بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ "كَبُرَتْ كَلِمَةٌ١" رفعا يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبي إسحاق والثقفي والأعرج -بخلاف- وعمرو بن عبيد.
قال أبو الفتح: أخلص الفعل "لكَلِمَةٍ" هذه الظاهرة، فرفعها، وسَمَّى قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ٢﴾، - كما سمَّوا القصيدة وإن كانت مائة بيت -"كلمةً". وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، كقولهم: أهلك الناسَ الدرهمُ والدينارُ، وذهب الناسُ بالشاة والبعير.
ولله فصاحة الحجاج، وكثرة قوله على منبره: يأيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل! ألا تراه لما أشفق أن يظن به أنه يريد رجلا واحدا بعينه قال: وكلكم ذلك الرجل؟
ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "بِوِرْقكُّمْ٣"، مكسورة الواو، مدغمة.
قال أبو الفتح: هذا ونحوه عند أصحابنا مخفي غير مدغم، لكنه أخفى كسرة القاف، فظنها القراء مدغمة. ومعاذ الله لو كانت مدغمة [٩٣ظ] لوجب نقل كسرة القاف إلى الراء، كقولهم: يَرُدّ ويَفِرّ ويَصُبّ. ألا ترى أن الأصل يرْدُدُ ويفْرِرُ ويَصْبُبُ، فلما أسكن الأول ليدغمه نقل حركته إلى الساكن قبله؟
وللقراء في نحو هذا عادة: أن يعبروا عن المخفي بالمدغم؛ وذلك للطف ذلك عليهم. منه قولهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ٤﴾: إنه أدغم نون "نحنُ" في نون "نَزلنا"
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٥. ٢ سورة الكهف: ٤. ٣ سورة الكهف: ١٩ والإدغام في القاف. ٤ سورة الحجر: ٩.
[ ٢ / ٢٤ ]
حتى كأنهم لم يسمعوا أن هذا ونحوه مما لا يجوز مع الانفصال، وأنه أمر يختص به المتصل. فاستدل صاحب الكتاب١ على أنه إخفاء بقولهم: اسمُ مُوسى وابنُ نُوح، قال: فلو كان إدغام لوجب تحريك سين "اسم" وباء "ابن"، ولو تحركتا لإدغام ما بعدهما لسقطت ألف الوصل من أولهما، وهذا واضح.
وإذا جاز مثل هذا على قطرب مع تخصصه حتى جرى في بعض ألفاظه فالقراء بذلك أولى، وهم فيه أظهر عذرًا. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وإنما هي "بِوِرقِكُم"، بإخفاء كسرة القاف، كأنه يريد الإدغام تخفيفا ولا ويبلغه.
وحكى أبو حاتم -فيما روينا عنه- أن ابن محيصن قرأ: "بِوَرِقكُّمْ٢" مدغمة، ولم يحك قراءة أبي رجاء بالإدغام، وهذا لا نظر في جوازه.
ومن ذلك قراءة الجحدري: "تَزْوارُّ٣".
قال أبو الفتح: هذا افْعالَّ وتَزَاوَرُ تَفَاعَلُ وقلما جاءت افعالّ إلا في الألوان، نحو: اسوادّ وابياضّ واحمارّ واصفارّ، أو العيوب الظاهرة، نحو: احولّ واحوالّ واعورّ واعوارّ واصيدّ واصيادّ٤. وقد جاءت افعالّ وافعلّ، وهي مقصورة من افعالّ- في غير الألوان، قالوا: ارعوى وهو افعلّ، وافتوى أي: خدم، وساس. قال يزيد بن الحكم:
تبدَّل خليلا بي كشكلك شكلُه فإني خليلا صالحا بك مُقْتَوِي٥
فمقتو مفتعل من الفتو، وهو الخدمة. قال:
إني امرؤ من بني خُزَيمة لا أحسن قتوَ الملوكِ والحفَدَا٦
_________________
(١) ١ الكتاب: ٢: ٤٠٧. ٢ قال في البحر "٦: ١١": وقرأ أبو رجاء بكسر الواو وإسكان الراء وإدغام القاف في الكاف ، وعن ابن محيصن أيضا كذلك، إلا أنه كسر الراء ليصح الإدغام. ا. هـ فكأن الذي يذكره أبو الفتح هنا عن ابن محيصن وجه آخر، فيه الواو مفتوحة. ٣ سورة الكهف: ١٧. ٤ إصابة الصيد، ويقال: بعير أصيد، وبه صيد، وهو داء بالعنق لا يستطيع أن يلتفت معه. ٥ انظر الأمالي: ١: ٦٨، والخزانة: ١: ٤٩٦، والخصائص ٢: ١٠٤. ٦ روي الخبب مكان الحفد. والخبب: الخبث وقيل أراد به مصدر خب بمعنى عدا. والحفد: مصدر حفد كضرب، أي: خدم، ثم حرك الفاء من سكون، وانظر الخصائص ٢: ١٠٤، واللسان: "قتا، وخب".
[ ٢ / ٢٥ ]
وخليلا عندنا منصوب بفعل مضمر يدل عليه "مُقْتَوٍ"، وذلك أن افعلّ لا يتعدى إلى المفعول به، فكأنه قال: فإني أخدم، أو أسوس، أو أتعهد، أو استبدل بك خليلا صالحا١. ودل مقتوٍ على ذلك الفعل. وقالوا: اضرابّ الشيء أي: املسّ، وقالوا: اشعانّ رأسه، أي: تفرق شعره، في أحرف غير هذه.
ومن ذلك قراءة٢ الحسن: "وَتَقَلُّبَهُمْ٣"، بفتح التاء والقاف، وضم اللام، وفتح الباء.
قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل دل عليه ما قبله من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ٤﴾، وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ٥﴾: فهذه٦ أحوال مشاهدة، فكذلك "تَقَلُّبَهُمْ" داخل في معناه، فكأنه قال: ونرى أو نشاهد تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة غير مرئية، قيل: هذا غَوْر آخر ليس من القراءة في شيء إلا أنك تراهم يتقلبون، والمعنى مفهوم. وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى ولا غرض في الإطالة هنا، لكن ما أوردناه قد مضى على الغرض فيه والمراد منه.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "ثَلاتٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ٧"، بإدغام ثاء ثلاثة في التاء التي تبدل في الوقف هاء من ثلاثة.
قال أبو الفتح: الثاء لقربها من التاء تدغم فيها، كقولك: ابعث تِّلك، وأغث تِّلك. وجاز الإدغام [٩٤و] وإن كان قبل الأول ساكن لأنه ألف، فصارت كشابّة ودابّة، ولم يدغمها فيها إلا ابن محيصن وحده٨.
_________________
(١) ١ ويصح أن ينصب بمقتوٍ، على تضمينه معنى متبدل. وانظر الخصائص: "٢: ١٠٤" ٢ سقط في ك: قراءة الحسن. ٣ سورة الكهف: ١٨. ٤ سورة الكهف: ١٧. ٥ من الآية ١٨ من سورة الكهف. ٦ في ك: هذه. ٧ سورة الكهف: ٢٢. ٨ سقطت "وحده" في ك.
[ ٢ / ٢٦ ]
ومن ذلك أنه لم يقرأ أحد "خَمَسَةَ"١
، بفتح الميم إلا ابن كثير وحده في رواية حسن بن محمد٢ عن شبل.
قال أبو الفتح: لم يحرك٣ ميم خمسة إلا عن سماع، وينبغي أن يكون أُتبعت عشرة، وليس يحسن أن يقال إنه أتبع الفتح الفتح، كقول رؤبة:
مُشْتَبِهِ الأعْلَامِ لَمَّاعِ الخَفَقْ٤.
وهو يريد "الخَفْق"؛ لأن هذا أمر يختص٥ به ضرورة الشعر.
قال أبو عثمان عن الأصمعي: سألت أعرابيا - ونحن بالموضع الذي ذكره زهير في قوله:
ثُمَّ استمَرُّوا وقالوا إنَّ مّوْعِدُكُمْ ماءً بِشَرقيّ سلمَى فيدُ أو رَكَكُ٦
أتعرف رَكَكًا هذا؟ فقال: قد كان ههنا ماء يسمى "رَكًّا"، فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحركه، وقد يجوز أن يكونا٧ لغتين: رَكٌّ ورَكَكٌ، كالقصِّ والقصَصِ، والنَشْزِ٨ والنَّشَزِ. وقد كان يجب على الأصمعي ألا يسرع إلى أنه ضرورة.
ومن ذلك قراءة الحسن: "وَلا تُعْدِ عَيْنَيْكَ٩".
قال أبو الفتح: هذا منقول من: عدت عيناك أي جاوزتا. من قولهم: جاء القوم عدا زيدا، أي: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عيني عن كذا، أي: صرفتها عنه.
قال:
حتى لَحِقْنا بهم تُعْدِي فَوَارِسُنا كأننا رَعْنُ قُفٍّ يَرْفَعُ الآلا١٠
_________________
(١) ١من قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ في سورة الكهف: ٢٢. ٢ هو الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد أبو محمد المكي، مقرئ متصدر. قرأ على شبل بن عباد، عن ابن كثير وابن محيصن جميعا. وروى القراءة عنه حامد بن يحيى البلخي وأحمد بن محمد بن أبي بزة. أمَّ بالمسجد الحرام، وروى عن الشافعي، ﵀. طبقات ابن الجزري: ١: ٢٣٢. ٣ في ك: لم تحرك. ٤ انظر المحتسب: ١: ٨٦. ٥ في ك: تختص. ٦ روي مشربكم مكان موعدكم. واستمروا: استقاموا واستقام أمرهم فمروا، أي: اتفق رأيهم، واجتمعت كلمتهم. وسلمى: أحد جبلي طيئ، وهما أجأ وسلمى. وفيد: نجد قريب منهما. الديوان: ١٦٧. ٧ في ك: أن تكونا. ٨ النشز: المكان المرتفع. ٩ سورة الكهف: ٢٨. ١٠ للجعدي. والرعن: أول كل شيء. والقف: ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلا. أراد يرفعه الآل، فقلب. وانظر الخصائص: ١: ١٣٤، واللسان: "أول"
[ ٢ / ٢٧ ]
أي: تعدي فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف المفعول بعد المفعول. وتعديها١ من عدا الفرس، كقولنا: جرى، وعلى أن أصلهما واحد، لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانا إلى غيره.
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: "مَنْ أَغْفَلَنَا قَلْبُهُ٢".
قال أبو الفتح: يقال: أغفلْتُ الرجل: وجته غافلا، كقول عمرو بن معد يكرب: والله يا بني سليم لقد قاتلناكم فما أجبنَّاكُمْ، وسألْنَاكم فما أبخلْناكم، وهاجيْناكُم فما أفحمْناكُم، أي: لم نجدْكُم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحَمِين. وكقول الأعشى:
أثْوَى وقَصَّرَ ليلَةً لِيُزَوَّدَا فَمَضَى وَأَخْلَفَ من قُتَيْلَةَ مَوْعَدَا٣
أي صادفه مُخْلِفًا. وقال رؤبة:
وَأَهْيَجَ الخَلْصَاءَ مَنْ ذَاتِ البُرَقْ٣
أي صادفها هائجة النبت. وقال الآخر:
فَأَتْلَفْنا المَنَايا وأَتْلَفُوا٤
أي: صادفناها مُتْلِفَةً.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يجدَ اللهَ غافلا؟ قيل: لَمّا فَعَلَ أفعالَ من لا يرتقبُ ولا يخافُ صار كأن الله سبحانه غافل عنه، وعلى هذا وقع النفي عن هذا الموضع، فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون ٥﴾، أي: لا تظنوا الله غافلا عنكم. وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٦﴾، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظ ٧﴾، ونحو هذا في القرآن كثير، فكأنه قال: ولا تُطِعْ مَنْ ظَنَّنَا غافِلِينَ عنه.
_________________
(١) ١ في ك: وتعدي. ٢ سورة الكهف: ٢٨. ٣ انظر المحتسب: ١: ١٤٠. ٤ انظر المحتسب: ١: ١٣٩. ٥ وردت في الآية: "٧٤" من سورة البقرة، وفي مواطن أخرى من القرآن المجيد، وفي ك: "يعملون" بالياء، وهي في الآية: ١٤٤ من البقرة، والآية: ١٣٢ من الأنعام. ٦ سورة الجاثية: ٢٩. ٧ سورة ق: ٤، وفي الأصل: "ولدينا" مكان وعندنا، وهي من قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ في الآية: ٦٢ من سورة المؤمنون.
[ ٢ / ٢٨ ]
وعليه قول آخر:
أخْشَى عليها طَيِّئًا وأَسَدَا وَخَارِبَيْن خَرَبَا فَمَعَدَا
لا يحسبانِ اللهَ إلا رَقَدَا١
وهذا هو ما نحن فيه البتة.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "مِنْ سُنْدُسٍ وَاسْتَبْرَقَ٢"، بوصل الألف.
قال أبو الفتح: هذا عندنا سهو أو كالسهو، وسنذكره في سورة الرحمن بإذن الله٣.
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي٤".
وقرأ: "لَكِنْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي" -ساكنة النون من ألف- عيسى الثقفي [٩٤ظ] .
قال أبو الفتح: قراءة أبي هذه هي أصل قراءة أبي عمرو وغيره: "لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي"٥، فخففت همزة "أنا" بأن حذفت وألقيت حركتها على ما قبلها، فصارت "لكنَنَا"، ثم التقت النونان متحركتين، فأسكنت الأولى، وأدغمت في الثانية، فصارت "لكنَّ" في الإدراج. فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقلت: "لكنَّا"، فـ "أنا" على هذا مرفوع بالابتداء وخبره الجملة، وهي مركبة من متبدأ وخبر، فالمبتدأ "هو"٦، وهو ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر عنه، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ "الله"، والخبر "ربي"، والجملة خبر عن "هو"، و"هو" وما بعده من الجملة خبر عن "أنا"، والعائد عليه من الجملة بعده الياء في "ربي"، كقولك: أنا قائم غلامي.
فإن قلت: فما العائد على "هو" من الجملة بعده التي هي خبر عنه؟ فإنه لا عائد على المبتدأ
_________________
(١) ١ وراه اللسان "خرب، ومعد". ولم ينسبه. وخرب فلان: صار لصا. ومعد الشيء: اختطفه فذهب به. ٢ سورة الكهف: ٣١. ٣ يحيل على الآتي، وكان العكس أولى. ومما قاله هناك: هذه صورة الفعل البتة، بمنزلة استخرج، وكأنه سمي بالفعل، وفيه ضمير الفاعل، فحكي كأنه جملة. وفي البحر "٦: ١٢٢": جعله فعلا ماضيا على وزن استفعل، من البريق. ويكون استفعل فيه موافقا للمجرد الذي هو برق، كما تقول: قر واستقر، بفتح القاف. ٤ سورة الكهف: ٣٨. ٥ في ك: "لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ"، سقط. ٦ سقط في ك، من كلمة "هو" إلى: فالمبتدأ.
[ ٢ / ٢٩ ]
أبدا إذا كان ضمير الشأن والقصة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١، فـ"الله أحد" خبر عن "هو"، و"هو" ضمير الشأن والحديث، ولا عائد عليه من الجملة بعده التي هي "الله أحد"، وإنما كان كذلك من قبل أن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الجملة بعده إذا كانت خبرًا عنه؛ لأنها ليست هي المبتدأ، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه؛ ليلتبس٢ بذلك الضمير بجملته.
وأما "هو" من قولنا: "هُوَ اللَّهُ رَبِّي" ونحوه فهو الجملة نفسها، ألا تراه ضمير الشأن، وقولنا: الله ربي٣ شأن وحديث في المعنى؟ فلما كانت هذه الجملة هي نفس المبتدأ لم يحتج إلى عائد عليه منها، وليس كذلك: زيد قام أخوه؛ لأن زيدا ليس بقولك: قام أخوه في المعنى، فلم يكن له بد من أن يعود عليه ضمير منه ليلتبس به؛ فيصير خبرا عنه. ومن قرأ: "لَكِنْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي" فـ"هو" ضمير الشأن، والجملة بعده خبر عنه على ما مضى آنفا٤، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار٥: "مَجْمِعَ الْبَحْرَيْن٦".
قال أبو الفتح: المصدر من فَعَلَ يفعَل والمكان والزمان٧ كلهن على مَفْعَل بالفتح، كقولك: ذهبت مذْهَبًا، أي: ذهابا، ومذهبا، أي: مكانا يذهب فيه. وهذا مذهبك أي: زمان ذهابك، وكذلك سأل يسأل مَسْألا، فهو مصدر ومكان وزمان٨، وبعث يبعث مَبْعَثًا وهو مصدر ومكان وزمان. ومنه: مبْعَثُ الجيوش، هو زمان بعثها، إلا أنه قد جاء المفعِلُ بكسر العين موضع المفتوح، منه: المشرِق، والمغرِب، والمنسِك، والمطلِع. وبابه فتح عينه لأنه من يَفْعُل، يشرُق، ويغرُب، وينسُك، ويطلُع. فعلى نحو من هذا يكون "مَجْمِعَ الْبَحْرَيْن" وهو مكان -كما ترى- من جمع يجمع، فقياسه "مجْمَع"، لولا ما ذكرنا من الحمل على نظيره.
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص: ١. ٢ يريد ليخالطه ويتصل به. ٣ في ك: الله شأن. ٤ في ك: أيضا. ٥ مولى عبيد الله التيمي من قريش، كما في طبقات ابن سعد: ٧: ٢٣٩. ٦ سورة الكهف: ٦٠، وفي ك، مجمع، بدون البحرين. ٧ ف ك: والزمان والمكان. ٨ في ك: وزمان ومكان.
[ ٢ / ٣٠ ]
ومن ذلك قراءة النبي "ﷺ": "جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يُنْقَضَ"، برفع الياء وبالضاد٢.
وقرأ: "يَنْقَاصُ" بالصاد غير معجمة، وبالألف -علي بن أبي طالب وعكرمة٣ وأبو شيخ الهنائي٤ ويحيى بن يعمر.
وفي قراءة عبد الله: "يُرِيدُ ليُنْقَضَ٥"، وكذلك روي عن الأعمش.
قال أبو الفتح: [٩٥و] معناه: قد قارب أن يُنقض، أو شارف ذلك، وهو عائد إلى معنى يكاد، وقد جاء ذلك عنهم. وأنشد أبو الحسن:
كادَتْ وكدْتُ وتلكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِنْ لَهْوِ الصَّبابَةِ مَا مَضَى٦
وحَسُن هنا لفظ "الإرادة" لأنه أقوى في وقوع الفعل؛ وذلك لأنها داعية إلى وقوعه، وهي أيضا لا تصح إلا مع الحياة، ولا يصح الفعل إلا لذي الحياة. وليس كذلك كاد، لأنه قد يقارب الأمرَ ما لا حياة فيه، نحن مَمِيل الحائط وإشراق ضوء الفجر، فاعرف ذلك.
و"يَنْقَاصُ" مطاوع قِصْتُه فانْقَاصَ، أي: كسرتُه فانكَسَرَ. قال:
فِرَاقًا كَقَيْصِ السِّنِّ فالصَّبْرُ إنهُ لِكُلِّ أُناسٍ عثرةٌ وجُبُورُ٧
يجوز أن يكون جُبُورُ جمع جَبْرَة، كبَدْرَة وبُدُور، ومَأنَة٨ ومُئُون. وقد قالوا: قِضْتُه فانْقَاضَ، أي: هَدَمْتُه فانْهَدَمَ، بالضاد معجمة. قال:
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٧٧، وفي ك: ينقص، بالصاد، وهو تحريف. ٢ في ك: وبالصاد، وهو تحريف. ٣ لعله عكرمة بن خالد بن العاص، أبو خالد المخزومي المكي، تابعي ثقة جليل حجة. روى القراءة عرضا عن أصحاب ابن عباس، ولا يبعد أن يكون عرض عليه، فقد روى عنه كثيرا، وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء، وحنظلة بن أبي سفيان. مات سنة ١١٥. طبقات ابن الجزري: ١: ٥١٥. ٤ اسمه حيوان، أوله مهملة أو معجمة، والياء ساكنة، روى عن عمر ومعاوية. وروى عنه بيهس وقتادة. وثقَّه ابن حبان. ومات بعد المائة. خلاصة تهذيب الكمال: ٣٨١. ٥ في ك: لتنقص، وهو تحريف. ٦ رواه اللسان "كيد" ولم ينسبه، وفيه "كان" مكان "عاد". ٧ لأبي ذؤيب الهذلي. ويروى قيض مكان قيص، وهما بمعنى الانشقاق. والجبور: مصدر جَبَرَ العظمَ، أي: أصلحه من كسر. والمراد صلاح الأمر واستقامته. وفي ك: الحبور، بالحاء، وهو تحريف. انظر ديوان الهذليين: ١: ١٣٨، والصحاح، واللسان "قيض وقيص". ٨ المائة: السرة.
[ ٢ / ٣١ ]
كَأَنَّها هَدَمٌ في الجَفْرِ مُنْقَاضُ١
وقَيْضُ البيضةِ: قِشْرُها الذي انفلق عن الفرخ.
وقراءة العامة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أشبه أولا منها بآخر؛ لأن الإرادة في اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما "يَنْقَضُّ" فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون ينفَعِل من القَضّة، وهي الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال طعام قَضَضٌ: إذا كانت فيه القَضّة.
والآخر أن يكون يفعلّ من: نَقَضْت الشيء، كقراءة النبي "ﷺ": "يُرِيدُ أَنْ يُنْقَضَ"، ويكون يفعل هنا من غير الألوان والعيوب كيَزْوَرُّ ويَرْعَوِي، وقد مضى ذلك٢.
وقراءة عبد الله والأعمش: "يُرِيدُ ليُنْقَضَ" إن شئت قلت: إن اللام زائدةٌ، واحتججت فيه بقراءة النبي "ﷺ"، وإن شئت قلتَ: تقديره: إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، كما أنشد أبو زيد:
فَقَالُوا: مَا تَشَاءُ؟ فَقُلْتُ: أَلْهُو إلَى الإصْبَاحِ آثِرَ ذِي أَثِيرِ٣
أي: اللهو، فوضع "ألهو" موضع مصدره، وأنشد أيضا:
وَأَهْلَكَنِي لَكُمْ في كُلِّ يَوْمٍ تَعَوُّجُكُمْ عَلَيَّ وَأَسْتَقِيمُ٤
أي: واستقامتي، واللام هنا اللام في قوله:
أُرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأنَما تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ٥
_________________
(١) ١ صدره تَمْضِي إِذَا زُجِرَتْ عَنْ سَوْءَةٍ قُدُمًا يهجو امرأة فاجرة. والهدَم -بالتحريك: ما انهدم من نواحي البئر، فسقط في جوفها. والجوف: البئر الواسعة التي لم تطو. وقيل هي التي طُوِيَ بعضها، ولم يطو بعض. كأنه يريد أنها تمضي متخلعة متفككة، أو مندفعة لا تلوي على شيء. وانظر الأساس واللسان "هدم". ٢ انظر ما مضى آنفاص: ٢٥ من هذا الجزء. ٣ لعروة بن الورد، وكان سبى امرأة من بني كنانة، فأعتقها وتزوجها، ثم كان معها في بني النضير، وكانت له بهم صلة، فجاءه أهلها، فعرضوا عليه أن يفتدوها، فقبل على أن يخيروها بينه وبينهم، فقبلوا، وقال: دعوني أله بها الليلة، فلما كان الغد خيروها، فاختارت أهلها. وآثر ذي أثير، أي: أول كل شيء. وانظر الأغاني طبعة الدار: ٣: ٧٦ وما بعدها، والخصائص: ٢: ٤٣٣، واللسان "أثر"، ولم نعثر عليه في النوادر. ٤ لعلي بن طفيل السعدي، شاعر جاهلي. النوادر: ١٦١. ٥ الكثير، وانظر الأغاني: ٧: ٧٥، والأمالي: ٢: ٦٥.
[ ٢ / ٣٢ ]
تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.
ومن ذلك قراءة أبي سعيد الخدري١: "وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢".
أحدهما: أن يكون اسم "كان" ضمير الغلام، أي: فَكَانَ هُوَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢، والجملة بعده خبر كان.
والآخر: أن يكون اسم "كان" مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أي: فكان الحديث أو الشأن أَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ٢، والجملة بعده خبر لـ "كان" على ما مضى، إلا أنه في هذا الوجه الثاني لا ضمير عائدا على اسم "كان"؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يحتاج من الجملة التي هي بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، من حيث كان هو الجملة في المعنى. وقد مضى ذلك آنفا٣، ومثله قول النبي "ﷺ": "كلُّ مولودٍ يُولُدُ علَى الفطرةِ حتَّى يكونَ أبواهُ هُمَا اللَّذانِ يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرانِه ٤ ".
إن شئت كان ضمير المولود في "كان" اسما لها، [٩٥ظ] وأبواه ابتداء، "هما" فصل لا موضع لها من الإعراب، و"اللذان" خبر "لكان"، والعائد على اسم "كان" الضمير في "أبواه"؛ لأنه أقرب إليه مما بعده.
وإن شئت جعلت اسم "كان" على ما كان عليه٥، وجعلت "أبواه" ابتداء، والجملة بعدهما خبرا عنها، وهي مركبة من مبتدأ وخبر: فالمبتدأ "هما"، وخبرهما "اللذان"، و"هما" وخبره خبر عن "أبواه"، و"أبواه" وما بعدهما خبر "كان".
وإن شئت كان في "كان" ضمير الشأن والحديث، وما بعدها خبر عنه.
_________________
(١) ١ هو سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبحر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخدري. وكان من الحفاظ المكثرين، العلماء العقلاء، وأخباره تشهد له بذلك. مات سنة ٧٤. الاستيعاب: ٤: ١٦٧١. ٢ سورة الكهف: ٨٠. ٣ انظر ما مضى قريبا ص: ٣٠ من هذا الجزء. ٤ انظر الكتاب: ١: ٣٩٦ وقد أخرجه الطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع بلفظ: "كلُّ مولودٍ يُولُدُ علَى الفطرةِ حتَّى يعرب عنه لسانه، فأبواهُ يُهَوِّدَانِه أويُنَصِّرانِه أو يمجسانه". وقد رمز إليه السيوطي برمز الصحيح. ورواه مسلم من حديث أبي هريرة بنحو هذا اللفظ، ورواه أيضا البخاري بلفظ آخر. انظر الجامع الصغير: ٥: ٣٣ ٥ ساقطة في ك.
[ ٢ / ٣٣ ]
وإن شئت رفعت "أبواه" لأنهما اسم "كان" وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى من كون "هما" فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين.
ومن ذلك قراءة الماجشون١: "الصَّدُفَيْنِ٢"، بفتح الصاد، وضم الدال.
قال أبو الفتح: فيها لغات: صَدَفَانِ، وصُدُفَانِ، وصُدْفَانِ، وصَدُفَانِ. وقد قرئ بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقي مثله من الجبال.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس "﵉" وابن يعمَر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبي ليلى: "أَفَحَسْبُ الَّذِينَ٣".
قال أبو الفتح: أي أَفَحَسْبُ الَّذِينَ كفروا وحظُّهم ومطلوبُهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء؟ بل يجب أن يعتدُّوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء لي. ونحوه قول٤ الله "تعالى": "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ٥"، أي: اتخذتَهم عبيدًا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: "أَفَحَسِب الَّذِينَ كَفَرُوا"، إلا أن "حَسْبُ" ساكنة السين أذهب في الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا.
_________________
(١) ١ هو أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، واسمه ميمون، وقيل: دينار، القرشي التيمي المنكدري مولاهم، المدني الأعمى الفقيه المالكي. تفقه على الإمام مالك ﵁. قال أحمد بن حنبل "﵁": قدم علينا وحدث، وكان من الفصحاء. مات سنة ٢١٣، وقيل غير ذلك. وفيات الأعيان: ٢: ٣٤٠ ٢ سورة الكهف: ٩٦. ٣ سورة الكهف: ١٠٢. ٤ في ك: قوله تعالى. ٥ سورة الشعراء: ٢٢.
[ ٢ / ٣٤ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، - بخلاف- ومجاهد وسليمان التيمي١ "وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَادًا٢"٠
قال أبو الفتح: "مدادًا" منصوب على التمييز، أي: بمثله من "المداد"؛ فهو كقولك: لي مثلُه عبدًا، أي: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدًا، أي: من الزبد. وأما ﴿مَدَدًا﴾ فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدًا معك، وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله ﴿جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ كأنه قال: ولو أمددناه به إمدادا، ثم وضع "مددًا"٣ موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة.
_________________
(١) ١ هو سليمان بن بلال التيمي القرشي مولاهم، أبو محمد، ويقال أبو أيوب المدني، روى عن زيد بن أسلم وعبد الله بن دينار وصالح بن كيسان وغيرهم، وروى عنه عبد الله بن المبارك وأبو سلمة الخزاعي وعبد الله بن وهب وغيرهم، وكان ثقة صالحا كثير الحديث. مات بالمدينة سنة ١٧٢، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب: ٤: ١٧٥. ٢ سورة الكهف: ١٠٩. ٣ في نسختي الأصل "مِدَادًا"، والسياق يقتضي "مَدَدًا". وانظر البحر: ٦: ١٦٩.
[ ٢ / ٣٥ ]