بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ ابن الزبير: "نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْادِهِ"١.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه وإن كان إنزاله على رسول الله "ﷺ" فإنه لما كان "﵇" موصلا له إلى العباد ومخاطبا به لهم صار كأنه منزل عليهم، ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهي لهم، والترغيب والترهيب والمصروف اللفظ إليهم، ونحو ذلك مما يوجه فيه الخطاب نحوهم.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "اكْتُتِبَهَا٢"، بضم الألف والتاء الأولى وكسر الثانية. قال أبو الفتح: قراءة العامة: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ معناه استكتبها، ولا يكون معناه كتبها، أي: كتبها بيده؛ لأنه "﵇" كان أميا لا يكتب، وهو من تمام إعجازه، وأنه لم يكن يقرأ الكتب فيظن بما يورده من الأنباء المتقادمة الأزمان كان عن قراءته الكتب.
فـ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ معناه استكتبها؛ لأنه لم يكن أحد من المشركين يدعي أنه يقرأ الكتب وإذا كان كذلك فمعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ إنما هو استكتبها، وهو على القالب، أي: استكتبت له. ومثله في القلب قراءة من قرأ: "قُدِّرُوهَا تَقْدِيرًا"٣، أي: قدرت لهم، والقلب باب، وشواهده كثيرة، منها قولهم:
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ١. ٢ سورة الفرقان: ٥. ٣ سورة الإنسان: ١٦، وهذه قراءة علي وابن عباس والسلمي والشعبي وغيرهم، كما في البحر "٨: ٣٩٧".
[ ٢ / ١١٧ ]
مِثلُ القنافِذِ هَدّاجُونَ قدْ بَلَغَتْ نجرانَ أو بَلَغَتْ سَوْاءَتِهِمْ هَجَرُ١
أراد: وبَلَغَتْ سوءاتُهُم هجرا، ومثله قولهم:
أسلَمُوها في دمشْقَ كَمَا أسلمَتْ وحشيَّةٌ وَهَقَا٢
أي: كما أسلم وهق وحشية، ومنه قوله:
ما أمسكَ الحبلَ حافِره٣
أي: ما أمسَكَ الحبْلُ حافِرَهُ.
وليس ممتنعا أن يكون قوله: ﴿اكتَتَبَهَا﴾ كتبها وإن لم يلِ ذلك بيده، إلا أنه لما كان عن رأيه أو أمره نسب ذلك إليه، كقولنا: ضرب الأمير اللص وإن لم يله بيده. وفي الحديث: "من اكتتب ضمنا كان له كذا" ٤، أي: زمنا، يعني كتب اسمه في الفرض.
فعلى هذا يكون "اكْتُتِبهَا" أي: اكْتُتِبَتْ لَهُ.
ومن ذلك قراءة عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: "وَيَجْعَلَ لَكَ"، بالنصب.
قال أبو الفتح: نصبه على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولك: إن تأتني آتك وأُحْسِنَ إليك. وجازت إجابته بالنصب [١١٤ظ] لما لم يكن واجبا إلا بوقوع الشرط من قبله وليس قويا من ذلك، ألا تراه بمعنى قولك: أفعلُ كذا إن شاء الله؟
_________________
(١) ١ في ديوان الأخطل "١١٠" يهجو بني يربوع رهط جرير: قوم أنابت إليهم كل مخزبة وكل فاحشة سبت بها مضر على العيارات هداجون قد بلغت نجران أو حدثت سوءاتهم هجر والعيارات: جمع عير، وهو الحمار. والهدجان محركة: مشى ضعيف. ويضرب المثل بالقنفذ في سرى الليل. يقول: إن قوم جرير يسرون كما تسري القنافذ للسرقة والفجور. ٢ الوهق، محركة ويسكن: الحبل يرمى في أنشوطة فتؤخذ به الدابة والإنسان، وانظر ديوان الحطيئة: ١٨٧، والتمام: ١٨٠. ٣ انظر التمام: ١٨١. ٤ في اللسان "ضمن": وفي حديث عبد الله بن عمر: "من اكتتب ضمنا بعثه الله ضمنا يوم القيامة". أي: من سأل أن يكتب نفسه في جملة الزمنى ليعذر عن الجهاد، ولا زمانة -بعثه يوم القيامة زمنا. واكتتب: سأل أن يكتب في جملة المعذورين، وخرجه بعضهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢ / ١١٨ ]
ومن ذلك قراءة الأعرج: "نَحْشِرُهُمْ"١، بكسر الشين.
قال أبو الفتح: هذا وإن كان قليلا في الاستعمال فإنه قوي في القياس، وذلك أن "يَفْعِل" في المتعدي أقيس من "يَفْعُل"، فضرَب يضرِب إذًا أقيسُ من قتَل يقتُل؛ وذلك أن "يَفْعُل" إنما بابها الأقيس أن تأتي في مضارع فَعُلَ، كظرُف يظرُف، وكرُم، يكرُم، ثم نقلت إلى مضارع فعَل، نحو يقتُل ويدخُل؛ لتخالف حركة العين في المضارع حركتها في الماضي؛ إذ كان مبني الأفعال على اختلاف مُثُلِهَا، من حيث كان ذلك دليلا على اختلاف أزمنتها، فكلما خالف الماضي المضارع كان أقيس، وباب فَعَلَ إنما هو يَفْعُل، كما أن باب فَعِلَ إنما هو يَفْعَل. فكما انقاد عَلِمَ يَعْلَم فكذلك كان يجب أن ينقاد٢ باب ضَرَبَ يضرِب.
فأما يفعُل فبابه -على ما تقدم- فعُل، كشرُف يشرُف. وباب فعُل غيرُ متعدٍ، فالأشبه ما أُخْرِجَ إليه من باب فَعَلَ أن يكون مما ليس متعديا كقَعَدَ يقعُد، فكما أن ضرَب يضرِب أقيسُ من قتَل يقتُل فكذلك قعَد يقعُد أقيسُ من جلَس يجلِس وقد شرَحْنا هذا في كتابنا الموسوم بالمنصف٣.
ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي جعفر ومجاهد -بخلاف- ونصر بن علقمة٤ ومكحول٥ وزيد بن علي٦ وأبي رجاء والحسن -واختلف عنهما- وحفص بن حميد٤ وأبي عبد الله محمد بن علي: "نُتَّخَذَ٨"، بضم النون.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ١٧. ٢ في ك: تنقاد، وهو تحريف. ٣ المنصف: ١: ١٨٦. ٤ هو نصر بن علقمة الحضرمي أبو علقمة الحمصي، ورى عن جبير بن نفير، وروى عنه يحيى بن حمزة، ووثقه النسائي. الخلاصة: ٣٤٤. ٥ هو مكحول الدمشقي، قال عن نفسه: كنت لعمرو بن سعيد بن العاص، فوهبني لرجل من هذيل بمصر، فأنعم علي بها، فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته ثم قدمت المدينة فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم لقيت الشعبي فلم أر مثله، وقال: اختلفت إلى شريح ستة أشهر لم أسأله عن شيء، أكتفي بما أسمعه يقضي به. وكان مكحول من أهل كابل، وكانت فيه لكنة، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفا في حديثه وروايته. مات سنة ١١٨، وقيل: سنة ١١٣. طبقات ابن سعد: ٧: ٣٥٣، ٣٥٤. ٦ هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي أبو الحسين المدني، أحد أئمة أهل البيت. روى عن أبيه وأبان عن عثمان، وروى عنه الزهري وزكريا بن أبي زائدة، من الثقات. قتل سنة ١٢٢، أو سنة ١٢١. الخلاصة: ١٠٩. ٧ هو حفص بن حميد القمي، بالقاف، أبو عبد الله، روى عن عكرمة، وروى عنه أشعث بن إسحاق وغيره وثقه النسائي. الخلاصة: ٧٤. ٨ سورة الفرقان: ١٨.
[ ٢ / ١١٩ ]
قال أبو الفتح: أما إذا ضمت النون فإن قوله: "مِن أَولياء" في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، ودخلت "من" زائدة لمكان النفي، كقولك: اتخذت زيدا وكيلا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما، وما أعطيته من درهم، وهذا في المفعول.
وأما في قراءة الجماعة: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ فإن قوله ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ في موضع المفعول به، أي: أولياء. فهو كقولك: ضربت رجلا، فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل.
وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ﴾ أي: لسنا ندعي استحقاق الولاء ولا العبادة لنا.
ومن ذلك قراءة علي "﵇" وعبد الرحمن بن عبد الله: "وَيُمْشَّونَ فِي الْأَسْوَاق"٢، بضم الياء، وفتح الشين مشددة.
قال أبو الفتح: "يُمشَّون" كقولك: يدعون إلى المشي، ويحملهم حامل إلى المشي، وجاء على فُعَّل لتكثير فعلهم، إذ هم "﵈" جماعة، ولو كانت "يُمشُّون" بضم الشين لكانت أوفق لقوله تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام﴾، إلا أن معناه٣ يكثرون المشي كما قال:
يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْر منَ الخُرْسِ الصَّراصِرَةِ القطاط٤
ومن ذلك ما روي عن ابن كثير وأهل مكة: "وَنُزِّلُ الْمَلائِكَة"٥، وكذلك روى خارجة عن أبي عمرو.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محمولا على أنه أراد: ونُنَزِّلُ الملائكة، إلا أنه حذف النون الثانية التي هي فاء فِعل نزَّل؛ لالتقاء النونين استخفافا، وشبهها بما حذف من أحد المثلين
_________________
(١) ١ سقط في ك: فإن قوله من أولياء. ٢ سورة الفرقان: ٢٠. ٣ أي: معنى "يمشون". ٤ الحانوت: الخمار. والصراصرة: نبط الشام. والقطاط: الجماد، جمع قطط بالتحريك والبيت للمتنخل الهذلي. انظر ديوان الهذليين: ٢: ٢١، واللسان "حنت، وقطط". ٥ سورة الفرقان: ٢٥.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الزائدين في نحو قولهم: أنتم تَفكرون "١١٥و" وتَطهّرون، وأنت تريد: تتفكرون وتتطهرون ونحوه قراءة من قرأ: "وَكَذَلِكَ نُجِّي الْمُؤْمِنِين"، ألا تراه يريد: ننجِّي، فحذف النون الثانية وإن كانت أصلا لما ذكرنا؟ وقد تقدم القول على ذلك في سورة النور١.
وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو: "وَنُزِلَ الْمَلائِكَةُ"، خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا غير معروف؛ لأن "نَزَلَ" لا يتعدى إلى مفعول به فيبنى هنا للملائكة؛ لأن هذا إنما يجيء على نَزَلتُ الملائكةَ، ونُزِل الملائكةُ. وَنَزَلْت غير متعدّ كما ترى.
فإن قلت: فقد جاء فُعِل مما لا يتعدى فَعَلَ منه، نحو زُكِمَ، ولا يقال زَكَمَه الله. وجُنّ، ولا يقال جنَّه الله. وإنما يقال: أزكمه الله، وأَجَنَّه الله- فإن٢ هذا شاذ ومحفوظ، والقياس عليه مردود مرذول. فإما أن يكون ذلك لغة طارقة لم تقع إلينا، وإما أن يكون على حذف المضاف، يريد: ونُزِل نُزولُ الملائكة، ثم حُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه على ما مضى، فأقام "الملائكة" مقام المصدر الذي كان مضافا إليها، كما فعل ذلك الأعشى في قوله:
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ ليلةَ أَرْمَدا٣
إنما يريد اغتماض ليلة أرمد فنصْبُ ليلة إذًا إنما هو على المصدر لا على الظرف؛ لأنه لم يُرد: ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وإنما أراد: ألم تغتمض عيناك من الشوق والأسف اغتماضا مثل اغتماض ليلة رَمِد العين. ومثله قول العجاج.
حَتَّى إذا صَفُّوا لَهُ جِدارا٤
"فجدارا" الآن منصوب نصب المصدر، وليس منصوبا على أنه مفعول به، كقولك: صففتَ قدمَك، إنما يريد: اصطفوا له اصطفاف جدار؛ فحذف الاصطفاف، وأقام "الجدار"
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١١١ من هذا الجزء. ٢ في ك: وأن، وهو تحريف. ٣ عجزه: وبت كما بات السليم مسهدا والبيت مطلع قصيدة مدح بها الرسول ﷺ، وكان عزم على الإسلام فصدته قريش. والسليم: اللديغ. وانظر الديوان: ١٣٥، والخصائص: ٣: ٣٢٢، ومختصر الشواهد للعيني: ١٨٠. ٤ انظر الديوان: ٢٤، والبيت من أرجوزة في مدح الحجاج.
[ ٢ / ١٢١ ]
مقامه، فنصبه على المصدر، كما ينصب الاصطفاف أو ظهر، وكذلك ما رويناه عن محمد بن الحسن عن ابن الأعرابي من قوله:
وطَعْنَةِ مُسْتَبْسِلٍ ثَائِرٍ يَرُدُّ الكَتِيبَةَ نِصْفَ النَّهارِ١
أي ردّ نصف النهار ألا ترى أن ابن الأعرابي فسره فقال: يرد الكتيبة مقدار نصف يوم، فهذا يدلك على أنه أراد: يردُّ الكتيبة ردّ نصف النهار، أي: الرد الذي يمتد وقته بمقياس ما بين أول النهار إلى نصفه، وذلك نصف يوم. وليس يريد أنه يردها في هذا الوقت البتة، وإنما يريد أنه يردها مقدار نصف النهار، كان ابتداء ذلك في أول النهار أو غيره من نهار أو ليل، وكأنه قال: يرد الكتيبة ست ساعات، فهذا لا يخص نهارا من ليل، فبهذا يعلم أنه لا يريد: يردها في وقت انتصاف النهار دون ما سواه من الأوقات.
وكذلك: "وَنُزِل الْمَلائِكَةُ"، أي نزل نزول الملائكة. ولو سمى الفاعل على هذا التقدير لقيل: نَزَلَ النازلُ الملائكةَ، فنصب الملائكة انتصاب المصدر، كما نصب الجدار انتصاب المصدر، لأن كل مضاف إليه يحذف مِنْ قَبْله ما كان مضافا إليه فإنه يعرَب إعرابه، لا زيادة عليه ولا نقص منه.
فإن قيل: فما معنى: نُزِل نزولَ الملائكة، حتى يصح لك تقديره مثبتا ثم تحذفه؟ فإنه على قولك: هذا نُزولٌ منزول، وهذا صعودٌ مصعود، وهذا ضرب مضروب. وقريب منه قولهم: "١١٥ظ" قد قيل فيه قول، وقد خيف منه خوف. فاعرف ذلك؛ فإنه أمثل ما يحتج به لقراءة من قرأ: "وَنُزِلَ الْمَلائِكَة
"، بتخفيف٢ الزاي، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه" ومسلمة بن محارب: "فَدَمِّرانِّهمْ تدْمِيرًا"٣. حكى أبو عمرو عن علي أنه قرأ: "فَدَمِرْناهم"، بكسر الميم مخففة، وحكى عنه أيضا: "فَدَمِّرا بهم"، بالباء على وجه الأمر.
قال أبو الفتح: الذي رويناه عن أبي حاتم أنه حكاها قراءة غيرَ معزُوَّة إلى أحد: "فَدَمِّرانِّهمْ تدْمِيرًا"، وقال: كأنه أمر موسى وهارون ﵉ أن يدمّراهم.
_________________
(١) ١ لسبرة بن عمرو الفقعسي. وروي "حاسر" مكان "ثائر"، و"تردّ" مكان "يردّ". وانظر النوادر: ١٥٥، والخصائص: ٣: ٣٢٢. ٢ سقط في ك: "بتخفيف الزاي": ٣ سورة الفرقان: ٣٦.
[ ٢ / ١٢٢ ]
قال أبو الفتح: ألحقَ نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: اضربانَّ زيدا، ولا تقتلانَّ جعفرا.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَةً هَوَاهُ"١.
قال أبو الفتح: ذكر أبو حاتم أنها قراءة لبعض٣ أهل مكة، ولم ينص على أحد. والإلاهةُ: الشمس، ويقال: إلاهةُ بالضم غير مصروفة، روينا عن أبي علي:
تَرَوَّحْنا مِنَ اللَّعْبَاء قَصْرًا فَأَعجَلْنا الإلاهة أنْ تَئُوبا٣
ويروى: فأعجلنا إلاهة، فتكون إلاهة هذه المقروءة منزوعا عنها حرف التعريف الذي في الإلاهة، فتنكرت، فانصرفت.
فأما قراءة من قرأ: "وَيَذَرَكَ وَإلِاهَتَكَ"٤ فمعناه: وعبادتك، كذا قالوا عنه. وقد يجوز أن يكون أراد: إلاهة هذه المقروءة، فأضافها إليه لعبادته لها، فيكون كقوله: وَيَذَرَكَ وَشَمْسَكَ، أي الشمس التي تعبدها.
ومن ذلك قراءة ابن السميفع: "الرِّيَاحَ بُشْرَى"٥، مثل٦ حبلى.
قال أبو الفتح: "بُشْرَى"، مصدر وقع موقع الحال، أي: مُبَشِّرَةً، فهو كقولهم: جاء زيد ركضا، أي: راكضا. وهلم جرا، أي جارا أو منجرا. ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٧، أي: ساعيات. ومثله قوله:
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ٤٣. ٢ في ك: قراءة أهل. ٣ لمية بنت عتيبة ترثي أباها، وقتل يوم خو. قتلته بنو أسد. وروي "عصرا" مكان "قصرا". واللعباء: سبخة معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف، وسيف البحر. والقصر: الدخول في العشي، وهو أيضا: اختلاط الظلام. اللسان "لعب"، ومعجم البلدان "اللعباء". ٤ سورة الأعراف: ١٢٧. ٥ سورة الفرقان: ٤٨. ٦ في ك: مثلى، وهو تحريف. ٧ سورة البقرة: ٢٦٠.
[ ٢ / ١٢٣ ]
فأقبلْتُ زَحْفًا علَى الركبَتَيْنِ فَثَوْبًا نَسِيتُ وَثَوْبًا أَجُرُّ١
أي: أقبلت زاحفا وما أكثر نظائره!
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وَهَذَا مَلْحٌ أُجَاجٌ٢".
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم٣: هذا منكر في القراءة، فقوله: هو منكر في القراءة يجوز أن يريد به أنه لم يُسمع في اللغة، وإن كان سُمِعَ فقليلٌ وخبيث، ويجوز أن يكون ذهب فيه إلى أنه أراد مالح، فحذف الألف تخفيفا كما ذكرنا قبل من قوله:
إلا عَرَادًا عَرِدَا وصلِّيَانًا بَرِدَا٤
وهو يريد عارِدا وبارِدا، وقد تقدم القول على هذا. وعلى أن "مالحا" ليست فصيحة صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماءٌ ملحٌ. ومثله من الأوصاف على فِعْل: نِضْوٌ٥، ونِقْضٌ٦، وهِرْطٌ٧، وحِلْفٌ. وقد أجاز ابن الأعرابي مالح، وأنشد:
وأنِّي لا أعِيجُ بِمَالِحٍ
وأنشدوا أيضا فيه:
بَصْرِيّةٌ تزوجَتْ بَصْرِيّا يطعمُها المالحَ والطريّا٩
_________________
(١) ١ البيت لامرئ القيس. ويروى شطره الأول فلما دنوت تسديتها وتسديتها: علوتها. وقوله: فثوبا نسيت، أي: ذهبت بفؤادي، فنسيت ثوبي. وانظر الديوان: ١٥٩، والكتاب: ١: ٤٤. ٢ سورة الفرقان: ٥٣. ٣ سقطت "أبو" في ك. ٤ المحتسب: ١: ١٧١، ٢: ٥. ٥ النضو: المهزول. ٦ النقض: المنقوض. ٧ الهرط: اللحم المهزول كالمخاط. ٨ لعذافر، وقبله: لو شاء ربي لم أكن كربا ولم أسق لشعفر المطيا وشعفر: اسم امرأة. قال ثعلب: هي شغفر، بالغين المعجمة. وانظر اللسان "ملح، وشعفر".
[ ٢ / ١٢٤ ]
وفيما قرئ على أحمد بن يحيى فاعترف بصحته: سمَك مالح، وماءٌ مالح. وإنما يقال: سمَك مملوح ومليح، هذا أفصح الكلام، والأول يقال.
ومن ذلك قراءة حسان بن عبد الرحمن١ صاحب عائشة "رضي الله عنه٢"، وهو الذي يروى عنه قتادة: "١١٦و" "وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوَامًا"٣.
قال أبو الفتح: القَوَامُ، بفتح القاف: الاعتدال في الأمر، ومنه قولهم: جارية حسنة القوام: إذا كانت معتدلة الطول والخلق. وأما "القِوَام" بكسر القاف فإنه ملاك الأمر وعصامه، يقال: مِلَاك أمرك وقِوَامه أن تتقي الله في سرك وعلانيتك، فكذلك قوله: "كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوَامًا"، أي: مِلاكا للأمر ونظاما وعصاما.
ولو اقتُصر فيه على قوله: "وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ" لكان كافيا؛ لأنه كان بين الإسراف والتقتير فإنه قصد ونظام للأمر؛ "فَقِوَام" إذًا تأكيد وجارٍ مجرى الصفة، أي: توسطا مقيما للحال وناظما. ومعلوم أنه إذا كان متوسطا فإنه قوام ومساك، وأقل ما فيه أن يكون صفة مؤكدة، كقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٤، فالأخرى توكيد كما ترى.
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "نُضَعِّفْ له" -بالنون- "العَذَابَ" -نصب- "وتَخْلُدْ فيه"٥، وجزم.
_________________
(١) ١ كذا في النسختين، وقد كان حسان بن ثابت من عصبة الإفك، فلعل الصواب حسان أبو عبد الرحمن، فهي إحدى كناه. على أن صاحب أسد الغابة يذكر حسان بن عبد الرحمن الضبعي فيمن يُسمون بحسان، ولا يذكر أن له صلة بعائشة ﵂، ولم نجد في تراجم المسمين بقتادة ذكرا لحسان بن عبد الرحمن مرويا عنه أو راويا عن أحد منهم. وانظر الكشاف: ٢: ٨٥، وخلاصة تذهيب الكمال: ٦٤، ٢٦٨. ٢ في ك: عنه. ٣ سورة الفرقان: ٦٧. ٤ سورة النجم: ٢٠. ٥ سورة الفرقان: ٦٩.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال أبو الفتح: هو عندنا على ترك لفظ الغيبة إلى الخطاب، أي: وتخلد أيها المضعف له العذاب. وقد مضى القول على ترك الغيبة إلى الحضور، والحضور إلى الغيبة١.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن الزبير: "فَقَدْ كَذَّبَ الكَافِرُونَ"٢.
قال أبو الفتح: وهذا أيضا مما ترك فيه لفظ الحضور إلى الغيبة، ألا ترى قبله: "قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبَ الكافرون"؟
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٤٥ من الجزء الأول. ٢ سورة الفرقان: ٧٧.
[ ٢ / ١٢٦ ]