بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ معاذ بن جبل١ على المنبر: "إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ٢"، أي سبيل الله.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا من قولهم: رشد يرشد، كعلام من علم يعلم، أو من رشد يرشد، كعباد من عبد يعبد. ولا ينبغي أن يحمل على أنه من أرشد يرشد؛ لأن فعالا٣ لم يأت إلا في أحرف محفوظة، وهي أجبر فهو جبار، وأسأر٤ فهو سأر، وأقصر فهو قصار، أدرك فهو دراك، وأنشدوا للأخطل: [١٤٢و] .
وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسار٥
وأجود الروايتين "بسوار"، أي: بمعربد. وأنشد ابن الأعرابي: "غير قصار".
وعلى أنهم قد قالوا: جبره على الأمر وقصر عن الأمر، فينبغي أن يكون جبار وقصار من فعل، هذين الحرفين، وكذا ينبغي أن يعتقد في سار ودراك على أنهما خرجا بحرف الزيادة، فصارا
_________________
(١) ١ هو معاذ بن جبل بن عمرو أبو عبد الرحمن الأنصاري -﵁- أحد الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد النبي ﷺ. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وهو الذي أشار إليه النبي -ﷺ- بقوله: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة. توفي -﵁- في طاعون عمواس سنة ١٨، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. طبقات القراء لابن الجزري: ٢: ٣٠١. ٢ سورة غافر: ٢٩. ٣ يريد فعالا المأخوذ من أفعل. ٤ أسأر: أبقى. ٥ المربح الذي ينحر لضيفانه الربح بالتحريك، وهي الفصلان، جمع رابح. والحصور: البخيل. وانظر الديوان: ١١٦.
[ ٢ / ٢٤١ ]
إلى سأر ودرك تقديرا، وإن لم خرجا إلى اللفظ استعمالا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأورس الومث١ فهو وارس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأعضى٢ الليل فهو غاض. قال:
يخرجن من أجزاو ليل غاض٣
أي: مغض، وقالوا أيضا: ألقحت الريح السحاب، فهو لاقح. فهذا على حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، فعلى ذلك خرج "الرشاد"، أي: رشد بمعنى أرشد تقديرا لا استعمالا، كما قال الآخر:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصدق٤
وكان قياسه أن يكون مودع لأنه من أودعته، فودع يدع، وهو وادع، ولا يقال: ودعته في هذا المعنى فيقال مودع، كوضعته فهو موضوع.
فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أشد، فكيف أجزت أن يكون إنما مجيئه من رشد أو رشد في معنى رشد، وأنه ليس من لفظ أرشد؟.
قيل: المعنى راجع فيما بعد إلى أنه مرشد؛ وذلك لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن الإرشاد من الرشد. فكأنه من باب الاكتفاء
بذكر السبب من المسبب. وعليه قالوا في قول الله "سبحانه": ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِح ٥﴾ -: إنها من لقحت هي، فإذا لقحت ألقحت غيرها، فهو كقولك: إنها زاكية، فإذا زكت في نفسها أزكت غيرها، فهذا المذهب ليس هو الأول الذي على تقدير الزيادة من ألقح، ولكل طريق.
_________________
(١) ١ الرمت: شجر يشبه الفضى، وأورس الرمت: اصفر ورقه، فصار عليه مثل الملاء الصفر. وفي ك: الرمس، وهو تحريف. ٢ أغضى الليل: أظلم. ٣ لرؤية، وضمير "يخرجن" للعيس في بيت سابق. والأجواز: جمع جوز، وهو وسط الشيء. وانظر الديوان ٨١، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: ٤٠٩. ٤ البيت لخفاف بن ندبة يصف فرسه. وأرضه: أسفله. وسماؤه: أعلاه. واستحمت أرضه من سمائه: عرق فابتل أسفله من أعلاه. والمصدق، بفتح الميم والدال: الصدق في كل كل شيء يقول: إذا جرى فأبتلت حوافره من عرق أعاليه مضى فخلى بينه وبين الغاية، لا يضرب ولا يزجر، وإنه ليصدق راكبه فيما بعد من بلوغ الغاية. وانظر الأصمعيات: ١٢، والخصائص: ٢: ٢١٦، واللسان "ودع". ٥ سورة الحجر: ٢٢.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبي صالح والكلبي: "يَوْمَ التَّنَاد١"، بتشديد الدال.
قال أبو الفتح: هو تفاعل، مصدر تناد القوم، أي: تفرقوا، من قولهم: ند يند، كنفر ينفر. وتنادوا كتنافروا، والتناد كالتنافر، وأصله التنادد، فأسكنت الدال الأولى وأدغمت في الثانية استثقالا لاجتماع المثلين متحركين.
فإن قيل: فهلا أظهر نحو ذلك، وهو ملحق بالتفاعل من غير التضعيف نحو التنافر، والتضافر، والتحاسر، والتحاسد.
قيل: هذا من أقبح الخطأ، وذلك أن الغرض في الإلحاق إنما هو رفع دوات الثلاثة إلى ذوات الأربعة، نحو جلبب، وشملل٢، فهما ملحقان بدحرج وهملج٣، أو بذوات الخمسة نحو كوالل٤، في إلحاقه بسفرجل، مجتازا في طريقه بقفعدد٥ وسبهلل٦، أو رفع بنات الأربعة إلى بنات الخمسة، نحو شنخف٧، وهلقس٨ في إلحاقهما بجردحل٩. فأما أن تلحق بنات الثلاثة ببنات الثلاثة فلغوا [١٤٢ظ] من القول، فلم يكن في إلا فساد معنى قولهم: ملحق؛ لأن الأصل لا يلحق بنفسهن فكذلك أيضا "التناد" ثلاثي، كما أن التنافر ثلاثي، أفيلحق الشيء بنفسه؟
ألا ترى أن ند ثلاثي، كما أن نفر كذلك؟ وهذا واضح.
ولو جاز هذا للزمك عليه أن تقول في شد وحل: شدد وحلل، فتظهرهما، وتقول: هما ملحقان بدخل وخرج.
فإن قلت: فقد قالوا في فيعل - نحو خيفق١٠ وصيرف- وفوعل من رددت: ريدد ورودد، وإن كنا قد أحطنا علما بأن كل واحد من خيفق وصيرف ثلاثي الأصل.
_________________
(١) ١ سورة غافر: ٣٢. ٢ شملل: أسرع. ٣ هملج: ذلل. ٤ الكوألل: القصير. ٥ القفعدد: القصير. ٦ سبهلل، يقال: جاء سبهللا، أي: لا شيء معه ولا سلاح عليه، أو مختالا غير مكترث. ٧ الشنخف: الرجل الضخم. ٨ الهلقس: الشديد من الجوع وغيره. ٩ الجردحل: الوادي، الضخم من الإبل، للذكر والأنثى. ١٠ الخيفق: الفلاة الواسعة.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قيل: أجل، إلا أنك ألحقت فيهما جميعا ثلاثيا برباعي، ألا ترى أن خيفقا وصيرفا ملحقان بجعفر وسلهب١؟. فإن قال لك: ابن من رد مثل فيعل وفوعل فكأنه إنما قال: ألحق رد بجعفر على حد فيعل وفوعل، اللذين ألحقتهما به، وهذا واضح، وليس كذلك التفاعل؛ لأن التفاعل ليس ملحقا بشيء، كإلحاق صيرف وجوهر بجعفر، فهذا فرق.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود: "وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُون٣"، بفتح اللام.
قال أبو الفتح: التقدير فيه إذ الأغلال أعناقهم ويسحبون السلاسل، فعطف الجملة من الفعل والفاعل على التي من المبتدأ والخبر، كما عودلت إحداهما بالأخرى في نحو قوله:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم٣
أي: أأنت موف بها أم تذم؟ فقابل المبتدأ والخبر التي من الفعل والمفعول الجاري مجرى الفاعل وقال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ٤﴾، أي: أصمتم؟ وعلى أنه لو كان إذ في أعناقهم الأغلال والسلاسل يسحبون لكان أمثل قليلا؛ من قبل أن قوله: في أعناقهم الأغلال يشبه في اللفظ تركيب الجملة من الفعل والفاعل؛ لتقدم الظرف على المبتدأ، كتقدم الفعل على الفاعل، مع قوة شبه الظرف بالفعل.
وعلى أن أبا الحسن يرفع زيدا من قولك: في الدار زيد بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا في قولهم: فيك يرغب أن يكون فيك مرفوعا بالابتداء، وفي "يرغب" ضميره، كقولك: زيد يضرب، من موضعين: أحدهما أن الفعل لا يرتفع بالابتداء، فكذلك الظرف.
والآخر أن الظرف لا ضمير له، كما أن الفعل لا ضمير له. ومن ذلك أيضا قوله:
زمان على غراب غداف فطيره الشيب عني فطارا٥
فعطفه الفعل على الظرف من أقوى دليل على شبهه به، وفيه أكثر من هذا فتركناه؛ لأن في هذا مقنعا بإذن الله.
_________________
(١) ١ السلهب: الطويل، أو من الرجال. ٢ سورة غافر: ٧١. ٣ البيت لراشد بن شهاب اليشكري بخاطب قيس بن مسعود بن قيس بن خالد الشيباني وانظر المفضليات: ٣٠٩. ٤ انظر الصفحة ٩٠ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٢٤٤ ]