بسم الله الرحمن الرحيم
روى الواقدي١ عن سليمان عن أبي جعفر: "وَآثَارُوا الْأَرْضَ"٢، ممدودة. قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء.
قال أبو الفتح ظاهره لعمري منكر إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به؛ وذلك أنه أراد وأثاروا الأرض، أي: شققوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا من قول الله سبحانه: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ ٣، إلا أنه أشبع فتحة الهمزة؛ فأنشأ عنها ألفا، فصارت "آثاروا" وقد ذكرنا ذلك وشواهده في نحو قول ابن هرمة:
فأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ومِنْ ذَمَّ الرجال بِمُنْتَزاحِ٤
يريد: بمنتزح، منفعل من النازح؛ فأشبع فتحة الزاي، فأنشأ عنها ألفا. وهذا لعمري مما تختص به ضرورة الشعر لا تخيُّر القرآن.
ومن ذلك قراءة عكرمة "حِينًا تُمْسُونَ"٥.
قال أبو الفتح: أراد: حينًا تمسون فيه، فحذف "فيه" تخفيفا. هذا مذهب صاحب الكتاب في نحوه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٦،
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن واقد أبو عبد الله الواقدي المدني، ثم البغدادي. روى القراءة عن نافع بن نعيم وغيره، وروى القراءة عنه محمد بن سعيد كاتبه. مات سنة ٢٠٩ ببغداد، ودفن بمقابر الخيزران. طبقات ابن الجزري: ٢: ٢١٩. ٢ سورة مريم: ٩. ٣ سورة البقرة: ٧١. ٤ في ك: وأنت. وانظر الصفحة: ١٦٦ من الجزء الأول. ٥ سورة الروم: ١٧. ٦ سورة البقرة: ٤٨، ١٢٣.
[ ٢ / ١٦٣ ]
أي لا تجزي فيه ثم حذف "فيه" معتبطا١ لحرف الجر والضمير لدلالة الفعل٢ عليهما.
وقال أبو الحسن: حذف "في" فبقي "تجزيه"؛ لأنه أوصل إليه الفعل، ثم حذف الضمير من بعد، ففيه حذفان متتاليان شيئا على شيء، وهذا أرفق، والنفس به أبسأ٣ من أن يُعْتَبَطَ الحرفان معا في وقت واحد.
وقرأ أيضا: "وَحِينًا تُصْبِحُونَ"، والطريق واحد.
ومن ذلك [١٢٤ظ] قراءة أبي العالية: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون"٤.
قال أبو الفتح: "يمتعوا" معطوف على قوله: "لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَيُمَتَّعُوا"، أي: فتطول أعمارهم على كفرهم فسوف يعلمون، تهدّدا على ذلك.
ومن ذلك قراءة علي ﵇: "مِن خَلَلِه"٥، وكذا ابن عباس والضحاك والحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون "خلل" واحد خِلال، كجَبَل وجِبال، ودار ودِيَار. ويجوز أن يكون خلال واحدًا عَاقَبَ خللا، كالغَرَاء والغِرَاء٦، والصَلَى والصَّلاء٧. وسُمِّيَ الرجلُ خليلا٨، كأنه يسدُّ خَلَلَ خَلِيلِهِ٩، فهذا إذا للسلب لا للإثبات، كالسُّكاك للهواء بين الأرض والسماء، كأنه استلب معنى س ك ك، وهو الضيق، وقد تقدم نحو هذا.
_________________
(١) ١ معتبطا: لغير مقتض ولا علة، من قولهم: اعتبطه الموت، أي: ذهب به شابا صحيحا. ٢ في ك: العقل. ٣ أبسأ: آنس. ٤ سورة الروم: ٣٤. ٥ سورة الروم: ٤٨. ٦ الغرا والغراء: ما طلى به أو ما ألصق به. ٧ الصلى والصلاء: النار. ٨ خليلا ساقطة في ك. ٩ في ك: صاحبه.
[ ٢ / ١٦٤ ]
ومن ذلك قراءة الجحدري وابن السميفع وأبي حيوة: "أثَر رَحْمَةِ اللَّهِ"١، "كيْفَ تُحْيي".
قال أبو الفتح ذهب بالتأنيث إلى لفظ "الرحمة" ولا تقول على هذا: أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا؟ بالتاء وفرق بينهما أن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض في ذلك إنما هو هي. تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها.
ألا ترى أنك لا تقول رأيت غلام هند وأنت تعني أنك رأيتها؟ وأثر النعمة كأنه هو النعمة، وقوله: ﴿كَيْفَ تُحْيِي﴾ جملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على المعنى لا على اللفظ؛ وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان. وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها، كما أن قوله:
ما زِلْتُ أسعَى معهمْ وأختبِط حتى إذا جاء الظلامُ المُخْتَلِط
جاءُوا بِضَيْحٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّيبَ قَطّ٢؟
فقوله: هل رأيت الذيب قط جملة استفهامية، إلا أنها في موضع وصف "الضيح" حملا على معناها دون لفظها؛ لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاءوا بضيح يشبه لونه لون الذئب. والضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى الخضرة والطلسة٣، وعليه قول الآخر:
إلَى اللهِ أَشْكُو بالمدينةِ حاجَةً وبالشَّامِ أُخْرَى كَيْفَ تَلْتَقِيانِ٤؟
_________________
(١) ١ سورة الروم: ٥٠. ٢ قبله: بتنا بحسان ومعزاه تئط وروي "بينهم" مكان "معهم"، "ألتبط" مكان "أختبط"، و"كاد" مكان "جاء"، و"يختلط" مكان "المختلط"، و"مذق" مكان "ضيح". والمعزى: اسم جنس كالمعز، والواحد ماعز، وللأنثى ماعزة، وهي العنز. وتئط: يصوت جوفها من الجوع. وضمير "معهم" لحسان باعتبار قبيلته. وأختبط: أسأل معروفهم من غير وسيلة. وألتبط: أعدو. والمذق. المذيق، وهو اللبن الممزوج بالماء. وانظر الخزانة: ١: ٢٧٥، وشواهد الكشاف: ٧٤. ٣ الطلسة: الغبرة إلى سواد. ٤ نسبه في الدرر اللوامع "٢: ١٦٦" إلى الفرزدق، ولم نعثر عليه في ديوانه.
[ ٢ / ١٦٥ ]
فقوله: كيف تلتقيان جملة في موضع نصب بدلا من "حاجةً" وحاجةً، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذر التقائهما، هذا أحسن من أن تقتطع قوله: كيف تلتقيان مستأنفا، لأن هذا ضرب من هجنة الإعراب، لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما.
ومن ذلك قراءة الحسن: "إِلَى يَوْمِ الْبَعَثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعَثِ"١، بفتح العين فيهما.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث فتحة الحرف الحلقي إذا كان ساكن الأصل تاليا للفتح، وذكر الفرق بين قولنا وقول البغداديين فيه، وأننى أرى فيه رأيهم لا أرى أصحابنا. وذكرت ما سمعته من الشجري وغيره من قولهم فيه: أنا محموم، وقوله: يغذو، وهو يريد: يغذو. فلا حاجة لإعادته هنا٢، فكذلك يجوز أن يكون أراد "البعث [١٢٥و] على قراءة الجماعة، ثم حرك بالفتح لأجل حرف الحلق.
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق ويعقوب: "ولا يَسْتَحِقَّنَّكَ"٣.
قال أبو الفتح: أي لا يغلبنك، فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه القراءة.
_________________
(١) ١ سورة الروم: ٥٦. ٢ انظر الصفحة ٨٤ من الجزء الأول. ٣ سورة الروم: ٦٠، وفي نسختي الأصل "يستخفنك" سكون النون لكن كتب في هامشهما: في نسخته "يستحقنك". وفي البحر "٧: ١٨١": وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب: "ولا يستحقنك" بحاء مهملة، وقاف، من الاستحقاق. والجمهور بخاء معجمة وفاء، من الاستخفاف. وسكن النون ابن أبي عبلة ويعقوب فما أثبت في صلب نسختي الأصل قراءة ابن أبي عبلة ورواية أخرى عن يعقوب.
[ ٢ / ١٦٦ ]