بسم الله الرحمن الرحيم
ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: "وَتَرَى النَّاسَ سُكُرَى وَمَا هُمْ بِسُكُرَى"١. ورُوِّينا عن أبي زرعة أنه قرأها أيضا: "سُكْرى"
بضم السين والكاف ساكنة. كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج.
قال أبو الفتح: يقال رجل سَكْرَان وامرأة سَكْرَى، كغَضْبَان وغَضْبَى. وقد قال بعضهم: سَكْرَانة، كما قال بعضهم: غَضْبَانة، والأول أقوى وأفصح. فأما في الجميع٢ فيقال: سَكَارَى بفتح السين، وسُكَارَى بضمها، وسَكْرَى كصَرْعَى وجَرْحَى. وذلك لأن السُكْرَ علةٌ لَحِقَت عقولهم، كما أن الصرع علة لحقت أجسامهم. وفَعْلَى في التكسير مما يختص به المبتلون، كالمرضى، والسقمى، والموتى، والهلكى. وبكل قد قرأ الناس٣ [١٠٤و]
فأما "سَكارَى"، بفتح السين فتكسير لا محالة وكأنه منحرف به عن سَكارِين، كما قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله نَدامِين، وكما قالوا في الاسم: حومانة٤ وحَوَامِين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء. فصارت في التقدير سَكَارِيّ، كما قالوا إنسان وأَنَاسِيّ، وأصله أناسِين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعالِيل. فلما صار "سكاريّ" حذفوا إحدى الياءين تخفيفا فصار "سَكارِي"، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء ألفا؛ فصار "سَكارَى"، كما قالوا في مدار٥ وصحار ومعاي٦: مَدارَى وصَحارَى ومَعايا.
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٢. ٢ أي الجمع. ٣ ضم السين قراءة الجمهور، وفتحها قراءة أبي هريرة وأبي نهيك، كما في البحر: ٦: ٣٥٠. ٤ الحومانة: المكان الغليظ المنقاد. ٥ والمدارى: جمع المدرى، وهي المشط. ٦ المعايا: الإبل المعيية.
[ ٢ / ٧٢ ]
ويدل على أنه قد كان في الأصل أن يقال في تكسير سكران: سَكارِين بالنون ما أنشده الفراء:
إنْ يهبِطِ الضبُّ أرضَ النونِ ينصُرُهُ يهلِكْ ويعْلُ عليْهِ الماءُ والطينُ
أو يهبِطِ النونُ أرضَ الضبِّ ينصُرُهُ يهلِكْ ويأكُلُهُ قومٌ غَراثِينُ
فهذا تكسير غَرْثَان١، ومؤنثه غَرْثَى. أخبرنا أبو علي عن الفراء يقول الشاعر:
مَمْكُورَةٌ غَرْثَى الوشاح السالِسِ تضحَكُ عنْ ذِي أُشُرٍ عُضَارس٢
وأما "سُكارى" بالضم في السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسّر كَجُمادَى وحُمَادَى٣ وسُمانَى٤ وسُلَامَى٥. ُّ
وقد يجوز أن يكون مكسَّرًا مما جاء على فُعَال: كالظُّؤار٦، والعُرَاق٧، والرُّخال٨، والثُّناء٩، والتؤام١٠، والرباب١١، إلا أنه أنَّثّ بالألف كما أنَّثّ بالهاء في قولهم: النُّقاوة١٢. قال أبو علي: وهو جمع نِقْوَة، وأنَّثّ كما أنَّثّ فِعَال في نحو: حِجَارة، وذِكَارَة وعِيَارَة١٣.
_________________
(١) ١ الغرثان: الجائع، غرث كفرح. ٢ الممكورة: المستديرة الساقين، أو المدمجة الخلق، الشديدة البضعة. والوشاح: أديم عريض يرصع بالجواهر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها. وغرثى الوشاح: جائلة الوشاح لدقة خصرها. وأشر الأسنان: تحزيز أطرافها. وذي أشر: ثغر في أسنانه أشر. والعضارس: الماء العذب البارد. والبيت في اللسان "سلس، وعضرس". ٣ الحمادى: الغاية. وفي ك: كحمادى وجمادى. ٤ السمانى: طائر للواحد والجمع. أو الواحد سماناة. ٥ السلامى: عظم في فرسن البعير، وعظام صغار طول أصبع أو أقل من اليد والرجل. ٦ الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها. ٧ العُراق: جمع عَرْق، كسَهْل، وهو العظم أكل لحمه. ٨ والرخال: جمع رِخْل -بكسر فسكون: الأنثى من ولد الضان. ٩ الثناء: جمع ثِنْي، بكسر فسكون؛ وهي الناقة ولدت اثنين. ١٠ والتؤام: جمع توءم، ذكره ابن جني في المحتسب: ١: ٢٨٦. ١١ والرباب: جمع ربى، ومن معانيها: الإحسان، والحاجة. ١٢ النقاوة: أصل ما انتقيت من الشيء. ١٣ لعلها جمع عير، والذي في المعاجم المتداولة أن من جموعه العيار، بغير تاء.
[ ٢ / ٧٣ ]
وأما "سُكْرَى"، بضم السين فاسم مفرد على فُعْلى، كالحُبْلَى: والبُشْرَى. وبهذا أفتاني أبو علي، وقد سألته عن هذا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "وَرَبَأتْ" بالهمز، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء.
قال أبو الفتح: المسموع في هذا المعنى رَبَتْ؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب في جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. وأما الهمز فمن: رَبَأْتُ القوم: إذا أشرفتَ مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه٢ إلى علوّ الأرض، لما فيه من إفراط الربو، فإذا وصف علوَّها دل على أن الزيادة قد شاعت في جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من: ربأتُ القوم، أي: كنت لهم طليعة. وهذا مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله:
كأنَّ أيديهِنَّ بالمَوْمَاةِ أيدِي جوارٍ بِتْنَ ناعِمَاتِ٣؟
ولم يرد الشاعر أن أيدي الإبل ناعمة، وكيف يريد ذلك وإنما المعتاد المألوف في ذلك وصف الأيدي بالشدة والسلاطة؟ ألا ترى إلى قوله:
َترْمِي الأماعِيزَ بِمُجمراتِ بأرجُلٍ رُوحٍ مُحنَّباتِ٤؟
وقوله:
تَرْمِي الحَصا بمناسِمٍ صُمٍّ صَلادِمَةٍ صِلَابِ٥؟
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٥. ٢ كذا في نسختي الأصل، فضمير ذهبه راجع إلى الذهاب المفهوم من قوله قبلا: إذا ذهب في جهاته زائدا. ٣ انظر الصفحة ١٢٥ من الجزء الأول. ٤ الأماعيز: جمع أمعز، وهو ما غلظ من الأرض، زاد الياء لإقامة وزن البيت. بمجمرات: بأخفاف مجمرات، أي: صلبة. وأرجل روح: أرجل فيها انبساط واتساع، جمع روحاء. وفي ك: روع، وهو تحريف، ومحنبات: فيها انحناء وتوتير. ويروى مجنبات بالجيم، وهي بمعنى محنبات بالحاء وانظر الخصائص: ١: ٣٤. ٥ المناسم: جمع منسم، كمجلس، وهو: خف البعير. صم: غليظة، من قولهم: أرض صماء. والصلادم: جمع صلدم، كزبرج، وهو الصلب.
[ ٢ / ٧٤ ]
والأمر في ذلك أشهر، وإنما [١٠٤ظ] أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نَعْمة اليد، لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ أيدِي عَذارٍ يَتَعاطَينَ الوَرِقْ١
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهن الخضاب، فأراد انخضاب أيدي الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب وإيماءاتها التي تكتفي بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلي:
أمِنْكِ البرقُ أرقبُهُ فَهاجَا فَبِتُّ أَظُنُّه دُهْمًا خِلاجا٢؟
أي: فإذا اختَلَجَتْ عنها أولادَها حنَّت إليها، فشبه حنينهنَّ بصوتِ الرعد، فقدَّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حَدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه وهو كثير، فكذلك قراءته: "وَرَبَأَتْ"، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذي في قراءة الجماعة: "وَرَبَتْ".
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: "خَاسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ"٣.
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، أي: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة٤ الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التي تقع وهي من فِعْلٍ وفاعِلٍ بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ٥؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هي لُقِيّ الأثام، وعليه قول الآخر:
إنْ يجْبُنُو أو يَغْدِرُوا أَوْ يَبْخَلُوا لَا يَحْفِلُوا
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٢٦ من الجزء الأول. وفي ك: تتعاطين، وهو تحريف. ٢ البيت لأبي ذؤيب. ويروى أخاله مكان أظنه. والدهم: السود، يريد بها هنا النوق، جمع دهماء. والخلاج: جمع خلوج، وهي الناقة يجذب عنها ولدها بذبح أو موت، فتحن إليه. يقول: أمن ناحيتك هذا البرق يتجاوب الرعد معه كأنه نوق خلاج؟ انظر ديوان الهذليين: ١: ١٦٤، واللسان "خلج". ٣ سورة الحج: ١١، وقبل هذا الجزء من الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ . ٤ في ك: فقراءة. ٥ سورة الفرقان: ٦٨، ٦٩.
[ ٢ / ٧٥ ]
يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِيـ ـنَ كأنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا١
فقوله: يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِينَ بدلٌ من قوله: لا يحْفِلُوا.
ومن ذلك قراءة الزهري: "والدَّوَابُ"٢، خفيفة الياء. ولا أعلم أحدًا خففها سواه.
قال أبو الفتح: لعمري إن تخفيفها قليل ضعيف قياسا وسماعا.
أما القياس فلأن٣ المدة الزائدة في الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن الألف حرف متحرك٤، وإذا كان كذلك٥ فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة المد في الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابِب، لقصرت الألف وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت دوابّ؛ فصارت تلك الزيادة في الصوت عوضا من تحريك الألف.
وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر، وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظَلْت، ومَسْت، وأَحَسْت. يريدون: ظَلِلْت، ومَسِسْت، وأَحسست، قال أبو زبيد:
خَلَا أنَّ العِتَاقَ من المَطايا أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إليهِ شُوسُ٦
وقال:
قَدْ كُنْتُ عِنْدَكَ حَوْلًا لا تُرَوِّعُني فِيهِ رَوَائِعُ من إنس ولا جَانِ٧
_________________
(١) ١ لشاعر جاهلي قديم. وروي البيت الأول: أن يغدروا أو يكذبوا أو يختروا لا يحفلوا ومع هذين البيتين بيت ثالث، وهو: كأبي براقش كل لو ن لونه يتحول ويختروا: من ختر كضرب: غدر وخدع. وأبو براقش: دويبة مثل العظاية، تراها مرة خضراء؛ ومرة حمراء، ومرة صفراء في وقت واحد. انظر ذيل الأمالي: ٨٤، والكتاب: ١: ٤٤٦، وشرح أدب الكاتب: ٢٤٢، ٢٤٣. ٢ في الآية ١٨ من سورة الحج. ٣ في ك: فإن. ٤ في ك: لمتحرك، وهو تحريف. ٥ في ك: لذلك، وهو تحريف. ٦ انظر المحتسب: ١: ٢٦٩. ٧ لعمران بن حطان، رواه اللسان "جن"، وفيه "جاني" بياء، ثم قال: أراد من إنس ولا جان، فأبدل النون الثانية ياء.
[ ٢ / ٧٦ ]
يريد: جانٌّ، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو علي:
حتَّى إذا مَا لَمْ أجِدْ غيْرَ الشَّرِ كُنْتُ امرأً من مَالِكِ بنِ جَعْفَرِ [١٠٥و]
أراد: غير الشرّ، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد:
دَرَسَ المنا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ١؟
وقال علقمة بن عبدة:
كأنَّ إبرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ٢
أراد بسبائب الكتَّان.
وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف "الدوابّ" عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالرد وقد وجدت له وجها.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يَحْلَوْنَ"٣، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حَلِيَ يَحْلَى.
قال أبو الفتح: هذا٤ من قولهم: لم أحْلَ منه بطائل، أي: لم أظفر٥ منه بطائل؛ فيجعل ما يُحَلَّوْن به هناك أمرا ظفِروا به، وأُوصلوا إليه. والحلية٦ راجعة المعنى إليه، وذلك أن النفس تعتدها مظفورا به٧ موصلا إليه. وليست الحلية من لفظ: حَلِيَ الشيءُ بِعَيْنِي؛ لأن الحلية من الحَلْي، فهي من الياء. وحلي بعيني من الواو، لقولهم: حَلِيَ بعيني يَحْلَى حلاوة، فهي كشَقِيَ يشْقَى شَقَاوَةً، وغَبِيَ يغْبَى غَباوَةً. ولكن قولهم: امرأةٌ حالية أي: ذات حَلْي من الياء، فحالية إذًا من قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ على هذه القراءة وهما من الياء، فكأنه أقوى عندهم من قولهم ما حليْتُ من بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا في غير الواجب. لا يقولون: حليت منه،
_________________
(١) ١ انظر المحتسب: ١: ٨٠. ٢ انظر المحتسب: ١: ٨١. ٣ سورة الحج: ٢٣. ٤ في ك: هو. ٥ في ك: أظهر، وهو تحريف. ٦ سقط في ك من قوله: والحلية راجعة إلى قوله: موصلا إليه. ٧ وإذًا تكون "من" في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ بدلا من الباء، كما في البحر: ٦: ٣٦١.
[ ٢ / ٧٧ ]
ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حَلَأَتْ حالِئَة عن كُوعها١ فهو مهموز، وأمره ظاهر.
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب: "وَلُؤْلُؤا"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هو محمول على فِعْل يدل عليه قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾، أي ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا.
ومثله قراءة أبي: "وحورًا عينًا"٣ أي ويؤتون حورا عينا، ويُزَوَّجون حورا عينا.
ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله:
جئْنِي بِمِثلِ بني بَدْرٍ لِقَوْمِهِمُ أو مِثْلَ أسرة مَنْظُورِ بنِ سيَّارِ٤
فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ أسرة. وعليه قول الآخر:
بَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُه أَتانَا مُعَلِّق وَفْضَةٍ وزنادَ راعٍ٥
فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيص: "وَأَذِنَ فِي النَّاسِ"٦، بالتخفيف.
قال أبو الفتح: "أَذِنَ" معطوف على "بَوَّأْنَا"، فكأنه قال: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وأذن، فأما قوله على هذا: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ فإنه انجزم لأنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ .
_________________
(١) ١ حلأ الجلد: قشر تحلئه، وهو قشوره ووسخه. والمرأة الصناع ربما استعجلت فحلأت عن كوعها. و"عن" من صلة المعنى، كأنه قال: قشرت عن كوعها. يضرب لمن يتعاطى ما لا يحسنه، ولمن يرفق بنفسه شفقة عليها. وانظر الأمثال للميداني: ١: ٢٠١، وأورده اللسان "حلأ"، وروى له تفسيرا آخر عن ابن الأعرابي. ٢ سورة الحج: ٢٣. ٣ سورة الواقعة: ٢٢. ٤ البيت لجرير، والخطاب للفرزدق، يفخر عليه بسادات قيس أخواله، وبنو بدر من فزارة، وفيهم شرف قيس عيلان. وبنو سيار من سادات فزارة، من ذبيان، ومن قيس. وانظر الديوان: ٣١٢، والكتاب: ١: ٤٨، ٨٦. ٥ لرجل من قيس عيلان. والوفضة: الكنانة. وانظر الكتاب: ١: ٨٧. ٦ سورة الحج: ٢٧.
[ ٢ / ٧٨ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي مِجْلَز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "رُجَّالًا"١.
وقرأ: "رُجَالًا"، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة - عكرمة وابن أبي إسحاق وأبو مجلز والحسن البصري والزهري.
وقرأ: "رُجَال"، على فُعَال مخففة - عكرمة.
قال أبو الفتح: أما [١٠٥ظ] "رُجَّالًا" فجمع راجل، ككَاتِب وكُتَّاب، وعالِم وعُلَّام، وعامِل وعُمَّال.
وأما "رُجَالًا"، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة - فغريب. وهو مما ذكرناه مما جاء من الجمع على فُعَال: كظُؤار، وعُراق، ورُخال٢.
وأما "رُجَالَى" فمثل: حُبارَى، وسُكارَى. ويقال: أراجِل، وأراجِيل، ورَجَالَى، ورُجَالَى، ورُجْلَان. قال كثير:
لَهُ بجنوبِ القادِسِيَّة فَالشَّبا مَوَاطِنُ لا يَمْشِي بِهِنَّ الأراجِلُ٣
وقال أبو الأسود:
كأنَّ مَصامَاتِ الأُسُودِ بِبَطْنِه مَرَاغٌ وآثارَ الملاعِيبِ مَلْعَبُ٤
وأنشد الأصمعي:
وَمَرْكَبٍ يَخْلِطُني بالرُّكْبَانْ يَقِي بِهِ اللهُ أذَاةَ الرُّجْلَانْ٥
ورُوِّينا عن ابن الأعرابي: رَجُل رَجْلَان٦، ورَجَل أي: رَاجِل.
وقراءة الكافة: ﴿رِجَالًا﴾ جَمْع رَاجِل أيضا، كصائِم وصِيام، وصَاحِب وصِحَاب.
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٢٧. ٢ انظر الصفحة ٧٣ من هذا الجزء. ٣ الجنوب: جمع جَنْب، ويراد به الناحية. ورواه اللسان "رجل"، وفيه الجبوب مكان الجنوب. والجبوب: وجه الأرض ومتنها من سهل أو حزن. الشبا: واد بالأثيل لبني جعفر بن إبراهيم، من بني جعفر بن أبي طالب. ٤ بهامش نسخة الأصل، والديوان: ١١، وباللسان "رجل" الأراجيل مكان الملاعيب. والمصامات: جمع المصامة، وهي الموقف. والمراغ: المتمرغ. ٦ رجل رجلان: ليس له ظهر في سفر بركبه.
[ ٢ / ٧٩ ]
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق، ورويت عن أبي عمرو: "وَالْمُقِيمِي الصَّلاةَ"١، بالنصب.
قال أبو الفتح: أراد "المقيمين"، فحذف النون تخفيفا، لا لِتُعَاقِبَها الإضافة، وشبه ذلك باللذين والذين في قوله:
فإنَّ الذِي حانَتْ بفلجٍ دماؤهُم هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ٢
حذف النون من الذين تخفيفا لطول الاسم، فأما الإضافة فساقطة هنا، وعليه قول الأخطل:
أبَنِي كُلَيبٍ إنَّ عَمِّيَّ اللَّذا قَتَلا الملوكَ وفَكَّكَا الأغلالا٣
حذف نون "اللذان" لما ذكرنا، لكنّ الغريبَ من ذلك ما حكاه أبو زيد عن أبي السمال أو غيره أنه قرأ: "غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ"٣، بالنصب. فهذا يكاد يكون لحنا؛ لأنه ليست مع لام التعريف المشابهة للذي ونحوه، غير أنه شبه "معجزي" بالمعجزي، وسوغ له ذلك علمه بأن "معجزي" هذه لا تتعرف بإضافتها إلى اسم الله "تعالى"، كما لا يتعرف بها ما فيه الألف واللام، وهو "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ" فكما جاز النصب في "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ" كذلك شبه به "غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ". ونحو "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ"
بيت الكتاب:
الحافِظُو عَوْرَةَ العشِيرَةَ لَا يأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفُ٤
بنصب "العورةَ" على ما ذكرتُ لك. وقال آخر:
قَتَلْنَا ناجيًا بقتِيلِ عَمْرِو وَخَيْرُ الطَّالِبي التِّرَةَ الغَشُومُ٥
ومثل قراءة من قرأ: " غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ"، بالنصب قول سويد:
ومَسَامِيحُ بِمَا ضَنَّ بِهِ حَابِسُو الأنْفُسَ عنْ سُوءِ الطَّمَعْ٦
_________________
(١) ١ سورة الحج: ٣٥. ٢ انظر المحتسب: ١: ١٨٥. ٣ سورة التوبة: ٣. ٤ لقيس بن الخطيم، أو عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، جاهلي.. وروي من ورائنا مكان ورائهم. ووكف مكان نطف. والعورة: كل مخوف، وعورة الرجل في الحرب: ظهره. والنطف: العيب، ومثله الوكف. وانظر الكتاب: ١: ٩٥، والخزانة: ٢: ١٨٨ والدرر واللوامع: ١: ٢٣. ٥ رواه اللسان "غشم"، ولم ينسبه. وفيه "جر" مكان خير، وهو تحريف. ٦ مساميح: معطوف عن "بسط الأيدي: في بيت سابق. ويروى "حاسرو" مكان "حابسو"، وحاسروا الأنفس: كاشفوها، مبعدوها. المفضليات: ١٩٤، وفي ك: مسابيح، وهو تحريف.
[ ٢ / ٨٠ ]
وقرأ بعض الأعراب: "إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"١، بالنصب.
وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: "وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ"، فقلت له: ما أردت؟ فقال٣: أردت: سابقٌ النهارَ، فقلت له: فهلا قلته. فقال: لو قلته لكان أوزن، يريد: أقوى وأقيس. وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الخصائص٤ وغيره من كتبنا.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وإبراهيم وأبي جعفر محمد بن علي والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبي رباح٥ [١٠٦و] والضحاك والكلبي: "صَوَافِنَ"٦.
وقرأ: "صَوَافِيَ" أبو موسى الأشعري والحسن وشفيق٧ وزيد بن أسلم٨ وسليمان التيمي، ورويت عن الأعرج.
قال أبو الفتح: هي "الصافنات" في قول الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد﴾ ٩، إلا أنها استعملت هنا في الإبل. والصافن: الرافع إحدى رجليه، واعتماده منها على سنبكها. قال عمرو بن كلثوم:
تَرَكْنَا الْخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونَا١٠
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ٣٨. ٢ سورة يس: ٤٠. ٣ في ك: قال. ٤ الخصائص: ١: ١٢٥. ٥ هو عطاء بن أبي رباح بن أسلم أبو محمد القرشي مولاهم المكي، أحد الأعلام. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وروى القراءة عن أبي هريرة، وعرض عليه أبو عمرو. عاش مائة سنة، وقيل: أنه مات سنة ١١٥، أو سنة ١١٤، وله ثمان وثمانون سنة. طبقات ابن الجزري: ١: ٥١٣. ٦ سورة الحج: ٣٦. ٧ هو شفيق بن سلمة أبو وائل الكوفي الأسدي، إمام كبير. أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يره. وقد ذكره ابن الأثير وغيره في الصحابة، وحفظ القرآن في شهرين. عرض على ابن مسعود، وروى عنه الأعمش ومنصور. وتوفي زمن الحجاج سنة اثنتين وثمانين، وقيل: توفي أيام عمر بن عبد العزيز والأول هو المحفوظ، طبقات ابن الجزري: ١: ٣٢٨. ٨ هو زيد بن أسلم أبو أسامة المدني مولى عمر بن الخطاب، ﵁. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، أخذ عنه القراءة شيبة بن نصاح. مات سنة ١٣٦. طبقات ابن الجزري: ١: ٢٩٦. ١٠ من معلقة عمرو بن كلثوم. وصفون: جمع صافن. شرح المعلقات السبع للزوزني: ١٢٥.
[ ٢ / ٨١ ]
و"صَوَافِيَ" أي: خوالص لوجهه وطاعته. وقال العجاج:
حتَّى إذا ما آضَ ذا أعرافِ كالْكَوْدَنِ المَشْدُودِ بالْوِكَافِ
قالَ الذِي عِنْدَكَ لِي صَوَافِي١
ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "القنِعَ"٢.
قال أبو الفتح: يريد "القانع"، وهي قراءة العامة، إلا أنه حذف الألف تخفيفا وهو يريدها وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وأنشدنا فيه قوله:
أصبحَ قَلْبِي صَرِدَا لا يشْتِهِي أنْ يَرِدَا
إلا عِرَادًا عِرَادَا وصِلِّيَانًا بَرٍدَا
وَعَنْكَثًا مُلْتَبِدَا٣
يريد عارِدًا وبارِدًا. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
أَلَا لَا بارَكَ اللهُ في سُهَيْلِ إذا مَا اللهُ بارَكَ في الرِّجالِ٤
أراد: لا بارَكَ اللهُ٥، فحذف الألف تخفيفًا. وعليه قول الآخر:
مثل النَّقا لّبده ضرب الطَّلَلْ٦
يريد الطَّلال، كما قال القحيف العقيلي:
ديارُ الْحَيِّ تضرِبُها الطِّلالُ بِها أهلٌ مِنَ الخافي ومالُ٦
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعمرو بن عبيد: "والْمُعْتَرِي"٧ خفيفة، من اعتريت.
_________________
(١) ١ يروى الأكاف مكان الوكاف، وجمعت مكان عندك. وآض: صار. والأعراف: جمع عرف، وهو الشعر النابت فوق محدودب رقبة الفرس، والكودن، البرذون الهجين. ووكاف الحمار وأكافه: برذعته. وانظر الديوان: ٤٠. ٢ سورة الحج: ٣٦. ٣ المحتسب: ١: ١٧١. ٤ المحتسب: ١: ١٨١، وكتب في الأصل كلمة "قصر" فوق لفظ الجلالة. ٥ كتب في ك كلمة "مد" فوق لفظ الجلالة. ٦ المحتسب: ١: ١٨١. ٧ سورة الحج: ٣٦.
[ ٢ / ٨٢ ]
قال أبو الفتح: يقال: عَرَاهُ يَعْرُوهُ عَرْوًا فهو عَارٍ، والمفعول مَعْرُوّ. واعتراه يعتريه اعتراء فهو مُعتَرٍ. والمفعول مُعترًى. وعرَّه يَعَرُّه عرًّا فهو عَارٌّ. والمفعول معرور. واعتره يعترُّه اعترارًا فهو معتَرٌّ، والمفعول مُعْتَرٌّ أيضا. لفظ الفاعل والمفعول به سواء. وكله: أتاه وقصده. والقانع: السائل، والمعتر: المتعرض لك من غير مسألة. قال ابن أحمر:
ثُمّ تَعُرُّ الماءَ فِيمَنْ يَعُر١
قال طرفة:
في جِفَانٍ تَعتَرِي نَادِيَنَا وسَدِيف حِينَ هَاجَ الصِّنَّبِرْ٢
ومن ذلك قراءة الجحدري بخلاف: "وصُلُوتٌ"٣ بضم الصاد واللام، وإسكان الواو، والتاء.
وروى عنه: "وصِلْواتٌ". بكسر الصاد، وجزم اللام بعد الواو. بالتاء.
وقرأ: "وصُلُوتٌ" أبو العالية -بخلاف- والحجاج بن يوسف- بخلاف- والكلبي.
وقرأ: "وصُلُوتٌ" الحجاج. ورويت عن الجحدري.
وقرأ: "وَصُلُوَتٌ" جعفر بن محمد.
وقرأ: "وصُلُوتًا" مجاهد.
وقرأ: "وصلَوَاتٌ" الجحدري والكلبي بخلاف.
وقرأ: "وصِلْوِيتًا" عكرمة.
قال أبو الفتح: اعلم أن أقوى القراءات في هذا الحرف هو ما عليه العامة، وهو: ﴿صَلَوَاتٌ﴾
_________________
(١) ١ صدره: ترعى القطاة الخمس قفورها وروي البقل مكان الخمس. والخِمس بالكسر: من أظماء الإبل، وهي أن ترعى ثلاثة أيام وترد الرابع. والقفور: نبت ترعاه القطا، ولم يسمع في كلام العرب إلا في شعر ابن أحمر. وانظر اللسان "عر، وقفر". ٢ روي بجفان مكان في جفان. و"من سديف" مكان "وسديف". السديف: شحم السنام. والصنبر: أشد البرد. يريد أنهم يطعمون أطيب الطعام وقت الشدة. وفي ك: الضبر مكان الصنبر، وهو تحريف. وانظر ديوان الشاعر: ٨٠. ٣ سورة الحج: ٤٠.
[ ٢ / ٨٣ ]
ويلي ذلك "صُلُواتٌ" و"صُلَوَات"١ و"صِلْوَاتٌ". فأما بقية القراءات فيه فتحريف وتشبث باللغة السريانية واليهودية.
وذلك أن الصلاة عندنا من الواو، يدلك على ذلك ما كان رآه أبو علي فيها، وذلك أنها من الصَّلَوَيْن [١٠٦ظ] وهما مكتنِفا ذنَب الفرس وغيره مما يجري مجرى ذلك، قال: واشتقاقه منه أن تحريك الصَّلَوَيْنِ أول ما يظهر من أفعال الصلاة، فأما الاستفتاح ونحوه من القراءة والقيام فأمر لا يظهر، ولا يخص ما ظهر منه الصلاة، لكن الركوع أول ما يظهر من أفعال المصلي. وقولهم أيضا في الجمع: صلواتٌ، قاطع بكون اللام واوا، وإنما ذكرنا وجه اشتقاقها من الصَّلَوَيْن٢. فصلوات جمع صلاة، كقنوات من قناة.
وأما "صُلُوَات" و"صُلَوَات" فجمع صُلْوَة، وإن كانت غير مستعملة. ونظيرها حُجْرَة وحُجُرَات وحُجَرَات. وأما "صِلْوَات" فكأنه جمع صِلْوَة كرِشْوَة ورِشْوَات، وهي أيضا مقدرة وغير مستعملة، كتقدير "صُلْوَة". وقد تكون "صُلَوَات" بفتح اللام أيضا جمع صُلاة كطُلاة٣ وطُلَيَات. وإنما بدأنا بقولنا إنها جمع صُلْوَة كحُجُرات جمع حُجْرَة، ولم تقدم ذكر صلاة المتقدرة ليقل تقدير ما لم يخرج إلى الاستعمال.
ومعنى "صَلَوات" هنا: المساجد، وهي على حذف المضاف، أي: مواضع "الصَّلَوَات"، ومنه قولهم: صلى المسجد، أي: أهله. وأذن المسجد، أي: مؤذنه. وقال:
نبِّئْتُ أنّ النارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ٤
قال أبو حاتم: ضاقت صدورهم لما سمعوا ﴿هُدِّمَتْ صَلَوَاتٌ﴾، فعدلوا إلى بقية القراءات، وقال الكلبي: "صُلُواتٌ": مساجد اليهود، وقال الجحدري: "صُلُواتٌ": مساجد النصارى. وعندنا من خارج باب الموصل بيوت يدفن فيها النصارى تعرف بالباصَلُوث، بثاء منقوطة
_________________
(١) ١ في الأصل "صلوات" بضم فسكون: وهو تحريف، بدليل تخريجاته الآتية لبعض قراءات هذه الكلمة، ومنها القراءة المذكورة بعد تصحيحها. وقد ذكرها في البحر "٦: ٣٧٥" منسوبة كما هنا إلى الجحدري. ٢ يبدو أن في العبارة سقطًا. ٣ الطلاة: العنق. ٤ البيت لمهلهل. واستب القوم: تسابوا. يريد أنه كان لا توقد مع ناره نار لعظم ناره وعمومه بالإطعام، وأنه كان لهيبته لا يتساب الناس في مجلسه. "الأمالي: ١: ٩٥، والسمط: ٢٩٨، ٢٩٩.
[ ٢ / ٨٤ ]
بثلاث، وقال قطرب: صُلُوث بالثاء: بعض بيوت النصارى، قال: والصُّلُوثُ: الصوامع الصغار لم يسمع لها بواحد، قال: وقال ابن عباس: "صَلَوَات": كنائس اليهود، وصوامع الرهبان، وبِيَع النصارى.
وقال أبو حاتم: قال الحسن: تهديمها: تعطيلها، وقول الله سبحانه: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، ثم قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ١، فهذا يدل على أن المراد: لا تقربوا المسجد، فقال: "الصلاة".
ومن ذلك قراءة الجحدري: "وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ"، ساكنة العين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على عَطَلَتْ أو أَعْطَلَتْ أو عَطِلَتْ فهي عَاطِل، وأَعْطَلْتُها فهي مُعْطَلة، فيكون منقولا من ثلاثي على فَعَلْتُ أو فَعِلْتُ، والفتح أولى بالعين فيه من الكسر؛ لأن عَطِلَ يقال للمرأة إذا عَطِلَتْ من الحَلْي، كما قال في ضِده: حَلِيَت فهي حالِيَة، وقالوا: امرأة عاطل بلا هاء، كأخواتها من طاهر وطامث.
ومن ذلك قراءة لاحق بن حميد٣: "فَلا يُنَزِعُنَّكَ"٤.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلا يستخِفُّنَّك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره. ومنه قول الله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٥، ونحوه قول يونس٦ في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٧، ألا تراه كيف
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٤٣. ٢ سورة الحج: ٤٥. ٣ هو لاحق بن حميد السدوسي أبو مجلز، كان ثقة، وله أحاديث. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قبل وفاة الحسن البصري. طبقات ابن سعد: ٧: ٢١٦. ٤ سورة الحج: ٦٧. ٥ سورة الروم: ٦٠. ٦ هو يونس بن حبيب أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم، البصري النحوي. روى القراءة عرضا عن أبان بن يزيد العطار وأبي عمرو بن العلاء، وأخذ العربية عنه وعن حماد بن سلمة. وروى القراءة عنه ابنه حرمي بن يونس وغيره. يقال أنه توفي سنة ١٨٥. طبقات ابن الجزري: ٢: ٤٠٦. ٧ سورة مريم: ٦٩، و"عُتِيًّا" بضم العين قراءة غير الكسائي وحمزة والأعمش وحفص، كما في إتحاف الفضلاء: ١٨١.
[ ٢ / ٨٥ ]
ذهب إلى تعليق ينزع في هذا الموضع؟ ولو كان بمنزلة نزع الرَّجُلِ الرِّجْلَ من الخف أو المسمار من الجذع ونحوه [١٠٧و] لما جاز تعليقه.
قال أبو علي: فإنما هو إذًا كقولك: لنميزنهم بالاعتقاد والعلم فنخصهم باستحقاق الذم بما يجب اعتقاده في مثلهم. هذا محصول ما كان يقوله أبو علي فيه وإن لم يحضرني الآن صورة لفظه. فكذلك إذًا قوله: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يَنْزِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ" أي: فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى اعتقاد دين غيرك.
وأما قراءة العامة: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: فاثبت على يقينك في صحة دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ينازعوك، فلفظ النهي لهم ومعناه له، ﷺ. ومثله قولهم: لا أرينك ههنا، ألا ترى أن معناه: لا تكن هنا فأراك؟ فالنهي في اللفظ لنفسه، ومحصول معناه للمخاطب. ومثله قول النابغة:
لا أَعْرَفًا رَبْرَبًا حُورًا مَدَامِعُها كأنَّ أبْكَارَها نِعَاجُ دُوَّار١
أي لا تَدْن مني كذلك فأعرفها، وكلام للعرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد والجهات، وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه.
_________________
(١) ١ روي: لأعرفا، وروي: الشطر الثاني: كأنهن نعاج حول دوار والربرب: قطيع بقر الوحش، وكنى به عن النساء. وأبكارها: صغارها؛ ويريد بها الجواري من النساء. والنعاج: جمع نعجة، وهي البقرة الوحشية. والدوار: ما استدار من الرمل. يخاطب بني فزارة بن ذبيان، يخوفهم النعمان بن الحارث الغساني، وكانوا قد نزلوا مرجا محميا لا يقربه أحد. انظر ديوان الشاعر: ٤٢، وشرح المعلقات السبع للزوزني: ١٧٤، والكتاب: ٢: ١٥٠.
[ ٢ / ٨٦ ]