بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الزهري: "وَبَدَا خَلْقَ الْإنْسَانِ"١، بغير همز.
قال أبو الفتح: ترك الهمز في هذا عندنا على البدل، لا على التخفيف القياسي، ومثله بيت الكتاب:
رَاحَتْ بِمَسلَمَة البِغَالَ عَشِيَةً فَارْعَى فَزَارَةُ لا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ٢
ولو كان تخفيفا قياسيا لجعل الهمزة٣ بين بين، فقال: "بدا"، ولو أسندت الفعل٤ إلى نفسك على التخفيف القياسي قلت: "١٢٦ظ" بَدَاتُ، بألف لا همز في لفظها، وعلى البدل: بَدَيتُ، كما حكي عنهم: قريتُ، وأخطيتُ. وقد مضى ذلك٥.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس ﵄ وأبان بن سعيد بن العاص٦ والحسن بخلاف: "صَلِلْنَا٧"، بالصاد، مكسورة اللام.
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٧. ٢ البيت للفرزدق، يقوله حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هيبرة الفزاري، فهجا الفرزدق قومه، ودعا عليهم ألا يهنئوا النعمة بولايته. وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عند عزله. وارعى: من رعت الماشية، وإذا سرحت بنفسها على المرعى. وفزارة: أبو قبيلة من غظفان. وقوله: ارعى فزارة لا هناك المرتع، قد صار مثلا، يضرب لمن يصيب شيئا ينفس به عليه. وانظر الكتاب: ٢: ١٧٠، وشواهد الشافية: ٣٣٨. ٣ سقط في ك: "لجعل الهمزة". ٤ في ك: ولو أسندت إلى نفسك. ٥ انظر الصفحة ٦٧ من الجزء الأول. ٦ هو أبان بن سعيد بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، كان أبوه من أكابر قريش، وله أولاد نجباء، أسلم منهم خالد وعمرو، ولأبان صحبة. انظر الإصابة: ١: ٢٣. ٧ سورة السجدة: ١٠.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام الحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: صَلَّ اللحمُّ يَصِلُّ: إذا أنتنَ. وصَلَّ أيضا يَصَلُّ -بفتح الصاد- والكسر في المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دُفِنّا في الأرض، وصلت أجسامنا، يقال: صل اللحم وأصل صلولا وصلالا، قال:
هُو الفَتَى كُلُّ الفَتَى فاعلمي لا يفسِدُ اللحمَّ لديِهِ الصلُولُ١
وقال زهير:
تُلَجلِجُ مضغةً فيها أبيض أصلتْ فهي تحتَ الكشْحِ داءُ٢
ومن ذلك قراءة النبي ﷺ وأبي هريرة وأبي الدرداء وابن مسعود وعون العقيلي٣ "قُرَّات أَعْيُنٍ"٤.
قال أبو الفتح: القرة المصدر، وكان قياسه ألا يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، والأجناس أبعد شيء عن الجمعية لاستحالة المعنى في ذلك، لكن جعلت القرة هنا نوعا. فجاز جمعها كما تقول: نحن في أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان وأمراض. وحسَّن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة "القرات" إلى لفظ الجماعة، أعني "الأعين". فقولنا إذًا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغي أن يحتقر في هذه اللغة الشريفة تجانس الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه في أكثر الوقت.
_________________
(١) ١ البيت للحطيئة، وروي الشطر الأول. ذاك فَتًى يبذُلُ ذا قدره انظر اللسان "صلى". ٢ من قصيدة في هجاء بني عليم، وكان نزل فيهم رجل من بني عبد الله بن غطفان فأكرموه وأحسنوا جوراه، وكان رجلا مولعا بالقمار: فنهوه عنه فأبى، فقمر مرة، فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه، فرحل عنهم وشكا إلى زهير، فهجاهم. والأنيض: اللحم الذي لم ينضج. يقول: أخذت هذا المال كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتعلها ولا يلقيها، فإن حبسته فقد انطويت على داء. وانظر الديوان: ٨٢ وما بعدها. ٣ كان له اختيار في القراءة، أخذ القراءة عرضا على نصر بن عاصم، وروى القراءة عنه المعلى. ٤ سورة السجدة: ١٧.
[ ٢ / ١٧٤ ]
ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "يُمَشُّونَ فِي مَسَاكِنِهِم"١، وقرأ أيضا: "إِنَّهُمْ مُنْتَظَرُون"٢.
قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل على ذلك بقوله ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُون﴾ ٣.
و"يُمَشُّون" للكثرة، قال:
يُمَشِّى بيننا حانوتُ خًمْر من الخُرْسِ الصراصرة القِطاط٤
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٢٦. ٢ سورة السجدة: ٣٠. ٣ سورة الدخان: ٥٩. ٤ انظر الصفحة ١٢٠ من الجزء الأول.
[ ٢ / ١٧٥ ]