بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "كَيْ لا تكُونَ دُولَةً١"، بالتاء مرفوعة الدال والهاء - أبو جعفر يزيد.
قال أبو الفتح: منهم من لا يفصل بين الدولة والدولة، ومنهم من يفصل فيقول: الدولة في الملك، والدولة في الملك. "وتكون" هنا هي التامة، ولا خير لها، أي: كي لا تقع دولة أو تحدث دولة بين الأغنياء. وإن شئت كانت٢ صفة لـ"دولة"، وإن شئت كانت متعلقة بنفس "دولة"، تداول بين الأغنياء، وإن شئت علقتها بنفس "تكون" أي: لا تحدث بين الأغنياء منكم، وإن شئت جعلتها "كان" الناقصة، وجعلت "بين" خبرها.
والأول الوجه، ومعناه: كي لا تقع دولة فيه أو عليه، يعنى على المفاء من عند الله.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وأبي حية: "جُدْر٣"، بضم الجيم، وتسكين الدال.
قال أبو الفتح: هذه مخففة من جدر، جمع جدار. وأما من قرأ: "مِنْ وَرَاءِ جِدَار" فيحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون واحد وقع موقع الجماعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ٤﴾، أي: أطفالا.
وفيه وجه آخر لطيفن وفيه الصنعة، وهو أن يكون "جدار" تكسير جدار أيضا، فتكون ألف [١٥٨و] جدار في الواحد، كألف كتاب وحساب، وفي الجماعة كألف ظراف وكرام.
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ٧. ٢ أي "بين الأغنياء" وقد تكون "بين" سقطت قبل "إن". ٣ سورة الحشر: ١٤. ٤ سورة غافر: ١٦٧، وفي الأصل: ويخرجكم، وهو تحريف.
[ ٢ / ٣١٦ ]
ومثله مما كسر من من فعال على فعال قولهم: ناقة هجان١ ونوق هجان، ودرع دلاص٢ وأدرع دلاص. ويدل على أن هجانا ليس لفظا واحد يقع على الواحد فما فوقه كجنب وبابه- قولهم: هجانان، وهذا واضح.
وإنما جاز تكسير فعال على فعال من حيث كانت فعال أخت فعيل. ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا وقيل لامه حرف لين؟ فكما كسر فعيل على فعال كشريف وشراف، وكريم وكرام - كذلك أيضا جاز تكسير فعال على فعال، وكما أن ألف جدار في الواحد ليست ألف جدار في الجمع - فكذلك كسرة الجيم فيه غير كسرته فيه، وفتحة الدال فيه غير فتحته فيه، كما أن كسرة الشين في شراف غير فتحتها في شريف، وكما أن فتحة الدال في جدار غير كسرة الراء من شريف.
فهذا الخلاف لفظا هو الذي سوغ اعتقاد المتفقين لفظا مختلفين تقديرا ومعنى.
وهذا غور من العربية بطين، وله نظائر كثيرة، وفيه صنعة لطيفة، وقد أفردنا له بابا في كتابنا الخصائص فيما اتفق لفظه واختلف معناه من الحروف والحركات والسكون٣، ومثله سواء قول الله "تعالى": ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٤﴾، يكون "إمام" مع إمام، على ما شرحناه في جدار. وذهب أبو الحسن إلى أنه جمع آم، كقائم وقيام.
ومن ذلك قال ابن مجاهد وأبو حاتم عن يعقوب، قال: سمعت أعرابيا يكنى أبا الدينار عند الكسائي يقرأ: "الْقَدُّوس"، بفتح القاف.
قال أبو الفتح: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه في الصفة السبوح، والقدوس، وحكى
_________________
(١) ١ ناقة هجان: بيضاء. ٢ درع دلاص: ملساء لينة. ٣ الخصائص: ٢: ٩٣-١٠٣، وعنوان الموضوع هناك: باب في اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين في الحروف والحركات والسكنات. ٤ سورة الفرقان: ٧٤. ٥ سورة الحشر: ٢٣.
[ ٢ / ٣١٧ ]
في الصفة أيضا السبوح، والقدوس، بالضم، وإثبات الفعول الاسم كشبوط١، وسمور٢، وتنور، وسفود٣، وهبود٤، -لجبل باليمامة، - وعبود.
ومن ذلك قرأ الأعمش: "وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِمْرًا٥".
قال أبو الفتح: هو راجع بالمعنى إلى أنه من قولهم: منديل الغمر؛- لأنه الدنس وفساد المعتقد، وكلام العرب لطيف المذهب، وكريم المضطرب لكن بقى من يشبه٦، وينجلى بنظره أغماؤه٧ وأشبه٨.
_________________
(١) ١ الشبوط: سمك دقيق الذنب، عريض الوسط، لبن المس، صغير الرأس، والواحدة بهاء. ٢ السمور: دابة يتخذ من جلدها فراء ثمينة. ٣ السفود: حديدة يشوى بها. ٤ هبود أيضا: ماء، وفرس لعمرو بن الجعيد. ٥ سورة الحشر: ١٠. ٦ يشبه: يجلو محاسنه، ويكشف عن مزاياه. ومن قولهم: شبه الخمار والشعر لونها: زادا في حسنها، وأظهرا جمالها. ٧ أغماؤءه: أغشيته، جمع غمى، كهوى. من قولهم: في السماء غمى، إذا غم عليهم الهلال. ٨ أشبه: اختلاط وجوهه، وتشابك مذاهبه. من قولهم أشب الشجر -كفرح-: التف.
[ ٢ / ٣١٨ ]