بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة أبي جعفر يزيد: "بَلْدَةً مَيْتًا١"، بالتشديد.
قال أبو الفتح: التذكير مع التشديد ليس في حسن التذكير مع التخفيف؛ وذلك أن "ميتا" بالتشديد يكاد يجري مجرى فاعل، فكأنه مائت؛ ولذلك اعتقبا على الموضع الواحد٢، فقالوا: رجل سائد وسيد، وبائع وبيع، وقائم بالأمر وقيم.
وقرئ: "إنك مَائِت٣" و"مَيّت".
وعليه أيضا حذفت عين فيعل مما اعتلت عينه، كما حذفت عين فاعل منه فصار ميت، وهين، ولين - كشاك٤، وهار٥، ولاث٦. وإذا جريا مجرى المثال الواحد - لما
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١١. ٢ كذا في ك، وفي الأصل للواحد، وهو تحريف. ٣ سورة الزمر: ٣٠، و"مائت" قراءة ابن محيصن والحسن، وقراءة الجماعة "ميت" كما في الاتحاف: ٢٣١ ٤ من قول مرحب اليهودي غزوة خبير: قد علمت خيبر أني مرحب شاك السلاح بطل مجرب وشاك السلاح: حديده، وأصله شائك. ٥ هار: أصله هائر، وصف من هار البناء: إذا هدمه، فهار. ٦ من قول العجاج يصف أيكا: لاث به الأشاد والعبرى ولاث: أصله لاثث، وصف من لاث الشجر: إذا كثر والتف. والأشاء: صغار النخل جمع اشاءة. والعبرى: ما ينبت من شجر الضال على شطوط الأنهار، منسوب إلى العبر، وهو شاطئ النهر. والقول بحذف العين في الأوصاف الثلاثة هو الأكثر، ويرى الخليل أن فيها قلبا مكانيا، بجعل العين مكان اللام والإعراب على المحذوف. وعليه قول طريف بن تميم: فتعرفوني أنني أنا ذاكم شاك سلاحي في الحوادث معلم وانظر الكتاب: ٢: ١٢٩، ٣٧٨، والخصائص: ٢: ١٢٩، ٤٧٧، ٤٩٣، وشرح شواهد الشافية: ٣٦٧-٣٧٠.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ذكرناه، ولما استطلناه فتركناه- ضعف "بَلْدَةً مَيْتًا
" بالتثقيل، كما ضعفت امرأة مائت وبائع.
وليس الموت أيضا مما يختص بالتأنيث فيحمل على تذكير طالق وطامث١ وبابه وهو٢ إذا خفف فقيل ميت أشبه لفظ المصدر، نحو البيع، والضرب، والموت، والقتل وتذكير المصدر إذا جرى وصفا على المؤنث ليس بمستنكر، نحو امرأة عدل، وصوم، ورضا، وخصم. فهذا فرق -كما ترى- لطيف.
ومن ذلك قراءة الزهري: "أَشَهِدُوا٣"، بغير استفهام.
قال أبو الفتح: أما حذف همزة الاستفهام تخفيفا، كأنه قال: أشهدوا خلقهم؟ كقراءة الجماعة - فضعيف؛ لأن الحذف في هذا الحرف أمر موضعه الشعر، ولكن طريقه غير هذا. وهو أن يكون قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ صفة لـ"إناث" حتى كأنه قال: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد لرحمن إناثا مشهدا خلقهم هم.
فإن قلت: فإن المشركين لم يدعوا أنهم أشهدوا خلق ذلك، ولا حضروه.
قيل: اجتراؤهم على ذلك، ومجاهرتهم به، واعتقادهم إياه، وانطواؤهم عليه -فعل من شاهده، وعاين معتقد ما يدعيه فيه، لا من هو شاك ومرجم ومتظن، وإن لم يكن معاندا ومتخرصا لما لا يعتقده أصلا. فلما بلغوا هذه الغاية صاروا كالمدعين أنهم قد شهدوا ما تشهروا٤ به وأعصموا٥ باعتقاده.
وهذا كقولك لمن يزكي نفسه، وينفي الخبائث عنها، أو شيئا من الرذائل أن تتم٦ عليها: وأنت إذا تقول: إنك معصوم، وهو لم يلفظ بادعائه العصمة، لكنه لما ذهب بنفسه ذلك المذهب صار بمنزلة من قال: أنا معصوم.
_________________
(١) ١ طامث: حائض. ٢ في ك: فهو. ٣ سورة الزخر: ١٩. ٤ لم نعثر على هذا الفعل فيما بين أيدينا من المعاجم. ٥ أعصموا: تمسكوا. ٦ تتم عليها: تمضي، وتستمر.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
ومثله أن يقول الإنسان: القرآن ليس بمعجز، والنبي -ﷺ- ليس بمرسل، فتقول أنت: هذا الذي تقول الحق باطل، وهو لم يلفظ بذلك، لكن صورته صورة من لفظ به.
وعليه قول الله "سبحانه": ﴿يَدْعُو [١٤٥و] لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ١﴾، إذا تأولت ذلك على أنه كأنه قال: يقول: لمن ضره أقرب من نفعه إله، ثم حذفت خبر المبتدأ، وإن كان هو لم يقل ذلك، بل هو يعتقد أن نفعه أقرب من ضره، لكنك أخبرت عنه أن صورته مع تحصيلها صورة من يقول: ذلك.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "لَمَّا مَتَاع٢".
قال أبو الفتح: ما هنا بمنزلة الذي، والعائد إليها من صلتها محذوف، وتقديره: وإن كل ذلك للذي هو متاح الحياة الدنيا، فكأنه قال: وإن كل ذلك لما يتمتع به أحوال الدنيا، فجاز حذف هذا الضمير على انفصاله جوازا قصدا لا مستحسنا، ومثله على توسطه قراءة من قرأ: "مَثَلًا مَا بَعُوضَة٣، أي: ما هو بعوضة، وقوله:
لم أر مثل الفتيان في غبن الـ أيام ينسون ما عواقبها٤
أي: ينسون الذي هو عواقبها. وقد ذكرناه بما فيه، إلا أن ابن مجاهد لم يذكر كيف إعراب "كل" في هذه الآية؟ هل هو مرفوع أو منصوب؟ وينبغي أن يكون منصوبا؛ وذلك أن "أن" هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت منها وأبطل نصبها لزمتها اللام في آخر الكلام للفرق بينها وبين إن النافية بمعنى ما، وذلك قولك: إن زيد لقائم، وقوله:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما٥
_________________
(١) ١ سورة الحج: ١٣. ٢ سورة الزخرف: ٣٥. ٣ سورة البقرة: ٢٦، ورفع "بعوضة" قراءة الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورؤية بن العجاج، وقطرب، كما في البحر: ١: ١٢٣. ٤ انظر الصفحة ٢٣٥ من الجزء الأول. ٥ لعاتكة بنت زيد العدوية بنت عم عمر بن الخطاب من قصيدة ترثى بها الزبير ابن العوام، والخطاب لعمرو بن جرموز قاتل الزبير. وعجزه: حلت عليك عقوبة المتعمد وانظر مختصر شرح الشواهد للعيني: ١٢١، ١٢٢، والدرر اللوامع: ١: ١١٩.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
أي: إنك قتلت مسلما، وهذا موضح في بابه.
فلو كانت "كل" هنا رفعا لم يكن بد معها من اللام الفاصلة بين المخففة والنافية، ولالام معك؛ لأن هذه الموجودة في اللفظ إنما هي الجارة المكسورة، ولو جاءت معها لوجب أن تقول: وإن كل ذلك للمامتاع الحياة الدنيا، كقولك: إن زيد لمن الكرام.
فإن قلت: إنه قد يجوزم أن يكون أراد اللام الفاصلة، لكنها جفت مع اللام الجارة، فحذفت وصارت هذه الجارة في اللفظ كالعوض منها.
قيل: فقد قال:
فلا والله لا يلفي لما بي ولا للما بهم أبدا دواء١
فجمع بين اللامين، وكلتاهما جارة. فجاز الجمع بين الجارتين، وهما بلفظ واحد، وعمل واحد- فجمع المفتوحة مع المكسورة العاملة أحرى بالجوز.
وبعد، فالحق أحق أن يتبع. هذا بيت لم يعرفه أصحابنا ولا رووه، والقياس من بعد على نهاية المج له والإعراض عنه، لاسيما وقد جاور بحرف الجر حرفا مثله لفظا ومعنى، فلو وجد هذا البيت عنوانا على كل ورقة من مصحف أبي عمرو لما جاز استعمال مثله في الشعر إلا كلا ولا٢، فضلا عن الأخذ به في كتاب الله.
فإذا كان كذلك بطل رفع "كل" لما ذكرناه، وجب أن يكون نصبا على لغة من نصب مع التخفيف، فقال: إن زيدا قائم؛ لأنه إذا نصب زال لاشك في أنها ليست بالنافية؛ لأن تلك غير ناصبة للمبتدأ. وترك ابن مجاهد ذكر الإعراب في "كل" يدعو إلى أن يكون رفعا؛ إذ لو كان نصبا لذكره لما فيه من الشذوذ الذي عليه وضع الكتاب، ففيه إذا ما تراه، فتعجب منه.
_________________
(١) ١ لمسلم بن معبد الوالبي من شعراء الدولة الأموية، والوالبي نسبة إلى والبة بن الحارث ابن ثعلبة بن داودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة. ويروى "وابيك" مكان "والله"، وانظر الخزانة: ٦: ٢٦٤. ٢ كلا ولا، أي: إلا قليلا. والعرب إذا أرادت تقليل مدة فعل أو ظهور شيء خفي قالت: كان فعله كلا. وربما كررت فقالت: كلا ولا. وانظر اللسان "لا".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود "﵄" ويحيى والأعمش: "يَا مَالِ١".
قال أبو الفتح: هذا المذهب المألوف في الترخيم [١٤٥ظ]، إلا أن فيه في هذا الموضع سرا جديدا، وذلك أنهم -لعظم ما هم عليه- ضعفت قواهم، وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم؛ فكان هذا مواضع الاختصار ضرورة عليه، ووقوفا دون تجاوزه إلى ما يستعمله المالك لقوله، القادر على التصرف في منطقه.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن اليماني: "فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِين٢".
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- أول الأنفين. يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدا، أي: أنفت منه. وهذا يشهد لقول من قال في القراءة الأخرى: "فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين"، أي: الأنفين. ولم يذهب إلى أنه أول العابدين؛ لأني لا أذهب إلى ما يذهبون إليه من أن معناه: أن كان للرحمن عندكم أنتم ولد فأنا أول من يعبده، لأن الأمر بخلاف ما قدرتموه أنتم.،
ألا ترى أن العبدين من عبد يعبد؟ فإن قلت: فقد قال:
أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا
إلا عرادا عردا وصليانا بردا
وعنكثا ملتبدا٣
يريد عاردا وباردا، كما قال العجلي:
كأن في الفرش القتاد العاردا٣
قيل: إنما جاز في الضرورة؛ لأن القافية غير مؤسسة، فحذف الألف ضرورة كما حذفها الآخر من قوله:
مثل النقا لده ضرب الطلل٤
يريد الطلال، كما قال القحيف العقيلي:
ديار الحي يضربها الطلال بها أهل من الخافي ومال٤
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ٧٧. ٢ سورة الزخرف: ٨١. ٣ انظر الصفحة ١٧٢ من الجزء الأول. ٤ انظر الصفحة ١٨١ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وكذلك مذهب ابن عباس في قوله: "فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين"، أي: الأنفين.
ووجه ثالث مقول أيضا، وهو أن تكون "إن" بمعنى ما، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين له؛ لأنه لا ولد له. قال الفرزدق:
وأعبد أن تهجى كليب بدارم١
أي: آنف من ذلك.
وروينا عن قطرب أن العابد العالم، والعابد الجاحد، والعابد الأنف الغضبان، قال: ومعنى هذه الآية يحتمل كل هذه المعاني، وفيه ما ذكرته أنا لك.
ومن ذلك قراءة الأعرج ورويت عن أبي قلابة وعن مجاهد أيضا: "وقيله٢"، رفعا.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ارتفاعه عطفا٣ على "علم" من قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾، و"قيله"، أي: وعلم قيله، فجاء على حذف المضاف، كما أن من جره "وقيله" فهو معطوف عنده على "الساعة". فالمعنيان -كما تراه- واحد، والإعرابان مختلفان.
فمن نصب فقال: "وقيله" كان معطوفا على "الساعة" في المعنى، إذ كانت مفعولا بها في المعنى، أي: عنده أن يعلم الساعة وقيله. وهذا كقولك: عجبت من أكل الخبز والتمر، أي: من أن أكلب هذا وهذا. وروينا عن أبي حاتم، قال: "وقيله" نصب معطوف على "نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ٤"، و"قيله". قال: قال ذلك جماعة، منهم يعقوب القارئ. وبعد، فليعم أن المصدر الذي هو "قيل" مضاف إلى الهاء، وهي مفعولة في المعنى لا فاعله؛ وذلك أن وعنده عطفا
_________________
(١) ١ رواية اللسان "عبد": أولئك قوم أن هجوني هجوتهم وأعبد أن أهجو كليبا بدارم ورواية البحر "٧: ٢٨" أولئك آبائي فجئني بمثلهم وأعبد أن أهجو كليبا بدارم وورد في الديوان: ٧٠٠ هذا البيت: أظنت كلام اللؤم أن ليست شاتما قبائل إلا بني دخان بدارم وابنا دخان: غني، وباهلة. ٢ سورة الزخرف: ٨٨. ٣ ساقطة في ك. ٤ من قوله تعالى في الآية ٨٠: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
علم أن يقال له: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فالمصدر هنا مضاف إلى المفعول لا إلى الفاعل، وإنما هو [١٤٦و] من باب قول الله "سبحانه": ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ ١﴾، أي: بسؤاله إياك نعجتك. ومثله قوله "تعالى": ﴿لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ٢﴾، أي: من دعائه الخير، لا بد من هذا التقدير.
ألا ترى أنه لا يجوز أن تقدره على أنه: وعنده علم أن يقول الله: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون؟ لأن هذا إنما يقال لله "تعالى" دون أن يكون "سبحانه" يقول: يا رب إن هؤلاء كذا، فتم الكلام على "يؤمنون"، ثم قال الله: يا محمد، فاصفح عنهم، وليس يريد "تعالى" الصفح الذي هو المساهلة والعفو؛ إنما المراد فأعرض عنهم بصفح وجهك، كما قال "تعالى" ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين ٣﴾ .
وقوله: "قل سلام٤"، أي: أمرنا وأمركم متاركة وتسلم، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ٥﴾ .
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُون ٦﴾ من كلام الله أيضا، ألا ترى أن النبي "ﷺ" لا يقول لله "سبحانه": ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُون﴾؟ لأن هذا إعلام، والله أحق المعلمين بهم.
_________________
(١) ١ سورة ص: ٢٤. ٢ سورة فصلت: ٤٩. ٣ سورة الأعراف: ١٩٩. ٤ سورة الزخرف: ٨٩. ٥ سورة الفرقان: ٦٣. ٦ "تعلمون" بالخطاب قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر ووافقهم الحسن، وقرأ الباقون "يعلمون" بالغيب. وانظر الاتحاف: ٢٣٩.
[ ٢ / ٢٥٩ ]