بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "تُعَزِّرُوه١"، خفيفة، مفتوحة التاء، مضمومة الزاي - الجحدري.
قال أبو الفتح: "تُعَزِّرُوه"، أي: تمنعوه، أو تمنعوا دينه وشريعته، فهو كقوله "تعالى": ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ٢﴾، أي: إن تنصروا دينه وشريعته، فهو على حذف المضاف.
وأما "تُعَزِّرُوه"، بالتشديد فتمنعوا منه بالسيف، فيما ذكر الكلبي. وعزرت فلانا، أي: فخمت أمره. قالوا: ومنه عزرة: اسم الرجل، ومنه عندي قولهم: التعزير، للضرب دون الحد، وذلك أنه لم يبلغ به ذل الحد الكامل وكأنه محاسنة له ومباقة فيه.
قال أبو حاتم قرأ: "تُعَزِّزوه"، بزايين - اليمامي٣، أي: يجعلوه عزيزا.
ومن ذلك قراءة تمام بن عباس بن عبد المطلب: "إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ٤".
قال أبو الفتح: هو على حذف المفعول؛ لدلالة ما قبله عليه، فكأنه قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعونك لله، فحذف المفعول الثاني؛ لقربه من الأول، وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه. وهذا المعنى وهو راجع على معنى القراءة العامة: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، أي: إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من قوله: "لله"، أي: إنما المعاملة في ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها.
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ٩. ٢ سورة محمد: ٢. ٣ ذكر السمعاني في الأنساب: ٣٠٦ جماعة من المحدثين ينسب كل منهم إلى اليمامة، ويلقب باليمامي. ٤ سورة الفتح: ١٠.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ١".
قال أبو الفتح: نصبه على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، فـ"معه" خبر عن الذين آمنوا٢، كقولك: محمد رسول الله علي معه، ثم نصب "أشداء" و"رحماء" على الحال، أي: هم معه على هذه الحال، كقولك: زيد مع هند جالسا، فتجعله حالا من الضمير في معه٣، لأمرين:
أحدهما قربة منه، وبعده عن زيد.
والآخر ليكون العامل في الحال -أعني الضمير- هو العامل في صاحب الحال٤، أعني الظرف.
ولو جعلته حالا من الذين كان العامل في الحال غير العامل في صاحبها، وإن كان ذلك جائزا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ٥﴾، إلا أن الأول أوجه. وإن شئت نصبت أشداء ورحماء على المدح، وأصف وأزكى أشداء ورحماء.
وكسر رحيم على رحماء -فعلاء- وشديد على أشداء -أفعلاء- كراهية التضعيف في أشداء، وقد وجدوا له نظير على أفعلاء، فقالوا: صفي وأصفياء، ووفي وأوفياء، كراهية لصفواء ووفياء، لما يجب من الاعتذار من ترك قلب الواو والياء؛ لتحركهما وانفتاح ما قبلها. فهذا ونحوه مما يدلك ويبصرك أنهم لا يتنكبون شيئا إلى آخر تطربا ولا تبدلا، لا بل إنعاما وتأملا.
ومن ذلك قراءة عيسى الهمداني -بخلاف-: "شَطَاءهُ٦"، ممدود، مهموز.
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ٢٩. ٢ الظاهر من كلام أبي الفتح أنه يحسب الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، بدليل قوله: فـ"معه" خبر عن الذين آمنوا، وأنه يجعل "معه" خبرا لا صلة. وليس في المراجع التي رجعنا إليها ما يشير إلى أن قراءة الحسن على ما يحسب أبو الفتح. قال أبو حيان: وقرأ الحسن: "أَشِدَّاء رُحَمَاء" بنصبهما. قبل: على المدح، وقيل: على الحال: والعامل فيهما العامل في "معه"، ويكون الخبر عن المبتدأ المتقدم "تراهم". وانظر البحر: ٨: ١٠٢. ٣ أي: في متعلقه، كما لا يخفى. ٤ المراد: ليكون العامل في صاحب الحال -أعني الضمير- هو العامل في الحال ولعل ما ذكرناه هو الأصل القويم للعبارة. ٥ سورة البقرة: ٩١. ٦ سورة الفتح: ٢٩.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وقرأ عيسى: "شَطْأَه".
وقرأ الجحدري: "شَطْوَهُ".
قال أبو الفتح: الشطء: الفراخ للزرع، وجمعه شطوء. ويقال أيضا: هو الورق. والشطء: السنبل أيضا. شطأ الزرع شطئا، وأشطأ إشطاء.
ويقال: إن معفر بن حمار البارقي شامت١ ابنته برقا، فقالت: يا أبه٢، جاءتك السماء! فقال لها: كيف ترينها؟ فقالت له: كأنها عين جمل طريف٣. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: [١٤٩ظ] كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ترينها؟ فقالت: سطحت٤ وابيضت٥. فقال: أدخلي غنيماتك، فجاءت السماء بشيء شطأ له الزرع.
ومنه عندي قولهم: شاطئ النهر والوادي؛ لأنه ما برز منه وظهر؛ ولهذا سموه السيف؛ لأنه من لفظ السيف ومعناه. ألا ترى أنهم يصفون السيف بالصقال والانجراد؟ قال:
كأنني سيف بها إصليت٦
أي: بارز صلت٧. وموجب الوصية في ترتيب أحوال المشتق والمشتق منه في التقدم والتأخر -أن يكون السيف مشتقا من السيف؛ لأن السيف من صنعة البشر، والسيف من صنعة القديم "سبحانه"، فهو أسبق مرتبة في الزمان، فليكن أسبق مرتبة في الكلام. ألا ترى أن آدم ﵇ مخلوق من التراب؟ وهذا واضح.
وأما "شَطْوَهُ"، بالواو فلن يخلو أن يكون لغة، أو بدلا من الهمزة. ولا يكون الشطء إلا في البر والشعير٨.
_________________
(١) ١ شامت برقا: نظرت إليه لترى أين يتجه السحاب، وأين يمطر؟ ٢ يا أبه: لغة في: يا أبت. ٣ عين جمل طريف: أصابها شيء فدمعت. ٤ تريد أمتد سحابها وانتشر هنا وهناك، من قولهم: ألف مسطح، أي منبسط جدا. ٥ تريد حفلت بالمطر، من قولهم: بيض الأناء، أي ملأه. ٦ لرؤبة: وانظر الجمهرة: ٢: ١٩، والديوان: ٢٥. ٧ صلت: صقيل. ٨ سكت أبو الفتح عن قراءة عيسى الهمداني: "شطاءه" و"شطاء". وقال في البحر "٨: ١٠٢" عن الأخيرة: وقرأ بألف الهمزة زيد بن علي فاحتمل أن يكون مقصورا وأن يكون أصله الهمز، فنقل الحركة، وأبدل الهمزة ألفا، كما قالوا في المرأة والكمأة: المراة والكماة. وهو تخفيف مقيس عند الكوفيين، وهو عند البصريين شاذ لا يقاس عليه.
[ ٢ / ٢٧٧ ]