بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الضحاك ويعقوب: "لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ١".
قال أبو الفتح: أي لا تفعلوا ما تؤثرونه، وتتركوا ما أمركم الله به. وهذا هو معنى القراءة العامة: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: لا تقدموا أمرا على ما أمركم الله به، فالمفعول هنا محذوف كما ترى.
ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن -بخلاف- وعاصم الجحدري: "فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ٢".
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن القراءة العامة التي هي: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ لفظها لفظ التثنية، ومعناها الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدا من المسلمين اقتتلا فأصلحوا بينهما. ألا ترى أن هذا حكم عام في الجماعة، وليس يختص به منهم اثنان مقصودان؟ ففيه إذا شيئان:
أحدهما لفظ التثنية يراد به الجماعة.
والآخر لفظ الإضافة لمعنى الجنس، وكلاهما قد جاء منه قولهم: لبيك وسعديك، فليس المراد هنا إجابتين ثنتين، ولا إسعادين اثنين. ألا ترى أن الخليل فسره فقال: معناه كلما
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ١. ٢ سورة الحجرات: ١٠.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
كانت في أمرين فدعوتني له أجبتك إليه، وساعدتك عليه١. فقوله: كلما يؤكد ما نحن عليه ومنه قولهم:
فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم٢
ألا تراه لا ينفي قوتين وثنتين، وإنما ينفي جميع قواه؟ وكذلك قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ٣﴾ . ونعم الله تعالى أكثر من أن تحصى، وكذلك قوله:
إذا شق برد شق بالبرد مثله دواليك حتى ليس للبرد لابس٤
أي: مداولة بعد مداولة، وكقول العجاج:
شربا هذا ذيك وطعنا وخضا٥
أي: بعد هذ، ولا هذين اثنين ليس غير، ونظائره كثيرة.
وأما إفادة المضاف لمعنى الجنسية فقولهم: منعت العراق قفيزها٦ ودرهمها، أي: قفزانها
_________________
(١) ١ روى سيبويه تفسير الخليل "لحنانيك" فقال: وزعم الخليل "﵀" أن معنى التثنية أنه أراد تحننا بعد تحنن، كأنه قال: كلما كنت في رحمة منك فلا ينقطعن. وليكن موصولا بآخر من رحمتك. ويفسر سيبويه "لبيك" فيقول: كما أنه أراد بقوله: لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة، كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في الأمر الآخر مجيب فكأن أبا الفتح ينقل من حفظه. وانظر الكتاب: ١: ٧٤، ١٧٥. ٢ البيت للفرزدق يخاطب عمر بن لجأ، وكان دخل بين الفرزدق وجرير في الهجاء. وانظر الديوان: ٨٢٥، والخصائص: ١: ٣٣٩. ٣ سورة المائدة: ٦٤. ٤ لسحيم عبد بني الحسحاس. ويروى "برقع" مكان "مثله"، و"حتى كلنا غير لابس" مكان "حتى ليس للبرد لابس". وفي البيت اقراء على رواية أبي الفتح، لأن الروي محرك بالكسر في أبيات الشاهد. وكانت العرب تزعم أن المتحابين إذا شق كل واحد منهما ثوب صاحبه دامت مودتهما. وانظر الديوان: ١٦، والكتاب: ١: ١٧٥، والخزانة: ١: ٢٧١. ٥ من أرجوزة في مدح الحجاج. والهذ: السرعة في القطع وغيره. وضربا هذا ذيك. ضربا يهذ هذا بعد هذ، على التكسير، وصفة للضرب أو بدل منه. والوخض: الطعن الجائف. يريد: ضرب الأعناق وطعن الأجواف. وانظر الديوان: ٣٥، والكتاب: ١: ١٧٥، والخزانة: ١: ١٧٤. ٦ القفيز: مكيال يسع ثمانية مكاكيك، والمكوك: مكيال يسع صاعا ونصفا، أو نصف رطل إلى ثمان أواق.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ودراهمها، ومنعت مصر إردبهان، أي: أرادبها، [١٥٠و] ومنه قوله "تعالى": ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ١﴾، ومنه قولهم: نعم الرجلان الزيدان، وله أشباه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس "لِتَعرفوا٢"، قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إلى معرفته من هذا الوجه، وهو كقوله:
وما علم الإنسان إلا ليعلما٣
أي ليعلم ما علمه، أو ليعلم ما يدعو إلى علمه ما علمه. وحذف المفعول كثير جدا، وما أغربه وأعذبه لمن يعرف مذهبهم٤!.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٦٤. ٢ سورة الحجرات: ١٣. ٣ للمتلمس: صدره: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وانظر الأصمعيات: ٢٨٦. ٤ انظر الصفحة ١٢٥ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٨٠ ]