سورة الحجر:
بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الزهري – بخلاف: "سَكِرَتْ١".
قال أبو الفتح: أي جرت مجرى السكران في عدم تحصيله، فلذلك قال: "سَكِرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ". والسُّكْر عندنا من سَكْر العربة٢ ونحوها. وذلك أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسربه، وكذلك حال السكران في وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه٣ ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة٤ وقتادة والضحاك ويعقوب وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون٥ وعمارة بن أبي حفصة٦: "صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ٧"
قال أبو الفتح: "عَلِيٌّ" –هنا- كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علو الشخوص والنصبة٨.
قال أبو الحسن٩ في قراءة الجماعة: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾: هو كقولك:
_________________
(١) ١ سورة الحجر: ١٥. ٢ السكر: مصدر سكر النهر، كنصر: جعل له سدًّا، والعَرَبة: النهر الشديد الجري. ٣ ينغصه: يمنعه أن يتم مراده. ٤ ذكره في الإصابة "٣: ٢٤٤"، ونقل أنه لم تصح له صحبة. ٥ لعله عمرو بن ميمون بن حماد بن طلحة، أبو عثمان الكوفي القناد السكري. أخذ القراءة عن حمزة، وعرض عليه أحمد بن جبير ورويم بن يزيد. طبقات القراء: ١: ٦٠٣. ٦ هو عمارة بن أبي حفصة الأزدي العتكي مولاهم، أبو روح البصري. روى عن أبي مجلز وأبي عثمان النهدي، وروى عنه شعبة وابن علية، وثقه أحمد. مات سنة ١٣٢. واسم أبي حفصة أبيه نابت -بنون في أوله، وقيل: ثاء. تهذيب التهذيب ٤١٥، وخلاصة تذهيب الكمال: ١٣٧. ٧ سورة الحجر: ٤١ ٨ النصبة: هيئة نصب الشيء، أي إقامته. ٩ في ك: وقال.
[ ٢ / ٣ ]
الدلالة اليوم عَلَيَّ، أي: هذا صراط في ذمتي وتحت ضماني، كقولك: صحة هذا المال عَلَيَّ، وتوفية عِدَتِهِ عَلَيَّ. وليس معناه عنده أنه مستقيم عَلَيَّ، كقولنا: قد استقام عَلَيَّ الطريق، واستقر عَلَيَّ كذا. وما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه!
ومن ذلك قراءة الزهري: "لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزٌّ مَقْسُومٌ١".
قال أبو الفتح: هذه لغة مصنوعة، وليست على أصل الوضع. وأصلها "جُزْء" فُعْل من جزأْت الشيء، وهو قراءة الجماعة إلا أنه خفف الهمزة، فصارت "جُزُ"، لأنه حذفها وألقى حركتها على الزاي قبلها، ثم إنه نوى الوقف على لغة من شدد نحو ذلك في الوقف، فقال: هذا خالدّ وهو يجعلّ، فصارت في الوقف "جُزّ"، ثم أطلق وهو يريد نية الوقف وأقر٢ التشديد بحاله فقال: "جُزّ" كما قالوا في الوصل: سبسبّا، وكلكلّا٣.
وقد أنشدنا شواهد نحو ذلك فيما مضى. ومثله الخبّ فيمن وقف عليه بالتشديد، ويريد تخفيف الخبْء٤، وهو مشروح في باب الهمز؟
ومن ذلك قراءة الحسن: "لَا تُوجَلْ"٥.
قال أبو الفتح: هذا منقول من وَجِلَ يَوْجَلُ، وَجِل وأَوْجَلْتُه، كفَزِعَ وأَفْزَعَتُه، وَرَهِبَ وأَرْهَبْتُه.
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن مصرف، ورويت عن أبي عمرو: "من القَنِطِين٦"
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون في الأصل "القانِطِين" كقراءة الجماعة؛ إلا أن العرب قد تحذف ألف فاعل في نحو هذا تخفيفا.
_________________
(١) ١ سورة الحجر: ٤٤ ٢ في ك: فأقر. ٣ انظر المحتسب: ١: ١٤٨، ١٤٩ ٤ الخبء: ما خبئ وغاب، ومن الأرض النبات، ومن السماء القطر. ٥ سورة الحجر: ٥٣ ٦ من قوله تعالى: في سورة الحجر الآية: ٥٥ ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ .
[ ٢ / ٤ ]
قال الراجز:
أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا
إلا عرادا عردا وصليانا بردا
وعنكثا ملتبدا١
يريد عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا. ألا ترى أن أبا النجم قال:
كأنَّ في الفرش القتادَ العارِدا١
أي القوي الخشن، وقد ذكرنا نحو هذا.
وقد يجوز في "الْقَنِطِينَ" غير هذا، وذلك أنهم قد قالوا: قَنِطَ يقنَطُ، فقد يكون "الْقَنِطِينَ" من قَنِطَ يقنَطُ هذه، ويكون القانِطُون من قَنَطَ.
ومن ذلك قراءة الأشهب: "ومَن يقنُطُ٢"، بضم النون.
قال أبو الفتح: فيه لغات: قَنَطَ يقنِطُ، وقَنِطَ يقنَطُ، وقَنَطَ يقنُطُ. وقد حكيت أيضا: قَنَطَ يقنَطُ، ومثله من فعَل يفعَل: ركَن يركَن، وأبي يأَبى، وغسَا٣ الليل يغسَا، وجبَا٤ يجبَا، وقالوا: عَضَضْتَ تعضُّ. قال ابن يحيى: قد قالوا في شمِمتُ وصبِبتُ ونحوه بفتح الثاني هربًا من الكسر٥ من التضعيف.
ومن ذلك قراءة الحسن "يَنْحَتُونَ٦"؛ بفتح الحاء.
قال أبو الفتح: أجود اللغتين نَحَتَ ينحِت، بكسر الحاء، وفتحها لأجل حرف الحلق الذي فيها، كسَحَرَ يسحَر. وينبغي أن ينظر إلى ما أورده ليكون إلى نحوه طريقًا وسُلَّمًا.
_________________
(١) ١ انظر المحتسب: ١: ١٧١. ٢ سورة الحجر: ٥٦. ٣ غسا الليل: أظلم. ٤ جبا الماء في الحوض: جمعه. وفي ك: حباء بالحاء، وهو تحريف. ٥ في ك: الكسرة. ٦ سورة الحجر: ٨٢.
[ ٢ / ٥ ]
اعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعاني إذ كانت عليها أدلة، وبها محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نَحَتَ ينحِتُ، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: نَحَطَ ينحِطُ، إذا زفر في بكائه، فكأن ذلك الضغط الذي يصحَب الصوت ينال من آلة النفس، ويحتها ويسفنها١؛ فيكون كالنحت لما ينحت. لأنه تحيُّفٌ له وأخذ منه.
ونحو من ذلك [٨٩ظ] قولهم في تركيب ع ص ر: ع س ر: ع ز ر. فالعصر شدة تلحق المعصور.
والعسر شدة الخلق والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة؛ فالشدة جامعة لأحرف الثلاثة. ومنه تركيب ج ب ر، ج ب ل، ج ب ن، المعنى الجامع لها اجتماع الأجزاء وتراجعها. من ذلك جبرت العظم، أي: وصلت ما تفرق من أجزائه، ومنه الجبل لاجتماع أجزائه، ومنه جبن الإنسان، أي: تراجع بعضه إلى بعض واجتمع. وإنما نبذت هنا طرفا من هذا الأمر تنبيها على أمثاله، حتى إذا هي اجتازت بك أحسست بها، ولم تطوك غير حافل بمعانيها وأوضاعها.
ومن ذلك قراءة مالك بن دينار والجحدري والأعمش: "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَالِقُ٢".
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دليل على أن فعَل الخفيفة فيها معنى الكثرة كفعَّل الثقيلة، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: "الخلاق"؟ وهذا للكثرة لا محالة. نعم، وقد قرن به العليم، وفعيل للكثرة. وكأن الخلاق الموضوع للكثرة أشبه بعليم؛ لأنه موضوع لها، فلولا أن في خلق معنى الكثرة لما عبر لخالق عن معنى خلاق. ومنه قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْب٣﴾ . ألا تراها في معنى غفار وقبال؟ وعليه ما أنشده أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدمتها ونقرتها بيديك كل منقر٤
فوضع "نقرت" موضع نفرت، وعليه جاء بالمصدرن فقال: كل منقر. وعلة هذا هو ما تعلم من وقع المصدر دالا على الجنس، وإذا أفضت بك الحال إلى عموم الجنسية فقد اغترقت٥ وتجاوزت حد الشياع والكثرة.
_________________
(١) ١ يريد يعركها ويهيجها، من سفنه: إذا قشره. ٢ سورة الحجر: ٨٦. ٣ سورة غافر: ٣ ٤ انظر المحتسب: ١: ٨١. ٥ اغترق النفس "بفتح الفاء" استوعبه في الزفير، والمراد: بلغت غاية الكثرة، كما يستوعب الزافر غاية نفسه.
[ ٢ / ٦ ]
سورة النحل ١:
بسم الله الرحمن الرحيم٢
قرأ الزهري "دِفُ٣". بغير همز.
قال أبو الفتح: هذه القراءة أقيس من قراءته الأخرى التي هو قول الله ﷿: "جُزْءٌ مَقْسُومٌ٤"، بتشديد الزاي. وذلك أنه هنا خفف لا غير. فحذفت الهمزة وألقى حركتها على الفاء قبلها. كقولك في مسألة: مسلة. وفي يلوم: يلم، وفي يزئر يزر. فكان قياس هذا أن يقول: "جُزٌّ مَقْسُومٌ"، إلا أنه سلك في كل من القراءتين طريقا إحداهما أقوى من الأخرى.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وعمرو بن ميمون وابن أرقم، ورويت عن أبي عمرو: "بِشَقِّ الْأَنْفُس٥"، بفتح الشين.
قال أبو الفتح: الشَقّ، بفتح الشين بمعنى الشِقّ بكسرها وكلاهما المشقة٦، قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد لعمرو بن مِلْقَط
. وهو جاهليي:
والخيل قد تجشم أربابها الشَّـ ـقّ وقد تعتسف الراوية٧
هكذا الرواية بفتح الشين، وكلاهما من الشَّق في العصا ونحوها؛ لأنه آخذ منها وواصل إليها. كالمشقة التي تلحق الإنسان.
_________________
(١) ١ كذا في ك، وفي الأصل: ومن ذلك سورة النحل. ٢ كذا في ك، ولم تكتب البسملة في الأصل. ٣ سورة النحل: ٥. ٤ انظر ص٤ من هذا الجزء. ٥ سورة النحل: ٧. ٦ في اللسان: الشِّق، بالكسر: الجهد، وكأنه اسم، وكأن الشق فعل "أي مصدر". وفي البحر "٥: ٤٧٦": هما مصدران، وقيل: الشّق، بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. ٧ اعتسف البعير: أشرف على الموت من الفدة. فجعل يتنفس فترجف حنجرته. والراوية: ما يُستقَى عليه من بغل أو حمار. رواه اللسان "شق"، ولم نعثر عليه في النوادر.
[ ٢ / ٧ ]
ومن ذلك قراءة أبي عياض "لِتَرْكَبُوهَا زِينَةً١"؛ بل واو.
قال أبو الفتح: لك في نصب "زِينَةً" وجهان: إن شئت كان معلقا بما قبله، أي: خلقها زينة لتركبوها، وإن شئت كان على قولك: لتركبوها زينة، فزينة هنا حال من "ها" في "لتركبوها"، ومعناه: كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ .
ومن ذلك قراءة [٩٠و] الحسن: "وَبِالنُّجُمِ هُمْ يَهْتَدُون٢"، وقرأ يحيى: "وبالنُّجْم" بضم النون ساكنة الجيم.
قال أبو الفتح: النُّجُم جمع نَجْم، ومثله مما كسر من فَعْل على فُعُل: سَقْف وسُقُف، ورَهْن ورُهُن، ونحوه ثَطٌّ٣ وثُطٌّ. وقال أبو حاتم: سمعت أبا زيد يقول: رجل أَثَطُّ، فقلت له: أتقولها؟ فقال: سعتها -وكَثُّ اللحية وكُثُّ، وفرس وَرْد٤ وخيل وُرْد، وسهم حَشْر٥ وسهام حُشْر.
وإن شئت قلت: أراد النجوم، فقصر الكلمة فحذف واوها، فقال: النُجُم. ومثله من المقصور من فُعُول قول أبي بكر في أُسد: إنه مقصور من أُسُود فصار أُسُد، ثم أسكن فقال٦: أُسْد٧. ومثله قوله أيضا في ثِيرَةٍ جمع ثَوْر: إنه مقصور من ثِيَارَة؛ فلذلك وجب عنده قلب الواو من ثور ياء، ولو كان مُكُسّرًا على فِعَلَة لوجب تصحيحه فقيل: ثِوَرَة، كزَوْج وزِوَجَة وعَوْد وعِوَدَة.
وقال الراجز:
إن الفقير بيننا قاضٍ حَكَم أن ترد الماء إذا غابَ النُّجُم٧
يريد النجوم. وقال الأخطل:
كلمعِ أيْدِي مثاكِيل مسلَّبَةٍ يندُبْنَ ضرسَ بناتِ الدهْرِ والخُطُب٧
يريد الخطوب. وقد ذكرنا نحو هذا فيما مضى.
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٨ ٢ سورة النحل: ١٦ ٣ من معاني الثط: الثقيل البطن. ٤ فرس ورد: أحمر إلى صفرة. ٥ سهم حشر: دقيق النصل، وأصل الحشر الدقيق من الأسنة. ٦ في ك: فقيل. ٧ انظر الصفحة ١٩٩ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٨ ]
وعليه أيضا قراءة يحيى: "وبالنُّجْم" ساكنة الجيم، كأنه مخفف من النُّجْم كلغة تميم في قولهم: رسْل، وكتْب.
ومن ذلك قراءة السلمى: "إيَّانَ يُبْعَثُون١".
قال أبو الفتح: فيه لغتان: أيان، وإيان، بالفتح والكسر وقد مضى فيما قبل٢.
ومن ذلك قراءة مجاهد: "فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السُّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ٣"، و"لِبُيُوتِهِمْ سُقْفًا٤".
قال أبو الفتح: الذي قلناه آنفا٥ في "النُّجْم" هو شرح لهذه القراءة.
ومن ذلك قراءة الحسن وإبراهيم وابن خيرة: "إِنْ تَحْرَصْ"، بفتح الراء.
قال أبو الفتح: فيه لغتان: حَرَصَ يحرِص وهي أعلاهما، وحرِصْتُ أحرَص. وكلاهما من معنى السحابة الحارصة، وهي التي تقشِر وجه الأرض. وشجة حارصة: التي تقشِر جلدة الرأس، فكذلك الحرص، كأنه ينال صاحبه من نفسه لشدة اهتمامه بما هو حريص عليه، حتى يكاد يحُت٧ مستَقَر فكره.
ومن ذلك قراءة الناس: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ٨﴾ بالباء، وروي عن علي "﵇": "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، بالثاء.
قال أبو الفتح: نصب الحسنة هنا أي: يحسن إليهم إحسانا، وضع حسنة موضع إحسان، كأنه واحد من الحَسَن دال عليه، ودل قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ على ذلك الفعل؛ لأنه إذا
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٢١. ٢ انظر الصفحة ٢٦٨ من الجزء الأول. ٣ سورة النحل: ٢٦. ٤ سورة الزخرف: ٣٣. ٥ في ك: أيضا. ٦ سورة النحل: ٣٧. ٧ حتَّ الشجرَ: قشره وأسقط ورقه. ٨ سورة النحل: ٤١.
[ ٢ / ٩ ]
أقرهم في الأرض بإطالة مدتهم ومدة خلفهم فقد أحسن إليهم، كما قال سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ١﴾، وذلك ضدُّ ما يعمل بالعاصين الذين يسحَتُ٢ أعمارهم، ويصطلِمُهُم بذنوبهم وجرائم أفعالهم.
ومن ذلك قراءة الثقفي٣: "تَتَفَيَّأُ ظُلَلَهُ٤"، وقراءة الناس: ﴿ظِلالُهُ﴾ .
قال أبو الفتح: الظُلَلُ: جمع ظُلّة، كحِلّة وحُلَلَ، وجِلّة وجُلَل. وقد يكون ظِلال جمع ظُلَة أيضا، كجُلَة وجِلال. وقالوا أيضا: حُلّة وحِلال، بالحاء غير معجمة. وقد يكون ظِلال جمع ظِلّ، كشِعْب وشِعاب، وبِئْر وبِئار، وذِئب وذِئاب.
ومن ذلك قراءة الزهري: "تَجَرُون٥"، بغير همز.
قال أبو الفتح: هذا في قوة القياس كقراءته أيضا٦ [٩٠ظ]: "لَكُمْ فِيهَا دِف٧"، وأصله "تَجْأَرُون"؛ فخفف الهمزة بأن ألقاها ونقل فتحتها إلى الجيم، فصار "تَجَرُونَ"، كقولك في تخفيف يَسْأَلون: يَسَلُون، وفي يَسْأَمُون: يَسَمون. ونظائره كثيرة قوية.
ومن ذلك ما يُروى عن قتادة: "ثُمَّ إِذَا كَاشَفَ الضُّرَّ٨"، بألف.
قال أبو الفتح: قد جاء عنهم فاعَلَ من الواحد يراد به فَعَلَ، نحو طارَقْتُ النعل، أي: طرقْتُها، وعاقَبْتُ اللصَّ، وعافاه اللهُ، وقانَيْتُ اللونَ، أي: خلطته، في أحرف غير هذه، فكذلك يكون "ثُمَّ إِذَا كَاشَفَ الضُّرَّ" أي: كشف. ونحوه منه في المعنى والمثال: راخيتُ من خناقه، أي أرخيْتُ.
_________________
(١) ١ سورة النور: ٥٥ ٢ سحته: أهلكه واستأصله، ومثله اصطلمه. ٣ الثقفي ساقطة في ك. ٤ سورة النحل:٤٨. ٥ سورة النحل: ٥٣. ٦ أيضا ساقطة في ك. ٧ سورة النحل: ٥، وانظر الصفحة السابعة من هذا الجزء. ٨ السورة السابقة: ٥٤.
[ ٢ / ١٠ ]
ومن ذلك قراءة مكحول عن أبي رافع، قال: حفظت عن رسول الله "ﷺ": "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون١"، بالياء.
قال أبو الفتح: هو معطوف على الفعل المنصوب قبله، أي "لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَيُمَتَّعُوا"، ثم قال من بعد: "فَسَوْفَ يَعْلَمُون".
ومن ذلك قراءة معاذ: "وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكُذُبُ٢" بضم الكاف والذال والباء.
قال أبو الفتح: هو وصف الألسنة، جمع كاذب أو كذوب. ومفعول "تَصِفُ" قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾، وهو على قراءة الجماعة ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول "تصف"، "وأَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى" بدل من "الْكَذِبَ"؛ لأنه في المعنى كذب.
ومن ذلك قراءة الثقفي: "سَيْغًا٣"، وقراءة الناس: "سَائِغًا".
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون "سَيْغ" هذا محذوفا من سَيِّغ، كمَيْت ومَيِّت، وهَيْن وهَيِّن٤؛ وذلك أنه من الواو، لقولهم ساغ شرابهم يسُوغ. ولو كان سيْغ فعْلا لكان "سوْغا". ومنه قولهم: هو أخوه سوْغُه، أي: قابل٥ له غير متباعد عنه، كالشراب إذا قبلتْهُ نفسُ شاربِهِ، ولم تنْبُ عنه.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وعلقمة ويحيى ومجاهد وطلحة: "أَيْنَمَا يُوَجِّهْ٦"، وروي عن علقمة: "يُوَجَّهْ"، بفتح الجيم.
قال أبو الفتح: أما "يُوَجِّهْ"، بكسر الجيم فعلى حذف المفعول، أي أينما يوجِّه وجهَه؛ قال أبو الفتح: أما "يُوَجَّهْ"؛
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٥٥. ٢ السورة السابقة: ٦٢. ٣ من قوله تعالى في سورة النحل: ٦٦. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ . ٤ في ك: كمَيْت من مَيِّت، وهَيْن من هَيِّن. ٥ في ك: قائل، وهو تحريف. ٦ سورة النحل: ٧٦.
[ ٢ / ١١ ]
فحذف للعلم به. وأما "يُوَجَّهْ"، بفتح الجيم، أي أينما يرسل أو يبعث١ لا يأت بخير.
ومن ذلك قراءة الحسن: "بَشَرٌ الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ٢"، بألف ولام.
قال أبو الفتح: ليس قوله: "الِلسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ" جملة في موضع صفة "بَشَر"، ألا تراها خالية من ضميره؟ وكذلك أيضا هي خالية منه في قراءة الجماعة: ﴿بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾، ولأن المعنى أيضا ليس على كونها وصفا، وإنما الوقف على قوله: "بَشَر"، ثم استأنف الله تعالى القول ردا عليهم، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يميلون بالتهمة إليه ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾، ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي: فكيف يعلم الأعجمي العربية.
ولهذا قال سبحانه: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾، ولم يقل: عجمي، وذلك أن "الأعجمي" هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا. والعجمي هو المنسوب للعجم٣ وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا فإن كان لسان٤ اللغة العربية فقال الله تعالى: لسان هذا المتهم بأنه يعلمه أعجم، فكيف يجوز أن يعلم العربية وهو لا يفصح؟ [٩١و] فأعجميٌّ من أعجم بمنزلة أحمريُّ من أحمر، وأشقريٌّ من أشقر، ودوَّاريٌّ من دوَّار، وكلابيٌّ٥ من كِلَّاب. وقد مضى ذلك.
ومن ذلك قراءة الأعرج وابن يعمر والحسن -بخلاف- وابن أبي إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة: "أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبِ٦"، وقرأ "الكُذُبَ" يعقوب، وقرأ "الكُذُبُ" مسلمة بن محارب، وقراءة الناس: ﴿الكَذِبَ﴾ .
قال أبو الفتح: أما "الْكَذِبِ" بالجر فبدل من "ما" في قوله: "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
" أي: لا تقولوا للكذبِ الذي تصف ألسنتكم.
_________________
(١) ١ في ك: ويبعث. ٢ سورة النحل: ١٠٣. ٣ في ك: إلى العجم. ٤ كذا في الأصل، وفي ك: وإن كان. والظاهر أن العبارة: وإن كان لسانه اللغة العربية. ٥ انظر المحتسب: ١: ٣١٠، ٣١١. ٦ سورة النحل: ١١٦.
[ ٢ / ١٢ ]
وأما "الكُذُبَ" بالنصب فجمع كِذَاب، ككِتاب وكُتُب. يقال: كذَب الرجل يكذِب كَذِبًا وكِذَابا، وهو رجل كَيْذَبان، وكِيْذَبان، وكَذَبْذَب. ويقال أيضا: مَكْذَبان، كمَلْكَعان١. وجاز جمع الكِذَاب لأنه ذُهِبَ به مذهب النوع، ولو أُرِيدَ به الجنس لكان جمعُه مستحيلا. والكُذُبُ وصف الألسنة، وقد تقدم مثله.
ومن ذلك قراءة ابن سيرين: "وَإِنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا٢".
قال أبو الفتح: معناه إن تتبعتم فتتبعوا بقدر الحق الذي لكم، ولا تزيدوا عليه. قال لبيد:
حتى تَهَجَّرَ في الرواحِ وهاجَهُ طلبُ المعقِّب حقَّه المظلوم٣
أي هاجه طلبا٤ مثل طلب المعقب حقه المظلوم، أي عاذَه ومنعَه المظلومُ، فـ"حَقَّه" على هذا فِعْلٌ: حَقَّه يَحُقُّه، أي لَوَاهُ حقَّه. ويجوز: طلبَ المعقِّب حقه، فتنصب "حقه" بنفس الطلب مع نصب "طلب" كما تنصبه، أي الحق مع رفعه، أي الطلب. والمظلوم صفة المعقب على معناه دون لفظه، أي أن طلب المعقب المظلوم حقه في الموضعين جميعا٥.
_________________
(١) ١ الملكعان: اللئيم، وهو ومكذبان مما يلازم النداء. وانظر الهمع: ١: ١٧٨. ٢ سورة النحل: ١٢٦. ٣ ضمير هاجه لحمار الوحش، وروي "هاجها"، فتكون "ها" لأتانه. والمعقب: صاحب المال طلب حقه مرة بعد مرة. وتهجر في الرواح: عجل الرواح إلى الماء. والديوان: ١٢٨. ٤ كذا في النسختين، ورفع "طلب" في البيت يقتضي أن يكون التأويل: وهاجه طلب مثل طلب المعقب. ٥ زاد في ك: أي في نصب الطلب ورفعه.
[ ٢ / ١٣ ]