بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد١: "الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامُ"٢ رفعًا، قراءة ثالثة.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون رفعه على الابتداء وخبره محذوف؛ أي: والأرحام مما يجب أن تتقوه، وأن تحتاطوا لأنفسكم فيه، وحسن رفعه لأنه أوكد في معناه، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدًا، فزيد فضلة على الجملة، وإنما ذكر فيه مرة واحدة، وإذا قلت: زيد ضربته، فزيد رب الجملة، فلا يمكن حذفه كما يحذف المفعول على أنه نيِّف وفضلة بعد استقلال الجملة؟ نعم، ولزيد فيها ذكران:
أحدهما: اسمه الظاهر، والآخر: ضميره وهو الهاء. ولما كانت الأرحام فيما يُعنى به ويُقَوَّى الأمر في مراعاته؛ جاءت بلفظ المبتدأ الذي هو أقوى من المفعول.
وإذا نُصبت الأرحام أو جُرت فهي فضلة، والفضلة متعرضة للحذف والبِذْلة.
فإن قلت: فقد "٤١و" حُذف خبر الأرحام أيضًا على قولك، وقيل: أجل؛ ولكنه لم يحذف إلا بعد العلم به، ولو قد حُذفت الأرحام منصوبة أو مجرورة فقلت: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ لم يكن في الكلام دليل على الأرحام أنها مرادة أو مقدرة، وكلما٣ قويت الدلالة على
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن زيد أبو عبد الرحمن القرشي المقرئ القصير البصري ثم المكي، إمام كبير في الحديث ومشهور في القراءات، لقن القرآن سبعين سنة، ثقة، روى الحروف عن نافع وعن البصريين وله اختيار في القراءة، روى عنه ابنه محمد شيخ أبي بكر الأصبهاني، مات في رجب سنة ٢١٣. طبقات القراء: ١/ ٤٦٤. ٢ سورة النساء: ١. ٣ في ك: ولما.
[ ١ / ١٧٩ ]
المحذوف كان حذفه أسوغ، ونحو من رفع الأرحام هنا بعد النصب والجر قول الفرزدق:
يأيها المشتكي عُكْلًا وما جَرَمت إلى القبائل من قتل وإبآسُ
إنا كلك إذ كانت هَمرَّجةٌ نَسْبِي ونَقْتُل حتى يُسْلمَ الناس١
أي: من قتل وإبآس أيضًا كذلك، فقوَّى لفظه بالرفع؛ لأنه أذهب في شكواه إياه، وعليه أيضًا قوله:
إلا مُسْحَتا أو مُجَلَّف٢
فيمن قال: أراد أو مجلَّف كذاك.
ومَن حمله على المعنى فرفعه وقال: إذا لم يَدَع إلا مسحتا فقد بقي المسحت وبقي أيضًا المجلَّف، سلك فيه غير الأول.
ومن ذلك ما رواه المفضل عن الأعمش عن يحيى وإبراهيم وأصحابه: "ألا تَقْسِطُوا٣" بفتح التاء.
قال ابن مجاهد: ولا أصل له.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد مستقيم غير منكر؛ وذلك على زيادة "لا"، حتى كأنه قال: وإن خفتم أن تَقْسطوا في اليتامى؛ أي: تجوروا. يقال: قسط: إذا جاز، وأقسط: إذا عدل. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٤، وزيادة "لا" قد شاعت عنهم واتسعت، منه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا
_________________
(١) ١ الهمرجة: الاختلاط، ولم نعثر على الشاهد في ديوان الفرزدق، وروى اللسان "همرج" الشطر الأول من البيت الثاني غير منسوب هكذا: بينا كذلك إذ هاجت همرجة ٢ من قول الفرزدق: إليك أمير المؤمنين رمت بنا شُعوب النوى والهوجل المتعسف وعض زمان يابن مَرْوان لم يدع من المال إلا مسحَتا أو مجلَّف رُوي: "مسحب" بالرفع أيضًا، ورُوي: "مجرف" مكان "مجلف". الهوجل: المفازة البعيدة، المسحت: المبدد، المجلف: الذي أخذ من جوانبه، والذي بقيت منه بقية، وأما المجرف: فمن جرفه إذا ذهب به كله أو أخذه أخذًا كثيرًا. انظر: النقائض: ٢/ ٥٥٦، ٥٥٧، والخزانة: ٢/ ٢٤٧، والديوان: ٥٥٦. ٣ سورة النساء: ٣، وقراءة الجماعة بضم التاء. ٤ سورة الجن: ١٥. ٥ سورة الحديد: ٢٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، فيمن ذهب إلى زيادة "لا"، وقال: معناه: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، وعليه قول الراجز:
وما ألوم البِيضَ ألَّا تَسْخَرَا إذا رأين الشَّمَطَ القَفَنْدَرا٢
أي: أن تسخر، والأمر فيه أوسع، فبهذا يعلم صحة هذه القراءة.
ومن ذلك ما رواه الأعمش عن يحيى بن وثاب والمغيرة عن إبراهيم قراءتهما: "وَرُبَعَ"٣ مرتفعة الراء، منتصبة العين بغير ألف.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون محذوفًا من "رُباع" تخفيفًا، كما روينا عن قطرب:
إلا لا بارك الله في سهيل إذا ما الله بارك في الرجال٤
فحذف ألف "الله". وقال الآخر:
مثل النَّقا لبّدَه ضربُ الطِّلَلْ٥
يريد: الطِّلال جمع طَل٦، كما قال القُحيف العقيلي:
ديار الحي تضاربها الطلال بها أهل من الخافي ومالُ٧
ويقوى أنه أراد "رباع" ثم حذف الألف ترك صرفه كما كان قبل الحذف غير مصروف.
وأما رُبَعٌ فلا نعلم إلا ولد الناقة في أيام الربيع، وذلك مصروف في المعرفة والنكرة، وهذا واضح.
ومما حذفت ألفه تخفيفًا أيضًا قولهم: أَمَ والله لأفعلن كذا، يريد: أَمَا.
وكذلك قراءة من قرأ: "هأَنْتُمْ"٨ في وزن أَعَنْتُمْ، الألف محذوفة من "ها". وأما قول الآخر:
وأتى صواحبُها فقلن هذا الذي منح المودة غيرنا وقلانا
فإنه لا يريد هذا الذي؛ بل يريد أَذا الذي، ثم أبدل همزة الاستفهام هاء، كقولهم: هرقتُ في أرقت، وهرحتُ الدابة في أرحتها، وهردتُ ذلك في أردت، وهِنْ فعلن في إِنْ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٠٩. ٢ لأب النجم. الشمط: الشيب، القفندر: القبيح. الخصائص: ٢/ ٢٨٣. وفي الأصل: القعندر بالعين، وهو تحريف. ٣ سورة النساء: ٣. ٤ انظر: الخزانة: ٤/ ٣٤١، والخصائص: ٣/ ١٣٤. ٥ انظر: الخصائص: ٣/ ٢٣٤. ٦ هو المطر القليل الدائم. ٧ انظر: طبقات الشعراء: ٢٢٥، والخافي: الجن. ٨ سورة آل عمران: ٦٦، ووردت في سور أخرى.
[ ١ / ١٨١ ]
فعلتُ، وقد يجوز مع هذا أن يكون "٤١ظ" أراد هذا الذي مخبرًا، ثم حذف الألف على ما مضى.
ومن ذلك ما ذكره ابن مجاهد في "قيامًا وقِيَمًا"١، وهما في السبعة٢ "قِوَامًا"، وقيل: "قَوَامًا"، واللغة بكسر القاف. قرأ "قَوَامًا" بالواو وفتح القاف ابن عمر. انتهى كلام ابن مجاهد ولم يذكر "قِوَامًا" عن أحد؛ لكنه أثبته.
قال أبو الفتح: يقال: هذا قِوَام الأمر: أي مِلاكه، ويقال: قاومته قِوَامًا كقولك: عاودته عِوادًا، كما قال:
وإن شئتم تَعَاودْنا عِوادا٣
وأما "القَوَام" فمصدر جارية حسنة القَوام، فهو كالشَّطَاط٤، فقد يجوز مع هذا أن يراد بِقِوام ما أراده من قرأ: "قِيامًا" فيخرجه على الصحة، كما قال العجاج:
يَخْلِطن بالتأَنُّس النِّوارا زَهوك بالصَّريمة الصِّوارا٥
وقياسه النِّيار؛ لأنه مصدر فعل معتل العين، وهو نار ينور: أي نفر. قال:
أنورًا سَرْع ماذا يا فَروقُ وحبلُ الوصْل منتكِثٌ حذيقُ٦
وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي المنصف٧.
ومن ذلك قراءة الحسن: "يُورِثُ كَلالَةً"٨، ويُورث أيضًا كالمقروء به في السبعة. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: "يُورِّثُ كَلالَةً".
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥، والمائدة: ٩٧. ٢ قال في البحر ١/ ١٧٠: وقرأ نافع وابن عامر "قيمًا"، وجمهور السبعة "قيامًا"، وعبد الله بن عمر "قِوامًا" بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر "قَوامًا" بفتحها، ورُويت عن أبي عمرو. ٣ صدره مع البيت الذي قبله: سرحت على بلادكم جيادي فأدت منكم كوما جلادًا بما لم تشكروا المعروف عندي من قصيدة في فرحة الأديب لشقيق بن جزء، وانظر: الخصائص: ٢/ ٣٠٩، ٣/ ٢١. ٤ الشطاط كسحاب وكتاب: الطول وحسن القوام واعتداله. ٥ انظر: الديوان: ١٢٢، زها الابل: سار بها بعد الورد ليلة أو ليلتين، الصوار: القطيع من البقر، الصريمة: الأرض المحصودة. ٦ لمالك بن زغبة الباهلي يخاطب امرأته، ويروى لأبي شقيق الباهلي واسمه جزء. يريد: أنفارًا يافروق، وقوله: سرع ماذا، يريد: سرع فخفف؛ أي: ما أسرع ذا، فذا فاعل وما زائدة. اللسان "نور"، حذيف: مقطوع. ٧ المنصف: ٢/ ٣٠٣. ٨ سورة النساء: ١٢.
[ ١ / ١٨٢ ]
قال أبو الفتح: يُورِث ويُورِّث كلاهما منقول من ورِث، فهذا من أورث، وهذا من ورث، فورِث وأورثته كوغِر صدره وأوغرته، وورِث وورَّثته كورِم وورمته. قال الأعشى:
مورِّثةٍ مالًا وفي المجد رفعة لِمَا ضاع فيها من قروء نِسائِكا١
وفي كلتا القراءتين هناك المفعولان محذوفان، كأنه قال: يورِث وارثه مالَه، أو يورِّث وارثَه ماله. وقد جاء حذف المفعولين جميعًا، قال الكميت:
بأَيِّ كتاب أَم بأَية سنة ترى حُبهم عارًا عليَّ وتحسب٢
فلم يُعدِّ تحسب. و"كلالة" على نصبها في جميع القراءات.
ومن ذلك قراءة الحسن: "غَيْرَ مُضَارِ وَصِيَّةٍ"٣ مضاف.
قال أبو الفتح: أي غير مضار من جهة الوصية، أو عند الوصية، كما قال طرفة:
بَضَّةُ المتجرَّد٤
أي: بضة عند تجردها، وهو كقولك: فلان شجاعُ حربٍ وكريمُ مسألةٍ؛ أي: شجاع عند الحرب، وكريم عند المسألة، وعليه قولهم مِدْره٥ حرب؛ أي: مِدْرَه عند الحرب، فهو راجع إلى معنى قولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار٦
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "فَاحِشَةٍ مُبِينَةٍ"٧ مكسورة الباء ساكنة الياء، وقال: "بيِّنة".
قال أبو الفتح: يقال: بان الشيء وأبنته، وأبان وأبنته، واستبان واستبنته، وتبين وتبينته.
_________________
(١) ١ قبله: وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزائكا ورُوي: "الحمد" مكان "المجد". يمدح هوذة بن علي الحنفي. الديوان: ١٩. الدرر اللوامع: ١/ ١٥٢. ٣ سورة النساء: ١٢. ٤ من قوله في المعلقة: رَحيبٌ قِطاب الجيب منها رفيقة بجس الندامى بضة المتجرد قطاب الجيب: مخرج الرأس منه، بضة: بيضاء ناعمة البدن رقيقة الجلد. الديوان: ٤٨. ٥ المدره: المقدم في اللسان، والسيد عند الخصومة. ٦ الكتاب: ١/ ٨٩. ٧ قرأ أبو بكر وابن كثير: "مبينة" بفتح الياء، وقرأ الباقون بالكسر. البحر المحيط: ٣/ ٢٠٤. سورة النساء: ١٩، وقد جاءت الآية كذا في الأصل بحذف الباء من قوله تعالى: "بفاحشة".
[ ١ / ١٨٣ ]
ومن أبيات الكتاب:
سلِّ الهموم بكل معطي رأسه ناج مخالط صُهبة مُتَعيِّسِ
مُغتالِ أحبُله مُبينٍ عنقُه في مَنكِب زَبَن المطيَّ عرندسِ١
وقرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد:
يبينُهم ذو اللب حتى تراهم بسيماهم بيضًا لحاهم وأَصْلُعَا٢
ومن كلامهم: قد بَيَّن الصبحُ لذى عينين٣، وقال:
تبين لي أن القَماءَة ذلة وأن أشداء الرجال طِيالُها٤
وأنشدنا أبو علي:
فلما تبينْ غِبّ أمري وأمره وولَّت بأعجاز الأمور صدورُ٥
وهو كثير "٤٢و".
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: "وَآتَيْتُمُ احْدَاهُنَّ قِنْطَارًا"٦ وصل ألف إحداهن.
قال أبو الفتح: قد تقدم نحو هذا فيمن٧ قرأ: "فَلا اثْمَ عَلَيْهِ"، يريد: فلا إثم عليه بشواهده، وهذا حذف صريح، واعتباط مريح، نحو قوله:
وتسمع من تحت العجاج لها ازْملا٨
وقد مضى.
_________________
(١) ١ للمرار الأسدي. معطي رأسه: منقاد ذلول، ناج: سريع، الصهبة: أن يضرب بياضه إلى الحمرة، المتعيس: الأبيض، مغتال: الاغتيال: الذهاب بالشيء، أبان: اتضح، زبن: زاحم ودفع، العرندس: الشديد. ويروى: متين رأسه. يصف بعيرًا بعظم الجوف، فإذا شد رحله عليه اغتال أحبله واستوفاها. الكتاب: ١/ ٨٥، ٢١٢. ٢ للأسود بن يعفر. النوادر: ١٦٢. ٣ بين: تبين، وهذا مثل يضرب للأمر يظهر كل الظهور. مجمع الأمثال: ٢/ ٣٩. ٤ لأنيف بن زبان النبهاني من طيئ، شاعر إسلامي. القماءة: مصدر قمؤ؛ أي صار قميئًا، وهو الصغير الذليل. ويروى "أعزاء" مكان "أشداء". شواهد الشافية: ٣٨٥-٣٨٧. ٥ لنهشل بن حري. ويروى: فلما رأى أن غب. الغب بالكسر: عاقبة الشيء كالمغبة. اللسان "غب"، وفيه نهشل بن جري، وهو تحريف. ٦ سورة النساء: ٢٠. ٧ هي قراءة سالم بن عبد الله. البحر المحيط: ٢/ ١١١. ٨ صدره: تضب لثات الخيل في حجراتها تضب لثات الخيل: تسيل بالدم، حجراتها: نواحيها، الأزمل: الصوت. الخصائص: ٣/ ١٥١، وانظر الصحفة ١٢٠ من هذا الجزء.
[ ١ / ١٨٤ ]
ومن ذلك قراءة ابن هُرْمُز: "الَّتِي أَرْضَعْنَكم"١ بلفظ الواحد.
قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون التي هنا جنسًا فيعود الضمير عليه على معناه دون لفظه، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ٢، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فهذا على مذهب الجنسية، كقولك: الرجل أفضل من المرأة، وهو أمثل من أن يُعتقد فيه حذف النون من "الذي" كما حذفت من "اللذا" في قوله:
إن عَمَّيَّ اللذا٣
ألا ترى أن قوله: "التي ارضعنكم" لا يجوز أن يُعتقد فيه حذف النون؛ لأنه لا يقال: اللتين، والقول الآخر وجه، إلا أن هذا أقوى لهذه القراءة، وعليه قول الأشهب بن رُميلة:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أُمَّ خالد٤
يحتمل المذهبين: حذف النون من الذين، واعتقاد مذهب الجنسية على ما مضى.
ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "كَتَبَ اللَّهُ عَلَيكم"٥ مفتوحة الكاف، وليس بعد التاء ألف، والباء نصب.
قال أبو الفتح: في هذه القراءة دليل على أن قوله: "عليكم" من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ في قراة الجماعة مُعلَّقة٦ بنفس كتاب، كما تعلقت في "كَتَبَ اللَّهُ عَلَيكم" بنفس كتب، وأنه ليس "عليكم" من ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اسمًا سُمي به الفعل٧، كقولهم: عليك زيدًا، إذا أردت: خذ زيدًا؛ وذلك أن عليك ودونك وعندك إذا جُعلن أسماء للفعل لسن منصوبات المواضع، ولا هن متعلقات بالفعل مُظْهَرًا ولا مُضْمَرًا، ولا الفتحة في نحو: دُونك زيدًا فتحة إعراب كفتحة الظرف في نحو قولك: جلست دونك؛ بل هي فتحة بناء؛ لأن الاسم الذي هو عندك٨ زيدًا
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٢٣. ٢ سورة الزمر: ٣٣. ٣ من قول الأخطل: أَبَني كُلَيبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَذا قَتَلا المُلوكَ وَفَكَّكا الأَغلالا وأحد عميه عصم أو حنش قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو وآكل المرار يوم الكلاب، والآخر عمرو بن كلثوم قاتل عمرو بن هند. الديوان: ٤٤. ٤ فلج: اسم بلد، ومنه قيل لطريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة: طريق بطن فلج. معجم البلدان، وانظر الكتاب: ١/ ٩٦. ٥ قراءة الجماعة: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بنصب كتاب. سورة النساء ٢٤. ٦ في ك: متعلقة. ٧ يجيز الكسائي تقديم المفعول على اسم الفعل المنقول عن الظرف والجار والمجرور مستدلًّا بهذه الآية، وتقديرها عنده: عليكم كتاب الله؛ أي: الزموه. انظر: البحر: ٣/ ٢١٤. ٨ يقال: عندك زيدًا؛ أي: خذه.
[ ١ / ١٨٥ ]
بمنزلة صه ومه لا إعراب فيه، كما لا إعراب في صه ومه وحَيْهَل، غير أنه بُني على الحركة التي كانت له في حال الظرفية، كما أن فتحة لام رجل من قولك: لا رجل في الدار١، وهي الحركة التي تحدثها "لا" إعرابًا في المضاف والممطول، نحو: لا غلام رجل عندك، ولا خيرًا منك فيها، وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ ٢، الفتحة في نون "مكانكم" فتحة بناء؛ لأنه اسم لقولك: اثبُتوا، وليست كفتحة النون من قولك: الزموا مكانكم، هذه إعراب، وتلك في الآية بناء. وهذا موضع فيه لطف فتفهمه.
ولما دخل شيخنا أبو علي -﵀- الموصل سنة إحدى وأربعين، قال لنا: لو عرفتُ في هذا البلد من يعرف الكلام على قولك: دونك زيدًا؛ لغدوت إلى بابه ورُحت. وكذلك قوله تعالى: "كَتَب الله عليكم" و﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ في الموضعين جميعًا منصوبة الموضع بنفس كَتَب وكتاب، ولو قلت: عليكم كتاب الله لما كان لقولك عليكم موضع من الإعراب أصلًا، ولا كانت متعلقة بشيء ظاهر ولا محذوف ولا مضمر على ما تقدم، فاعرفه "٤٢ظ".
ومن ذلك قراءة إبراهيم والأعمش وحُميد: "فَسوْف نَصْليه نارًا"٣ بفتح النون، وسكون الصاد.
قال أبو الفتح: يُروى في الحديث أنه أُتِيَ بشاة مَصْلِيَّة؛ أي: مشوية، يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، ويكون منقولًا من صَلِي نارًا وصَلَيتُه نارًا، كقولك: كَسِي ثوبًا وكَسَوتُه ثوبًا، ومثله -إلا أنه قبل النقل غير متعد- شَتِر٤ وشَتَرْتُه، وغارت عينُه وغُرْتُها.
وعليه قوله:
وصالياتٍ كَكَما يؤثفَيْن٥
فهذا من صلي.
فأما قراءة العامة: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ بضم النون، فهو منقول من صلِي أيضًا، إلا أنه
_________________
(١) ١ أي: فتحة بناء. ٢ سورة يونس: ٢٨. ٣ سورة النساء: ٣٠. ٤ الشتر بالتحريك: انقلاب الجفن من أعلى وأسفل وانشقاقه، أو استرخاء أسفله، شترت العين وشترها. ٥ لخطام المجاشعي. والصاليات: الأثافي لأنها صليت النار؛ أي: وليتها وباشرتها، ويؤثفين: ينصبن للقدر. أراد كمثل ما يؤثفين؛ أي: كمثل حالها إذا كانت أثافي مستعملة. وصف ديارًا خلت من أهلها، فنظر إلى آثارها باقية لم تتغير، فذكرته من عهد بها. الكتاب: ١/ ١٣، ٢٠٣، ٢/ ٣٣١.
[ ١ / ١٨٦ ]
نُقل بالهمزة لا بالمثال، كقولك: طعِم خبزًا وأطعمته خبزًا، وعلِم الخبر وأعلمته إياه؛ أي: عرف وعرفتُه.
والصَّلَى: النار منه، وهو من الياء لقولهم: صلَيْتُه نارًا.
وليست الصلاة من الياء لقولهم في جمعها: صلوات. قال لنا أبو علي سنة سبع وأربعين: الصلاة من الصَّلَويْنِ١، قال: وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصَّلَويْنِ للركوع، فأما القيام فلا يخص الصلاة دون غيرها، وهو حسن.
ومن ذلك قراءة طلحة: "فالصَّوالِحُ قوانِتُ حوافِظُ للغيب"٢.
قال أبو الفتح: التكسير هنا أشبه لفظًا بالمعنى؛ وذلك أنه إنما يراد هنا معنى الكثرة، لا صالحات من الثلاث إلى العشر، ولفظ الكثرة أشبه بمعنى الكثرة من لفظ القلة بمعنى الكثرة، والألف والتاء موضوعتان للقلة، فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدون من الواحد إذا كان على حد الزيدان. هذا موجب اللغة على أوضاعها، غير أنه قد جاء لفظ الصحة والمعنى الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ٣، والغرض في جميعه الكثرة، لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة.
وكان أبو علي ينكر الحكاية المروية عن النابغة وقد عرض عليه حسان شعره، وأنه لما صار إلى قوله:
لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحا وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما٤
قال له النابغة: لقد قللت جفانك وسيوفك.
قال أبو علي: هذا خبر مجهول لا أصل له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ ٥، ولا يجوز أن تكون الغرف كلها التي في الجنة من الثلاث إلى العشر.
وعذر ذلك عندي أنه قد كثُر عنهم وقوع الواحد على معنى الجميع جنسًا، كقولنا: أَهْلَكَ الناسَ الدنيارُ والدرهم، وذهب الناسُ بالشاة والبعير. فلما كثر ذلك جاءوا في موضعه بلفظ الجمع الذي هو أدنى إلى الواحد أيضًا؛ أعني: الجمع بالواو والنون والألف والتاء. نعم، وعلم أيضًا أنه إذا
_________________
(١) ١ الصلا: وسط الظهر، أو ما انحدر من الوركين. ٢ قراءة الجماعة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ . سورة النساء: ٣٤. ٣ سورة الأحزاب: ٣٥. ٤ يلمعن بالضحا: يريد بياض الشحم. وانظر: الكتاب: ١/ ١٨١، والخزانة: ٣/ ٤٣٠. ٥ سورة سبأ: ٣٧.
[ ١ / ١٨٧ ]
جيء في هذا الموضع بلفظ جمع الكثرة لا يتدارك معنى الجنسية، فلهوا عنه، وأقاموا على لفظ الواحد تارة ولفظ الجمع المقارِب للواحد تارة أخرى؛ إراحة لأنفسهم من طلب ما لا يُدرك، ويأسًا منه، وتوقفًا دونه. فيكون هذا كقوله:
رَأى الأَمرَ يُفضي الي آخِرٍ فَصيَّر آخِرَهُ أوَّلا١
ومثل الجمع بالواو والنون والألف والتاء مجيئهم في هذا الموضع بتكسير القلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ٢.
وقول حسان: "٤٣و"
وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما٣
ولم يقل: عيونُهم ولا سيوفُنا. وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الخصائص.
ومن ذلك قراءة يزيد بن القعقاع: "بما حَفِظَ اللهَ" بالنصب٤ في اسم الله تعالى.
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف؛ أي: بما حفظ دين الله وشريعة الله وعهود الله، ومثله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ٥ أي: دين الله وعهود الله وأولياء الله، وحَذْفُ المضاف في القرآن والشعر وفصيح الكلام في عدد الرمل سعة، وأستغفر الله. وربما حَذفت العرب المضاف بعد المضاف مكررًا؛ أُنسًا بالحال ودلالة على موضوع الكلام، كقوله ﷿: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ٦ أي: من أثر حافر فرس الرسول. وقد ذكرنا في كتابنا ذلك هذا وغيره من كتبنا وكلامنا.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكْرَى"٧ مضمومة السين، ساكنة الكاف من غير ألف.
وقراءة إبراهيم: "وَأَنْتُمْ سَكْرَى".
وفي قراءته أيضًا: "تُرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى"٨.
_________________
(١) ١ يروى: "غايته" مكان "آخره". وانظر: الخصائص: ١/ ٢٠٩، ٢/ ٣١، ١٧٠. ٢ سورة التوبة: ٩٢. ٣ انظر الصفحة السابقة من هذا الجزء. ٤ قراءة الجمهور بالرفع. سورة النساء: ٣٤. ٥ سورة محمد: ٧. ٦ سورة طه: ٩٦. ٧ سورة النساء: ٤٣. ٨ سورة الحج: ٢.
[ ١ / ١٨٨ ]
قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن وكيع عن الدمشقي عن ابن قطرب عن قطرب١ في كتابه الكبير: أن قراءة أبي زرعة الشامي: "وتَرَى النَّاسَ سُكْرَى وَمَا هُمْ بِسُكْرى".
وسألت أبا علي عن "سُكْرَى" فردد القول فيها، ثم استقر الأمر فيها بيننا على أنها صفة من هذا اللفظ والمعنى، بمنزلة حبلى مفردة كما ترى.
فأما "سَكْرَى" بفتح السين فيمن قرأ كذلك فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون جمع سكران؛ إلا أنه كُسِّر على فَعْلَى؛ إذ كان السكر علة تلحق العقل، فجرى ذلك مجرى قوله:
فَأَمَّا تَميمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ فَأَلفاهُمُ القَومُ رَوْبَى نِياما٢
فهذا جمع رائب؛ أي: نومى خُثَراءُ الأنفس٣؛ فيكون ذلك كقولهم: هالك وهلكى ومائد ومَيْدَى٤، فيجري مجرى صريع وصرعى وجريح وجرحى؛ إذ كان ذلك علة بُلوا بها، وإن كان هالك ومائد ورائب فعلًا منسوبًا إليهم، لا مُوقَعًا في اللفظ بهم.
والآخر: أن يكون "سَكْرَى" هنا صفة مفردة، مذكرها سكران، كامراة سكرى. ويشهد لهذا الأمر قراءة مَن قرأ: "سُكْرى" بالضم، وهذا لا يكون إلا واحدًا. ويشهد للقول الأول قراءة العامة: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ . وجاز أن يوقع على الناس كلهم صفة مفردة تصورًا لمعنى الجملة والجماعة وهي بلفظ الواحد، كما جاز للَبيدٍ أن يشير أيضًا إلى الناس بلفظ الواحد في قوله:
وَلَقَد سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وَطولِها وَسُؤالِ هَذا الناسِ كَيفَ لَبيدُ٥
ومن معكوسه في إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ٦ والمراد به الواحد٧، كلٌّ من كلام العرب.
_________________
(١) ١ هو محمد بن المستنير أبو علي النحوي المعروف بقطرب، لازم سيبويه، وأخذ عن عيسى بن عمر، ومات سنة ٢٠٦. بغية الوعاة: ١٠٤. ٢ رَوْبَى: اثخنهم السفر والوجع، فاستثقلوا نيامًا، ويقال: شربوا من الرائب فسكروا. اللسان: "روب". ٣ قوم خثراء: مختلطون. ٤ ماد الجرل: اصابه غثيان ودوار من سُكْرٍ أو ركوب بحر. ٥ انظر: الديوان: ٢٥. ٦ سورة آل عمران: ١٧٣. ٧ يعني: نعيم بن مسعود الأشجعي. وانظر: الكشاف في تفسير الآية.
[ ١ / ١٨٩ ]
وقراءته: "وتُرَى الناسَ سُكرى" بضم التاء يقوي ما قدمناه من أن أُرَى في اليقين دون أَرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ .
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والزهري أيضًا: "أو جاء أحد منكم من غَيْط"١.
قال أبو الفتح: فيه صنعة، وذلك "٤٣ظ" أن هذا الحرف مما عينه واو؛ لقوهم تغوَّط الرجل: إذا أتى الغائط، وهو مُطْمَأَنٌّ من الأرض كانوا يقضون فيه حوائجهم. وظاهر أمر غَيْط أنه فَعْل مما عينه ياء، بمنزلة شيخ وبيت. وأمثل ما ينبغي أن يقال فيه: إنه محذوف من فَيْعِل، كأنه في الأصل غيِّط كميت وسيد، ثم حذفت عينه تخفيفًا فبقي مَيْت وسيْد، ومثاله قَيْل٢؛ لأن العين محذوفة.
فإن قلت: فإنا لا نعرف في الكلام غَيِّطًا كما عرفنا سيِّدًا وميِّتًا؟
قيل: قد يجوز أن يكون محذوفًا من فيعِل مقدرًا غير مستعمل، كما أن قولهم: يَذَر ويدع استُغني عنهما بِتَرَك، كما استُغني أيضًا بغائط عن غيِّط، وكما استغني أيضًا بذَكَر ولَمْحة عن مِذْكار ومَلْمَحة اللتين عليهما٣ كسر ملامح ومذاكير.
ويؤكد هذا أن غائطًا إلى غيِّط أقرب من ذَكَر ولَمْحة إلى مِذْكار ومَلْمَحة؛ وذلك لأن ثاني فاعل ألف زائدة كما أن ثاني فيعِل ياء زائدة، والعين فيهما كليهما مكسورة، واللام تلي العين فيهما جميعًا، والياء أيضًا أخت الألف، فكأنهما مثال واحد من حيث ذكرنا، فَبِقدر هذا القرب بينهما ما٤ حسنت إنابة فاعل عن فيعِل، لا سيما وكأن غَيْطًا في اللفظ غيِّط لقربه منه وزنًا.
وفيه قول ثانٍ؛ وهو أن يكون غَيْط فَعْلًا وأصله غَوْط، إلا أن الواو قلبت للتخفيف ياء، كما قلبوها إليها لذلك في قولهم: لا حَيْل ولا قوة إلا بالله؛ أي: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقالوا: هو أَليط بقلبي من كذا، وظاهر أمره أن يكون من لُطت الحوض أَلوطه؛ أي: ألصقت بعضه ببعض، فكذلك هو أَليط بقلبي: إذا لصق به، وأصله على هذا أَلْوط، وقلبت الواو ياء استحسانًا كأشياء نحو ذلك، نحو: العلياء وهي من علوت، والعَيْصاء بمعنى العوصاء٥، فهذا الوجه أقرب، والأول أشد وأصنع.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٤٣. ٢ القيل: الملك، أو من ملوك حمير، يقول ما يشاء فينفذ. ٣ سقط في ك من قوله: "اللتين عليهما" إلى قوله: "ملمحة". ٤ ما زائدة. ٥ العوصاء: الكلمة الغريبة، ومن الدواهي الداهية الشديدة.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومن ذلك١ قراءة حميد بن قيس٢: "سَوْفَ نَصْلِيهِمْ نَارًا"٣.
قال أبو الفتح: قد أتينا على ما في ذلك فيما مضى من هذا الكتاب آنفًا٤.
ومن ذلك قراءة الحسن فيما رواه عنه قتادة: "تعالُوا"٥ بضم اللام.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه حذف اللام من تعاليت استحسانًا وتخفيفًا، فلما زالت اللام من "تعالى" ضُمت لام تعال لوقوع واو الجمع بعدها، كقولك: تقدموا وتأخروا.
ونظير ذلك في حذف اللام استخفافًا قولهم: ما باليت به بالةً، وأصلها بالِيَة، كالعافية والعاقبة، ثم حذفت اللام كما ترى.
وذهب الكسائي في "آية" إلى أن أصلها: آيِيَة فاعلة، فحذفت اللام كما ذكرنا، ولو كانت إنما حذفت لام "تعالُوا" لالتقاء الساكنين كما حذفت لذلك في قولك للجماعة آمرًا: ترامَوا وتغازَوا؛ لبقيت العين مفتوحة دلالة على الألف المحذوفة، وكنحو قولك: اخشَوا واسعَوا، إذا أمرت الجماعة.
ونظير حذف اللام استحسانًا في هذه القراة قراءة الحسن أيضًا في قوله الله تعالى: "إِلَّا مَنْ هُوَ صَالُ الْجَحِيمِ"٦.
حدثنا بذلك أبو علي، وذهب إلى ما ذكرناه من حذف اللام استخفافًا، وإلى أنه يجوز أن يكون أراد: إلا من هو صالون الجحيم؛ فحذف النون للإضافة، وحذف "٤٤و" الواو التي هي عَلَم الجمع لفظًا لالتقاء الساكين، واستعمل لفظ الجمع حملًا على المعنى دون اللفظ، كقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٧، وله نظائر، إلا أن الظاهر ما ذهب إليه أبو علي.
وأما حديث "تَعَالَ" والقول على ماضيه ومضارعه وتصرفه، ومن أين جاز استعمال لفظ العلو في التقدم، فأَمْرٌ يحتاج إلى فضل قول، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، إلا أن من جملته أنهم استعملوا لفظ التقدم والارتفاع على طريق واحد، من ذلك قولهم: قدَّمته إلى الحاكم، فهذا
_________________
(١) ١ سقط في ك من قوله: "ومن ذلك قراءة حميد" إلى قوله: "قراءة الحسن". ٢ هو حميد بن قيس الأعرج أبو صفوان المكي القارئ، ثقة، أخذ القراءة عن مجاهد بن جبر وعرض عليه ثلاث مرات، روى القراءة عنه سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء وغيرهما، توفي سنة ١٣٠. طبقات القراء: ١/ ٢٦٥. ٣ سورة النساء: ٥٦، وفي الأصل: "ونصليهم نارًا" وهو تحريف. ٤ انظر الصفحة ١٨٦ من هذا الجزء. ٥ سورة النساء: ٦١. ٦ سورة الصافات: ١٦٣. ٧ سورة يونس: ٤٢.
[ ١ / ١٩١ ]
كقولك: ترافعنا إلى الحاكم، كذلك قولك للرجل: تعال، كقولك له: تقدم. وأصله أن التقدم تعالٍ، والتأخر انخفاض وتراخٍ، فافهمه.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا: "لَيَقولُن"١ بضم اللام على الجمع. قال عبد الوارث٢: سئل أبو عمرو٣ عن قراءة الحسن: "لَيَقولُن" برفع اللام، فسكت.
قال أبو الفتح: أعاد الضمير على معنى "مَنْ" لا على لفظها الذي هو قراءة الجماعة؛ وذلك أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ٤ لا يُعنى به رجل واحد؛ لكن معناه أن هناك جماعة هذا وصف كل واحد منهم، فلما كان جمعًا في المعنى أعيد الضمير على معناه دون لفظه، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٥، الحال فيهما واحدة، وكأن الموضع لحقه احتياط في اللفظ؛ خوفًا من إشكال معناه، فضُمَّ اللام من "ليقولُن" ليُعلم أن هذا حكم سارٍ في جماعة، ولا يُرى أنه واحد ولا أكثر منه، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة الحسن ويزيد النحو: "يا لَيتَني كنْتُ معهم فأفوزُ فوزًا عظيمًا"٦ بالرفع، قال روح: لم يجعل لليت جوابًا.
قال أبو الفتح: محصول ذلك أن يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز فوزًا عظيمًا، ولو جعله جوابًا لنصبه؛ أي: إن أكن معهم أفز، هذا إذا أصبحت بالشرط، إلا أن الفاء إن دخلت جوابًا للتمني نُصب الفعل بعدها بإضمار أن، وعُطف أفوز على كنت معهم لأنهما جميعًا متمنيان، إلا أنه عطف جملة على جملة لا الفعل على انفراده على الفعل؛ إذ كان الأول ماضيًا والثاني مستقبلًا.
وذهب أبو الحسن في قوله ﷿: "يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"٧ بالرفع إلى أنه عطف عل اللفظ، ومعناه معنى الجواب: قال: لأنهم لم يتمنوا
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٧٣. ٢ هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان أبو عبيدة التنوري العنبري مولاهم البصري، إمام حافظ مقرئ ثقة، ولد سنة ١٠٢، وعرض القرآن على أبي عمرو ورافقه في العرض على حميد بن قيس المكي، روى القراءة عنه ابنه عبد الصمد وغيره، مات سنة ١٨٠ بالبصرة. طبقات القراء: ١/ ٤٧٨. ٣ في هامش الأصل: "في الأصل: سئل عمرو". ٤ سورة النساء: ٧٢. ٥ سورة يونس: ٤٢. ٦ سورة النساء: ٧٣. ٧ سورة الأنعام: ٢٧.
[ ١ / ١٩٢ ]
ألا يكذبوا؛ وإنما تمنوا الرد، وضَمِنوا أنهم إن رُدوا لم يكذِّبوا، وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ١. وعليه قول الآخر:
فَلَقَد تَرَكتِ صِبيَّةً مَرحومَة لَم تَدرِ ما جَزَعٌ عَلَيك فَتَجزَعُ٢
والقوافي مرفوعة؛ أي: هي تجزع، ولو كان جوابًا لقال فتجزعا، وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الموسوم بالتنبيه، وهو تفسير مشكل أبيات الحماسة.
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"٣ برفع الكافين، قال ابن مجاهد: وهذا مردود في العربية.
قال أبو الفتح: هو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم. ولو قال: مردود في "٤٤ظ" القرآن لكان أصح معنى؛ وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدركُكُم الموت، ومثله بيت الكتاب:
مَن يَفعَلِ الحَسَناتِ اللهُ يَشكُرُها وَالشَرُّ بِالشَرِّ عِندَ اللهِ مِثلانِ٤
أي: فالله يشكرها، ومثله بيته أيضًا:
بنو ثُعل لا تنكَعوا العنز شِرْبَها بني ثعل من ينكَع العنزَ ظالِم٥
فكأنه قال: فهو ظالم، فحذف الفاء والمبتدأ جميعًا، إلا أنه لما ترك هناك اسم الفاعل فهو لشبهه بالفعل كأنه هو الفعل؛ فيصير إلى أنه كأنه قال: من ينكع العنز يَظْلِمُ، وشَبَهُ الفعل في هذه اللغة أفشى من الشمس، حتى إنهم استجازوا لذلك أن يُولُوه نون التوكيد المختصة بالفعل، فقالوا:
أَريتَ إن جئتُ به أُملودا مُرَجَّلا ويَلبس البُرودا
أَقائِلُن أَحضِرِي الشهودا٦
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٢٨. ٢ لمويلك المزموم يرثي امرأته. الحماسة: ١/ ٣٨١، والخزانة: ٣/ ٦٠٤. ٣ سورة النساء: ٧٨. ٤ لحسان، وانظر: الكتاب ١: ٤٣٥. ٥ لرجل من بني أسيد. لا تنكعوا: لا تمنعوا، الشرب: النصيب. وانظر: الكتاب: ١/ ٣٦٠. ٦ من قصة هذا الرجز أن رجلًا من العرب أتى أمة له، فلما حبلت جحدها وزعم أنه لم يقربها، فقالت هذا الرجز. تريد أخبرني أن ولدت ولدًا هذه صفته أتقول لي: أحضري الشهود على أن هذا الولد منك؟ إنك لن تقول ذلك وإنما ترضى بالولد، فأصبر فعسى أن أجيء بما يقر عينك. ويروى: "جاءت" مكان "جئت"، و"أحضروا" مكان "أحضري". انظر: الخزانة ٤/ ٥٧٤، وشرح الكامل للمرصفي ١/ ٩٧، واللسان "رأي"، والخصائص: ١/ ١٣٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
فكأنه قال: أيقولن، والنظائر فيه كثيرة جدًّا.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إِلَى الْفِتْنَةِ رُكِّسُوا فِيهَا"١ مثقل بغير ألف.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أنه شيء بعد شيء؛ وذلك لأنهم جماعة، فلما كانوا كذلك وقع شيء منه بعد شيء فطال، فلاق به لفظ التكثير والتكرير، كقولك: غلَّقتُ الأبواب، وقطَّعتُ الحبال، وقد يكون معنى التكرير مع لفظ التخفيف، أنشد أبو الحسن:
أنت الفداء لقبلة هدَّمْتَها ونَقَرتها بيديك كلَّ مُنَقَّر
فصار "ونقرتها" كأنه قال: ونقَّرتها، يدل عليه مصدره الذي هو "مُنَقَّر". وهذا ونحوه مما يدل على اشتمال لفظ الأفعال على معاني الأجناس، حتى إن اللفظة الواحدة تصلح لكثيره صلاحها لقليله.
ومن ذلك قراءة الزهري فيما رواه عنه الوقاصي: "إلا خَطًا"٢ مقصورًا خفيفًا بغير همز.
قال أبو الفتح: أصله خطأً بوزن خَطَعًا كقراءة العامة، غير أنه حذف الهمزة حذفًا على ما حكيناه عنهم من قولهم: جَا يجَى، وسَا يسُو. وهذا ضعيف عند أصحابنا وإن كان قد جاء منه حروف صالحة، إلا أنه ليس تخفيفًا قياسيًّا؛ وإنما هو حذف وخبط للهمزة ألبتة، وقد ذكرناه فيما قبل. ويجوز أن يكون أبدل الهمزة إبدالًا على حد قَرَبْتُ، فجرى مجرى عصا ومطا.
ومن ذلك قراءة إبراهيم: "إِنَّ الَّذِينَ تُوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ"٣.
قال أبو الفتح: معنى هذا كقولك: إن الذين يُعَدُّون على الملائكة يُرَدُّون إليهم يحتسبون عليهم، فهو نحو من قولك: إن المال الذي تُوفَّاه أَمَةُ الله؛ أي: يُدفع إليها ويحتسب عليها، كأن كل ملَك جُعل إليه قبض نفس بعض الناس، ثم مُكن من ذلك ووفيه، أو كأن ذلك في بعض الملائكة، فجرى اللفظ على الجميع، والمراد البعض على ما مضى في هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٩١. ٢ سورة النساء: ٩٢. ٣ سورة النساء: ٩٧.
[ ١ / ١٩٤ ]
ومن ذلك ما رواه الواقدي١ عن عباس عن الضبي٢ عن أصحابه: "مَرْغَمًا"٣، وقراءة الجماعة: ﴿مُرَاغَمًا﴾ .
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا إنما جاء على حذف الزيادة من راغَمَ، فعليه جاء مَرْغم؛ كمضرب من ضرب، ومذهب من ذهب. وأصل هذه المادة ر غ م، فمنه الرَّغام التراب "٤٥و" وهو إلى الذل والشدة، والمراغِم: الْمُغَارُّ الذي يروم إذلال صاحبه، ومنه الحديث المرفوع: "إذا صلى أحدكم فليُلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرَّغْمُ" أي: حتى يذل ويخضع لله ﷿، وعليه بقية الباب.
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان٤: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ"٥ برفع الكاف، وقراءة الحسن والجراح: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ" بنصب الكاف.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الأمر أن "يدركُه" رفع على أنه خبر ابتداء محذوف؛ أي: ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة التي من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة. وجاء العطف هاهنا أيضًا لما بين الشرط والابتداء من المشابهات، فمنها أن حرف الشرط يجزم الفعل، ثم يعتور الفعل المجزوم مع الحرف الجازم على جزم الجواب، كما أن الابتداء يرفع الاسم المبتدأ، ثم يعتور الابتداء والمبتدأ جميعًا على رفع الخبر؛ ولذلك قال يونس في قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نُزُل٦
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن واقد أبو عبد الله الواقدي المدني ثم البغدادي، روى القراءة عن نافع بن نعيم وعيسى بن وردان وغيرهما، وروى القراءة عنه محمد بن سعيد كاتبه، مات سنة ٢٠٩ ببغداد، ودفن بمقابر الخيزران. طبقات القراء ٢/ ٢١٩. ٢ هو المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر، أخذ القراءة عرضًا عن عاصم بن أبي النجود والأعمش، وروى القراءة عنه علي بن حمزة الكسائي وغيره، قال أبو بكر الخطيب: كان علامة إخباريًّا موثقًا، وقال أبو حاتم السجستاني: ثقة في الأشعار غير ثقة في الحروف، ومات سنة ١٦٨. طبقات القراء: ٢/ ٣٠٧. ٣ سورة النساء: ١٠٠. ٤ في البحر المحيط ٣/ ٣٣٦: "طلحة بن مصرف". وطلحة بن سليمان السمان مقرئ متصدر، أخذ القراءة عرضًا عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف، وله شواذ تُروى عنه. روى القراءة عنه إسحاق بن سليمان أخوه، وعبد الصمد بن عبد العزيز الرازي. طبقات القراء: ١/ ٣٤١. وأما الأخر فطلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب أبو محمد، وقد تقدمت ترجمته في ص٥٠ من هذا الجزء. ٥ سورة النساء: ١٠٠. ٦ يُروى: قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا الديوان: ٦٣، والكتاب ١/ ٤٢٩.
[ ١ / ١٩٥ ]
إنما أراد: أو أنتم تنزلون، أفلا تراه كيف عطف المبتدأ والخبر على فعل الشرط الذي هو تركبوا؟ وعليه قول الآخر:
إن تُذنبوا ثم تأْتيني بقيتكم فما عليَّ بذنب منكم فوت١
فكأنه قال: إن تذنبوا ثم أنتم تأتيني بقيتكم، هذا أوجه من أن يحمله على أنه جعل سكون الياء في تأْتيني علَم الجزم، على إجراء المعتل مجرى الصحيح نحو قوله:
ألم يأْتيك والأنباء تنمي٢
فهذا جواب كما تراه.
وإن شئت ذهبت فيه مذهبًا آخر غيره، إلا أن فيه غموضًا وصنعة؛ وهو أن يكون أراد: ثم يدركْه الموت جزمًا، غير أنه نوى الوقف على الكلمة فنقل الحركة من الهاء إلى الكاف؛ فصار يدركُه، على قوله:
من عنَزِيِّ سبَّني لَمْ أضربُه٣
أراد: لم أضربْه، ثم نقل الضمة إلى الباء لما ذكرناه، كقوله:
أَلْهَى خليلي عن فراشي مسجدُهْ يأيها القاضي الرشيد أَرشِدُهْ
أي: أَرشِدْه، ثم نقل الضمة، فلما صار يدركُهْ حرك الهاء بالضم على أول حالها، ثم لم يُعِدْ إليها الضمة التي كان نقلها إلى الكاف عنها؛ بل أقر الكاف على ضمها، فقال: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ"، وقد جاء ذلك عنهم. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بقول الشاعر:
إن ابن أحوص معروفًا فبلِّغُهُ في ساعديه إذا رام العلا قِصَرُ
_________________
(١) ١ انظر: اللسان "بقي"، والبحر: ٣/ ٣٣٦. ٢ عجزه: بما لاقت لبون بني زياد وهو لقيس بن زهير العبسي، ويروى: "إلم يبلغك" مكان "ألم يأتيك". الكتاب: ٢/ ٥٩، والنوادر: ٢٠٣، والأغاني: ١٦/ ٢٨. ٣ صدره: عجبت والدهر كثير عجبه هو لزياد الأعجم. وعنزة: قبيلة من ربيعة بن نزار، وهم عنزة بن أسد بن ربيعة. وزيادة الأعجم من عبد القيس، وسُمي الأعجم للكنة كانت فيه. الكتاب: ٢/ ٢٨٧، وشواهد الشافية: ٢٦١.
[ ١ / ١٩٦ ]
أراد: فبلِّغْه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين فصار فبلِّغُهْ، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها، فقال: فبلغُهُ؛ وذلك أنه قد كثر النقل عنهم لهذه الضمة عن هذه الهاء، فإذا نُقلت إلى موضع قرَّت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه.
وفي إقرار الحركة بحالها مع تحريك ما بعدها دلالة على صحة قول سيبويه بإقرار الحركة التي "٤٥ظ" يحرك بها الساكن عند الحذف إذا رُد إلى الكلمة ما كان حُذف منها في نحو قوله في النسب إلى شِيَهٍ: وِشَوِيّ، وهذا مشروح هناك في موضعه، فهذا وجه ثانٍ كما تراه في قوله: "ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ" بضم الكاف، فاعرفه.
وأما قراءة الحسن: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ" بالنصب فعلى إضمار "أن"، كقول الأعشى:
لنا هضبة لا يَنْزل الذلُّ وسطها ويأْوي إليها المستجير فيُعْصَمَا١
أراد: فأَن يعصما، وهو ليس بالسهل؛ وإنما بابه الشعر لا القرآن. ومن أبيات الكتاب:
سأَترك منزلي لبني تميم وأَلحقُ بالحجاز فأَستريحا٢
والآية على كل حال أقوى من ذلك؛ لتقدم الشرط قبل المعطوف، وليس بواجب، وهذا واضح.
وفيه أكثر من هذا، إلا أنا نكره ونتحامى الإطالة لا سيما في الدقيق؛ لأنه مما يجفو على أهل القرآن.
وقد كان شيخنا أبو علي عمل كتابه الحجة، وظاهرُ أمره أنه لأصحاب القراءة، وفيه أشياء كثيرة قلما ينتصف فيها كثير ممن يدعي هذا العلم؛ حتى إنه مجفو عند القراءة لما ذكرناه.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن الأعرج: "أَنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ"٣ بفتح الألف.
قال أبو الفتح: أن محمولة على قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تهنوا لأنكم تألمون، كقولك: لا تجبن عن قرنك لخوفك منه، فمن اعتقد نصب أن بعد حذف الجر عنها فأن هنا منصوبة الموضع، وهي على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة، وصارت "أن" لكونها كالعوض في اللفظ من اللام.
_________________
(١) ١ البيت لطرفة. ويروى: "يدخل" مكان "ينزل". الديوان: ١٣٩، والكتاب: ١/ ٤٢٣. ٢ الكتاب: ١/ ٤٢٣. ٣ سورة النساء: ١٠٤.
[ ١ / ١٩٧ ]
ومن ذلك قراءة يحيى: "فإنهم يِيلَمون كما تِيلَمون"١.
قال أبو الفتح: العرف في نحو هذا أن من قال: أنت تِئمن وتِئلف وإِيلف، فكسر حرف المضارعة في نحو هذا إذا صار إلى الياء فتحها ألبتة، فقال: هو يَأْلف، ولا يقول: هو يِيلف؛ استثقالًا للكسرة في الياء.
فأما قولهم في يَوْجَل ويَوْحَل ونحوهما: يِيجل ويِيحل بكسر الياء، فإنما احتُمل ذلك هناك من قِبَلِ أنهم أرادا قلب الواو ياء هربًا من ثقل الواو؛ لأن لياء على كل حال أخف من الواو، وعلموا أنهم إذا قالوا: يَيْجل ويَوحَل٢، فقلبوا الواو ياء والياء قبلها مفتوحة كان ذلك قلبًا من غير قوة علة القلب، فكأنهم حملوا أنفسهم بما تجشموه من كسر الياء توصلًا إلى قوة علة قلب الواو ياء، كما أبدلوا من ضمة لام أَدلُو جمع دَلْوٍ كسرة فصار أَدلِوٌ لتنقلب الواو ياء بعذر قاطع؛ وهو انكسار ما قبلها وهي لام، وليس كذلك الهمزة؛ لأنها إذا كسر ما قبلها لم يجب انقلابها ياء، وذلك نحو: بئر وذئب، ألا تراك إذا قلت: هو يِئْلف، لم يجب قلب الهمزة ياء؟ فلهذا قلنا: إن كسرة ياء يِيجل لما يعقب من قلب الأثقل إلى الأخف مقبول، وليس في كسر ياء يئلف ما يدعو إلى ما تُحْتَمل له الكسرة، وليس فيه أكثر من أنه إذا كسر الياء ثم خفَّف الهمزة صار يِيلمون فأشبه في اللفظ ييجل، وهذا "٤٦و" له قدر لا يُحتمل له كسر الياء، فاعرفه.
ومن ذلك قراءة النبي -ﷺ- فيما روته عائشة ﵂: "أُثُنا"٣ بثاء قبل النون، ورُوي أيضًا عنها عنه ﵇: "أُنُثا" النون قبل الثاء. وقراءة ابن عباس: "إلا وُثْنا"، ورُوي عنه أيضًا: "إلا أُنُثا" بضمتين والثاء بعد النون، وقراءة عطاء بن أبي رباح: "ألا أُثْنا" الثاء قبل، وهي ساكنة.
قال أبو الفتح: أما "أُثُن" فجمع وَثَن، وأصله وُثُن، فلما انضمت الواو ضمًّا لازمًا قلبت همزة، كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَت﴾ ٤، وكقولهم في وُجوه: أجوه، وفي وُعِد: أُعِد، وهذا باب واسع. ونظير وَثَن وأُثُن أَسَد وأُسُد. ومن قال: "أُثْنا" بسكون الثاء فهو كأُسْد، بسكون السين.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٠٤. ٢ كذا في النسختين، وظاهر السياق يقتضي "ييحل". ٣ قراءة الجماعة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ . سورة النساء: ١١٧. ٤ سورة المرسلات: ١١.
[ ١ / ١٩٨ ]
حكى سيبويه هذه القراءة: "أُثْنا" بسكون الثاء.
وذهب أبو بكر محمد بن السري في قولهم: أَسَد وأُسُد إلى أنها محذوفة من أُسُود، ويقوي قوله هذا بيت الأخطل:
كَلَمْعِ أَيدي مَثاكيلٍ مُسَلِّبَةٍ يَندُبنَ ضَرس بنَاتِ الدَهرِ وَالخُطُبِ١
يريد: الخُطُوب، فقصر الكلمة بحذف واوها، ومثله قول الآخر:
إن الفقير بيننا قاضٍ حَكَمْ أن ترِد الماءَ إذا غاب النُّجُم٢
يريد: النجوم.
وأما "أُنُثًا" بتقديم النون على الثاء، فينبغي أن يكون جمع أَنيث، كقولهم: سيفٌ أنيث الحديد، وذلك كقراءة العامة: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: به الأصنام. قال الحسن: الإناث كل شيء ليس فيه رُوح: خشبة يابسة وحجر يابس، قال: وهو اسم صنم لحي من العرب، كانوا يعبدونها ويسمونها أُنثى بني فلان، وعليه القراءة: "إِلَّا أوثانًا".
ومن ذلك قال حماد بن شُعيب٣: قلت للأعمش: "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ"٤، فقال: أيعدُهم؟ إنما هو: "يَعِدْهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدْهُم" ساكنة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نحو هذا ما أُسكن في موضع الرفع تخفيفًا لثقل الضمة. قال أبو زيد فيما حكاه عنهم: "بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ"٥ بسكون اللام تخفيفًا على هذا.
_________________
(١) ١ رُوي: "كلمح" مكان "كلمع"، المسلبة: المرأة التي مات ولدها، والتي تلبس السلاب بالكسر؛ وهي ثياب سود تلبسها النساء في المأتم، واحدتها سلبة بالتحريك، ضرس السبع فريسته: مضغها ولم يبتلعها، وضرسته الخطوب: عجمته على المثل. شبه أيدي الإبل إذا رفعتها بلمع نائحة تشير بخرقة. الديوان: ١٨٨، واللسان "ضرس، وخطب، وثكل". ٢ رُوي: إن الذي قضى بذا قاض حكم وانظر: الخصائص: ٣/ ١٣٤. ٣ هو حماد بن أبي زياد شعيب أبو شعيب التميمي الحماني الكوفي، مقرئ جليل ضابط، ولد سنة ١٠١، وأخذ القراءة عرضًا عن عاصم، ولما مات عاصم قرأ على أبي بكر بن عياش وغيره، وروى القراءة عنه عرضًا يحيى بن محمد العليمي وغيره، ومات سنة ١٠٩. طبقات القراء: ١/ ٢٥٨. ٤ سورة النساء: ١٢٠. ٥ سورة الزخرف: ٨٠.
[ ١ / ١٩٩ ]
ومن ذلك ما رواه الضبي عن أبي عبد الله المدني: "في يَيامَى النساء"١ بياءين.
قال أبو الفتح: القراءة المجمع عليها: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بياء وتاء بعدها. ولا يجوز قلب التاء هنا ياء. والقول عليه -والله أعلم- أنه أراد أَيامى، فأبدل الهمزة ياء، فصارت "يَيامى"، وقلبت الهمزة ياء كما قلبت الهمزة ياء في قولهم: "قطع الله أَدْيَه"، يريدون: يده، فرد لام الفعل، وأعاد العين إلى سكونها؛ فصارت يَدْيَه، ثم أبدل الياء همزة فصارت أَدْيه، ولم أسمع هذا إلا من جهته، وأيًّا ما كان فقد قُلب الياء همزة.
ونظير قلب الهمزة في "أَيامى" إلى الياء حتى صارت "يَيامى" قولهم: باهلة بن يعصُر، فالياء فيه بدل من همزة أَعصُر؛ وذلك لأنه يقال: باهلة بن أَعصُر٢ ويعصُر، وإنما سُمي أعصر ببيت قاله:
أبُنَي إن أباك غيَّر لونَه كرُّ الليالي واختلاف الأعصر٣
فهذا دليل على كون "٤٦ظ" الهمزة أصلًا والياء بدل منها.
وأما "أَيامى" فقالوا: إنها جمع أَيِّم، وأصلها عندهم أيائم كسيد وسيائد، كذا رواها ابن الأعرابي: سيد وسيائد بالهمز كما ترى، وفي هذا شاهد لقول سيبويه: إنه متى اكتنف ألف التكسير حرفا علة أَيَّيْنِ كانا وجاور الآخر منهما الطرف فإنه يهمز.
وشاهد ذاك أيضًا ما رواه أبو عثمان عن الأصمعي: أنهم قالوا: عيِّل وعيائل بالهمز.
وحكى أبو زيد:" سَيِّقة٤ وسيائق بالهمز.
وكان أبو علي يُسَر بما حكاه أبو زيد من همز سيائق، ولم يقع له إذ ذاك ما حكيناه عن ابن الأعرابي من همز سيائد، ولا كان إذا ذاك وقع هذا الحرف إليَّ فأذكره له، كأشياء كانت تخطر لي أو تنتهي إليَّ فأحكيها له، فنقع مواقعها المرضية عنده.
ومذهب أبي الحسن بخلاف ذلك، فلما صارت إلى أَيائم قُدِّمت اللام وأُخرت العين فصارت "أَيامِي"، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف فصارت "أَيامَى"، ووزنها الآن فيالع، وأصلها أَيائِم فياعل؛ لأن أَيما فيْعِل، هذا مذهب الجماعة في أيِّم وأَيامى.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٢٧. ٢ واسم أعصر: منبه بن سعد بن قيس عيلان. الخصائص: ٢/ ٨٦، ٣/ ١٨٢. ٣ انظر المصدر السابق، واللسان "عصر". ٤ السيقة ككيسة: ما استاقه العدو من الدواب، والدريئة يستتر فيها الصائد فيرمي الوحش.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ولو ذهب به ذاهب إلى ما أذكره لم أرَ به بأسًا؛ وذلك أنه كأنه كسَّر آيِم فاعِل على فَعْلى، وهو أَيْمَى، من حيث كانت الأَيْمَة بليَّة ندفع إليها، فجرى مجرى هالك وهلكى، ومائد وميدى١، وجريح وجرحى، وزمن وزمنى، وسكران وسكرى، ثم كُسرت أيمى على أيامى، فوزن أيامى الآن على هذا فَعالى، ولا قلب فيها.
وأنت إذا سلكت هذه الطريق أحرزت غنمين، وكُفيت مئونتين:
إحداهما: أن تكون الكلمة على أصلها لم تقلب ولم يغير شيء من حروفها، والآخر: أنه لو كان الأصل "أيائم" لجاز؛ بل كان الوجه أن يُسمع؛ وإنما المسموع أيامى كما ترى، فاعرف ذلك، "فالييامى" على هذا القول فعالى، تكسير أَيْمَى على فَعْلَى، كهَلْكَى.
وعلى القول الآخر فيالِع.
ومما كُسِّر على فَعْلى ثم كسرت فعلى على فَعالى ما رويناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى في أماليه من قول بعضهم:
مثل القتالى في الهشيم البالي٢
فهذا تكسير قتيل على قَتْلى، ثم قَتْلى على قَتَالى.
ومن ذلك قراءة عاصم الجحدري: "أَنْ يَصَّلِحَا"٣.
قال أبو الفتح: أراد: يصطلحا أي يفتعلا، فآثر الإدغام فأبدل الطاء صادًا، ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء، فصارت يصَّلحا، ولم يجز أن تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الصفير، ألا ترى أن كل واحد من الطاء وأختيها والظاء وأختيها يُدغمن في الصاد وأختيها، ولا يدغم واحدة منهن في واحدة منهن؟ فلذلك لم يجز "إلا أن يَطَّلحا"، وجاز "يصَّلحا".
_________________
(١) ١ المائد: من أصابه غثيان من سُكْر أو ركوب بحر. ٢ لمنظور بن مرثد، وقبله: فظل لحمًا تربَ الأوصال وانظر: اللسان "قتل". ٣ سورة النساء: ١٢٨. وقراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿يُصْلِحَا﴾ بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام من غير ألف من أصلح، ووافقهم الأعمش، وقراءة الباقين بفتح الياء والصاد مشددة وبألف بعدهما وفتح اللام، على أن أصلها: يتصالحا. إتحاف فضلاء البشر: ١١٧.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن في رواية عطاء عنه وقراءة عاصم الجحدري أيضًا: "وملائكتِه وكتابِه"١ على التوحيد.
قال أبو الفتح: اللفظ لفظ الواحد والمعنى معنى الجنس؛ أي: وكتبه، ومثله قوله سبحانه ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٢ "٤٧و" أي: كتبنا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٤، فلكل إنسان كتاب، فهي جماعة كما ترى، وقد قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ .
ووقوع الواحد موقع الجماعة فاشٍ في اللغة، قال الله تعالى: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ٥ أي: أطفالًا، وحَسَّن لفظ الواحد هنا شيء آخر أيضًا؛ وذلك أنه موضع إضعاف للعباد وإقلال لهم، فكان لفظ الواحد لقلته أشبه بالموضع من لفظ الجماعة؛ لأن الجماعة على كل حال أقوى من الواحد، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن أبي إسحاق٦ والأشهب العقيلي: "يُرَءُّون الناس"٧، مثل يُرَعُّون، والهمزة بين الراء والواو من غير ألف.
قال أبو الفتح: معناه يُبصِّرون الناس، ويحملونهم على أن يروهم يفعلون ما يتعاطونه، وهي أقوى معنى من "يُراءُون" بالمد على يفاعِلون؛ لأن معنى يراءونهم يتعرضون لأن يروهم، و"يُرَءُّونهم" يحملونهم على أن يروهم.
قال أبو زيد: رأت المرأة الرجل المرآة إذا أمسكتها له ليرى وجهه، ويدلك على أن يرائي أضعف معنى من يُرَئِّي قوله:
تَرَى أو تُرَاءَى عند معقد غرزها تهاويل من أجلاد هِرٍّ مووَّم٨
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٣٦. ٢ سورة الجاثية: ٢٨. ٣ سورة الإسراء: ١٣. ٤ سورة الاسراء: ١٤. ٥ سورة الحج: ٥. ٦ هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري جد يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أحد القراءة العشرة، أخذ القراءة عرضًا عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، وروى القراءة عنه عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وهارون بن موسى الأعور، وتوفي سنة ١١٧، أو سنة ١١٩. طبقات القراء: ١/ ٤١٠. ٧ سورة النساء: ١٤٢. ٨ انظر الصفحة ١٥٥ من هذا الجزء.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد١: "مُذَبْذِبِين"٢ بكسر الذال الثانية.
قال أبو الفتح: هو من قوله:
خيالٌ لأمِّ السلسبيل ودونه مسيرة شهر للبريد المذبذِب٣
أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء، فهو مثل قوله: ﴿لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ٤، وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئًَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه، كما يقول البغداديون وأبو بكر معهم؛ وذلك أن ذَبَّبْتُ من ذوات الثلاثة، وذبذب من مكرر الأربعة، فهو كقولهم: عين ثرّة وثرثارة، وهو كثير في معناه. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المنصف.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك٥ بن مزاحم وزيد بن أسلم٦ وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار وعطاء بن السائب٧ وابن يسار: "إِلَّا مَنْ ظَلَمَ"٨ بفتح الظاء واللام.
قال أبو الفتح: ظَلَم وظُلِم جميعًا على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن من ظلم فإن الله لا يخفى عليه أمره، ودل على ذلك قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ .
ومن ذلك قراءة مالك بن دينار وعيسى الثقفي وعاصم الجحدري: "والمقيمون"٩ بواو.
_________________
(١) ١ هو عمرو بن فايد أبو عبد الله الأسواري البصري، روى عنه الحروف حسان بن محمد الضرير وبكر بن نصار العطار. طبقات القراء: ١/ ٦٠٢. ٢ سورة النساء: ١٤٣. ٣ للبعيث بن حريث. الحماسة: ١/ ١٤٨، والبحر: ٣/ ٣٧٧. ٤ سورة النساء: ١٤٣. ٥ هو الضحاك بن مزاحم أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الهلالي الخراساني، تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، سمع سعيد بن جبير وأخذ عنه التفسير، توفي سنة ١٠٥. طبقات القراء: ١/ ٣٣٧. ٦ هو زيد بن أسلم أبو أسامة المدني، مولى عمر بن الخطاب -﵁- وردت عنه الرواية في حروف القرآن، أخذ عنه القراءة شيبة بن نصاح، مات سنة ١٣٠. طبقات القراء: ١/ ٢٩٦. ٧ هو عطاء بن السائب أبو زيد الثقفي الكوفي، أحد الأعلام، أخذ القراءة عرضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأدرك عليًّا، روى عنه شعبة بن الحجاج وغيره، ومات سنة ١٣٦. طبقات القراء: ١/ ٥١٣. ٨ سورة النساء: ١٤٨. ٩ سورة النساء: ١٦٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال أبو الفتح: ارتفاع هذا على الظاهر الذي لا نظر فيه؛ وإنما الكلام في "المقيمين" بالياء، واختلاف الناس فيه معروف، فلا وجه للتشاغل بإعادته؛ لكن رفعه في هذه القراءة يمنع من توهمه مع الياء مجرورًا؛ أي: يؤمنون بما أَنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة إبراهيم: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى"١ اسم الله نصب.
قال أبو الفتح: يشهد لهذه قوله -جل وعز- حكاية عن موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٢، وغير من الآي "٤٧ظ" التي فيه كلامه لله تعالى.
ومن ذلك قراءة العامة: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٣ بالفتح، وقراءة الحسن: "إِنْ يَكُونُ" بكسر الألف.
قال أبو الفتح: هذه القراءة توجب رفع يكون، ولم يذكر ابن مجاهد إعراب يكون؛ وإنما يجب رفعه لأن "إن" هنا نفي كقولك: ما يكون له ولد، وهذا قاطع.
ومن ذلك قراءة مسلمة: "فَسَيَحْشُرْهُمْ"٤ "فَيُعَذِّبْهُم" ساكنة الراء والباء.
قال أبو الفتح: قد سبق نحو هذا، وأنه إنما يسكن استثقالًا للضمة. نعم، وربما كان العمل خَلْسًا فظُن سكونًا، وقد سبقت شواهد السكون بما فيه.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٦٤. ٢ سورة الأعراف: ١٤٣. ٣ سورة النساء: ١٧١. ٤ قوله تعالى: "فَسَيَحْشُرهم" من آية: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، وأما "يُعَذِّبهم" فمن آية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . سورة النساء: ١٧٢، ١٧٣.
[ ١ / ٢٠٤ ]