بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دَحُورًا"١. السلمي.
قال أبو الفتح: في فتح هذه الدال وجهان:
إن شئت على ما جاء من المصادر على فَعُول -بفتح الفاء- على ما فيه من خلاف أبي بكر فيه، وقد بيناه فيما مضى من هذا الكتاب٢ وغيره.
وإن شئت: أراد وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِدَاحِرٍ، أو بِما يَدْحَرُ، وهذا كأنه الثاني من الوجهين، لما فيه من حذف حرف الجر وإرادته. وأكثر ما يأتي في الشعر، كما قال:
نُغَالِي اللَّحْمَ لِلأضْيافِ نِيئًا ونُرْخِصُه إذا نَضِجَ القَدِيرُ٣
أي: باللحم، ومثله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٤ أي: أعلم به، فيمن قدر ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي سراج وابن أبي عمار عبد الرحمن -ويقال عمار بن أبي عمار- وأبي عمرو - بخلاف- وابن محيصن: "هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ فَأُطْلِعَ"٥.
قال أبو الفتح: يقال طَلَع: إذا بدا، وأطْلَعَ: أقْبَلَ. فهو على هذا: هل أنتم مقبلون.
_________________
(١) ١ سورة الصافات:٩. ٢ انظر الصفحة ٦٣ من الجزء الأول. ٣ غالى بالشيء: اشتراه بثمن غال. والقدير: ما يطبخ في القدور، وفي الأصل القدور مكان القدير، وهو تحريف. وانظر اللسان "غلا". ٤ سورة الأنعام: ١١٧. ٥ من قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُون، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ . [سورة الصافات: ٥٤، ٥٥] وفي البحر "٧، ٣٦١": "فَأُطْلِعَ"، بضم الهمزة، وسكون الطاء، وكسر اللام، فعلا ماضيا مبنيا للمفعول.
[ ٢ / ٢١٩ ]
فأقبل؟ فالفعل إذًا الذي هو "فَأُطْلِعَ" مسند إلى مصدره، أي: فَأُطْلِعَ الإطلاعُ، كقولك: قد قِيمَ، أي: قِيمَ القيامُ، وقد قُعِدَ، أي: قُعِدَ القعود.
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا يجوز إلا فتح النون من "مطلعونَ"، مشددة الطاء كانت، أو مخففة. قال: وقد شكلها بعض الجهال بالحضرة مكسورة النون١، قال: وهذا خطأ. لو كان كذلك لكان مُطْلِعِيِّ، تقلب واو مُطْلِعُون ياء، يعني لوقوع ياء المتكلم بعدها، والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم، إلا أن يكون على لغة ضعيفة، وهو أن يُجري اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع؛ لقربه منه، فيُجْرَى "مُطْلِعُونِ" مجرى يُطْلِعُونِ. وعليه قال بعضهم:
أَرَيْتَ إنْ جِئْتُ بِهِ أُمْلُودَا مُرَجَّلا وَيَلْبَسُ البُرُودَا
أَقَائِلُنَّ أَحْضِرِ الشِّهُودَا٢
فوكد اسم الفاعل بالنون، وإنما بابها الفعل، كقول الله "تعالى": ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ ٣، وقوله "تعالى": ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤، ونحو ذلك. ومنه قول الآخر:
وما أدْرِي وَظَنِّي كُلّ ظَنٍّ أَمُسْلِمُنِي إلَى قَوْمِي شَرَاحِي٥
يريد: أمسلمًى، وهذا شاذ كما ترى، فلا حاجه للقياس عليه.
ومن ذلك قراءة شيبان النحوي٦: "لَشُوبًا"٧.
_________________
(١) ١ ذكر في البحر "٧: ٣٦١" ممن قرأ بها عمار بن أبي عمار، فيما ذكره خلف عن عمار. ٢ انظر الصفحة ١٩٣ من الجزء الأول. ٣ سورة التكاثر: ٦. ٤ سورة الانشقاق: ١٩. ٥ البيت ليزيد بن محمد الحارثي. و"شراحي" مرخم شراحيل لغير نداء. وانظر الدرر اللوامع: ١: ٤٣، والبحر المحيط: ٧: ٣٦١. ٦ هو شيبان بن معاوية أبو معاوية النحوي المؤدب. روى حروفا عن عاصم، وروى عن أبان بن يزيد العطار. وروى عنه الحروف عبد الرحمن بن أبي حماد وغيره. مات سنة ١٦٤ طبقات القراء لابن الجزري: ١: ٣٢٩. ٧ سورة الصافات: ٦٧.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قال أبو الفتح: الشَّوبُ: الخلط، بفتح الشين. ولم يمرر بنا الضم، ولعله لغة فيه كالفَقر والفُقر، والضَّر والضُّر، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن "فَرَاغَ عَلَيْهِمْ سَفْقًا بِالْيَمِينِ"١.
قال أبو الفتح: قد قالوا: صفقْتُ البابَ، وسفَقْتُه، والصاد أعلى. وقالوا أيضا: أَسْفَقْتُه إسْفاقًا، وقالوا في التَّصْفِيق: التَّصْفَاق، إذا كثر ذلك، كالتَّضْرَاب والتَّلْمَاح والتَّمْشَاء وروي عن الحسن، أيضا: "صَفْقًا".
ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد: "يَزِفُونَ"٢، خفيفة.
قال أبو الفتح: المسموع في هذا زَفَّ القومُ يَزِفُّونَ زَفِيفًا، وقالوا أيضا: أَزَفُّوا يُزِفُّونَ، كما قالوا: زَفَفْت العروس، وقالوا [١٣٧ظ] أَزْفَفْتُها أيضا. فأما "يَزِفُونَ" بالتخفيف فذهب قطرب إلى أنها تخفيف يَزِفُّونَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣، أي: اُقْرَرْنَ.
قال الهذلي:
وَزَفَّتِ الشَّوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَمَا زَفَّ النَّعَامُ إلى حَفَّانِهِ الرُّوحُ٤
إلا أن ظاهر "يَزِفُونَ" أن يكون من وَزَفَ٥، كيَعِدون من وعد. ويؤنِّس بذلك قربه من لفظ الوَفز٦، وهو واحد الأوْفَاز، من قولهم: أنا على أوْفَاز. إذا كان كذلك فهو
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ٩٣. ٢ سورة الصافات: ٩٤. ٣ سورة الأحزاب: ٣٣. ٤ البيت لأبي ذؤيب الهذلي. وزفت: أسرعت، وأصل الزفيف: خطو مقارب، وسرعة وضع الأخفاف ورفعها. والشول: جمع شائلة، وهي من الإبل: التي خف لبنها، وأتى على نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. وخص الشول لأنه أراد أنها خفيفة البطون فلا تقوى على البرد، وليست كالمخاض. وحفانه: صغاره، المفرد حفانة. والروح: جمع الروحاء، وهي: التي بها روح، وهو انفتاح في الرجل يميل إلى الشق الوحشي. وكل نعامة روحاء. يقول: إن الإبل التي أتى على نتاجها سبعة أشهر وخفت بطونها مما كان فيها قد الجأتها شدة هذا البرد إلى مكان تستدفئ فيه، فأسرعت إليه كما يسرع النعام إلى فراخه. وانظر ديوان الهذليين: ١: ١٠٦، واللسان "ورح". ٥ وزف: أسرع. ٦ الوفز: بالسكون ويحرك: العجلة.
[ ٢ / ٢٢١ ]
قريب من لفظ وَزَفَ، أي: أسرع، وقريب من معناه. ولم يثبت الكسائي ولا الفراء: "وَزَفَ"، إلا أن ظاهر اللفظ مقتضٍ لها على ما مضى. وعلى أن أحمد بن يحيى قد أثبت وَزَفَ: إذا أسرع، وشاهده عنده هذه القراءة: "يَزِفُونَ" أي: يسرعون.
ومن ذلك قراءة الأعمش والضحاك: "فَانْظُرْ مَاذَا تُرَى"١، بضم التاء.
قال أبو الفتح: رُوِّينا عن قطرب: "مَاذَا تُرَى"، و"تُرِي" بفتح الراء وكسرها.
فَتُرَى، أي: يُلْقَى إليك، ويُوقَعُ في خاطرك.
وأما "تُرِي" فتشير به، وتدعو إلى العمل بحسبه.
و"تَرَى" هذه ليست من معنى الرؤية بالبصر؛ لأن الرأي ليس مما تدركه حاسة البصر، ولا هي من معنى العلم أيضا؛ لأنه ليس يكلفه هنا أن يقطع له بصريح الحق وجَليّة اليقين، وإنما يسأله عما يُحضره إياه رأيُه، فهي إذًا من قولك: ما رأيك في هذا؟ وما الذي يَحْضُرُك في كذا؟
ومنه قول الله "تعالى": ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٢، أي: بما يُحْضِرُك إياه الرأي والخاطر. وفيه شاهد لجواز اجتهاد النبي "ﷺ". ومنه قولهم: فلان يرى رأي الخوارج، ويرى رأي أبي حنيفة، أي: يذهب مذهبه ويعتقد اعتقاده، ليس أنه يُبصر بصرَه، ولا يعلم يقينا علمَه، وإنما هو أن يعتقد رأيَه، صوابًا كان، أو خطأ.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ومجاهد والضحاك والأعمش والثوري وجعفر بن محمد: "فَلَمَّا سَلَّمَا"٣، بغير ألف ولام مشددة.
قال أبو الفتح: أما "أَسْلَمَا" ففوضا وأطاعا، وأما "سَلَّمَا" فمن التسليم، أي: سلما أنفسهما وآراءهما كالتسليم باليد٤ لما أُمِرَا به، ولم يخالفا ما أُرِيدَ منهما من إجماع إبراهيم "﵇" الذبح، وإسحاقَ الصبر.
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٠٢. ٢ سورة النساء: ١٠٥. ٣ سورة الصافات: ١٠٣. ٤ سقطت في ك.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ومن ذلك قراءة ابن محيصن وعكرمة -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبي رجاء: "وَإِنَّ الْيَاسَ"١، بغير همز. "سَلامٌ عَلَى الْيَاسِينَ"٢، بغير همز.
قال أبو الفتح: أما "الياسَ" موصول الألف فإن الاسم منه "يَاسٌ"، بمنزلة باب ودار، ثم لحقه لام التعريف، فصار "الياس"، بمنزلة الباب والدار.
و"الْيَاسِين" على هذا كأنه على إرادة ياء النسب، كأنه الياسيِّين، كما حكى عنهم صاحب الكتاب: الأشْعَرُون والنُّمَيْرُون، يريد الأشعرِيِّين والنُّمَيْرِيِّين. ورُوينا عن قطرب عنهم: هؤلاء زيدون، منسوبون إلى زيد بغير ياء النسبة. وقال أبو عمرو: هلك اليَزِيدُون، يريد ثلاثةً يزيديِّين.
وقد يجوز أن يكون جعل كل واحد من أهل "الياس" ياسًا، فقال: "الياسِين"، كقوله: [١٣٨و] .
قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي٣
يريد أبا خبيب وأصحابه، كأنه جعل كل واحد منهم خُبَيْبًا. ونحو منه قولهم: شابَتْ مَفَارِقُه٤، جعل كل جزء من مفرقِه مفرقًا، ثم جمعه على ذلك. وكذلك: امرأةٌ واضحةُ اللبّات٥، جعل كل جزء يجاور اللبة لبة. وقال:
يُطِفْنَ بِجَمَّاءِ المَرَافِقِ مِكسال٦
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٢٣. ٢ سورة الصافات: ١٣٠. ٣ لحميد الأرقط، وبعده: ليس أميري بالشحيح الملحد ويروى: الخبيبين بالتثنية، يريد عبد الله بن الزبير وابنه خبيبا، وقيل: يريد عبد الله وأخاه مصعبا. وكان عبد الله يكنى بأبي بكر وأبي خبيب، والأول أكثر، ولا يكنيه بالآخر إلا من يريد ذمه. وقدني: لأكتف. ويريد بأميره عبد الملك بن مروان، نفى عنه الشح والإلحاد تعريضا بعبد الله بن الزبير. وكانوا يرمونه بالشح، ويقولون له: الملحد. الكتاب: ١: ٣٨٧، والدر اللوامع: ١: ٤٢. ٤ المفارق: جمع مفرق، وهو هنا: موضع افتراق الشعر. ٥ اللبات: جمع لبة، وهي موضع القلادة من الصدر. ٦ لامرئ القيس، وصدره: وبيت عذارى يوم دجن ولجته وقبله: وماذا عليه إن ذكرت أو أنسا كغزلان رمل في محاريب أقيال؟ وخص غزلان الرمل لأنه أحسن من غيرها. والمحاريب: الغرف. والأقيال: الملوك. والدجن: الباس الغيم السماء. والجماء: الغائبة المرافق لكثرة لحمها ونعمتها. وانظر الديوان: ٣٤.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
جمع مرفقيها بما حولها، ومثله ما رويناه عن أبي علي من قوله:
مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ تَمِيسُ لِينا مِشْيَةَ الْعَرُوسِ١
فسَمَّى كل جزء من أمسِ أمسًا، ثم جمع عليه. ويشهد لوصل ألف الياس قوله:
أُمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أَبِي٢
وتكون لام التعريف هنا -بمنزلتها في اليسع- زائدة؛ لأن الاسم علم وليس بصفة، فيجري مجرى العباس والحارث. قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن قول الشاعر:
وَلَقَدْ جَنيْتُكَ أَكْمُؤًا وَعَساقِلا وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَن بَناتِ الأَوْبَرِ٣
فقال: الألف واللام هنا زيادة. ولذلك نظائر كثيرة، ولو قيل: إنها لحقت هنا لأنه٤ مصدر، فَشُبِّهَ بالصفة، كالعلاء والفضل لكان وجها.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود ويحيى والأعمش، والمنهال بن عمرو٥ والحكم بن عتيبة: " وإنَّ إِدْرِيس"، "سَلامٌ عَلَى إِدْرَاسِينَ"٦.
_________________
(١) ١ روى غير منسوب في اللسان "أمس"، والدرر اللوامع: ١: ١٧٦. ٢ لقصي بن كلاب جد النبي ﷺ، وقبله: إني لدى الحرب رخى اللبب عند تناديهم بهال وهب معتزم الصولة عالي النسب أمهتي خندف والياس أبي والرخى: المرتخى. واللبب: ماء يشد على ظهر الدابة ليمنع السرج والرحل عن الاستئخار، وإنما يكون الارتخاء عن كثرة جري الدابة. يكنى بذلك عن كثرة مبارزته للأقران. وهال: اسم فعل لزجر الخيل، وهب: اسم فعل لدعائها. وأمهتي خندف، أي أمي، ويريد أم جده مدركة بن الياس بن مضر. وكذا يريد بقوله: والياس أبي، جده الياس بن مضر. وخندف: هي بنت عمران بن الحارث بن قضاعة، امرأة من اليمن. شواهد الشافية: ٣٠١. ٣ جنيتك: جنيت لك. والأكمؤ: جمع الكمء، وهو من النبات. والعساقل: الكبار البيض الجياد من الكمأة، وبنات أوبر: كمأة لها زغب، وهي رديئة. وانظر الخصائص: ٣: ٥٨. ٤ يريد الياس. ٥ هو المنهال بن عمرو الأنصاري، ويقال: الأسدي الكوفي. ثقة مشهور كبير، عرض على سعيد بن جبير، وعرض عليه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه منصور والأعمش وشعبة والحجاج. طبقات ابن الجزري: ٢: ٣١٥. ٦ قراءة أخرى في الآية ١٣٠ من سورة الصافات. وانظر في البحر "٧: ٣٧٢" ما يرويه أبو حيان وما يقوله عن إدريس والياس.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب عن ابن مسعود: "وإنَّ إدْرَاسَ"، و"سَلامٌ عَلَى إدراسِينَ": قال: وجاء عنه: "إِدْرَسِينَ"، وكذلك عن قتادة. وقال: وفي بعض القراءة: "إِدْرِيسِينَ".
قال أبو الفتح: أما ما رواه ابن مجاهد عن ابن مسعود من "إدْرِيسَ" و"إدْرَاسِينَ" فيجب أن يكون من تحريف العرب الكلمَ الأعجمي لأنه ليس من لغتها، فَتُقِلُّ الحَفْل به، وقد ذكرنا مثله١.
وقياسه سلام على إدْرِيسِينَ، كما حكاه قطرب، إلا أنه حكاه: "وإن إدْرِيسِينَ"، كما ترى.
وأما ما رواه قطرب من "إدْرَاسَ" و"إدْرَاسِينَ" فجمع الصحة، كالياس والياسين. ولو كان جمع تكسير لقال: سلام على الأَدَارِيس، كقولك في قرطاس: قَرَاطِيس، لكنه جمع صحة للتذكير، كالزيدين والقاسمين.
فأما "إِدْرِسِين" فيشبه أن يكون أراد "إِدْرَاسِينَ"، إلا أنه استطال الاسم، وجَفَتْ عليه أيضا عجمته؛ فحذف الألف تخفيفا. وإذا كانوا قد حذفوها للتخفيف من نفس كلامهم وسِرّ لغتهم في قولهم في اصْفَارَّ، واحْمَارَّ، واسْوَادَّ، وابْياضَّ: اصْفَرَّ، واحمَرَّ، واسوَدَّ، وابيضَّ، فهم بحذف هذه الألف فيما ليس من لغتهم، ولا ينصرف إليه محاماتهم عنه أجدر بجواز ذلك فيه. نعم، وقد يمكن مع هذا أن تكون هذه الألف في نحو احْمَارَّ واسْوَادَّ إنما حذفت لالتقاء الساكنين، كما زيد في مدها في أكثر اللغة لالتقائهما، وكما همزت في نحو قولهم:
إذَا مَا العَوَالِي بالْعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ٢
فتارة يُسْتَرْوَح من اجتماعها إلى إطالةِ المدّ، وأُخرى إلى الحذف، وأُخرى إلى الهمز، وكل هذا تَفَادٍ من التقاء الساكنين.
وحكى أبو حاتم عن أُبَيّ: " وإن إِيلِيسَ"، و"على إِيلِيسِينَ".
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٧٩ من الجزء الأول. ٢ انظر الصفحة ٤٧ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
قال: وقال خارجة١: بلغنا أن اسمه كان إيليسَ، وإدريس [١٣٨ظ] .
ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد: "وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَيَزِيدُون"٢، وهكذا هي، ليس فيها "أو".
قال أبو الفتح: في هذه الآية إعراب حسن، وصنعة صالحة؛ وذلك أنْ يقال: هل لقوله: "ويزيدون" موضع من الإعراب، أو هو مرفوع اللفظ. لوقوعه موقع الاسم حَسْبُ، كقولك مبتدئا: يزيدون؟
والجواب أن له موضعا من الإعراب، وهو الرفع؛ لأنه خبر مبتدإ محذوف، أي: وهم يزيدون على المائة. والواو لعطف على جملة، فهو كقولك: مررت برجل مثل الأسد، وهو والله أشجعُ. ولقيت رجلا جوادا، وهو والله فوق الجواد.
فإن قلت: فقد تقول: لقيت من زيد رجلا كالأسد وأشجعَ منه، فهل يجوز على هذا أن يكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون، فيعطف يزيدون على المائة؟ قيل: يفسد هذا؛ لأن "إلى" لا تعمل في "يزيدون"، فلا يجوز أن يعطف على ما تعمل فيه "إلى" فكما لا تقول: مررت بيزيدون على المائة فكذلك لا تقول ذلك.
فإن قلت: فقد يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، كقولنا: رب رجل وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسَخْلتِهَا٣، ومررت برجل صالح أبوه لا طالِحَيْن، ومررت بزيد القائم أبواه لا القاعدين ونحو ذلك. قيل قَدْر المتجوَّز في هذا ونحوه لا يبلغ ما رُمْتَه من تقدير حرف الجر مباشرا للفعل. ألا تراك لا تجيز مررت بقائم يقعد وأنت تريد مررت بقائم وبقاعد؟
_________________
(١) ١ هو خارجة بن مصعب أبو الحجاج الضبعي السرخسي، أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو، وله شذوذ كثير عنهما لم يتابع عليه. وروى أيضا عن حمزة حروفا. وروى القراءة عنه العباس بن الفضل وغيره. توفي سنة ١٦٨. طبقات القراء: ١: ٢٦٨. ٢ سورة الصافات: ١٤٧. ٣ السخلة: ولد الشاة ما كان.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فإن قيل: فقدِّر هناك موصوفا محذوفا مجرورا ليكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف وجمع يزيدون، على قول الراجز:
جَادَتْ بِكَفَّيْ كانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ١
أي: بِكَفَّيْ إنسان كان من أرمى البشر قيل: تقدير مباشرةِ حرف الجر للفعل أشد من تقدير الإضافة إليه. ألا ترى أنه على كل حال قد يضاف إلى الفعل ظروف الزمان وغيره، على كثرة ذلك في أسماء الزمان؟ وينضاف إلى ذلك إفساد المعنى وذلك أنه يصير معناه إلى أنه كأنه قال: وأرسلناه إلى جَمْعَيْن: أحدهما مائة ألف، والآخر زائد على مائة ألف. وليس الغرض والمراد هنا هذا، وإنما الغرض -والله أعلم- وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، وهم أيضا يزيدون. فالجمع إذًا واحد لا جمعان اثنان.
وكذلك قراءة الجماعة: ﴿أَوْ يَزِيدُون﴾، وتقديره أو: هم يزيدون، فحذف المبتدأ لدلالة الموضع عليه كما مضى مع الواو٢، وأما قول الآخر:
ألا فَالْبَثَا شَهْرَيْنِ أو نِصْفَ ثَالِثٍ إلَى ذاكُما ما غَيَّبَتْنِي غَيَابِيَا٣
فقالوا: معناه أو شهرين ونصف ثالث؛ وذلك أن قوله: أو نصفَ ثالثٍ لا يكون ثالثا حتى يتقدمه شهران، إلا أنه هنا حَذف المعطوف عليه مع حرف العطف جميعا.
وفي قوله "سبحانه": ﴿أَوْ يَزِيدُون﴾ وعلى قراءة جعفر بن محمد: "يَزِيدُون" إنما حُذف اسم مفرد، وهو هم. وعلى أنه قد جاء عنهم حَذف الاسم ومعه حرف العطف، وذلك قولهم فيما رُوِّيناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: راكب الناقة طَلِيحَان، أي: راكب الناقة والناقة طليحان٤، فحذف الناقة وحرف٥ العطف معهما. وعلى أنه قد يحتمل
_________________
(١) ١ صدره: مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديدة الوتر ويروى "ترمي" مكان "جادت". وكبداء، أي: قوس كبداء، وهي التي يملأ الكف مقبضها و"بكفي" متعلق بمحذوف حال. وانظر الخزانة: ٢: ٣١٢، والخصائص ٢: ٣٦٧. ٢ في هامش الأصل بعد كلمة "الواو" عبارة قصيرة لم نستطع قراءتها. وفي ك بعد "الواو": ومثله أو. ٣ البيت لابن أحمر. وانظر الخصائص: ٢: ٤٦٠. ٤ الطليحان: مثنى الطليح، وهو المجهد. ٥ في ك: وحذف، وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ذلك تأويلا آخر، وهو أن يكون أراد: راكب الناقة أحد طليحين، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
والذي عندي في قوله:
ألا فَالْبَثَا شَهْرَيْنِ أو نِصْفَ ثَالِثٍ [١٣٩و]
أن يكون على حذف المضاف، أي: ألا فالبثا شهرين أو شهرَيْ نصف ثالث، أي: والشهرين اللذين يتبعهما نصف ثالثهما؛ لأنه ليس كل شهرين يؤمر بلبثهما لابد أن يصحبهما نصف ثالثهما، لكن البثا أنتما شهرين، أو الشهرين اللذين يتبعهما في اللبث نصف ثالثهما. وصحت١ الإضافة فيهما هذا القدر من الوُصلة بينهما. وقد أضافت العرب الأول إلى الثاني لأقلَّ وأخفضَ من هذه الشبْكة بينهما. أنشدَنا أبو علي:
إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُحْرَةٍ سُهَيْلٌ أذاعَتْ غَزْلَهَا فِي الغرائب٢
قال: فأضاف سهيلا إليها لجِدها في عملها عند طلوعه، وقريب من هذا قول الرجلين بحملان الخشبة -أحدهما لصاحبه-: خذ أنت طرفك، ولآخذ أنا طرفي. وإنما الطرف للخشبة، لا لحاملها، فاعرف كلام القوم تر العجب منه والحكمة البالغة فيه بإذن الله تعالى.
ومن ذلك قراءة الحسن: "إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ٣"، بضم اللام.
قال أبو الفتح: كان شيخنا أبو علي يحمله على أنه حذف لام "صال" تخفيفا، وأعرب اللام بالضم، كما حذفت لام البالة من قولهم: ما باليت به بالة، وهي البالية، كالعافية والعاقبة.
وذهب قطرب فيه إلى أنه أراد جمع "صال"، أي: صالون، فحذف النون للإضافة وبقي الواو في صالو، فحذفها من اللفظ لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى "من" لأنه جمع، فهو كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ٤﴾، وهذا حسن عندي، وقول أبي علي وجه مأخوذ به.
_________________
(١) ١ صحت الإضافة: سوغها، وأبرأها من الضعف. من قولهم: صح الله فلانا: اذهب مرضه. وأنث "القدر" ذهابا به -كعادته- إلى المعنى، إذ هو قدر من الوصلة. ٢ ورد البيت في اللسان "غرب" غير منسوب. ٣ سورة الصافات: ١٦٣. ٤ سورة يونس: ٤٢.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "فَإِذَا نُزِلَ بِسَاحَتِهِم"١.
قال أبو الفتح: لفظ هذا الموضع على الاستفهام٢، ومعناه الوضوح والاختصاص؛ وذلك أن الغرض فيه إنما هو: فإذا نزل العذاب بساحتهم، يدل عليه قوله قبله معه: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾؟ فإذا قال: ﴿فَإِذَا نُزِلَ بِسَاحَتِهِم﴾ فلا محالة أن معناه: فإذا نزل عذابنا بساحتهم، فأبهم الفاعل واعتمد ذكر المكان المنزول فيه.
ومثله في المعنى قول الله "سبحانه": ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٣، ونحن نعلم أن الله "تعالى" خالقه. وكذلك ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَل﴾ ٤، ألا ترى إلى قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ٥، وقوله "عز اسمه": ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ ٦، وقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ٧، ونظائره كثيرة:
فكذلك قوله "تعالى": ﴿فَإِذَا نُزِلَ بِسَاحَتِهِم﴾ على ما شرحناه من حاله، وهذا أحد ما يدلك على أن إسناد الفعل إلى المفعول نحو: ضرب زيد، لم يكن لجهل المتكلم بالفاعل من هو؟ البتة، لكن قد يسند إلى المفعول، ويطرح ذكر الفاعل لأن الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الضرب بزيد، ولا غرض معه في إبانة الفاعل من هو؟ فاعرفه.
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٧٧. ٢ المراد بالاستفهام هنا التطلع والتساؤل عن الفاعل، لبناء الفعل للمفعول. ٣ سورة النساء: ٢٨. ٤ سورة الأنبياء: ٣٧ ٥ سورة العلق: ١، ٢. ٦ سورة الرحمن: ٣، ٤. ٧ سورة ق: ١٦.
[ ٢ / ٢٢٩ ]