بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الحسن: "اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ١".
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث الطاغوت٢ وأنه مقلوب، ووزنه فلعوت من طغيت، وقالوا أيضا: طغوت. وقولهم: طغيان دليل على أن اللام ياء، فأصله إذا طغيوت، مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت، ثم قدمت اللام على العين، فصارت طيغوت، ثم قلبت الياء-لتحركها وانفتاح ما قبلها ألفا، فصارت طاغوت، وكان قياسه إذا كسر أن يقال: طياغيت، إلا أنه ينبغي أن يكون الطواغيت جاء على لغة من قال: طغوت.
ومثال طواغيت -على ما ترى- فلاعيت، وتبني مثلها من ضرب فتقول: ضاربتن ومن قتل قلاتيت، ومن وأيت ويائيت.
ومثلها سواء الحانوت، وهي في الأصل حنووت، فعلوت من حنوت؛ لأن الحانوت يحنو على ما فيه، ثم قدمت اللام على العين، فصار حونوت، ثم انقلبت الواو كما انقلبت في طوغوت، فصار حانوت، ووزنها فلعوت، وعليه قالوا [١٤١و] في تكسيرها: حوانيت، وهي فلاعيت.
والحانة محذوفة اللام، كالبالة من باليت، وعليه قال عمارة:
وكيف لنا بالشرب فيها وما لنا دنانير عند الحانوي ولا نقد٣؟
فهذا على النسبة، إلى ناجية ناجوى.
ويجوز في الطواغيت وجه آخر، وهو أن يكون من طغيت، إلا أنه لما قدم اللام وقبلها،
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ١٧. ٢ انظر الصفحة ١٣١ وما بعدها من الجزء الأول. ٣ انظر الصفحة ١٣٤ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فصارت إلى طاغوت - أشبهت فاعوا، فكسرها بالواو، كعاقول١ وعواقيل، وساجور٢ وسواجير، لا سيما وقد كثر عنهم التخليط في هذا المثال. ألا تراهم قالوا: شيراز٣، ثم كسروا فقالوا: شواريز، فيما حكاه أبو الحسن. وقياسه شياريز، أو شراريز. والوجه الأول أقرب مأخذا، وهذا الثاني أيضا مقبول على ما ترى.
ومن ذلك قراءة أبي صالح الكوفي٤ ومحمد بن جحادة وعكرمة بن سليمان٥: "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ٦"، خفيفة.
قال أبو الفتح: قوله: "صدوق به"، خفيفة - ضرب في الثناء على المؤمن، فهو كقولك: الذي يأمر بالمعروف، ويتبع سبيل الخير فيه - مثاب عند الله، فكذلك قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِه﴾، أي: استحق اسم الصدق في مجيئه به، فمن أمره كذا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر: "يَا حَسْرَتَاى٧".
وروى ابن جماز عنه: "يَا حَسْرَتَاى"، مجزومة الياء.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة إشكال، وذلك أن الألف في "حسرتا" إنما هي بدل من ياء
_________________
(١) ١ العاقول: من معانيه أنه نبت. ٢ الساجور: خشبة تعلق في عنق الكلب. ٣ الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه. ٤ هو محمد بن عمير بن الربيع أبو صالح الهمذاني الكوفي القاضي، مقرئ عارف بحرف حمزة. أخذ عرضا عن سعيد بن محمد الكندي، وروى القراءة عنه عرضا أحمد بن نصر الشذائي وغيره. طال عمره وبقي إلى حدود عشر وثلثمائة. طبقات القراء لابن الجزري: ٢: ٢٢٢. ٥ هو عكرمة بن سليمان بن كثير بن عامر أبو القاسم المكي. قال الذهبي: شيخ مستور، ما علمت أحدا تكلم فيه. عرض على شبل وإسماعيل القسط، وعرض عليه أحمد بن محمد البزي، كان إمام أهل مكة في القراءة بعد شبل وأصحابه. وبقى إلى قبيل المائتين. طبقات ابن الجزري: ١: ٥١٥. ٦ سورة الزمر: ٣٣. ٧ سورة الزمر: ٥٦.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
حسرتي. أبدلت الياء ألفا هربا إلى خفة الألف من ثقل الياء، كقولك: يا غلاما ويا صاحبا، أنت تريد: يا غلامي ويا صاحبي. وأنشده منه قوله:
يا بنت عما لا تلومي واهجمي١
وذلك أنه أبدل من ياء "عمي" ألفا، وليس العم منادى. وهذا البدل إنما بابه النداء، كقولك: يا أبا، ويا أما وكان -على هذا- ينبغي ألا يأتي بياء المتكلم بعد الألف؛ لأن هذه الألف إنما هي بدل من ياء الضمير، وليس له هناك ياءان، فهذا وجه إشكال هذا، وهو واضح.
والذي عندي فيه أه جمع بين العوض والمعوض منه، أعني البدل والمبدل منهن كمذهب أبي إسحاق وأبي بكر في قول الفرزدق:
هما نفثا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام٢
أي: مراجعة٣: وأنه جمع بين الميم والواو، وإنما الميم بدل من الواو. ومثله ما أنشده أبو زيد:
إني إذا ما حدث ألما دعوت يا اللهم يا اللهما٤؟
_________________
(١) ١ لأبي النجم العجلي، يخاطب امرأته أم الخيار، وهي بنت عمه، ولها يقول: أصبحت أم الخيار تدعى على ذنبا كله لم أصنع ويروى "يابنة". وانظر الكتاب: ١: ٣١٨. ٢ رواية الديوان: هما تفلافي في من فمويهما على النابح العاوي أشد لجامي يصف شاعرين من قومه نزع في الشعر إليهما: ويريد بالنابح العاوي من هجاه. وانظر الديوان: ٧٧١، والكتاب: ٢: ٨٣، ٢٠٢. ٣ المراجعة: الترامي بالحجارة، ويريد هنا الرجم، وجعل من يهجوه كلبا. ٤ روى "لمم" مكان "حدث" و"أقول" مكان "دعوت". واللمم، فتحتين: مقاربة الذنب، وقيل هو الصغائر. ونسبه العيني في مختصر الشواهد: "٣١٢" إلى أبي خراش، وروى قبله: أن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما؟ قال البغدادي "الخزانة: ١: ٣٥٨": وهذا خطأ، فإن هذا البيت الذي زعم أنه قبله بيت مفرد، وليس هو لأبي خراش، وإنما هو لأمية بن أبي الصلت، قاله عند موته. وقد أخذه أبو خراش وضمه إلى بيت آخر، كان يقولهما وهي يسعى بين الصفا والمروة، وهما: لا هم هذا خامس أن تما أتمه الله وقد أتما أن تغفر اللهم.. وقد تمثل به النبي ﷺ، وصار من جملة الأحاديث. ولم يعثر على البيت في ديوان الهذليين.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فجمع بين "يا" والميم، وإنما الميم في آخر الاسم عوض من "يا" في أوله، إذا قلت: اللهم اغفر لنا، وعليه قول الآخر:
يا أمتا أبصرني راكب في بلد مسحنفر لاحب١
وإنما التاء في "يا أمت" بدل من الياء في يا أمي، فجمعت بينهما ثم أبدلت من الياء ألفا، فقالت: "يا أمتا". وقال أبو علي في قوله:
ضخم يحب الخلق الأضخما٢
إنه يجري مجرى الجمع بين العوض والمعوض منه، [١٤١ظ] قال: وذلك أن هذا التشديد الذي يعرض في الوقف إنما دخل إيذانا بأن آخر الحرف محرك في الوصل، إذ لا يجتمع ساكنان في الإدراج هكذا، فكان يجب إذا أطلق في الوصل أن يحذف التشديد لزوال الحاجة إليه بالإطلاق، قال: فتركه الحرف المزيد في الوقف للتثقيل مع استغنائه عنه بإطلاق الحرف -فكأنه جمع بين العوض والمعوض منه، وهذا تأول -وإن كان صحيحا- بعيد، والذي رأيناه نحن أقرب القريب.
وأما إسكان الياء في "يَا حَسْرَتَاى" في الرواية الثانية هو٣ على ما مضى من قراءة نافع: "َمَحْيَايَ وَمَمَاتِي٤". وأرى مع هذا لهذا الإسكان هنا مزية على ذلك، وذلك أنه قد كان ينبغي ألا يجمع بين الألف والياء؛ إذ كانت الألف هي الياء، إلا أنه لما صانع عن ذلك بما ذكرناه، فألحق الياء على ما في ضعفت في نفسه؛ لضعف القياس في إثباتها مع الألف، فضاءل منها وألطأ٥ بالسكون شخصها. وإذا لاطفت فكرك في تأمل ذلك وأنسته به أصحب٦ إليه، وتابعك مع إنارة الفكر عليه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْض٧".
_________________
(١) ١ مسحنفر: واسع. ولاحب: يريد مطروقا واضح المعالم. ٢ انظر الصفحة ١٠٢ من الجزء الأول. ٣ هكذا بلا فاء في "هو" في النسختين والأولى: فهو. ٤ سورة الأنعام: ١٦٢. ٥ في هامش نسخة الأصل: ألطأ: الصق. ٦ أصحبه: اصطحبه. ٧ سورة الزمر: ٦٩.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
قال أبو الفتح: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، وشرقت: إذا احمرت لقربها من الأرض؛ فتكون هذه القراءة التي هي "أشرقت" منقولة من شرقت: إذا طلعت. وأشرقت أبلغ منه؛ لقوة نورها وإضاءتها.
وفي "أشرقت" معنى آخر، وهو أنها إذا أشرقت وأضاءت فإنما زاد نورها، وقد كان قرصها ظاهرا قبل ذلك. وأما شرقت، أي: طلعت فإنها -وإن لم يكن لها صفاء المشرقة- فإنه قد أشرف على الأرض من شخصها عقيب ظلمة الليل قبلها ما هال رائيه ونسخ ما كان من سواد الليل قبله. فهذا القدر -لارتجاله وفجاءة وجه الأرض به- أظهر قدرا من إضاءتها عقيب ما سبق من ظهور قرصها، وطبق الأرض من نورها.
وهذا كان يعطيك رجل عشرة دراهم على حاجة منك إليها؛ فتقع موقعها. فإن زادك هو أو غيره درهما آخر فصارت أحد عشر - فهي لعمري أكثر من عشرة، إلا أن قدر الدرهم المزيد عليها لا يفي بقدر العشرة الواردة على قوة الحاجة، فشرقت كالعشرة، وأشرقت كالأحد عشر، فافهم ذلك ممثلا بإذن الله.
[ ٢ / ٢٤٠ ]