بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة أُبَيّ: "تَبَارَكت الأرضُ".
قال أبو الفتح: هو تَفاعَلَ من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من علا، وكقول العجاج:
تَقاعَسَ العِزُّ بِنا فَاقْعَنْسَسَا٢
فهو أبلغ معنى من قَعِسَ، كما أن [١١٨و] احدودب أقوى معنى من حَدِبَ، واعشوشب أقوى من أَعْشَبَ؛ وذلك لكثرة الحروف.
وأصل هذا كله من فَعَّلَ في الفعل، كقطّعت وكسّرت، ألا تراها أقوى معنى من قطَعت وكسَرت؟ وعليه جاء قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٣، فهو أبلغ من قادر. ولهذا جاء قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٤، فعبر عن لفظ الحسنة بكسب، وذلك لاحتقار الحسنة إلى ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ٥ وجاء "اكتسبت" في السيئة، تنفيرا عنها، وتهويلا وتشنيعا بارتكابها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ٦؟ فافهم هذا، وابنِ عليه.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٨، ويقول أبو حيان عن قراءة أبي أيضا: "ومن حولها من الملائكة" تحمل هذه القراءة على التفسير، لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه. البحر ٥٦٧. ٢ قبله: وإن دعونا من تميم أرؤسا والرأس من خزيمة العرندسا وقيس عيلان ومن تقيسا والعرندس: الشديد. وتقيس: تشبه بقيس عيلان. وتقاعس العز بنا: امتنع بنا العز فما يرام جنابه، من تقاعس الفرس: إذا لم ينقد لقائده. واقعنسس: تمكن واستعصى. وانظر الديوان: ٣٣. ٣ سورة القمر: ٤٢. ٤ سورة البقرة: ٢٨٦. ٥ سورة الأنعام: ١٦٠. ٦ سورة مريم: ٩٠، ٩١.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قال أمية:
تَبَارَكَ أمْ صِدِّيقُ حَقًّا كانَ مِن كُل عَتِيقَا
خالِقُ الخَلْقِ جَمِيعًا ويعُودُ الخَلْقُ صِيقَا
أي ترابا: والتاء في "تبارك" زائدة على بناء البيت. ومعتدة خزما كالواو في قوله:
وكأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجَاد مُزَمَّلِ١
فالواو خَزْم، وهذا يكاد يسقط حكم ما يُبنَى من الزوائد في الكلم حتى يحسنَ له تحقير الترخيم، نحو قولهم: في حارث حُرَيْث، وفي أزهر زُهَيْر. ألا تراه كيف خزم بتاء "تبارك" وإن كانت مصوغة في نفس المثال كما تُخْزَم حروف المعاني المنفصلة من المُثُل، كواو العطف، وفائه، وبل، وهل، ويا، ونحو ذلك؟ ولهذا قالوا أيضا في تكسير فَعَلَان: فِعْلَان، ككَرَوَان وكِرْوَان، وشَقَذَان٢ وشِقْذان، فأجروه مجرى فَعَل وفِعْلان، نحو خَرَب٣ وخِرْبان، وشَبَثٍ٤ وشِبْثان، وبَرَق٥ وبِرْقَان. فاعرف ذلك إلى ما يليه من نحوه بمشيئة الله.
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: "كَأَنَّهَا جَأنٌ"٦.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على نظير هذا فيما مضى من الكتاب٧، وذكرناه أيضا في الخصائص٨، وفي سر الصناعة٩، وفي المنصف١٠، وفي التمام، وغيره من مصنفاتنا وإنما كررناه لإعراب القول في معناه.
_________________
(١) ١ رواه الزوزني في شرحه للمعلقات السبع، وفيه "كأن" مكان "وكأن". وروي الشطر الأول في الديوان "٢٥": كان أبانا في أفانين ودقه وثبير وأبان: جبلان. والعرانين: جمع عرنين، وهو الأنف أو معظمه، واستعاره لأوائل المطر، إذ كانت الأنوف تتقدم الوجوه. والودق: المطر. والبجاد: كساء مخطط. ومزمل: ملفف بالثياب. وخفض "مزمل" على جوار "بجاد". شبه الجبل في جلاله وطرائق المطر عليه بشيخ مزمل في بجاد. ٢ الشقذان: الذي لا يكاد ينام. ٣ الخرب: ذكر الحبارى، لطائر. ٤ الشبث: العنبكوت، ودويبة كثيرة الأرجل. ٥ البرق: الحمل، فارسي معرب. ٦ سورة النمل: ١٠. ٧ انظر الصفحة ١٤٧ من الجزء الأول. ٨ الخصائص: ٣: ١٢٦. ٩ سر الصناعة: ١: ٨٣. ١٠ المنصف: ١: ١٤٩.
[ ٢ / ١٣٥ ]
ومن ذلك قراءة زيد بن أسلم وأبي بن جعفر القارئ: "أَلَا مَنْ ظَلَم"١، بفتح الهمزة، خفيفة اللام.
قال أبو الفتح: "مَنْ" ههنا مرفوعة بالابتداء، وخبره "ظلم" كقول: من يَقُم أضربْ زيدا، فيقم خبر عن "من" حيث كان شرطا. وكأن من عَدَلَ إلى هذا جفا عليه انقطاع الاستثناء في القراءة الفاشية. و"من" هناك منصوبة على الاستثناء، وهو منقطع بمعنى لكن، فقوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ معناه: لكن من ظلم كان كذا. ولعمري إن الاستثناء المنقطع فاش في القرآن وغيره، إلا أنه -مع ذلك- مُحوِج إلى التأول وإعمال القياس والتمحّل.
ومن ذلك قراءة قتادة وعلي بن الحسين: "مَبْصَرَةً"٢.
قال أبو الفتح: هو كقولك: هُدًى، ونورا. وقد كثرت المَفْعَلَة بمعنى الشِّياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعا، وذلك كقولهم: أرض مَضَبَّةٌ: كثيرة الضِّبَاب، ومثْعلَة: كثيرة الثعالي٣، ومَحْيَاة ومَحْوَاة ومَفْعَاة: كثير الحيات والأفاعي، فهذا [١١٨ظ] في الجواهر٤. وأما الأحداث فكقولك: البِطْنَة مَوْسَنَة، وأكل الرطَب مَوْرَدَة٥ ومَحَمَّة. ومنه المَسْعَاة، والمَعْلَاة، والحقُّ مَجْدَرَة بك، ومَخْلَقَة ومَعْسَاة، ومَقْمَنَة، ومَحْجَاة. وفي كله معنى الكثرة من موضعين:
أحدهما المصدرية التي فيه، والمصدر إلى الشياع والعموم والسعة.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ١١. ٢ سورة النمل: ١٣. ٣ الثعالي: أحد جمعي الثعلب، والآخر الثعالب. وينقل صاحب اللسان عن ابن جني أنه يرى أن الثعالي يحتمل أن يكون جمع ثعالة، وأن أصله ثعائل، فقلب. ٤ في ك: في الأحداث، وأما الجواهر، وهو تخليط. ٥ موردة: محمة، من وردته الحمى: أخذته لوقت. والقياس مورِدة، بكسر الراء. وهي مضبوطة كذلك بالقلم في اللسان، لكن كلام ابن جني يفيد أنها مفتوحتها، وهي مضبوطة كذلك بالقلم في نسخة الأصل. فقد يكون فيها لغتان، وقد يكون الكسر تحريفا في اللسان.
[ ٢ / ١٣٦ ]
والآخر التاء، وهي لمثل ذلك، كرجل راوية، وعَلّامَة، ونَسّابَة، وهُذَرَة١. ولذلك٢ كثرت المَفْعَلَة فيما ذكرناه لإرادة المبالغة.
ومن ذلك قراءة سليمان التيمي: "قَالَتْ نَمُلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمُلُ"٣.
وروي عنه أيضا: "نُمُلَة"، و"النُّمُل"، بضمهما.
قال أبو الفتح: أما النَّمُلة، بفتح النون، وضم الميم؛ فتقبلها النَّمْلَة، بفتح النون، وسكون الميم، لأن فَعُلا يخفف إلى فَعْل، كسَبُع إلى سَبْع، ورَجُل إلى رَجْل. قال:
رَجْلانِ مِنْ ضَبَّة أخْبَرَانَا إنَّا رَأَيْنَا رَجُلا عُرْيَانَا٤
فقائل هذا الشعر إما أن يكون له لغتان: رَجُل ورَجْل، وإما أن تكون لغته رَجُل بضم الجيم، فاضطر للشعر؛ فأسكن الجيم.
ألا تراه كيف جمع بين "رَجْلان" و"رَجُل"؟ ونظير "نَمُلة" "ونَمُل": سَمُرة وسَمُر، وثَمُرة وثَمُر. وكذلك القول في "نُمُلة"، لأن فُعُلا لا يخفف إلى فَعْل، إنما يخفف إلى فُعْل، كطُنُب إلى طُنْب، وعُنُق إلى عُنْق. ومنه٥ عندي: أُخِذ رجل نَمَّال: أي: نمَّام، كأنه يدب بالنميمة دبيب النملة. ونظير "نُمُلة" و"نُمُل": بُسُرة وبُسُر، بضم السين.
ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يَحَطِّمَنَّكُم"، بفتح الياء والحاء، وتشديد الطاء والنون.
وروي عنه أيضا: "يَحِطِّمَنَّكُم"، بفتح الياء، وكسر الحاء، والتشديد.
قال أبو الفتح: أما الأصل فيهما فَيَحتَطِمَنَّكُم، يفتعل من الحطم، وهو الكسر، أي: يقتلنكم. وآثر إدغام التاء في الطاء لقرب مخرجيهما؛ فأسكنها، وأبدلها طاء، وأدغمها في الطاء بعدها، ونقل الفتحة من التاء إلى الحاء، فقال: "يَحَطِّمَنَّكُم".
ومن كسر الحاء فإنه لما أسكن التاء للإدغام كسر الحاء، لسكونها وسكون التاء بعدها
_________________
(١) ١ هذرة: كثير الهذر، وهو الخطأ والباطل، والفعل كفرح. ٢ في ك: ولهذا. ٣ سورة النمل: ١٨. ٤ انظر المحتسب: ١: ١٠٩. ٥ أي في الاشتقاق والرجوع إلى الأصل، لا في الوزن كما لا يخفى. ٦ سورة النمل: ١٨.
[ ٢ / ١٣٧ ]
ثم أدغم فصار "يَحِطِّمَنَّكُم". ويجوز في العربية كسر الياء إتباعا لكسرة الحاء؛ فقال يحطمنكم. ومثله قول العجلي:
تَدَافُعُ الشَّيبِ ولم تِقِتِّلِ١
يريد: تَقتتل، ثم غير ذلك على ما تقدم.
يقال: حَطَمَه يَحْطِمه حَطْما: إذا كسره، وحطَّمه يُحَطِّمه، واحْتَطَمَه يَحْتَطِمُه احتطاما ويغيَّر الماضي واسم الفاعل والمصدر على الصنعة التي تقدمت في "يَحَطِّمَنَّكُم".
فمن قال: يَحَطِّم قال: حَطَّم، ومن قال: يَحِطِّمُ قال: حِطِّمَ.
ومن أتبع الأول يِحِطِّم أتبع الآخر هنا، فقال: حِطِّمَ. وعليه أنشد قطرب فيما روينا عنه أو غيره.
لا حِطِّبَ القَوْمَ ولا القَومَ سَقَى١
يريد: احتطب.
ويقول في اسم الفاعل على يَحَطِّم: مُحَطِّم، وعلى يَحِطِّم: مُحِطِّم.
ومن كسر الأول إتباعا، فقال: يحِطِّمُ لم٢ يكسر الميم؛ لأن اسم المفعول والفاعل من هذا ونحوه لا يكون إلا مضموم الأول، وعليه قال: "وَجَاءَ الْمُعَذِّرُون"٣، و"الْمُعِذِّرُون". وتتبع العينُ الميم، فيقال: "الْمُعُذِّرُون". وعليه أيضا يقال: مُخُطِّفٌ، والأصل في جميعه المعتذرون. ويقول في المصدر على يَحَطِّم ويَحِطِّم جميعا: حِطَّامًا.
ومن كسر هناك لالتقاء الساكنين [١١٩و] كسر هنا أيضا، فقال: حِطَّاما؛ لئلا تنكسر الطاء، فتبدل الألف بعدها ياء، فتقول: حِطِّيمًا، فيزول حديث المصدر بانقلاب ألفه. وليس في حِطِّم ألف؛ فتنقلب لكسرة الطاء إلى غيرها.
ومن قال: "وَجَاءَ الْمُعُذِّرُون"، فضم العين لم يقل حُطاما؛ لأنه ليس معه في حُطَّاما ضمة مثل الميم فتتبَعها الحاء مضمومةً، وكذلك "مُرَدِّفِين" "ومُرِدِّفِين" ومُرُدِّفين، الحكم واحد.
_________________
(١) ١ انظر المحتسب: ١: ٥٩. ٢ في ك: ثم، وهو تحريف. ٣ سورة التوبة: ٩٠.
[ ٢ / ١٣٨ ]
ومن ذلك قراءة محمد بن السميفع: "فَتَبَسَّمَ ضَحِكًا مِنْ قَوْلِهَا"١، بفتح الضاد بغير ألف.
قال أبو الفتح: "ضَحِكًا" منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل على عليه تبسم، كأنه قال: ضَحِكَ ضَحِكًا. وهذا مذهب صاحب الكتاب، وقياس قول أبي عثمان في قولهم: تَبَسَّمْتُ وميضَ البرقِ، أنه منصوب بنفس "تبسمتُ"؛ لأنه في معنى أومضت، ويكون٢ "ضحِكًا" منصوبًا بنفس تبسم؛ لأنه في معنى ضحك.
ويدل على مذهب صاحب الكتاب أنه قد ثبت أن الماضي والمضارع واسم الفاعل والمصدر يجري كل واحد منها مجرى صاحبه، حتى كأنه هو. ويجب أن تكون كلها من لفظ واحد، كضرب يضرب ضربا وهو ضارب، فكما لا يجوز أن يقول: قعد يجلس وإن كانا في معنى واحد دون أن يكون من لفظ واحد وهو قعد يقعد، ولا يجوز تبسَّم يُومِض؛ لاختلاف لفظيهما وإن كان معنياهما واحد - فكذلك لا يجوز تبسمت وميض البرق؛ لاختلاف لفظيهما، كما لا يجوز تبسمتُ أُومِض، لكن دل تبسمت على أومضت، فكأنه قال: أومضت وميض البرق، فاعرف ذلك وقسه بإذن الله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس في رواية وهب بن منبه: "أنْ لَا تَغْلُوا"٣، بالغين معجمة.
قال أبو الفتح: غَلَا في قوله غُلُوًّا، وغلا السعرُ يغلُو غَلَاء. فصلوا بينهما في المصدر وإن اتفقا في الماضي، وهذا أحد ما يدل على ما قدمناه أيضا من أن الماضي والمضارع واسم الفاعل والمصدر تجري مجرى المثال الواحد، فإذا خولف فيها بين المصادر قام ذلك الخلاف مقام ما كان يجب من اختلاف الأمثلة لاختلاف ما تحتها من المعاني المقصودة؛ وذلك أن أعدل اللغة اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، فإن اتفقت الألفاظ اختلفت الأمثلة، فإن اتفقت الألفاظ والأمثلة، ووقع التغيير في بعض المُثُل قام مقام تغييرها كلها. وذلك نحو غلا يغلو في القول والسعر.
فلما اتفق اللفظان والمِثْلان في الماضي والمضارع خالفوا بين مصدريهما؛ ليكون ذلك كالخلاف
_________________
(١) ١ سورة النمل: ١٩. ٢ في ك: أو، وهو تحريف. ٣ سورة النمل: ٣١.
[ ٢ / ١٣٩ ]
بين مثاليهما أنفسهما، فقالوا: غُلُوًّا، وغَلَاء على ما مضى. وكذلك قولهم في نظائر هذا: وجَدت الشيء وجُودا، ووجَدت في الحزن وَجْدًا، ووجَدت من الغنى وُجْدًا ووَجْدًا ووِجْدًا وجِدَة، ووجدت على الرَّجل مَوْجِدة، وجدت الضَالَة وِجدَانا، فجعلوا اختلاف المصادر فيها عوضًا مما كان يقتضيه أصل وضع اللغة من اختلافها أنفسها، فهذا مَقَاد يُقْتَاس ويُرْجَع في نظائره إليه.
نعم، وخصوا غَلَا في القول بالغُلُوّ؛ [١١٩ظ] لأن لفظ فُعُول أقوى من لفظ فَعَال؛ للواوين والضمتين، وضعفِ الألف والفتحتين. وذلك أن الغُلُوّ في القول أعلى وأعنى عندهم من غلاء السعر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٢؟ وأما غلاء٣ السعر فلا يدخل النار، ولا يحرم الجنة، ثم إنهم قالوا: غلتِ القِدْرُ تَغْلِي غَلَيَانا، فلما صغر هذا المعنى في أنفسهم أخذوه من الياء؛ لأنها تنحط عن الواو والضمة إلى الياء والكسرة٤.
فإن قلت: فقد قالوا: عَلَوْتُ في المكان أَعْلُوا عُلُوًّا وعلِيتُ في الشرف٥ علاءً؛ فجعلوا الشرف دون ارتفاع النِّصْبَة٦.
قيل: لم يَجْفُ الشرفُ عندهم، ولا تَبشَّع تبشّع الكفر والغلوّ في القول المعاقَب عليه، والمنهيَّ عنه؛ فلان جانبُه، ونَعُمَ وعَذُبَ في أنفسهم؛ فبنوه على فَعِل لتنقلب الواو ياءً، ومصدره على الفَعَال؛ لعذوبته بالفتحتين والألف. وهذه أماكن إن رَفَقْت بها، وسانَيْتَهَا٧، وتأنَّيْتَهَا٨، ولم تَبْءَ٩ عليها وتَخْتَبطَها -أَوْلَئْكَ جانبها، وأركبتك ذِرْوَتها، وقبلَتْكَ لها ضيفا، وَبَسَطَتْكَ يدًا وسيفًا. وإن أَخْلَدْتَ بها إلى ضِدّ هذا أخْلَدَتْ بكَ إلى ضده، فَتَلَاقيا ورفقا، لا مُغَالَاةً ولا خُرْقًا.
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٩٠، ٩١. و"يكاد" بالياء قراءة نافع والكسائي، كما في الإتحاف: ١٨٣. ٢ سورة النساء: ١٧١. ٣ في ك: غلا، وهو تحريف. ٤ أي في المضارع "تغلي". ٥ في ك: في الشرف أعلو، وهي زيادة غير صحيحة، فمضارع على: يعلى. ٦ النصبة: هيئة النصب، أي الرفع والإقامة. ٧ ساناه: راضاه، وداناه. ٨ تأنيتها: رفقت بها. ٩ لم تبء: لم تتفاخر ولم تتسام، وماضيه بأى، كسعى.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعيسى الثقفي: "عِفْريَةٌ"١.
قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجل عِفْريَةٌ نِفْريَةٌ إتباعا: إذا كان خبيثا داهيا. وقالوا: تَعَفْرَتَ الرجلُ: إذا صار عفريتا، أي: خبيثا. وهذا مثال غريب؛ لأن وزنه تَفَعْلَتَ، ونحوه من المُثُل الغريبة في الفعل قولهم: يَرْنَأَ الرجُلُ لِحْيَتَهُ: إذا صَبَغَها باليُرْنَاء، وهو الحناء. فيَرْنَأَ على ما ترى يَفْعَلَ٢، ومضارعه يُيَرْنِئ يُيَفْعِلُ، واسم الفاعل مُيَرْنِئ، وهو مُيَفْعِل.
وأصل العفريب من العَفْر، وهو التراب، كأنه يختِل قِرْنَه فيصرعه إلى العَفْر، ومنه قيل للأسد: عَفَرْني، وللناقة الشديدة: عفرناة. وقال الأعشى:
بِذاتِ لَوْثٍ عَفْرَنَاةِ إذَا عَثَرَتْ فَالنَّعْسُ أَدْنَى لَهَا مِنْ أَنْ أَقُولَ: لَعَا٣
ومنه عِفْرِيَةُ الرأس: للشعر الذي عليه؛ وذلك لأن قُصَارَاه أن يُحْلَقَ فيصير إلى التراب، أو يصير تُرَابًا. ومنه اليَعْفُور. لولَدِ الظبية؛ لأنه لصغَرِه ما٤ يلزق بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عِفِرِّينَ؛ لأنه دابة يلزم التراب.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ"٥، يرفع الباء.
قال أبو الفتح: أقوى من هذا "جَوَابَ قَوْمِهِ" بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: ﴿أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: لشبه أن بالمضمر. من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. والمضمر٦ أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول في ذلك٧.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٣٩. ٢ أورده صاحب القاموس في "يرنأ"، ونبه في "رنأ" على أنه في الياء. ٣ قبله: كلفت مجهولها نفسي وشايعني همي عليها إذا ما آلها لمعا وشايعني: أعانني. والآل: السراب. واللوث: القوة. والعفرناة: الغول، شبه بها ناقته. والتعس: الضعف، ولعًا له: دعاء للعاثر بأن ينتعش، أي: سلمت، ونجوت. وانظر الديوان: ١٣. ٤ "ما" زائدة. ٥ سورة النمل: ٥٦، وفي الأصل: "فَمَا كَانَ جَوَابَ.."، وهو تحريف. ٦ في ك: المضمر، سقط. ٧ انظر الصفحة ١١٥ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٤١ ]
ومن ذلك قراءة الأعمش، وقد اختلف عنه: "أَمَنْ خَلَقَ"١، خفيفة الميم.
قال أبو الفتح: "مَنْ" هنا خبر٢ بمنزلة الذي، وليست باستفهام [١٢٠و] كقراءة الجماعة: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ﴾، فكأنه قال: الذي خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة٣ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها خير أم ما تشركون٤ ثم حذف الخبر الذي هو خير أم ما تشركون؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥. وما يحذف خبره لدلالة ما هناك عليه أكثر من أن يحصى، فابنِ على هذا.
ومن ذلك قراءة السلمى: "إِيَّانَ يُبْعَثُونَ"٦، بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على كسر هذه الهمزة فيما مضى من الكتاب٧.
ومن ذلك قراءة سليمان بن يسار وعطاء بن السائب: "بَلَ ادْرَكَ عِلْمُهُمْ"٨، بفتح اللام، ولا همز، ولا ألف.
وروي عنهما: "بَلَ ادّرَكَ"، بفتح اللام، ولا همز، وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف.
وقرأ: "بلْ آدْرَكَ" الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة.
وقرأ: "بَلَى" بياء "آدْرَك" ممدودا ابن عباس.
وقرأ: "بَلِ ادَّرَكَ"، مخفوضة اللام، مشددة الدال الحسن.
وقرأ: "بَلْ تَدَارَكَ" أُبَيّ بن كعب.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٦٠. ٢ بر بالخبر هنا خلاف الانشاء، كما يدل عليه كلامه الآتي. ٣ سقطت "بهجة" في ك. ٤ سقط في ك من قوله: ثم إلى "يشركون". ٥ سورة النمل: ٥٩. ٦ سورة النمل: ٦٥. ٧ انظر الصفحة ٢٦٨ من الجزء الأول، والصفحة ٩ من الجزء الثاني. ٨ سورة النمل: ٦٦
[ ٢ / ١٤٢ ]
وقراءة الناس: "بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ"، و"بَلِ ادَّارَكَ١"، فذلك ثمانية أوجه:
قال أبو الفتح: "أما بَلَ ادْرَكَ" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها، كقولك: في ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ٢: "قَدَ افْلَحَ".
وأما "بَلَ ادَّرَكَ"، بفتح اللام فكان قياسه: بَلِ ادَّرَكَ؛ بكسر اللام لسكونها وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام لأن في ذلك إزالة لالتقاء الساكنين، وعدولا إلى الفتحة لخفتها، كما رُوِّينا عن قطرب: أن منهم من يقول: "قُمَ الليل"٣، وبِيعَ الثوب.
وأما "بَلْ آدْرَكَ" فإن "بل" استئناف، وما بعدها استفهام، كما تقول: أزيد عندك؟ بل أجعفر عندك؟ تركا للأول إلى غيره، لا تراجعا عنه، لكن للانتحاء من بعده على غيره.
وأما "بَلَى" فكأنه جواب، وذلك أنه لما قال: "قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" فكأن قائلا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم استؤنف فقيل: "آدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ".
وأما "بَلِ ادَّرَكَ" فلا سوال مع كسر اللام؛ لسكونها، وسكون الدال بعدها.
وأما "بَلْ تَدَارَكَ" فإنه أصل قراءة من قرأ: "ادَّارَكَ"؛ وذلك أنه في الأصل تدارك، ثم آثر إدغام التاء في الدال؛ لأنها أختها في المخرج، فقلبها إلى لفظها، وأسكنها، وأدغمها فيها. واحتاج إلى ألف الوصل؛ لسكون الدال بعدها، ومثله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ ٤. ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ٥.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "رَدَفَ لَكُمْ"٦، بفتح الدال.
قال أبو الفتح: من قال "رَدِف" فهو في وزن تبع، ومن قال: "ردف" فهو بمنزلة تلا، وشفع. والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة.
_________________
(١) ١ هذه قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف، ووافقهم الأعمش. أما الأولى فقراءة الباقين. وانظر الإتحاف ٢٠٨. ٢ مما وردت فيه سورة المؤمنون: ١. ٣ سورة المزمل: ٢. ٤ سورة النمل: ٤٧. ٥ سورة البقرة: ٧٢. ٦ سورة النمل: ٧٢.
[ ٢ / ١٤٣ ]
ومن ذلك قراءة ابن السميفع وابن محيصن: "تَكُنُّ صُدُورُهُمْ١" بفتح التاء. وضم الكاف.
قال أبو الفتح: المألوف في هذا: أَكْنَنْتُ الشيءَ: إذا أخفيتَه في نفسك. وكَنَنْتُه: إذا سترته بشيء، فأكننت كأضمرت، وكَنَنْتُ كسترت٢. فأما هذه القراءة: "تَكُنُّ صُدُورُهُمْ
" [١٢٠ظ] فعلى أنه أجرى الضمير٣ لها مجرى الجسم الساتر لها مبالغة؛ وذلك لأن الجسم أقوى من العَرَض، وهذا نحو من قوله:
وحَاجَةٌ دونَ أُخْرَى قَدْ عَرَضْتُ لها جَعَلْتُها لِلَّتِي أَخْفَيْتُ عُنْوَانا٤
فأجرى ما يخفيه الضمير ويبرزه البوح به مجرى ما يدرك باللمس؛ تنويها به، ومُبَادَاة للحس بإدراكه، وقد مر به بعض المولدين، فقال:
حُبِّي لَهُ جِسْمٌ وَحُبْـ ـبُّ الناسِ كُلِّهِمُ عَرَضْ
وعليه قول الآخر:
تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُوادِي فَبَادِيِهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ٥
ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل؟ ومرَّ به الطائي الكبير٦، إلا أنه عكسه فقال:
مَوَدَّةٌ ذَهَبٌ أثمارُها شَبهُ وَهِمّةٌ جَوْهَرٌ مَعْرُوفُها عَرَضُ
والباب واسع، والطريف مُسْهَب، إلا أنّ هذا سًمْته.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. "تَكْلِمُهُمْ"٧
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٧٤. ٢ في ك: كسرت، وهو تحريف. ٣ يريد: ما تضمره النفس. ٤ لسوار بن المضرب. وروي "سنحت" مكان "عرضت"، وانظر اللسان "عنن". ٥ البيت لعبيد الله بن عتبة بن مسعود. وانظر اللسان "غلغل". ٦ هو أبو تمام، وله في ديوانيه قصيدة من هذا الوزن والروي، ولكن لم نعثر على الشاهد فيها. ٧ سورة النمل: ٨٢.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قال أبو الفتح: "تَكْلِمُهُمْ": تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب في قوله "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن "تَكْلِمُهُمْ" لا يكون من الكَلْم وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هي وتقاليبها الستة: ك ل م، ك م ل، م ل ك، ل ك م، م ك ل، ل م ك. وقد ذكرناها في كتابنا الخصائص١ أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول.
ويشهد لمن قال في قوله: "تُكَلِّمُهُمْ" إلى أنه من الكلام قراءة أبي: "تُنَبِّئُهُم"، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُون". وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن "تُكَلِّمُهُمْ": تجرحهم، أي: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم.
ومن ذلك قراءة قتادة: "وَكُلٌّ أَتَاهُ دَاخِرِين"٢.
قال أبو الفتح: حمل "أتاه" على لفظ "كل"؛ إذ كان مفردا، و"داخرين" على معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكل أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك لما قلت: وكل فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا فأفردت فقد تراجعت إلى ما انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا في الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها المعتزمة.
وعلى ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٣. فلو قال: من بعد: حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ. "من" إلى معناه بقوله: "يستمعون". فلو عاد إليه بعدَ انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب عنه. واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق:
تَعَشَّ فإنْ عاهدْتَنِي لا تخونُنِي نَكُنْ مِثْل مَن يا ذِيبُ يَصْطَحِبان٤
_________________
(١) ١ الخصائص:١: ٥، وذكر هناك في عنوان الباب كلمة "الفصل" مكان "فرق". ٢ سورة النمل: ٨٧. ٣ سورة يونس: ٤٢. ٤ روي "واثقتني" مكان "عاهدتني" وانظر الديوان: ٨٧٠.
[ ٢ / ١٤٥ ]
فلو١ قال بعدَ يصطحبان: فلا تُنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ "مَن" وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال في "كُلٌّ" أنها إذا كانت [١٢١و] مفردة أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، و﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٣، ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٤ في قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ ٥، وذلك أن أحد عَلَمَي الجمع كاف عندهم من صاحبه، وابنِ٦ على ذلك.
_________________
(١) ١ في ك: ولو. ٢ سورة يس: ٤٠. ٣ سورة البقرة: ١١٦. ٤ سورة النمل: ٨٧: وآتوه" قراءة غير حمزة وخلف الأعمش، كما في الإتحاف: ٢٠٨. ٥ سورة مريم" ٩٥. ٦ في ك: فابن.
[ ٢ / ١٤٦ ]