بسم الله الرحمن الرحيم
ورش: "ألفْ لامْ مِيمَ حَسِبَ"١، بفتح الميم من غير همز بعدها.
قال أبو الفتح: هذا على تخفيف همزة: "أحَسِبَ"، حذَفها وألقي حركتها على الميم، وانفتحت.
وفيه ضعف؛ وذلك أن حروف التهجي مبنية على الوقف في حال الوصل، كقراءة الجماعة: "ميم أَحَسِبَ النَّاسُ". فإذا كانت في الإدراج ساكنة لم يلق بها إلقاء الحركة عليها؛ وذلك أن إلقاء الحركة في نحو هذا إنما يكون لما من عادته أن يحرك في الوصل لالتقاء الساكنين. وأنت تقول: "ميم" فتجمع بين الساكنين، وهما: الياء، والميم. فإذا كان الساكنان يجتمعان في الوصل ضعف إلقاء حركة الهمزة عليها، وليس كذلك٢ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣ لأن "قد" مما يحرك لالتقاء الساكنين، نحو قدِ انقطع، وقد استخرج. فكما حرك لالتقاء الساكنين، فكذلك حرك لإلقاء حركة الهمزة عليه.
فإن قلت: قد تقول: "ألفْ لامْ ميمَ الله"، فتحرك الميم من آخر "ميمَ" لسكونها وسكون اللام من بعدها، فهلا جاز على ذلك إلقاء حركة الهمزة عليها٤. قيل: أصل حركة التقاء الساكنين إنما هو في المتصل، نحو: أين، وكيف، ومنذ، وسوف، وأمس، وهؤلاء. ثم شبه المنفصل في ذلك بالمتصل، "ميم" و"نون" و"قاف" يجتمع فيه الساكنان في الوصل،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: ١، ٢. ٢ في ك: لذلك، وهو تحريف. ٣ سورة المؤمنون: ١، ونقل حركة همزة "أفلح" إلى الدال قبلها قراءة ورش، كما في الإتحاف: ١٩٤. ٤ سقطت "عليها" في ك.
[ ٢ / ١٥٨ ]
فعليه العمل لا على ما يحرك في الوصل المنفصل لالتقاء الساكنين، إلا أن له أن يقول: شَبهتُ سكونا بسكون، فحركتُ ميمَ "ميمَ" بإلقاء حركة الهمزة، كما حركت دال "قدَ أفْلَح" كذلك.
ومن ذلك قراءة علي١ بن أبي طالب كرم الله وجهه: "فَلَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِين"٢ برفع الياء فيهما، وكسر اللام.
وقرأ الزهري: "فَلَيَعْلَمَنَّ" مثل قراءة الناس، وقرأ: "١٢٣ظ" "وَلَيُعْلِمَنَّ الْكَاذِبِين" كقراءة علي:
وقرأ جعفر بن محمد ومحمد بن عبد الله بن حسن، كقراءة علي ﵇.
وقرأ الزهري: "فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا" كقراءة الناس أيضا، "ولَيَعْلَمَنَّ المنافقين".
قال أبو الفتح: أما "فَلَيَعْلَمَنَّ"، بفتح الياء واللام فإنها على إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه: فليكافئن الله الذين آمنوا، وذلك أن المكافأة على الشيء إنما هي مسببة عن علم، ولو لم يعلم لما صحت المكافأة. ومثله من إقامة السبب مقام المسبب قول الله سبحانه: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٣، فهذا سبب قضاء الحاجة المكنّى بذكره عنها. وقد أفردنا لهذا الفصل من إقامة كل واحد من السبب والمسبب مقام صاحبه بابا في كتاب الخصائص٤.
وأما قوله: "وَلَيُعْلِمَنَّ"٥ فمعناه: ولَيُعَرِّفَنَّ الناس من هم؟ فحذفتَ المفعول الأول، كما قال الله تعالى: "يَوْمَ يُدْعُى كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ"٦، وكقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ ٨. جاء في التفسير أنها زُرْقَة العيون، وسواد الوجوه. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، وقيل في زرقا: أي: عطاشا، ومنه سنان أزرق، أي: ظمآن إلى الدم.
_________________
(١) ١ في ك: علي، كرم الله وجهه. ٢ سورة العنكبوت: ٣. ٣ سورة المائدة: ٧٥. ٤ الخصائص: ٣: ١٧٣-١٧٧. ٥ في ك: "فليعلمن". ٦ سورة الإسراء: ٧١، و"يدعى" قراءة الحسن كما في البحر: ٦: ٦٢. ٧ سورة الرحمن: ٤١. ٨ سورة طه: ١٠٢.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وإن شئت لم تحمله على حذف المفعول لكن على أنه من قولهم: ثوب مُعْلم، ومن قولهم: فارس مُعْلم، أي: أعلم نفسه في الحرب بما يعرف به من ثوب أو غيره، فكأنه قال: وَلَيَشْهَرَنَّ الذين صدقوا، وَلَيَشْهَرَنَّ الكاذبين؛ فيرجع إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول.
وإن شئت كان على حذف المفعول الثاني لا الأول، كأنه قال: فَلَيُعْلِمَنَّ الله الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم.
ومثل: "لَيَعْلَمَنَّ"، بفتح الياء واللام جميعا - قراءة من قرأ: "عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ"١، بتخفيف الراء من عَرَفَ فأقام المعرفة مقام المعاتبة عنها. ومثل "ولَيُعْلِمَنَّ"، بضم الياء، وكسر اللام -قراءة من قرأ: "عَرَّفَ بَعضَه"، بتشديد الراء.
وأعلمت في القراءتين جميعا إذا لم تكن بمعنى أعلمت الثوب فهو بمعنى عرفت٢، وهي متعدية إلى مفعول واحد، كقوله تعالى٣: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ ٤، أي: عرفتم. وأما "لَيَعْلَمَنَّ" و"فَلَيُعْلِمَنَّ" فكأنه قال: فليكافئن، ولَيَشْهَرَن بما كافأ به على ما مضى من التفسير.
ومن ذلك قراءة السلمى وزيد بن علي: "وَتَخَلَّقُونَ إِفْكًا"٥.
وقرأ فضيل بن مرزوق٦ وابن الزبير: "وَتَخْلُقُونَ أَفِكًا"، بفتح الهمزة، وكسر الفاء.
قال أبو الفتح: أما "تَخَلَّقُونَ" فعلى وزن تَكَذَّبُونَ٧ ومعناه. وأما "أَفِكًا" فإما أن يكون
_________________
(١) ١ سورة التحريم: ٣، وتخفيف الراء قراءة الكسائي، وتشديدها قراءة الباقين، كما في إتحاف فضلاء البشر: ٢٥٨. ٢ أي حين يكون مجردا، وأما أعلمت فبمعنى عرفت بالتشديد، كما لا يخفى. ٣ في ك: كقول الله. ٤ سورة البقرة: ٦٥. ٥ سورة العنكبوت: ١٧. ٦ هو فضيل بن مرزوق الكوفي، روى عن أبي حازم عدي بن ثابت. وروى عنه يحيى بن آدم ويزيد بن هارون، وثقه السفيانان، وكان شديد التشيع. الخلاصة: ٢٦٤. ٧ تكذب: تكلف الكذب، فأصل "تخلقون" تتخلقون حذفت إحدى التاءين. وانظر البحر: ٧: ١٤٥.
[ ٢ / ١٦٠ ]
مصدرا كالكذب والضحك، وإما أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي تكذبون كذبا أفِكا، ثم١ حذف المصدر، وأقيمت صفته مقامه، كقولك: قمت مثل ما قام زيد، أي: قياما مثل قيام زيد. وأذهب في الحذف -على هذا الحد- منه قول الله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٢ أي: شُربًا مثل شُربِ الهيم [١٢٤و] لأنه حذف فيه مع الموصوف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. و"أَفِك" على هذا صفة، كبَطِر، وأَشِر، ويجوز أن يكون محذوفا من "آفك"، وهو اسم الفاعل من أفك يأفِك إفكا: إذا كذب. وأفكته آفكه إفكا: إذا صرفته عن الشيء، وهو مأفوك. قال:
إنْ تَكُ عن أَحْسَنِ الْمُرُوءة مأ فُوكًا فَفِي آخِرينَ قد أُفِكُوا٣
إلا أن الألف حذفت، كما حذفت في بَرِد وعَرِد، يريد باردا وعاردا٤. وقد مضى ذكره.
ومن ذلك قراءة الزهري: "أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَبْدَا اللَّهُ الْخَلْقَ"٥، بغير همز.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون أراد بغير همزة محققة٦، بل هي مخففة، فقربت من الساكن إلا أنها مضمومة؛ لأنها مخففة في وزن المحققة. ولو كان بدلا محضا لقال: "يبدا"، فقلبها ياء، ثم أبدل من الياء ألفا، أجراها مجرى ألف يخشى، كما أنه لما أبدلها الشاعر فيما أنشده أبو علي عن أبي زيد:
_________________
(١) ١ في ك: فكأنه حذف. ٢ سورة الواقعة: ٥٥. ٣ البيت لعروة بن أذينة. يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك أيضا. وانظر اللسان "أفك". ٤ يشير إلى قوله: أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا إلا عرادا عردا وصليانا بردا وعنكثا ملتبدا وانظر الصفحة ١٧١ من الجزء الأول. ٥ في ك: ﴿يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ . ٦ في ك: مخففة، وهو تحريف.
[ ٢ / ١٦١ ]
إذا مَلا بَطْنَهُ ألْبانُها حَلَبًا بَاتَتْ تُغْنِيه وَضْرَى ذاتُ أجْرَاسِ١
أراد: "ملأ" فأبدله البتة، فصارت ياء، فأبدلها للفتحة قبلها ألفا، فصارت "ملا" كما ترى، بوزن قضَى وسعَى. وقد شرحنا هذا في كتابنا سر الصناعة وبأخَرَة٢ في كتابنا الخصائص٣، وبعده في كتاب الخطيب، لما دعا إلى تكرير٤ ذكره لقوة الحاجة إليه وتقاضي الوضع له٥.
_________________
(١) ١ الوضر: محركة: بقية الهناء وغيره، واللطخ من الزعفران ونحوه، وضر كوجل، وهي وضرة ووضرى. وانظر اللسان "وضر". ٢ بأخرة: أخيرا. ٣ الخصائص: ٣: ١٥٢ وما بعدها. ٤ في ك: إلى ذكره، بدون تكرير. ٥ في ك: لها، وهو تحريف.
[ ٢ / ١٦٢ ]