخلفًا الأحمر٢ لما أنفذهما إليه أبو عمرو ليسألاه عن شيء من اللغة لخلاف جرى بينه وبين عيسى بن عمر٣ أتياه وهو يخاطب الشياطين في صلاته: اخسأنانَّ عني، اخسأنان عني٤.
وكذلك قول ذي الرمة:
وظاهِرْ لها من يابس الشخت٥
فقيل له: أنشدتنا بائس فقال: يابس بائس واحد. وهذا شعر ليست٦ عليه مضايقة الشرع.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: كان يحضر ابنَ الأعرابي شيخٌ من أهل مجلسه، فسمعه يومًا ينشد:
وموضِعِ زَبْنٍ لا أُريد بَراحه كأني به من شدة الروع آنس٧
_________________
(١) ١ هو يحيى بن المبارك بن المغيرة الإمام أبو محمد العدوي المعروف باليزيدي، نحوي مقرئ ثقة علامة كبير. أخذ القراءة عرضًا عن أبي عمرو، وهو الذي خلفه بالقيام بها، وأخذ أيضًا عن حمزة. وروى القراءة عنه أولاده وغيرهم. وكان فصيحًا بارعًا في اللغات والآداب، أخذ عن الخليل وغيره. وله عدة تصانيف. توفي سنة ٢٠٢ بمرو، وله أربع وسبعون سنة. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٧٥. ٢ هو خلف الأحمر بن حيان بن محرز مولى بلال بن أبي بن أبي موسى الأشعري. وهو أحد رواة الغريب واللغة والشعر ونقاده والعلماء به وبقائليه وصناعته وله صنعة فيه، وليس في رواة الشعر أحد أشعر منه. إنباه الرواة: ١/ ٣٤٨. ٣ هو عيسى بن عمر أبو عمر الثقفي النحوي البصري، معلم النحو ومؤلف الجامع والإكمال. عرض القرآن على عبد الله بن أبي إسحاق وعاصم الجحدري، وروى عن ابن كثير وابن محيصن حروفًا. وله اختيار في القراءات على قياس العربية. وروى القراءة عنه أحمد بن موسى اللؤلئي وهارون بن موسى وعبد الملك بن قريب والخليل بن أحمد وغيرهم. وتوفي سنة ١٤٩. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦١٣. ٤ ترى الخبر في مجالس العلماء: ١. ٥ هو من قوله: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن عليها الصَّبا واجعل يديك لها سترا والمظاهرة: جعل شيء فوق شيء، يخاطب صاحبه المذكور في بيت سابق، وضمير "لها" عائد على النار التي أوقداها، والشخت: الدقيق، يريد به الحطب هنا. وانظر: الديوان: ١٧٦. ٦ في ك: ليس. ٧ للمرقش الأكبر، ويُروى شطره الأول: ومنزل ضنك لا أريد مبيته يقول: أنست بهذا المنزل لما نزلت به من شدة ما بي الروع وإن كان ضيقًا ليس بموضع نزول. وانظر: المفضليات: ٢٢٤، والخصائص: ٢/ ٤٦٧.
[ ١ / ٢٩٧ ]
فقال له الشيخ: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيد الله، فقال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيق، فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبْن والضيق شيء واحد؟ فهذا لعمري شائع؛ لأنه شعر وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دِينًا ولا عملًا مسنونًا.
ومن ذلك ما حكاه ابن أبي عبيدة بن معاوية بن قُرْمُل١ عن أبيه عن جده -وكانت له صحبة- أنه قرأ: "لَوالَوْا إليه"٢ بالألف وفتحة اللام الثانية.
قال أبو الفتح: هذا مما اعتقب عليه فَاعَل وفَعَّل؛ أعني: وَالَوا ووَلَّوا، ومثله ضعَّفت وضاعفت الشيء، ووصَّلت الحديث وواصلته، وسوَّفت الرجل وساوفته، ومن أبيات الكتاب:
لو ساوَفَتْنا بِسُوف من تحيتها سوْفَ العيوف لراح الركب قد قنِعوا٣
سوف العيوف: مصدر محذوف الزيادة؛ أي: مساوفة العيوف.
ومن ذلك ما رُوي عن مجاهد: "إِنْ تُعْفَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ" بالتاء المضمومة "تُعَذَّبْ طَائِفَة"٤.
قال أبو الفتح: الوجه "يُعْفَ" بالياء لتذكير الظروف، كقولك: سِيرَت الدابة وسِير بالدابة٥، وقُصدت هند وقُصد إلى هند؛ لكنه حمله على المعنى فأنث "تُعْفَ"، حتى كأنه قال: إن تُسامَح طائفة أو إن تُرحم طائفة. وزاد في الأُنس بذلك مجيء التأنيث يليه، وهو قوله: "تُعَذِّبْ طَائِفَةَ"، والحمل على المعنى أوسع وأفشى، منه ما مضى، ومنه ما سترى.
ومن ذلك ما يُروى عن مالك بن دينار٦: "فاقعُدوا مع الخَلِفين"٧ بغير ألف.
_________________
(١) ١ في أسد الغابة ٤/ ٣٨٨: معاوية بن قرمل المحاربي مذكور في الصحابة. ٢ سورة التوبة: ٥٧. ٣ ساوفتنا: وعدتنا وعدًا مستأنفًا، والعيوف: الكاره للشيء، يريد: لو وعدتنا بتحية مستقبلة وإن لم تفِ بها لقنعنا. ورواية الكتاب ٢/ ٣٠١: قد قنع، يُستشهد به على حذف واو الجماعة، كما تحذف الواو الزائدة إن لم يريدوا الترنم، وهذا قبيح. ٤ سورة التوبة: ٦٦. ٥ يقال: سارها وسار بها. ٦ هو مالك بن دينار أبو يحيى البصري، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، سمع أنس بن مالك، وكان أحفظ الناس للقرآن، مات سنة ١٢٧. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٦. ٧ سورة التوبة: ٨٣.
[ ١ / ٢٩٨ ]
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون مقصورًا من "الخالفين" كقراءة الجماعة، وقد جاء نحو هذا، قال الراجز:
أصبح قلبي صَرِدَا لا يشتهي أن يَردا
ألا عَرَادا عَرِدا وصِلِّيانا برِدا
وعَنْكثا ملتبِدا١
يريد: عارِدا٢ وبارِدا، كما قال أبو النجم:
كأن في الفُرْشِ القَتَاد العاردا٣ "٧٢و"
وقد حذفت الألف حشوًا في غير موضع. قال:
مثل النَّقا لبده ضرب الطِّلل٤
يريد: الطِّلال٥، كقول القُحَيف:
دِيار الحي تضربها الطِّلال بها أَنَس من الخافي ومالُ٦
وروينا عن قطرب:
ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما الله بارك في الرجال٧
يريد: لا بارك الله، فحذف الألف قبل الهاء. وينبغي أن يكون ألف فعال؛ لأنها زائدة، كقوله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٨، ولا تكون الألف التي هي عين فَعَل في أحد قولي سيبويه: إن أصله: لاهٌ كناب؛ لأن الزائد أولى بالحذف من الأصلي. وقد
حذفوا الواو حشوًا أيضًا قالوا:
إن الفَقِير بيننا قاضٍ حَكَم أن تَرِد الماء إذا غاب النُّجُم٩
_________________
(١) ١ العراد والصليان والعنكث: من نبات البادية. وفي التكملة: قوله: "بردا" تصحيف من القدماء فتبعهم فيه الخلف. والرواية "زردا"؛ وهو السريع الازدراد؛ أي: الابتلاع. ذكره أبو محمد الأعرابي. الخصائص: ٦٥٢، واللسان "عرد". ٢ العارد: الطويل المرتفع، من عَرَدَ النبات وغيره يعرُد، كينصر. ٣ القتادة كسحاب: شجر صُلْب له شوكة كالإبر. ٤ انظر: الخصائص: ٢/ ٣٦٥، والنقا من الرمل: القطعة تنقاد محدودبة. ٥ جمع الطل؛ وهو المطر الضعيف. ٦ يُروى: "يضربها" مكان "تضربها"، و"أهل" مكان "أنس"، و"الجافي" مكان "الخافي"، والأنس محركة: الجماعة الكثيرة والحي المقيمون، والخافي بالخاء: الجن،’ وبالجيم: من جفاه إذا بعد عنه، أو من جفا عليه إذا ثقل، أو من جفا ماله إذا لم يلازمه. وانظر: التاج "طلل". ٧ انظر: الخصائص: ١٤٣، واللسان "أله". ٨ سورة الناس: ٣. ٩ يُروى: إن الذي قضى بذا قاض حكم ويُروى: "غار" مكان "غاب". انظر: الخصائص: ١٣٤، وتفسير البحر: ٥/ ٤٨١.
[ ١ / ٢٩٩ ]
يريد: النجوم. وقال الأخطل:
كلَمْع أيدي مثاكيل مُسلِّبَةٍ يندبْنَ ضَرْس بنات الدهر والْخُطُب١
يريد: الخطوب. وقد حُذفت الياء أيضًا نحو قول عبيد الله بن الحر:
وبُدِّلتْ بعد الزعفران وطيبه صدا الدِّرع من مستحكِمات المسامر
يريد: المسامير. وقال الآخر:
والبكرات الفسج العطامسا٢
يريد: العطاميس.
فكما حُذفت حروف اللين من هذا ونحوه مما تركناه إجمامًا بحذفه، فكذلك تحذف الألف من "الخالفين" فيصير "الخَلِفين".
ومن ذلك قراءة عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وسلام٣ وسعيد٤ بن أسعد ويعقوب بن طلحة وعيسى٥ الكوفي: "مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ"٦.
قال أبو الفتح: الأنصار معطوف على قوله: "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ".
_________________
(١) ١ من قصيدة له في مدح الوليد بن عبد الملك. ولمع بيده كمنع: أشار، والمثاكيل: جمع مثكل من أثكلت أي: لزمها الثكل، وقد تكون جمع مثكال لكثيرة الثكل، والمسلبة: اللابسة السلاب؛ وهو ثوب الحداد، وبنات الدهر: شدائده. يصف الإبل فيذكر أنهن يرفعن أيديهن في السير، وشبه ذلك بلمع نوائح يشرن بخرق. الديوان: ١٨٨، والخصائص: ٣/ ١٣٤، واللسان "ضرس". ٢ لغيلان بن حريث الربعي، وقبله: قد قربت ساداتها الروائسا والروائس: جمع الرائسة؛ وهي المتقدمة لسرعتها ونشاطها، والبكرات: النوق الفتية، جمع البكرة، والفسج: جمع الفاسج؛ وهي هنا السمينة، والعطامس: جمع العيطموس؛ وهي هن الناقة الحسناء. انظر: الكتاب: ٢/ ١١٩، والخصائص: ٢/ ٦٢. ٣ هو سلام بن سليمان الطويل أبو المنذر المزني مولاهم البصري ثم الكوفي، ثقة جليل ومقرئ كبير. أخذ القراءة عرضًا عن عاصم بن أبي النجود وأبي عمرو بن العلاء وعاصم وغيرهم. وقرأ عليه يعقوب الحضرمي وغيره. مات سنة ١٧١، ومن قال: إن له من العمر مائة وخمسة وثلاثين؛ فقد أبعد. طبقات القراء لابن الجزري:١/ ٣٠٩. ٤ هو سعيد بن أسعد بن حمير بن عبد الأعلى التبعي اليمني، مقرئ متصدر باليمن. قرأ بالروايات على محمد بن إبراهيم الحضرمي، وقرأ عليه ابن همدان المعجلي. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٠٥. ٥ هو عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. عرض القرآن على أبيه عن علي، وعرض عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٦٠٩. ٦ سورة التوبة: ١٠٠.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فيجوز أن يكون معطوفًا على "الأنصار" في رفعه وجره، ويجوز أن يكون معطوفًا على "السابقون"، وأن يكون معطوفًا على "الأنصار" لقربه منه.
ومن ذلك قراءة الحسن: "صَدَقَةً تُطْهِرُهُم"١ خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا منقول من طهَر وأَطهرته كظهر وأَظهرته. وقراءة الجماعة أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين؛ فذلك قرأت: "تُطَهِّرهم"، من حيث كان تشديد العين هنا إنما هو للكثير، وقد يؤدي فعلت وأَفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال تفيد أجناسها، والجنس غاية الجموع، ألا ترى أن ما أنشده الحسن من قوله:
أنت الفداءُ لقِبلة هدَّمتها ونَقَرتها بيديك كل منقَّر
ولم يقل: كل نَقْر، وهذا واضح، وعليه قراءة من قرأ: "وَأغْلَقَتِ الْأَبْوَاب"٢، وهو واضح.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: "أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ"٣ بكسر هاء "فيه" الأولى، وضم هاء "فيه" الآخرة مختَلَستين.
قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة أو ياء ساكنة، كقولك: مررت به، ونزلت عليه، وقد يجوز الضم مع الكسرة والياء، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلهما إلى أن تحدث الواو والياء بعدهما، نحو: مررت بهِي وبهُو، ونزلْتُ عليهِي وعليهُو، وهذا مشروح في أماكنه؛ لكن القول في كسر "فيه" الأولى وضم "فيه" الثانية.
والجواب "٧٢ظ" أنه لو كسرهما جميعًا أو ضمهما جميعًا لكان جميلًا حسنًا، غير أن الذي سوَّغ الخلاف بينهما عندي هو تكرير اللفظ بعينه؛ لأنه لو قال: "فيهِ فيهِ"، أو "فيهُ فيهُ" لتكرَّر اللفظ عينه ألبتة، وقد عرفنا ما عليهم في استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به، فيجعلون ما ظهر من تَجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له، نحو قولهم:
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٠٣. ٢ سورة يوسف: ٢٣، ولم أجد في المظان التي رجعت إليها ذكرًا لهذه القراءة. ٣ سورة التوبة: ١٠٨.
[ ١ / ٣٠١ ]
ضربت زيدًا ضربت، وضربت زيدًا زيدًا، وقولهم: قم قائمًا قم قائمًا، وقولهم فيما لا محالة في توكيده؛ أعني الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
ومما يدلك على قوة الكلفة عليهم في التكرير أنهم لما صاغوا ألفاظ التوكيد لم يُرَدِّدوها بأعيانها؛ وذلك كقولهم: جاءني القوم أجمعون أكتعون أبصعون، فخالفوا بين الحروف؛ لكن أعادوا حرفًا واحدًا منها تنبيهًا على عنايتهم وإعلانهم أنه موضع يختارون تجشم التكرير من أجله، وجعلوا الحرف المعاد منه لامَه لأنه مقطع، والعناية بالمقاطع أقوى منها بِمَدْرَج الألفاظ.
ألا تراهم يتسمحون بحشو البيت في اختلافه، فإذا وصلوا إلى القافية راعوها ووفَّقوا بين أحكامها؛ أعني: في الروي والوصل والخروج والرِّدْف والتأسيس والحركات؟ وسبب ذلك أنه مقطع، والمعول في أكثر الأمر عليه.
ومنه إجماع الناس في الدعاء على أن يقولوا: اختِم بخير، ومنه قول الله سبحانه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ١ أي: طَعْم مقطعه في طيب رائحة المسك، وهذا ألطف معنى من أن يكون المراد به أن هناك خاتمًا عليه، وأنه من مسك.
ومن تجنب التكرير قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ ٢، ولم يقل: من بعد الفتح؛ تجنبًا للتكرير؛ ولهذا -في التكرير وكراهيتهم إياه إلا فيما يدُلُّون بتجشمهم تكريره على قوة اهتمامهم بما هم بسبيله- نظائر، وفيما ذكرنا كافٍ، فعلى هذا تكون هذه القراءة التي هي: "فيهِ فيهُ" اختيرت لوقوع الخلاف بين الحرفين على ما ذكرنا.
فإن قيل: فَلِمَ كُسر الأول وضُم الآخر وهلا عُكس الأمر؟ ففيه قولان؛ أحدهما: أن الكسر في نحو هذا أفشى في اللغة فقُدِّم، والضم أقل استعمالًا فأُخر، والثاني: وهو أغمض؛ وهو أن "فيه" الأولى ليست في موضع رفع؛ بل هي منصوبة الموضع بقوله تعالى: "تَقُوم" من قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، و"فيه" من قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ في موضع الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه، والمبتدأ "رجال"، و"فيه" خبر عنه، فهو مرفوع الموضع، فلما كان كذلك سُبقت الضمة لتصور معنى الظرف.
_________________
(١) ١ سورة المطففين: ٢٦. ٢ سورة الحديد: ١٠.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ومعاذ الله أن نقول: إن ضمة الهاء من "فيه" عَلَم رفع، كيف ذلك والهاء مجرورة الموضع "بفي"؟ نعم وهي اسم مضمر، والمضمر لا إعراب في شيء منه، وهي أيضًا مكسورة في أكثر اللغة، هل يجوز أن يظن أحد أن الضمة فيها علَم رفع؟ لكن الكلمة مرفوعة الموضع، وتصوُّر معنى الرفع فيها أسبق إلى اللفظ، كما ذهب بعضهم في ضمة تاء المتكلم في نحو: قمتُ وذهبتُ إلى أنها إنما بُنيت "٧٣و" على الضم لَمْحا لموضعها من الإعراب؛ إذ هي مرفوعة، وكانت أقوى من تاء المذكر والمؤنث في نحو: قمتَ وقمتِ؛ فكانت لذلك أحق بذلك.
وليس الظرف هنا وصفًا لمسجد؛ بل هو على الاسئناف، والوقف عندنا على قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، ثم استؤنف الكلام فقيل: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ . وهذا أولى من أن يُجعل الظرف وصفًا "لمسجد"؛ لما فيه من الفصل بين النكرة وصفتها بالخبر الذي هو "أحق"، ولأنك إذا استأنفت صار هناك كلامان، فكان أفخر من الوصف من حيث كانت الصفة مع موصوفها كالجزء الواحد.
ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم١ بخلاف: "أفمن أَسَسُ بُنْيانِه خيرٌ أم من أَسَسُ بُنيانِه"٢ في وزن فَعَل، وقرأ: "أَساسُ بُنْيَانِه" بفتح الألف وألف بين السينين نصر بن علي٣ بخلاف، ورُوي عنه أيضًا: "أُسُّ بُنْيانِه" برفع الألف وخفض النون في "بنيانه" والسين مشددة.
قال أبو الفتح: يقال: هو أس الحائط وأساسه، فُعْل وفَعَال. وقد قالوا: له أَسّ بفتح الألف، وقد أَسّ البناء يؤسه أَسًّا: إذا بناه على أساس، وقالوا في جمع أُس: آساس، كقفل وأقفال، وقالوا في جمع أساس: إساس وأُسُس، ونظير أساس وإساس ناقة هِجان٤ ونوق هِجَان، ودرع دِلاص٥ وأدرع دِلاص، وإن كان هذا مكسور الأول، فإن فَعَالًا وفِعَالًا تجريان مجرى المثال الواحد، ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيًّا وفيه الألف زائدة ثالثة؟ وقد اعتقبا أيضًا
_________________
(١) ١ هو نصر بن عاصم الليثي، ويقال: الدؤلي البصري النحوي، تابعي سمع من مالك بن الحويرث وغيره، وعرض القرآن على أبي الأسود، وروى القراءة عنه عرضًا أبو عمرو وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وروى عنه الحروف عون العقيلي ومالك بن دينار. توفي قبل سنة مائة، وقيل: مات سنة تسعين. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٣٦. ٢ سورة التوبة: ١٠٩. ٣ هو نصر بن علي أبو حفص الحضيني، روى الحروف عن حفص بن سليمان عن عاصم. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٣٨. ٤ ناقة هجان: بيضاء. ٥ درع دلاص: ملساء لينة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
على المعنى الواحد فقالوا: أَوان وإِوان، ودَواء ودِواء، وحَصاد وحِصاد، وجَزَاز١ وجِزَاز، وجَرَام٢ وجِرَام.
وقد يجوز أن يكون إِسَاس جمع أُسّ كبُرد وبِرَاد، وقد يجوز أن يكون حمع أَس كفَرخ وفراخ، وأما أُسُس فجع أساس كقُذُل وقَذَال٣. قال كَذَّاب بني الحِرْماز:
وأُس مجد ثابتٌ وطيد نال السماءَ فرعُه المديد٤
ومن ذلك ما حكاه ابن سلام قال: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ: "على تقوًى من الله"٥، قلت: على أي شيء نوَّن؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل نوَّن أحد غيره؟ قال: لا.
قال أبو الفتح: أخبرنا بهذه الحكاية أبو بكر جعفر بن علي بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الْحُبَاب عن محمد بن سلام. فأما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة فإن قياسه أن تكون ألفه للإلحاق لا للتأنيث، كتَتْرًى٦ فيمن نون٧ وجعلها ملحقة بجعفر.
وكان الأشبه بقدر سيبويه ألا يقف في قياس ذلك، وألا يقول: لا أدري، ولولا أن هذه الحكاية رواها ابن مجاهد ورويناها عن شيخنا أبي بكر لتوقفت فيها. فأما أن يقول سيبويه: لم يقرأ بها أحد فجائز؛ يعني: فيما سمعه؛ لكن لا عذر له في أن يقول: لا أدري؛ لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما شرحنا من كون ألفه للإلحاق.
ومن ذلك قراءة الجماعة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ ٨، وفي قراءة أُبي وعبد الله بن مسعود، ويُروى أيضًا عن الأعمش: "التائبين العابدين".
_________________
(١) ١ الجزاز: الحصاد. ٢ الجرام: القطع. ٣ القذال: جماع مؤخَّر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية. ٤ رُوي: "مديد" مكان "المديد". وانظر: اللسان "أس". ٥ سورة التوبة: ١٠٩. ٦ من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ في سورة المؤمنون: ٤٤. ٧ قرأ بالتنوين ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر. إتحاف فضلاء البشر: ١٩٥. ٨ سورة التوبة: ١١٢.
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال أبو الفتح: أما رفع ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ فعلى "٧٣ظ" قطع واستئناف؛ أي: هم التائبون العابدون. وأما "التائبين العابدين" فيحتمل أن يكون جرًّا وأن يكون نصبًا: أما الجر فعلى أن يكون وصفًا للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ "التائبين العابدين"، وأما النصب فعلى إضمار فعل لمعنى المدح؛ كأنه قال: أعني أو أمدح "التائبين العابدين"، كما أنك مع الرفع أضمرت الرافع لمعنى المدح.
ومن ذلك قراءة طلحة: "وما يَسْتَغْفِرُ إبراهيمُ لأَبيه"٢، ورويت عنه أيضًا: "وما استَغفر إبراهيمُ لأَبيه".
قال أبو الفتح: أما "يَسْتَغْفِر" فعلى حكاية الحال، كقولك: كان زيد سيقوم، وإن كان متوقعًا منه القيام، وحكاية الحال فاشية في اللغة؛ منها قول الله ﷿: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٣، ولم يقل: أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه؛ وذلك أنه تعالى لما حكى الحال الماضية صار النبي -ﷺ- ومن يَسمع من بعد كالحاضرين للحال، فقال: هذا، وهذا. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤ وهذه اللام إنمتا تدخل على فعل الحال الحاضرة، فحَكى الحال المستأنفة كما حكى السالفة.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ٥، وقرأ: "خَلَفُوا" -بفتح الخاء واللام خفيفة- عكرمة وزر بن حُبيش٦ وعمرو بن عبيد، ورُويت عن أبي عمرو، قرأ: "خالَفُوا"
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١١١. ٢ سورة التوبة: ١١٤. ٣ سورة القصص: ١٥. ٤ سورة النحل: ١٢٤. ٥ سورة التوبة: ١١٨. ٦ هو زر بن حبيش بن حباشة أبو مريم، ويقال: أبو مطرف الأسدي الكوفي، أحد الأعلام. عرض على عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃. عرض عليه عاصم بن أبي النجود وسليمان الأعمش وغيرهما. مات سنة ٨٢. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٢٩٤.
[ ١ / ٣٠٥ ]
أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين١ وجعفر بن محمد٢ وأبو عبد الرحمن السلمي٣.
قال أبو الفتح: من قرأ: "خَلَفُوا" فتأويله: أقاموا ولم يبرحوا، ومَن قرأ: "خالَفُوا" فمعناه عائد إلى ذلك؛ وذلك أنهم إذا خالفوهم فأقاموا فقد خلفوا٤ هناك.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن قُسَيْط المكي: "لقد جاءكم رسولٌ من أَنْفَسِكم"٥.
قال أبو الفتح: معناه: من خياركم، ومنه قولهم: هذا أنفس المتاع؛ أي: أجوده وخياره، واشتقه من النفس؛ وهي أشرف ما في الإنسان.
_________________
(١) ١ هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الإمام زين العابدين، عرض على أبيه الحسين، وعرض عليه ابنه الحسين. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٥٣٤. ٢ هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الصادق، أبو عبد الله المدني، قرأ على آبائه رضوان الله عليهم محمد الباقر فزين العابدين فالحسين فعلي ﵃ أجمعين. قرأ عليه حمزة. توفي سنة ١٤٨. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ١٩٦. ٣ هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة أبو عبد الرحمن السلمي الضرير، مقرئ الكوفة. ولد في حياة النبي -ﷺ- إليه انتهت القراءة تجويدًا وضبطًا. أخذ القراءة عرضًا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهم. وأخذ القراءة عنه عرضًا عاصم وعطاء بن السائب وعامر الشعبي وغيرهم. توفي سنة ٧٤، وقيل: سنة ٧٣، طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٤١٣. ٤ في الأصل: خالفوا، والسياق يقتضي ما أثبتناه. ٥ سورة التوبة: ١٢٨.
[ ١ / ٣٠٦ ]