بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الحسن: "أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ١" بالنصب.
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون "بالغة" حالا من الضمير في لكم؛ لأنه خبر عن "إيمان"، ففيه ضمير منه.
وإن شئت جعلته حالا من الضمير في "علينا" إذا جعلت "علينا" وصفا لأيمان، لا متعلقا بنفس الـ"أيمان"؛ لأن فيه ضميرا كما يكون فيه ضمير منه إذا كان خبرا عنه.
ويجوز أن يكون حالا من نفس "أيمان" وإن [١٥٩ظ] كانت نكرة كما أجاز أبو عمر في قوله "سبحانه": و﴿لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ٢﴾ أن يكون "حقا" حالا من متاع.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يَوْمَ تكْشَفُ عَن٣"، بالتاء، والتاء منتصبة.
وروى: "تكشف"، بالتاء مضمومة.
قال أبو الفتح: أي: تكشف الشدة والحال الحاضرة عن ساق. وهذا مثل، أي: تأخذ في أغراضها، ثم شبهت بمن أراد أمرا وتأهب له، كيف يكشف عن ساقه؟ قال:
كشفت لكم عن ساقها وبدا من الشر الصراح٤
فأضمر الحال والشدة؛ لدلالة الموضع عليه.
ونظيره من إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه مسألة الكتاب: إذا كان غدا فأتني٥، أي: إذا كان ما نحن عليه من البلاء في غد فأتني. وكذلك قولهم: من كتاب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا، فأضمر المصدر لدلالة المثال عليه.
وأما "يكشف" بتاء مضمومة فعلى نحو ذلك أيضا، أي: تكشف الصورة والآخرة هناك عن شدة، ويسرى٦ ثوبها عن الحال الصعبة، والطريق واحد.
ومن ذلك قراءة ابن هرمز والحسن: "لَوْلا أَنْ تَدَارَكَه٧"، مشددة.
قال أبو الفتح: روى هذه القراءة أبو حاتم عن الأعرج لا غير، قال: وقال بعضهم: سألت عنها أبا عمرو فقال: لا. قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك؛ لأنه فعل ماض، وليست فيها إلا تاء واحدة، ولا يجوز تتداركه، وهذا خطأ منه؛ أو عليه.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٧٣ من هذا الجزء. ٢ سورة البقرة: ٢٤١. ٣ سورة القلم: ٤٢. ٤ لسعد بن مالك جد طرفة بن العبد. وانظر ديوان الحماسة: ١: ١٩٨، والخصائص: ٣: ٢٥٢. ٥ الكتاب: ١: ١١٤، وفيه أن نصب "غدا" "لغة بني تميم". ٦ أسرى الثوب: كشفه. ٧ سورة القلم: ٤٩.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
قال أبو الفتح: قول أبي حاتم: هذا خطأ - لا وجه له؛ وذلك أنه يجوز على حكاية الحال الماضية المنقضية، أي لولا أن كان يقال فيه: تتداركه، كما تقول: كان زيد سيقوم، أي: كان متوقعا منه القيام، فكذلك هذا: لولا أن يقال: تتداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء. ومثله ما أنشدناه أبو علي، وهو رأيه وتفسيره من قوله:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم فلسنا على الإسلام أول من قتل
أي: فإن تكونوا الآن معروفا هذا من خلالكم فيما مضى فلسنا كذا، وعليه قول الله "سبحانه": ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ١﴾، فأشار "سبحانه" إليهما إشارة الحاضر؛ لأنه لما كان حكاية حال صارت كأنها حاضرة، فقيل: هذا، وهذا. ولولا ذلك لقيل: أحدهما كذا، والآخر كذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ٢﴾، أعمل اسم الفاعل وإن كان لما مضى لما أراد الحال، فكأنها حاضرة. واسم الفاعل يعمل في الحال، كما يعمل في الاستقبال. وقد مضى هذا في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبنا مشروحا ملخصا.
_________________
(١) ١ سورة القصص: ١٥. ٢ سورة الكهف: ١٨.
[ ٢ / ٣٢٧ ]