بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "مَا وَدَّعَك١"، خفيفة - النبي "ﷺ" وعروة بن الزبير.
قال أبو الفتح: هذه قليلة الاستعمال. قال سيبويه: استغنوا عن وذر وودع بقولهم: ترك٢، وعلى أنها قد جاءت في شعر أبي الأسود، قال: وأنشدناه أبو علي:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه٣
_________________
(١) ١ سورة الضحى: ٣. ٢ عبارة سيبويه: كما أن يدع ويذر على ودعت، ووذرت، وأن لم يستعمل "الكتاب: ٢: ٢٥٦". ٣ ينسب أيضا لأنس بن زنيم في أبيات قالها لعبيد الله بن زياد. وانظر شرح شواهد الشافية: ٥٣، والخصائص: ١: ٩٩.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
إلا أنهم قد استعملوا مضارعة، فقالوا: يدع. ويروى بيت الفرزدق:
وعض زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف١
على ثلاث أصرب: لم يدع، ولم يدع -بكسر الدال، وفتح الياء- ولم يدع، بضم الياء.
فأما يدع -بفتح الياء والدال- فهو المشهور، وإعرابه أنه لما قال: لم يدع من المال إلا مسحتا دل على أنه قد بقى، فأضمر ما يدل عليه القول، فكأنه قال: وبقى مجلف.
وأما يدع -بفتح الياء وكسر الدال- فهو من الاتداع، كقولك: قد استراح وودع، وهو وادع من تعبه. فالمسحت -على هذه الرواية- مرفوع بفعله، ومجلف معطوف عليه، وهذا ما لا نظر فيه لوضوحه.
وأما يدع -بضم الياء- فقياسه يودع، كقول الله "تعالى": ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٢﴾، ومثله يوضع، والحديد يوقع، أي: يطرق، من قولهم: وقعت الحديدة، أي: طرقتها. قالوا: إلا أن هذا الحرف كأنه -كثرة استعماله- جاء شاذا، فحذفت واوه تخفيفا، فقيل: لم يدع٣، أي: لم يترك، والمسحت والمجلف جميعا مرفوعان أيضا، كما يجب.
_________________
(١) ١ من قصيدة في مدح عبد الله بن مروان، وقبله: إليك أمير المؤمنين رمت بنا شعوب النوى والهوجل المتعسف والهوجل: المفازة البعيدة لا علم بها. والمسحت: المبدد. والمجلف: الذي أخذ من جوانبه، والذي بقيت منه بقية. ويروى مجرف مكان "مجلف"، من جرفه: إذا ذهب به كله، أو أخذه أخذ كثيرا. وانظر ديوان الشاعر: ٥٥٦، والنقائض ٢: ٥٥٦، والخصائص ١: ٩٩. ٢ سورة الإخلاص: ٣. ٣ كذا في ك، وفي الأصل: يودع، وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٦٥ ]