بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ عمرو بن عبد الواحد: "أَنِ ارْضِعِيهِ"١، بكسر النون، ولا همز بعدها.
قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"٢، بحذف همزة إحداهما: ألبتة. فلما حذف الهمزة على ما ذكرنا كسر النون من "أن" لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ ٣. ولو كان على التخفيف القياسي لقال: أنَ ارْضِعِيه، بفتح النون بحركة الهمزة من "ارضيعه" ومثله مما حذف منه الهمزة اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن:
تَضِبُّ لِثاتُ الخيْلِ في حَجَرَاتِها وتسمْعُ مِنْ تحتِ العَجَاجِ لَها ازْمَلَا٤
يريد: لها أَزْمَلا.
ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله٥ والحسن وأبي الهذيل٦ وابن قطيب٧: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزعًا"٨.
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٧. ٢ سورة القصص: ٢٥. ٣ سورة طه: ٣٩. ٤ انظر الصفحة ١٢٠ من الجزء الأول. ٥ هو فضالة الليثي، وقيل هو ابن عبد الله، وقيل: ابن وهب بن بجرة بن بجيرة بن مالك بن عامر بن ليث بن بكر بن كنانة، ويعرف بالزهراني، له صحبة ورواية. الإصابة: ٣: ٢٠٢. ٦ قال في الإصابة "٤: ٢٠٠": أبو هذيل غير منسوب، ذكره أبو موسى أيضا، وقال: ذكره أبو بكر بن علي، وساق من طريق أبي الأشعث عن عبد الله بن خداش عن أوسط عن أبي الهذيل، قال: قال رسول الله "ﷺ": ليأكل الرجل من أضحيته. ٧ هو يزيد بن قطيب السكوني الشامي، ثقة. له اختيار في القراءة ينسب إليه، روى القراءة عن أبي بحرية عبد الله بن قيس صاحب معاذ بن جبل، وروى القراءة عنه عمران بن عثمان الحمصي، وحدث عنه صفوان بن عمرو وغيره. طبقات القراء: ٢: ٣٨٢. ٨ سورة القصص: ١٠.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقرأ: "قَرِعًا"، بالقاف والراء - ابن عباس.
وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبي "ﷺ": "فِرْغًا".
وحكى فيها أيضا: "مؤسى"، بالهمز.
قال أبو الفتح: أما "فَزِعًا" بالفاء والزاي فمعناه قَلِقًا، يكاد يخرج من غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ١، أي: كُشِف عنها.
وأما "قَرِعًا"، بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع هو الخالي من الشغر، وإذا خلا من الشيء فقد انكشف منه وعنه.
وأما "فِرْغًا" فكقولك: هدَرا٢ وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ ٣. قال:
فَإنْ تَكُ أذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ٤
ومعنى فارغا، أي: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: فارغا أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى.
وأما همز "موسى" ففيه صنعة تصريفية؛ ذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدر العرب أن تلك الحركة كأنها في الساكن، فكأن٥ ضمة "موسى" في الواو. والواو
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٣٤. ٢ في ك: هذرا، بالذال، وهو تحريف. ٣ من الآية ١٠ في سورة القصص. ٤ لطليحة بن خويلد الأسدي. ويروى "أخذن" مكان "أصبن" والأذواد: جمع ذود وهي من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها. وحيال، بالكسر: اسم ابن طليحة. وانظر اللسان "فرغ" ومختصر شرح الشواهد للعيني: ١٩٤. وفي البحر "١٠٧٧": وقرأ بعض الصحابة "فِزْغا"، بالفاء مكسورة، وسكون الزاي. والغين المنقوطة: ومعناه: ذاهبا هدرا ومنه قول طليحة الأسدي في أخيه حبال: فإن يك قتلى قد أصيبت نفوسهم فلن تذهبوا فزغا بقتل حبال ولم نعثر في المعاجم التي بين أيدينا على "فزغ"، فهي مما فاتها ذكره. ٥ في ك: فكما، وهو تحريف.
[ ٢ / ١٤٨ ]
إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأُعِدّ وأُجُوه. وكذلك أيضا١ قولهم في المرأة والكَمْأة: المرأة والكَمَاة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدروا فتحة الهمزة في الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكَمَأة، فقيل فيه: مرَاة وكَمَاة، كما يقال في تخفيف رأس وكأس: رَاسٌ وكَاسٌ ومنه أيضا قول بعضهم في الوقف: هذا بكُرْ ومررت بِبَكِرْ، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف [١٢١ظ] لأنها تجاورها ففي ذلك شيئان:
أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف.
والآخر: الاستراحة من اجتماع٢ ساكنين، وهذا ونحوه -مما تركناه تحاميا للإطالة به- يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذا جاورت الساكن صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مُؤسَى. أنشدنا شيخنا أبو علي:
لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلى مُؤْسَى٣
ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم٤: "عَنْ جانب"٥.
وقرأ: "عَنْ جنْب"٦ الأعرج وقتادة والحسن.
قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فَبَصُرَت به مُزْوَرَّة مُخاَيِلَة، فالياءُ والفاءُ يلتقيان في هذا المعنى٦، لاجتماعهما في كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: تَجَانَفَ عن الشيء أي: مال عنه، وفيه جَنَفٌ، أي: ميل. ومنه قوله:
_________________
(١) ١ سقطت في ك. ٢ في ك: التقاء. ٣ عجزه: وجعدة إذ أضاءهما الوقود وانظر المحتسب: ١: ٤٧. ٤ هو النعمان بن سالم الطائفي، روى عن أوس بن أبي أوس وعبد الله بن عمر، وروى عنه سماك وداود بن أبي هند. وثقه أبو حاتم، الخلاصة: ٣٤٥. ٥ سورة القصص: ١١. ٦ يستعين بمناظرة الباء بالفاء على تفسير "عن جانب" و"عن جنب" بمزورة.
[ ٢ / ١٤٩ ]
لَمْ يَرْكَبُوا الخيْلَ إلا بَعْدَ ما هَرِمُوا فَهُمْ ثِقَالٌ على أعْجَازِها جُنُفُ
ومن أبيات الكتاب:
تَجَانَفَ عن جَوِّ اليَمَامَةِ نَاقَتِي وما قَصَدَتْ مِن أَهْلِها لِسَوَائِكا١
وأنشد أبو زيد:
تَجَانَفَ رَضْوَانُ عن ضَيْفِه أَلَمْ يَأْتِ رَضْوَانَ عَنِّي النُّذُرْ٢؟
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "فَجَاءَتْهُ احْدَاهُمَا"٣، بإسقاط الهمزة.
قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضَعف ذلك، وأنه إنما يجوز في الشعر لا في التنزيل٤
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَيْمَا الْأَجَلَيْنِ"٥، خفيفة الياء.
قال أبو الفتح: في تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يَعْذِران:
أحدهما تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو أحَسْت، ومَسْت، وظَلْت. وحكى ابن الأعرابي: ظَنْت في ظَنَنْت.
والآخر أن الياء حرف ثقيل منفردةً، فكيف بها إذا ضُعِّفت؟ غير أن في واجب الصنعة شيئا أذكره لك. وذلك أن "أيّا" عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أَوَيْتُ، هكذا موجَب القياس والاشتقاق جميعا.
أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب لَوَيْت وشَوَيْت وطَوَيْت وعَوَيْت٦ يَدَه وزَوَيْت٧ جانبه، إلى قلة باب عَييت وحَييت؟
_________________
(١) ١ البيت للأعشى، وروي "عدلت" مكان "قصدت". وجو: عاصمة اليمامة، ويطلق عليها أيضا اسم اليمامة، وهي بلاد بين نجد واليمن، تتصل بالبحرين شرقا وبنجد غربا. وانظر ديوان الشاعر: "٨٩"، والكتاب: ١: ٢٠٣، واللسان "جنف". ٢ لأشعر الرقبان الأسدي، من شعراء الجاهلية. وانظر النوادر: ٧٣، وسمط اللآلي: ٨٣٠. ٣ سورة القصص: ٢٥. ٤ انظر الصفحة ١٢٠ من الجزء الأول، و١٤٧ من هذا الجزء. ٥ سورة القصص: ٢٨. ٦ عويت يده: لويتها. ٧ زويت جانبه: نحيته.
[ ٢ / ١٥٠ ]
فأصل "أيٍّ" على هذا أَوْيٌ، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون؛ فقلبت ياء، وأدغمت في الياء؛ فصارت "أيٌّ"، كقولهم: طَوَيْت الثوب طيًّا، وزَوَى وجهه زَيًّا.
وأما الاشتقاق فلأن "أيًّا" أين وقعت غيرُ مُتبَلَّعٍ١ بها؛ فإنها بعض من كل، كقولنا: أيّ الناس عندك؟ وأيُّهم قام قمت معه، وأيُّهم يقوم زيد٢ وبعض الشيء آو إلى جميعه ألا ترى إلى قول العجلي في صفة البعير:
يَأْوي إلى مُلْطٍ لَهُ وَكَلْكَلٍ٣
أي يتساند إليها، ويعتمد عليها وهذا في المعنى كقول طفيل:
وَآلَتْ إلى أجْوَازَها وتَقَلْقَلَتْ قَلَائِدُ في أَعْنَاقِها لَمْ تُقَضَّب٤
وهذا واضح، فأصل "أيٌّ" على هذا أَوْي، ثم أدغمت الواو في الياء على ما مضى؛ فصارت "أيّ" فإذا حذفت الياء تخفيفا فإنها الثانية. فإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها [١٢٢و] وهي الواو، فيقال: أوْما الأجلين قضيت.
والذي حسُن عندي إظهار العين هنا ياء مع زوال الياء القالبة٥ لها من بعدها -أنها إنما حذفت اللام تخفيفا وهي منوية مرادة معتقدة؛ فأقرت العين مقلوبة ياء؛ دلالة على إرادة الياء التي هي لام، وإشادة بها، كما صحت الواو الثانية في قوله:
وَكَحّلَ العَيْنَيْن بالْعَواوَر٦
دلالة على إرادة الياء في عوَاوِير، وأنها إنما حذفت استحسانا وتخفيفا، لا وجوبا وتصميما. وكما قالوا: اضْتَقَطْتُ النوَى، فصحّت التاء، ولم تقلب طاء لوقوع الضاد قبلها، كما قلبت
_________________
(١) ١ غير متبلع بها: غير متهمل عندها ولا مكتفًى بها، من قولهم: أبلعني ريقي، أي: أمهلني مقدار ما أبلعه. ٢ أي: أيهم قائما زيد، أو أيهم زيد قائما. ٣ انظر الصفحة ١٧١ من الجزء الأول. ٤ الأجواز: جمع الجوز، وهو من الشيء وسطه ومعظمه. وتقلقلت: تحركت. وتقضب: تقطع. ٥ في ك: الغالبة. ٦ انظر الصفحة ١٠٧ من الجزء الأول.
[ ٢ / ١٥١ ]
في اضطراب واضطمر؛ دلالة على أن الضاد فيها بدل من شين اشْتَقَطْتُ١، فقد قالوهما جمعيا: اضْتَقَطْت، واشْتَقَطْتُ. وكما قالوا: كان من الأمر ذَيْتَ وكَيْت، فأقروا الياء بحالها دلالة على أن التاء فيها بدل من ياء ذَيَّةَ وكَيَّةَ؛ فتركت الياء على إرادة التثقيل. ويجب -على ما قدمنا -أن "ذَيَّةَ" من باب طويت على ما مضى، فكان يجب إذا حذفت اللام التي هي الياء أن تعاد الواو إلى أصلها، فيقال: ذَوْتَ، وكذلك القول في كَيْتَ، والعلة في الجميع واحدة. وأنشدَنا أبو علي للفرزدق:
تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِّماكَيْن أيْهُما عَلَيَّ من الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مُوَاطِرُهْ٢
فهذا كقراءة الحسن: "أَيْمَا الْأَجَلَيْنِ" سواء.
ومن ذلك قراءة الحسن: "عُضُدَكَ"٣.
قال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد، وعَضِد. وأفصحها وأعلاها عَضُد بوزن رَجُل. وعَضْد مُسَكنٌ من عَضُد، وعُضْد منقول الضمة من الضاد إلى العين، وعُضُد بالضمتين جميعا كأنه تثقيل عُضْد. وقد شاع عنهم نحو ذلك، كقولهم في تكسير أحمر: حُمُر، قال طرفة:
وِرَادًا وَشُقُرْ٤
يريد: شُقْرًا.
وأما عَضِد فلغة صريحة غير مصنوعة، ونظيرها رجل وَقِل٥ وَوَقْل، ووظيف عَجِر وعَجُر٦. من العَضُد قولهم: عَضَدْت فلانا إذا قويتَه؛ وذلك لأن العضد أقوى اليد، ومنه عِضادتا الباب: جانباه؛ لأنهما كالعضدين له، وعليه بقية الباب.
_________________
(١) ١ لم نعثر على هذا الفعل في المعاجم التي بين أيدينا. ٢ انظر الصفحة ٤١ من الجزء الأول. ٣ سورة القصص: ٣٥. ٤ من قوله: أيها الفتيان في مجلسنا جردوا منها ورادا وشقر وانظر الصفحة ١٦١ من الجزء الأول. ٥ رجل وقل: صاعد. ٦ الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل الإبل وغيرها. ووظيف عجر: غليظ.
[ ٢ / ١٥٢ ]
ومن ذلك قراءَة أبان بن تغلب: "ثُمُرَات"١، بضمتين.
قال أبو الفتح: الواحدة ثَمَرَة، كخَشَبَة. وثُمُر، كخُشُب. ومثله أَكَمَة وأُكُم، ثم ضمت الميم إشباعا وتمكينا، كقولهم، في بُرْد: بُرُد٢، وفي قُفْل قُفُل. ثم جمع ثُمُر على ثُمُرات جمع التأنيث؛ لأنه لمّا لم يَعقل جرى مجرى المؤنث. وذلك عندنا لِتَخَضُّع٣ ما لا عقل له، فلحق بذلك بِضَعْفَة التأنيث، فعليه قالوا: يا لثارات فلان: جمع ثأر لما لم يكن من ذوي العلم. ونحو قول أبي طالب:
أُسْدٌ تَهُدُّ بِالزَّئِيراتِ الصَّفَا
جمع زئير، والعلة واحدة. وقد ذكرنا هذا مستقصى في تفسير ديوان المتنبي عند قوله:
ففِي الناسِ بُوقَاتٌ لَهَا وَطُبُولٌ٤
ومنه ما أنشده الأصمعي من قول الراجز:
وارْدُدْ إلَى حُورَاتِ حُور شِقَّه
فجمع حُورًا على حُورات لما ذكرنا.
ومن ذلك قراءة بديل بن ميسرة: "مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَيَنُوءُ"٥، بالياء.
قال أبو الفتح: ذهب في التذكير [١٢٢ظ] إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه، فقال: "لَيَنُوءُ". ونحوه قول الراجز:
مِثْلَ الفِراخِ نُتفَتْ حواصلُه
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٥٧. ٢ يحتج لتوالي الضمتين في ثمر وعدم تخفيفه بتسكين الميم كما سكنت الراء في برد على لغة تسكينها. ٣ لتخضع ما لا عقل له: يريد لتواضعه ونزول مكانته. ٤ صدره: إذا كان بعض الناس سيفا لدولة والبيت من قصيدة في مدح سيف الدولة: وانظر الديوان: ٢: ٨٧. ٥ سورة القصص: ٧٦.
[ ٢ / ١٥٣ ]
أي: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا. وأخبرنا شيخنا أبو علي قال: قال أبو عبيدة لرؤبة في قوله:
فِيها خُطُوطٌ من سوادٍ وَبَلَقْ كأنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ١
إن كنت أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن كنت أردت السواد والبَلَق فقل: كأنهما، فقال رؤبة: أردت: كأن ذاك، ويلك! هذا مجموع الحكاية، وهي مُتَلَقّاة مقبولة، كما يجب في "ذلك".
ولو قال قائل: إن الهاء في "كأنه" عائدة على "البَلَق" وحده لكان مصيبا؛ لأن في "البلق" ما يُحتاج إليه من تشبيهه بالبَهَق، فلا ضرورة هناك إلى إدخال السواد معه. ونحو القراءة قول الآخر:
ألّا إنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ
فأخبر عنه بلفظ الواحد، لأنه أجراه مجراه. وتجاوزوا هذا إلى أن أضافوا٢ إلى لفظ الجماعة، فقالوا: أنصاريٌ؛ لأنه جعل الأنصار جاريا مجرى الأب، أو الأم، أو البلد.
وقال الآخر:
مُشَوَّه الْخَلْقِ كِلَابِيّ الخُلُقْ٣
فنسب إلى جنس الكلاب، ولولا ذلك لقال: كَلْبِيّ، وفي الأنصاري: ناصريّ، كما تقول في الإضافة إلى الفرائض: فَرَضِيٌّ، وإلى السفائن: سَفَنيٌّ.
_________________
(١) ١ البلق: سواد وبياض، والفعل كفرح، والتوليع: استطالة البلق، يقال: ثور مولع، كمعظم. والبهق: بياض رقيق في ظاهر البشرة. وانظر الديوان: ١٠٤، والأساس "ولع". ٢ أضافوا: نسبوا. ٣ للقلاخ بن حزن المنقري يهجو الجليد الكلابي، وقبله: أن الجليد زلق زملق ويروى "مجموع البطن" مكان: "مشوه الخلق". والزلق: السريع الغضب، والزملق: الخفيف الطائش. وانظر اللسان "زلق، زملق"، والخصائص: ١: ٩، والصفحة ١٠٤ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٥٤ ]
ومن ذلك قراءة يعقوب: "وَيْكَ"١، يقف عليها، ثم يبتدئ فيقول: "أنه"، وكذلك الحرف الآخر٢ مثله.
قال أبو الفتح: في "وَيْكأَنَّهُ" ثلاثة أقوال:
منهم من جعلها كلمة واحدة، فقال: "وَيْكَأَنَّهُ"، فلم يقف على "وَيْ".
ومنهم من يقف على "وَيْ".
ويعقوب. على ما مضى -يقول: ""وَيْكَ""، وهو مذهب أبي الحسن.
والوجه فيه عندنا الخليل وسيبويه٣، وهو أن "وَيْ" على قياس مذهبهما اسم سمي به الفعل في الخبر، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾، و﴿وَيْ كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . فـ"كأن" هنا إخبارٌ عارٍ من معنى التشبيه، ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و"وَيْ" منفصلة من "كَأَنَّ" وعليه بيت الكتاب:
وَيْ كَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحـ ـبَبْ ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ٤
ومما جاءت فيه "كأن" عارية من معنى التشبيه ما أنشدَناه أبو علي:
كَأَنني حينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودَا٥
أي: أنا حين أمسي "متيم" من حالي كذا وكذا.
ومن قال: إنها "وَيْكَ" فكأنه قال أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، وهو قول أبي الحسن. وينبغي أن تكون الكاف هنا حرف
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٨٢. ٢ يريد: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، في آخر الآية السابقة. ٣ عبارة سيبويه في الكتاب "١: ٢٩٠": وسألت الخليل عن قوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وعن قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾، فزعم أنها مفصولة من كان. والمعنى على أن القوم انتبهوا، فتكلموا على قدر علمهم، أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا؟ ٤ البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، ويقال: لنبيه بن الحجاج، وقبله: سألتاني الطلاق أن رأتاني قلّ مالي قد جئتماني بنكر انظر الكتاب: ١: ٢٩٠، وشرح شواهد الشافية: ٣٣٩، واللسان "و١". ٥ اليبت ليزيد بن الحكم الثقفي، يمدح سليمان بن عبد الملك. وقبله: أمسي بأسماء هذا القلب معمودا إذا أقول صبحا يعتاده عيدا ويروي "يوم" مكان "حين"، و"ذو بغية يبتغي" مكان "متيم يشتهي". وانظر اللسان "عود".
[ ٢ / ١٥٥ ]
خطاب لا اسما، بل هي بمنزلة الكاف في ذلك وأولئك؛ وذلك أن "وي" ليست مما يضاف ومن وقف على "ويك"، ثم استأنف فينبغي أن يكون أراد أن يعلم أن الكاف من جملة "وي"، وليست بالتي في صدر "كأن"، فوقف شيئا لبيان هذا المعنى. ويشهد لهذا المذهب قول عنترة:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا قِيلُ الفَوَارْسُ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ١
وقال الكسائي -فيما أظن: أراد: ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر نبي ليقبل.
وقول من قال: إن "وَيْكَأنَّه" كلمة واحدة إنما يريد به أنه لا يفصل بعضه عن بعض.
ومن ذلك قراءة الأعرج وشيبة ومجاهد وعاصم [١٢٣و] في رواية أبان والحجاج بن أرطاة٢ والحسن وأبي رجاء وسلام ويعقوب وحسن بن حيّ٣ وعطية بن سعد٤ وعبد الله بن يزيد٥ "لَخَسَفَ بِنَا"٦.
_________________
(١) ١ البيت من معلقته. وانظر شرح المعلقات السبع للزوزني ١٥٣. ٢ هو الحجاج بن أرطاة النخعي أبو أرطاة الكوفي، قاضي البصرة، أحد الأعلام. روى عن يحيى ابن أبي كثير ولم يسمع منه، والشعبي، وعطاء، وعكرمة. وروى عنه منصور بن المعتمر شيخه. مات سنة ١٤٧. خلاصة تذهيب الكمال" ٦١. ٣ هو الحسن بن صالح بن صالح بن مسلم، ولقبه حيّ بن شفي بضم المعجمة، الهمداني الثوري، أبو عبد الله الكوفي الفقيه، أحد الأعلام. روى عن سماك والسدي وعاصم الأحول وغيرهم، وروى عنه حميد الرؤاسي وعبيد الله بن موسى وإسحاق السلولي. قال ابن معين والنسائي: ثقة، اجتمع فيه حفظ واتقان وفقه ودين. مات سنة ١٦٩. الخلاصة: ٦٧. ٤ هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، بفتح المهملة، وإسكان الواو بعدها فاء، الجدلي، بفتح الجيم، أبو الحسن الكوفي. روى عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وروى عنه ابناه والحسن وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم. مات سنة ١١١. الخلاصة: ١٢٦. ٥ هو عبد الله بن يزيد أبو الأقفال المخرمي البغدادي، مقرئ، ثقة، معروف. أخذ القراءة عرضا عن سليم عن حمزة، وروى القراءة عن يحيى بن آدم، وعرض أيضا على خلف. وروى عنه القراءة عرضا محمد بن سعيد البزاز، وروى عنه القراءة أيضا خلف مع عرضه عليه. طبقات ابن الجزري: ١: ٤٦٤. ٦ سورة القصص: ٨٢.
[ ٢ / ١٥٦ ]
قال أبو الفتح: الفاعل اسم الله، والمفعول محذوف، أي: لخسف الله بنا الأرض، وقد كررنا ذِكر حُسن حذف المفعول به.
وقرأ: "لانْخُسِف بنا" الأعمش وطلحة، وكذلك في قراءة ابن مسعود.
قال أبو الفتح: "بنا" من هذه القراءة مرفوعة الموضع؛ لإقامتها مقام الفاعل، فهو كقولك: انْقُطِع بالرجل، وانْجُذِب إلى ما يريد، وانْقِيد١ له إلى هواه. وانفعل -وإن لم يتعد إلى مفعول به- فإنه يتعدى إلى حرف الجر، فيقام حرف الجر مقام الفاعل، كقولهم: سِيرَ بزيد.
وإن شئت أضمرت المصدر، لدلالة فعله عليه٢، فكأنه قال: لَانْخُسِف الانْخِسَافُ بنا، "فَبِنَا" على هذا منصوبة الموضع؛ لقيام غيرها وهو المصدر مقام الفاعل ولا يكون للفعل الواحد فاعلان قائمان مقامه إلا على وجه الإشراك.
_________________
(١) ١ في ك: فقيد، وهو تحريف. ٢ كذا في ك، وفي الأصل: عنه.
[ ٢ / ١٥٧ ]