بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ عبد الله وإبراهيم: "وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعيس عِينٍ١".
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر العيس٢، وأن المرأة العيساء: البيضاء. ومثله جمل أعيس، وناقة عيساء. قال في وصف امرأة:
كأنها البكرة العيساء
ومن ذلك قراءة الأعرج: "وَمَا أَلَتْنَاهُم"، على أفعلناهم٣.
قال أبو الفتح: وفيما روينا عن قطرب، قال:
قراءة عبد الله وأبي: و"مالتناهم". وكان ابن عباس يقول: "ألتناهم": نقصناهم. يقال: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ولاته يليته ليتا. كلهن بمعنى واحد. أي: نقصه، ويقال أيضا: ولته يلته ولتا، بمعناه. قال الحطيئة:
أبلغ لديك بني سعد مغلغلة جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا٤
وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن الشيء يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته بها: إذا قلده إياها، وقال رؤبة:
وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت٥
_________________
(١) ١ سورة الطور: ٢٠. ٢ انظر الصفحة: ٢٦١ من هذا الجزء. ٣ سورة الطور: ٢١. ٤ روى "سراة" مكان "لديك" ومغلغة: رسلة تغلغل حتى تصل إليهم. الديوان: ١٣٥. ٥ لم نعثر عليه في ديوانه ولا ديوان العجاج، ورواه اللسان "ليت" لم ينسبه، وروى فيما روى من شرحه: وقيل: معنى هذا لم يلتني عن سراها أن أتندم، فأقول: ليتني ما سريتها.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
أي: لم يثني عنها ثان١.
ومن ذلك قراءة الناس: "أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ٢".
وقرأ مجاهد: "بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون"، في الطور٣.
قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن أم المنقطعة بمعنى بل، للترك والتحول، إلا أن مات بعد بل متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، مسئول عنه. وذلك كقول علقمة بن عبدة.
هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم٤؟
كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده يوله بعده [١٥٢ظ]:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته إثر الأحبة يوم البين مشكوم٥
ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام، وهو "هل" في قوله: أم هل كبير بكى حتى كأنه قال: بل هو كبير؟ ترك الكلام الأول، وأخذ في استفهام مستأنف.
وقد توالت "أم" هذه في هذا الموضع من هذه السورة، قال "تعالى": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ٦﴾، أي: بل أيقولون ذلك؟، "أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ٧"، أي: بل أهم قوم طاغون. أخرجه مخرج الاستفهام، وإن كانوا عنده "تعالى" قوما طاغين؛ تلعبا بهم، وتهكما عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذي لا يشك في جهله:
_________________
(١) ١ ويكون الراجز على هذا قد وضع المصدر موضع اسم الفاعل. ٢ سورة الطور: ٣٢. ٣ في الذاريات: ٥٣: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . ٤ الحبل: استعارة للوصل والمحبة. ونأتك: أصله نأت عنك، فحذف "عن" ووصل الضمير بالفعل. ومصروم: مقطوع. ويذكرون أن العرب كانت تعرض أشعارها. على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولا، وما كان مردودا. فقدم عليهم علقمة بن عبدة، فأنشدهم قصيدته: هل ما علمت ، فقالوا: هذا سمط الدر. المفضليات: ٣٩٧، والخزانة ٤: ٥١٦. ٥ كبير: يريد نفسه. ومشكوم: مجازي، والشكم: العطية جزاء، فإن كانت ابتداء فهي الشكد. ٦ سورة الطور: ٣٠. ٧ سورة الطور: ٣٢.
[ ٢ / ٢٩١ ]
أجاهل أنت؟ توبيخا له، وتقبيحا عليه. ومعناه: إني قد نبهتك على حالك، فانتبه لها، واحتط لنفسك منها. قال صخر الغي:
أرائح أنت يوم اثنين أم غادي ولم تسلم على ريحانه الوادي١
ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به. ولكنه يقبح هذا الرأي٢ لها، وينعاه عليها هكذا مقتاد كلام العرب، فاعرفه وأنس به.
ومن ذلك قراءة الجحدري: "بِحَدِيثٍ مِثْلِه٣".
قال أبو الفتح: الهاء في "مثله" في هذه القراءة ضمير النبي "ﷺ". ألا ترى أن قلبه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي: فليأتوا بحديث مثل النبي، ﷺ. وأما الهاء في قراءة الجماعة: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ٤﴾ فللقرآن، أي: مثل القرآن.
ومن ذلك قراءة سالم أبي الجعد: "وَإِدْبَارَ النُّجُوم٥".
قال أبو الفتح: هذا كقولك: في أعقاب النجوم، قيل له: دبر، كما قيل له: عقب قال:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر مع الصبح في أعقاب نجم مغرب٦
_________________
(١) ١ لم نعثر على الشاهد في ديوان الهذليين. وفي اللسان "ثنى" قالوا في الشعر: يوم اثنين بغير لام، ثم روى الشاهد منسوبا إلى صخر الغي. ووضع في الأصل كلمة "اثنين" في البيت، وكتب تجاهها في الهامش "معا"، وتحتها "والبين". كأنه يريد أنه يروى "البين" مكان "اثنين". وكان "معا" تشير إلى أزدواج الرواية. ٢ في ك: الرائي، وهو تحريف. ٣ سورة الطور: ٣٤. ٤ لم يثبت في ك: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِه﴾ . ٥ سورة الطور: ٤٩. ٦ لقيس بن الملوح. والمغرب: الذي يأخذ في ناحية المغرب. الأغاني: ٢: ٢٠. واللسان "غرب".
[ ٢ / ٢٩٢ ]