بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة أم الدرداء١ وعيسى الثقفي وعيسى الهمداني، ورويت عن عمر بن عبد العزيز٢: "سُورَةً"٣، بالنصب.
قال أبو الفتح: هي منصوبة بفعل مضمر، ولك في ذلك طريقان:
أحدهما أن يكون ذلك المضمر من لفظ هذا المظهر، ويكون المظهر تفسيرا له، وتقديره: أنزلنا سورة، فلما أضمره فسره بقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾، كما قال:
أصبحْتُ لا أحمِلُ السِّلاحَ وَلَا أملِكُ رأسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئبَ أخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وحْدِي وأخْشَى الرِّياحَ والْمَطَرَا٤
أي: وأخشى الذئب، فلما أضمره فسره بقوله: "أخشاه".
والآخر أن يكون الفعل الناصب [١١٠و] لـ"سُورَةً" من غير لفظ الفعل بعدها، لكنه على معنى التحضيض، أي: اقرءوا سورة، أو تأملوا وتدبروا سورةً أنزلناها، كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُم
_________________
(١) ١ هي هجيمة بنت حيي الأوصابية الحميرية، أم الدرداء الصغرى؛ زوجة أبي الدرداء أخذت القراءة عن زوجها، وأخذ القراءة عنها إبراهيم بن أبي عبلة وغيره. وكانت فقيهة كبيرة القدر. توفيت بعد الثمانين. طبقات القراء لابن الجزري: ٢: ٣٥٤. ٢ هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو حفص الأموي أمير المؤمنين. وردت الرواية عنه في حروف القرآن، ومناقبه كثيرة، وكان حسن الصوت بالقرآن، فخرج ليلة فقرأ وجهر بصوته، فاستمع له الناس، فقال سعيد بن المسيب: فتنْتَ الناسَ، فدخل. توفي "﵁" بدير سمعان من أرض الشام في رجب سنة ١٠١. طبقات القراء: ١: ٥٩٣. ٣ سورة النور: ١. ٤ للربيع بن ضبع الفزاري، من المعمرين، يقال: إنه نيف على مائتي عام. ويروى "أرد" مكان "أملك"، و"أن يقرأ" مكان "أن نفرا". ومعنى "أن يقرأ": أنه لضعفه لا يملك تسكين بعيره وتوقيره عند النفار. ونسب الوقار إلى الرأس لأنه الموضع الذي يحاول تسكينه منه. انظر الأمالي: ٢: ١٨٧، والكتاب: ١: ٤٦.
[ ٢ / ٩٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، أي: احفظوا ناقة الله. ويؤنس بإضمار ذلك ظهوره٢ في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٣. فإذا كان تقديره هذا فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ إلى آخر ذلك منصوب الموضع لكونه صفة لـ"سورة". وإذا جعلت "أنزلناها" تفسيرا للفعل الناصب المضمر فلا موضع له من الإعراب أصلا، كما أنه لا موضع من الإعراب لقوله: أنزلنا سورة؛ لأنه لم يقع موقع المفرد، وهذا واضح.
وأما قراءة الجماعة: "سُورَةٌ"، بالرفع فمرفوعه بالابتداء، أي: فيما يُنزّل إليكم وما يتلى عليكم سورة من أمرها كذا، فالجملة بعدها٤ إذًا في موضع رفع؛ لأنها صفة لسورة.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل مضمر أيضا، أي: اجلدوا الزانية والزاني، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . وجاز دخول الفاء في هذا الوجه لأنه موضع أمر، ولا يجوز: زيدا فضربته؛ لأنه خبر. وساغت الفاء مع الأمر لمضارعته الشرط، ألا تراه دالا على الشرط؟ ولذلك انجزم جوابه في قولك: زرني أزرك، لأن معناه زرني؛ فإنك إن تزرني أزرك. فلما آل معناه إلى الشرط. جاز دخول الفاء في الفعل المفسر للمضمر، فعليه تقول: بزيد فامرر، وعلى جعفر فانزل.
ولا موضع لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾؛ لأنه تفسير، ولا يكون وصفا لـ"الزانيةَ" "والزانيَ" من حيث كانت المعرفة لا توصف بالنكرة، وكل جملة فهي نكرة. وأيضا فإن الأمر لا يوصف به كما لا يوصف بالنهي ولا بالاستفهام؛ لاستبهام كل واحد من ذلك لعدم الخبر منه. وأيضا فإن الموصوف لا تعرض بينه وبين صفته الفاء، لا تقول: مررت برجل فيضرب زيدا؛ وذلك لأن الصفة تجري مجرى الجزء من الموصوف، وجزء الشيء لا يعطف على ما مضى منه.
_________________
(١) ١ سورة الشمس: ١٣. ٢ أي ظهور فعل الحض على القراءة والتدبر. ٣ سورة محمد: ٢٤. ٤ في ك: إذا بعدها. ٥ سورة النور: ٢.
[ ٢ / ١٠٠ ]
فإن قلت: فقد أقول: مررت برجل قام فضرب١ زيدا، فكيف جاز العطف هنا؟ قيل: إنما عطفت صفة على صفة، ولم تعطف الصفة على الموصوف من حيث كان الشيء لا يعطف على نفسه لفساده.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار وأبي زرعة بن عمرو بن جرير: "بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاء"٢، بالتنوين.
قال أبو الفتح: هذا حسن في معناه؛ وذلك أن٣ أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، ولا يقال: عندي ثلاثة ظريفين٤ إلا في ضرورة إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك في حسن وضع الاسم هناك، والوجه عندي ثلاثة ظريفون٥. وكذلك قوله: "بِأَرْبَعَةٍ شُهداءَ" لتجري "شهداء" على٦ "أربعة" وصفا؛ فهذا هذا.
فأما وجه قراءة الجماعة: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهداءَ﴾ بالإضافة [١١٠ظ] فإنما ساغ ذلك لأنهم قد استعملوا الـ"شهداء" استعمال الأسماء؛ وذلك كقولهم: إذا دفن الشهيد صلت عليه الملائكة، وعد الشهداء يومئذ فكانوا كذا وكذا، ومنزلة الشهيد عند الله مكينة. فلما اتسع ذلك عنهم جرى عندهم مجرى الاسم؛ فحسنت إضافة اسم العدد إليه حسنها إذا أضيف٧ إلى الاسم الصريح أو قريبا من ذلك.
واعلم منْ بَعْدُ أن الصفات لا تتساوى أحوالها في قيامها مقام موصوفاتها، بل بعضها في ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ورجلا أيضا، وذلك أن الظُّرف
_________________
(١) ١ في ك: يضرب، وهو تحريف. ٢ سورة النور: ٤. ٣ في ك: لأن. ٤ في ك: طريقين، جمع طريق، كسكيت، وهو الكثير الأطراق. ٥ في ك: طريقون. ٦ في ك: على أن، وهي زيادة لا وجه لها. ٧ كذا في ك، وفي الأصل: أضيفت.
[ ٢ / ١٠١ ]
إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر١ يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال دون الصبيان؛ لأن الصبي في غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك٢ قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذي يقبح، والأول هو الذي يحسن، فإن قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك واعتبره بما ذكرنا.
وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين:
أحدهما أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وأما للإسهاب والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة والهضب٣.
واعلم أن الصفة كما تفيد في الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف في صفته، ألا تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان. ولو لم يتقدم ذكر الغلام لم يُعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. وكذلك قد علم بقولك: طويل، أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما في إفادة كل واحد منهما في صاحبه ما لولا مكانه لم يُفِد فيه.
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف وأبي رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون، ورويت عن عاصم: "أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ"٤ "أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ"٥.
وقرأ: "أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ" رفع وخفف النون، و"أَنَّ غَضَبُ اللَّهِ" نصب -يعقوب.
قال أبو الفتح: أما من خفف ورفع فإنها عنده مخففة من الثقيلة وفيها إضمار محذوف للتخفيف، أي: أنه لعنةُ الله عليه وأنه غضبُ الله عليها، فلما خففت أضمر اسمها وحذف، ولم يكن من إضماره بد؛ لأن المفتوحة إذا خففت لم تصر بالتخفيف حرف ابتداء، وإنما تلك إن المكسورة، وعليه قول الشاعر:
_________________
(١) ١ في ك: اسم. ٢ سقطت "كذلك" في ك. ٣ الهضب: الإفاضة في القول. ٤ سورة النور: ٧. ٥ سورة النور: ٩.
[ ٢ / ١٠٢ ]
فِي فِتيَةٍ كسُيُوفِ الهنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ١
أي: أنه هالك كل من يحفى وينتعل.
وسبب٢ ذلك أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتصال بالمعمول فيه، واتصال المفتوحة باسمها وخبرها اتصالان: أحدهما اتصال العامل بالمعمول، والآخر اتصال الصلة بالموصول. [١١١و] .
ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلة لها؟ فلما قوي مع الفتح اتصال أن بما بعدها لم يكن لها بد من اسم مقدر محذوف تعمل فيه، ولما ضعف٣ اتصال المكسورة بما بعدها جاز إذا خففت أن تفارق العمل وتخلص حرف ابتداء، ولا يجوز أن تكون "أنْ" هنا بمنزلة أي للعبارة، كالتي في قول الله سبحانه: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٤، معناه أي: امشوا. قال سيبويه: لأنها لا تأتي إلا بعد كلام تام، وقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ كلام تام، وليست "الخامسة" وحدها كلاما تاما فتكون "أن" بمعنى "أي"، ولا تكون "أن" هنا زائدة كالتي في قوله:
ويوْمًا تُوَافِينا بوجْه مُقَسَّمٍ كَأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إلَى وارِقِ السَّلَمْ٥
لأن معناه والخامسة أن الحال كذلك، يدل على ذلك قراءة الكافة: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ وأن ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾ .
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وحُميد ويعقوب وسفيان الثوري٦ وعَمرة بنت
_________________
(١) ١ انظر المحتسب: ١: ٣٠٨. ٢ سقطت "سبب" في ك. ٣ في ك: ضعفت، وهو تحريف. ٤ سورة ص: ٦. ٥ انظر المحتسب: ١: ٣٠٨. ٦ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي الإمام الكبير، أحد الأعلام. ولد سنة ٩٧ على الصحيح. وروى القراءة عرضا عن حمزة بن حبيب الزيات، وروى عن عاصم والأعمش حروفا. وروى الحروف عنه عبيد الله بن موسى. توفي بالبصرة سنة ١٦١. طبقات ابن الجزري: ١: ٣٠٨.
[ ٢ / ١٠٣ ]
عبد الرحمن١ وابن قُطَيبٍ: "كُبْرَهُ٢"، بضم الكاف.
قال أبو الفتح: من قرأ كذلك أراد عُظْمَهُ، ومن كسر فقال: "كِبْرَهُ" أراد وزره وإثمه.
قال قيس بن الخطيم:
تَنَامُ عنْ كُبْر شَأْنِهَا فَإذَا قَامَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْغَرِفُ٣
أي عن معظم شأنها.
ومن ذلك قراءة عائشة وابن عباس ﵄ وابن يعمر وعثمان الثقفي: "إِذْ تَلِقُونَهُ"٤.
وقرأ: "إِذْ تُلْقُونَهُ"-من ألقيت- ابن السَّمَيْفَع.
وقرأ: "إِذْ تَتَقَفَّوْنَهُ" أُمُّ ابن عيينة. قال ابن عيينة: سمعت أمي تقرأ كذلك، وكانت على قراءة عبد الله.
وروي أيضا عن ابن عيينة قال: سمعت أمي تقرأ: "إذْ تَثَقَّفُونه"، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله.
وقراءة الناس: ﴿إذ تَلَقَّوْنَهُ﴾ .
قال أبو الفتح: أما "تَلِقُونَهُ" فتسرعون فيه، وتَخِفُّون إليه. قال الزاجر:
جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ٥
_________________
(١) ١ هي عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، تزوجها عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد، فولدت له محمد بن عبد الرحمنن وهو أبو الرجال، روى عنها الزهري وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما، وروت عن عائشة وأم سلمة وكانت عالمة، وكانت هي أخواتها في حجر عائشة. طبقات ابن سعد: ٨: ٤٨٠. ٢ سورة النور: ١١. ٣ تنغرف: تتثنى، وتنقصف. وانظر الأغاني: ٢: ٦١، واللسان "غرف". ٤ سورة النور: ١٥. ٥ للقلاخ بن حزن النقري يهجو الجليد الكلابي. وقبله: أن الجليد زلق زملق وبعده: مجوع البطن كلابي الخلق ويروى "الحصين" مكان "الجليد" خطأ والزلق: السريع الغضب. والزملق: الخفيف الطائش. وانظر اللسان "زلق"، و"زملق"، والخصائص: ١: ٩.
[ ٢ / ١٠٤ ]
أي تخِف وتسرع، وأصله تَلِقُون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١، أي: من قومه: والهاءُ٢ ضمير الإفك الذي تقدم ذكره.
وأما "تُلْقُونَهُ" فمعناه تُلْقُونَهُ من أفواهكم، وأما "تَتَقَفَّوْنَهُ" فتجمعونه وتَحْطِبُونَهُ من عند أنفسكم، ولا أصل له عند الله تعالى٣. وعليه القراءة الأخرى "تَثَقَّفُونَهُ" من ثَقِفْتُ الشيءُ، إذا طلبتَه فأدركتَه، أي تتصيدون الكلام في الإفك من هنا ومن هنا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وعيسى الهمداني وعيسى الثقفي، ورويت عن عاصم والأعمش أيضا: "ما زَكا"٤، بالإمالة.
قال أبو الفتح: من الواو، لقولهم فيه: زكوت تزكو فأميلت ألفه، فإن كانت من الواو من حيث كان فعلا، والأفعال أقعد في الاعتلال من الأسماء من حيث كانت كثيرة التصرف، وله وضعت، والإمالة ضرب من التصرف٥، ولو كان اسما لم تحسن إمالته حسْنَها في الفعل؛ وذلك نحو العَفَا: ولد الحمار الوحشي، والسَّنَا: الذي يأتي من مكة. وقد تقدم نحو هذا، فهذا مثال يقاس به بإذن الله.
ومن ذلك قراءة علي والأعرج وعمرو بن عبيد وسلام: "خُطُؤاتِ"٦ بالهمز.
وقرأ: "خَطَوَات" أبو السمَّال.
قال أبو الفتح: [١١١] ظ قد تقدم القول على ذلك فيما مضى٧.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٥٥. ٢ أي من "تلقونه". ٣ سقطت "تعالى" في ك. ٤ سورة النور: ٢١. ٥ حذف جواب "أن" للعلم به من فحوى الكلام. ٦ من الآية السابقة. ٧ انظر الصفحة: ١١٧ من الجزء الأول.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ومن ذلك قراءة عباس١ بن عياش بن أبي ربيعة وأبي جعفر وزيد بن أسلم: "يَتَأَلّ"٢ يَتَفَعَّلُ.
قال أبو الفتح: تأَلَّيْتُ على كذا إذا حلفتُ، والألْوَةُ والإلْوَةُ والأُلْوَةُ والأَلِيَّةُ: اليمين.
أنشد الأصمعي:
عَجَّاجَةً هَجّاجَةَ تأَلَّى لَأُصْبِحَنَّ الأَحْقَرَ الأَذَلَّا٣
أي: ولا يحلف أُولُو الفضل منكم والسعة ألا يؤتوا أُولي القربى. ومن قرأ: "وَلا يَأْتَلِ" فمعناه: ولا يقصر، وهو يفتعل من قولهم: ما ألَوْتُ في كذا أي: ما قصرت.
ومن ذلك ما يروى عن النبي ﷺ: "وَلْتَعْفُوا وَلْتَصْفَحُوا"٤ بالتاء وروي عنه بالياء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالتاء كالأخرى المأثورة عنه ﵇: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"٥، وقد ذكرنا ذلك وأنه هو الأصل، إلا أنه أصل مرفوض٦ استغناءً عنه بقولهم: اعفوا واصفحوا وافرحوا، ولا وجه لإعادته.
_________________
(١) ١ عباس بن عياش بن أبي ربيعة روى عن أبيه عياش عن النبي ﷺ في تعظيم مكة. وكان أبوه عياش من السابقين الأولين، وهاجر الهجرتين ثم خدعه أبو جهل إلى أن رجعوه من المدينة إلى مكة فحبسوه، وكان النبي "ﷺ" يدعو له في القنوت كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، وكان يلقب ذا الرمحين. الإصابة: ٣: ٤٧. ٢ من قوله تعالى في سورة النور: "٢٢": ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ .. ٣ قبله. قلت تعلق فيلقا هو جلا وروي في اللسان "عج": "قلب" مكان "قلت" وهو تحريف. وروي "لتصبحن" مكان "لأصبحن". وامرأة فيلق: داهية صخابة. والهوجل من النساء: الواسعة، وقيل: الفاجرة. وعجاجة: وهجاجة: حمقاء. انظر اللسان "فلق، هجل". ٤ في الآية السابقة: ٢٢. ٥ سورة يونس: ٥٨. ٦ انظر الصفحة ٣١٣ من الجزء الأول.
[ ٢ / ١٠٦ ]
ومن ذلك قراءة مجاهد وأبي روق: "يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقُّ"١ رفعا.
قال أبو الفتح: "الحق" هنا وصف الله "سبحانه"، أي: يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم وجاز وصفه "تعالى" بالحق لما في ذلك من المبالغة، حتى كأنه يجعله هو هو على المبالغة، فهو كقولنا٢: رجل خَصْم، وقوم زَوْر، وقوله:
فَهُمْ رِضا وَهُمْ عَدْل٣
وعليه قوله "تعالى": "إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ"٤.
ومن ذلك قول ابن عباس: أخطأ الكاتب، إنما هي "تستأْذنوا"، يعني قوله: "تستأْنسوا"٥
_________________
(١) ١ سورة النور: ٢٥. ٢ في ك: كقولك. ٣ من قول: زهير في مدح هرم بن سنان، والحارث بن عوف: متى يشتجر قوم يقل سرواتهم هم بيننا فهم رضا وهم عدل ويشتجر: يختصم. وسرواتهم: أشرافهم، جمع سراة، مفرد سراة سرى. وهم بيننا: هم الحاكمون بيننا، كما تقول: الله بيني وبينك. الديوان: ١٠٧، واللسان "رضا". ٤ سورة الأنعام: ٦٢. ٥ سورة النور: ٢٧، ولسنا نعرف سببا معقولا يحمل ابن عباس على أن يقول هذا الذي يعزى إليه عن قراءة "تستأنسوا". فالاستئناس لا يناقض الاستئذان، ولكنه يفضي إليه. قال الزمخشري في الكشاف يفسره، ويذكر صلته بالاستئذان: فيه وجهان: أحدهما أنه من الاستنئاس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى حتى يؤذن لكم.. وهذا من باب الكناية والإرداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن. والثاني: أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف، استفعال من أنس الشيء: إذا أبصره ظاهرا مكشوفا. والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال.. ونعتقد أنه لو وقع حقا هذا الخطأ ما قنع ابن عباس في تداركه بذكره والتنبيه عليه، يأبي عليه دينه وحكمته وإخلاصه لربه إلا أن يحق الحق فيه ويحمل الناس عليه. فهو بلا ريب يعلم أن الاكتفاء بمجرد القول في أمره حقيق أن يفتح باب الشك في سلامة نص القرآن الكريم. ولا ندري بعد ذلك كله كيف عزب عن أئمة القراء علم هذا الخطأ، وهم المنقطعون لتلقي القرآن عن صاحب الرسالة وتعليمه للناس طبقة بعد طبقة، ولا كيف سكتوا عنه إذا كانوا قد علموه، بل كيف تداعوا إلى القراءة به حتى بلغ حد التواتر، وتركوا القراءة بما هو الصواب فلم يقرأ به إلا قليل؟ =
[ ٢ / ١٠٧ ]
وكذلك يروى عن بعد الله، وروي عن أُبَيّ: "حَتَّى تُسَلِّمُوا أو تَسْتَأْذِنُوا"، وكذلك قرأ ابن عباس.
قال أبو الفتح: "تَسْتَأْنِسُوا" هنا معناه تطلبوا وتلتمسوا الأنس، كما أن "تستأذنوا" إنما معناه تطلبوا الإذن. فأما قولهم: قد استأنست بفلان فليس من هذا، إنما ذاك معناه أنست به، وليس المراد فيه طلبت الأنس منه. وأنس في هذا واستأنس كسخر واستسخر، وهزئ واستهزأ، وعجب واستعجب، وقر واستقر، وعلا واستعلى. قال أوس بن حجر:
وَمُسْتَعْجِب مِمّا يَرَى منْ أناتِنَا ولَو زَبَنَتْهُ الحربُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ١
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: "مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهنّ غَفُورٌ رَحِيمٌ"٢.
قال أبو الفتح: اللام في "لهن" متعلقة بـ"غفور"؛ لأنها أدنى إليها، ولأن فعولا أقعد في التعدي من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة بـ"رحيم"؛ وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى بحرف الجر، ألا تراك تقول: هذا مارٌّ بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل وهو لما مضى؛ لأن هناك حرف الجر، وإن كنت لا تعديه فتنصب به وهو لما مضى؟ فكذلك يجوز تعلق اللام في "لهن" بنفس "رحيم"، وإن كنت لا تجيز: هذا رحيم زيدا، على مذهب الجماعة غير سيبويه ولأجل اللام في "لهن".
فإن قلت: فإذا كانت اللام في "لهن" متعلقة بـ"رحيم" وإنما يجوز أن [١١٢و] يقع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل أَفَتُقَدِّمُ "رحيما" على "غفور" وهو تابع له؟
قيل: اتباعه إياه لفظا لا يمنع من جواز تقديم رحيم على غفور؛ وذلك أنهما جميعا خبران لـ "إنّ"، وجاز تقدم أحد الخبرين على صاحبه؛ فتقول: هذا حلو حامض، ويجوز: هذا حامض حلو. فلك إذًا أن تقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم، وإن شئت رحيم غفور.
_________________
(١) ١ ويقول الفخر الرازي في تفسيره "٦: ٣٧٠": واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر؛ لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر، وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل. ويرى أبو حيان في البحر "٦: ٤٤٥" أن من روى هذا عن ابن عباس فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس بريء من هذا القول. ١ لم يترمرم: لم يحرك فاه للكلام. وانظر الصحاح؛ واللسان "رمم". ٢ سورة النور: ٣٣.
[ ٢ / ١٠٨ ]
ويحسِّن ذلك هنا أيضا شيء آخر، وهو أن الرحمة كأنها أسبق رتبة من المغفرة؛ وذلك أنه "سبحانه" إنما يرحم فيغفر، فكأن رتبة الرحمة أسبق في النفس من رتبة المغفرة؛ فلذلك جاز، بل حسن تعليق اللام في "لهن" بنفس "رحيم" وإن كان بعيدا عنها؛ لما ذكرناه من كون الرحمة سببا١ للمغفرة. فإذا كانت في الرتبة قبلها معنًى حسن أن تكون قبلها لفظا أيضا.
فإن جعلت "رحيم" صفة لـ"غفور" لم يجز أن تعلِّق في٢ "لهن" بنفس "رحيم"؛ لامتناع تقدم الصفة على موصوفها. وإذا لم يجز أن يُنوى تقديمها عليه لم يجز أن تضع ما تعلق بها قبله لأنه إنما يجوز أن يقع المعمول بحيث يجوز أن يقع العامل فيه، وأنت إذا جعلت رحيما صفة لـ"غفور" لم يجز أن تقدمه عليه؛ لامتناع جواز تقدم الصفة على موصوفها إذا كانت حالة منه محل آخر أجزاء الكلمة من أولهما، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم: "فِي زَجَاجَةٍ الزَّجَاجَةُ"٣ بفتح الزاي فيهما.
قال أبو الفتح: فيها ثلاث لغات: زَجَاجَة، وزُجَاجَة، وَزِجَاجَة: بالفتح، والضم، والكسر. وفي الجمع زَجَاج، وزُجاج، وزِجاج: كنَعامة، ونَعام، ورُقاقة ورقُاق، وعِمامة وعِمام. حكى بعضهم: وضعوا عِمامَهُم عن رءوسِهم، يريد: عمائمهم. فقد يكون كزِجاجة وزِجاج، ويجوز أيضا أن يكون جمعا مكسران كظريف وظِراف، ودرع دِلاص٤ وأدرُع دِلاص، وناقة هِجان٥ وأينُق هِجَان.
ويدل على أنه تكسير -وليس كَجُنُب مما يقع للواحد فما فوقه بلفظ واحد -قولهم: هِجانان، وكذلك أيضا زَجاج جمع زَجاجة وزِجاجة وزُجاجة تكسير الجمع على ما مضى لا على
_________________
(١) ١ في ك: سبب المغفرة. ٢ كذا في نسختي الأصل ولا محل لها هنا. ٣ سورة النور: ٣٥. ٤ درع دلاص: ملساء لينة. ٥ ناقة هجان: بيضاء.
[ ٢ / ١٠٩ ]
الجمع بطرح الهاء. ونظير عِمامة وعِمام - إذا لم تجعله تكسيرا، وجعلته جمعا بحذف التاء وإن لم يكن جنسا وكان مصنوعا- قولهم: سفينة وسَفِين، ودواة ودَوًى، وغاية وغايٌ. وراية ورايٌ، وثاية١ وثايٌ، وطاية وطايٌ.
ومن ذلك قراءة قتادة والضحاك: "كَوْكَبٌ دَرِّيٌ٣"، مخففة.
وقرأ: "دَرِّيءٌ"، مفتوحة الدال، مشددة الراء، مهموزة - سعيد بن المسيب، ونصر بن علي، وأبو رجاء، وأبان بن عثمان٤، وقتادة، وعمرو بن فائد.
قال أبو الفتح: الغريب من هذا "دَرِّيءٌ"، بفتح الدال، وتشديد الراء، والهمز. وذلك لأن٥ فَعِّيلا بالفتح وتشديد العين عزيز، إنما حكي منه: السَّكِّينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب القول على [١١٢ظ] الدُّرِّيّ وما فيه من الصنعة، شيئا على شيء، وبسطناه٦ هناك.
ومن ذلك قراءة السملي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة: "يَوَقَّدُ"٧ وثلاثة أوجه٨ في السبعة، وفيه خامسة: "يُوَقَّدُ" برفع الياء، وبنصب الواو والقاف، وبرفع الدال٩.
_________________
(١) ١ الثاية: مأوى الإبل، عازبة؛ أو حول البيت. ٢ الطاية: السطح. ٣ سورة النور: ٣٥. ٤ هو أبان بن عثمان بن عفان الأموي أبو سعيد، أو أبو عبد الله المدني. روى عن أبيه وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه عبد الرحمن والزهري. وكان يقال: فقهاء المدينة عشرة، منهم أبان. وكان ثقة. مات سنة ١٠٥. والخلاصة: ١٣. ٥ في ك: أن. ٦ الظاهر أنه يريد الكلام على ذرية، وانظر الصفحة ١٥٦ من الجزء الأول. ٧ من الآية ٣٥ السابقة. ٨ هي: "١" "يُوقَدُ"، بضم الياء، وسكون الواو، وفتح القاف مخففة، ورفع الدال، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص "٢" و"تَوَقَّدَ"، بفتح الأحرف الأربعة، مع تشديد القاف، فعلا ماضيا، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو "٣" "وتُوقَدُ"، بضم التاء، وسكون الواو، وفتح القاف مخففة، ورفع الدال، وهي قراءة حمزة والكسائي. وانظر الإتحاف: ١٩٩. ٩ سقطت في ك.
[ ٢ / ١١٠ ]
قال أبو الفتح: المشكل من هذا "يَوَقَّدُ"؛ وذلك أن أصله يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة. والعرف في هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو "تَفَكَّرُون" و"تَذَكّرُون"، والأصل تتفكرون وتتذكرون؛ فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف الثاني منهما طلبا للخفة بذلك. وليس في يتوقد مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبه حرف مضارعة بحرف مضارعة، أعني شبه الياء في يتوقد بالتاء الأولى في تتوقد؛ إذ كانا زائدين، كما شبهت التاء والنون في تَعِد ونَعِد بالياء في يَعِد، فحذفت الواو معهما كما حذفت مع الياء في يعد.
وقياس من قال: "يَوَقَّد" -على ما مضى- أن يقول أيضا: أنا أَوَقَّدُ، ونحن نَوَقَّدُ؛ فتشبه النون والهمزة بالتاء، كما شبه الياء بها فيما مضى.
ونحو من هذا قراءة من قرأ: "نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ"١، وهو يريد: نُنْجِي المؤمنين؛ فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها -لاجتماع المثلين- بالزائدة. فهذا تشبيه أصل بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف مضارعة، لا لاتفاق اللفظين، بل٢ لأنهما جميعا زائدان.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "ولَوْ لَمْ يَمْسَسْهُ نارٌ"٣، بالياء.
قال أبو الفتح: هذا حسن مستقيم؛ وذلك لأن هناك شيئين حسنا التذكير هنا: أحدهما الفصل بالهاء، والآخر أن التأنيث ليس بحقيقي. فهو نظير قول الله "سبحانه": ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ٤، بل إذا جاز تذكير فعل "الصيحة" مع أن فيها علامة تأنيث فهو من النار التي لا علامة تأنيث فيها أمثل.
فأما قولهم: نعم المرأة هند بالتذكير فإنما جاز -وإن كان التأنيث حقيقيا، ولا فصل هناك- من قبل أن المرأة هنا ليست مقصودا قصدها، وإنما هي جنس؛ لأنها فاعل نعم، والأجناس عندنا إلى الشياع والتنكير.
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٠٣. ٢ سقطت "بل" في ك. ٣ سورة النور: ٣٥. ٤ سورة هود: ٦٧.
[ ٢ / ١١١ ]
أما ما رُوِّينا من قول جِران العود:
ألا لَا يَغُرَّنَّ امْرَأً نَوْفَلِيَّةٌ عَلَى الرَّأْسِ بَعْدِي أَوْ تَرَائِبُ وُضَّحُ١
فإن النوفلية هنا ليست امرأة، وإنما هي مِشْطَة تعرف بالنوفلية.
وأما قوله:
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا٢
ففيه شيئان يُؤنّسان، وواحد يُوحش منه.
أما المؤنسان فأحدهما أنه تأنيثٌ لفظي لا حقيقي، والآخر أنه لا علامة تأنيث في لفظه. وأما الموحش فهو أن الفاعل مضمرٌ، وإذا أضمر الفاعلُ في فعله وكان الفاعل مؤنثا لم يحسن تذكير فعله حُسْنَه إذا كان مظهرا؛ وذلك أن قولك: قام هند أعذر من قولك: هند قام، من قبل أن الفعل٣ منصبغ [١١٣و] بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه٤ به إذا كان مظهرا بعده. فقام هند -على صبغة- أقرب مأخذا من هند قام لما ذكرناه؛ وذلك أنك إذا قلت: قام فإلى أن تقول: هند فاللفظ الأول مقبول غير ممجوج؛ لأن الفعل أصل وضعه على التذكير فإذا قلت: هند قام فالتذكير الآتي من بعده مخالف للتأنيث السابق فيما قبل، فالنفس تعافه لأول استماعه. وقولك: قام هند، النفس تقبل تذكير الفعل أول استماعه إلى أن يأتي التأنيث فيما بعد. وقد سبق تذكير الفعل على لفظ غير مأبي ولا مرذول، ورد الغائب ليس كاستئناف الحاضر، فذلك فرق.
_________________
(١) ١ روي "والترائب" مكان "أو ترائب".. ونقل اللسان عن التهذيب أن النوفلية: شيء يتخذه نساء الأعراب من صوف يكون في غلظ أقل من الساعد، ثم يحشى ويعطف، فتضعه المرأة على رأسها، ثم تختمر عليه. اللسان "نفل"، والخصائص: ٢: ٤١٤. ٢ لعامر بن جوين الطائي، من الخلعاء الفتاك. وقبله. فلا مزنة ودقت ودقها والمزنة: السحابة. وودقت: أمطر. وأبقلت الأرض: نبت بقلها. والبقل: ما ينبت في بزره، لا في أصل ثابت. وانظر الكتاب: ١: ٢٤٠، والخزانة: ١: ٢١ وما بعدها. ٣ في ك: للفعل، وهو تحريف. ٤ في ك: صبغة، وهو تحريف.
[ ٢ / ١١٢ ]
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير وأبي مجلز: "والإيصَالِ"١.
قال أبو الفتح: يريد وقت الإيصال، وهو قبل الغروب. وقد مضى القول عليه٢.
ومن ذلك ما حكاه عبد الله بن إبراهيم العمّي الأفطس، قال: سمعت مسلمة يقرأ: "كَسَرَابٍ بِقِيعَات"٣، بالألف.
قال أبو الفتح: كذلك في كتاب ابن مجاهد: "بِقيِعَاةٍ"، بالهاء بعد الألف. والذي قاله جائز؛ وذلك أن نظير قولهم: قِيعَةٌ وقِيعَاةٌ في أنه فِعْلَة وفِعْلَاة لمعنى واحد قولهم: رَجل عِزْهٌ وعِزْهَاةٌ: الذي لا يقرب النساء واللهو، فهذا فِعْلٌ وفِعْلَاة، وذلك فِعْلَة وفِعْلَاة، ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به.
وقد يجوز أن يكون قيعات بالتاء جمع قِيعَة، كدِيمة ودِيمات، وقِيمة وقِيمات. وأما قيعة فيكون واحدا كديمة ويجوز أن يكون جمع قاع، كَنارٍ ونِيرَة -جاء في شعر الأسود -وجارٍ وجِيرَة. ومثله من الصحيح العين وَلَدٌ ووِلْدٌة، وأخٌ وإِخْوَة؛ لأن أخا عندنا فَعَل.
ووجه ثالث، وهو أن يكون أراد "بِقِيعة"، فأشبع فتحة العين، فأنشأ عنها ألفا، فقال: "بقيعاة". ونظيره قول ابن هرمة يرثي ابنه:
فأنْتَ مِنَ الغوائِلِ حِينَ تُرْمَى ومِنْ ذمّ الرِّجالِ بِمُنتَزَاحِ٤
أراد بمنتزح، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا، وقد تقصينا ذلك فيما مضى، فإذا أراد بالقيعات الجمع فهو كقول الآخر:
كأنَّ بالقيعاتِ مِنْ رُغَاهَا مِمَّا نَفَى بالليلِ حَالِبَاهَا
أَمْنَاءُ قُطْن جَدَّ حَالِجَاهَا٥
_________________
(١) ١ سورة النور: ٣٦. ٢ انظر الصفحة ٢٠٧ من الجزء الأول. ٣ سورة النور: ٣٩. ٤ المحتسب: ١: ١٦٦. ٥ الأمناء: جمع منا، وهو ميزان. يشبه ما تفرق في القيعات من رغوة لبنها بقطع منثورة من القطن جد حالجها في نثرها.
[ ٢ / ١١٣ ]
يريد ما جرى من رغوة لبنها في القيعات١، وهو كثير كقولهم: أرض قِفارٌ ومُحُول وسباسِبُ٢، مما بُولغ فيه بذكر الجمع.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مُصّرِّف: "سَنَاءُ بَرْقِهِ"٣.
قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوء برقه. وأما "سناء برقه" فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة في قوة ضوئه وصفائه، فأطلق عليه لفظ الشرف. كقولك: هذا ضوء كريم، أي: هو غاية في قوته وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفًا٤ [١١٣ظ]
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "يُذْهِبُ"٥، بضم الياء.
قال أبو الفتح: الباء زائدة، أي يذهِبُ الأبصار. ومثله في زيادة الباء في نحو هذا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٦، وقول الهذلي:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُحَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ٧
أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، أي: في لجج البحر.
_________________
(١) ١ في ك: بالقيعات. ٢ جمع سبسب، وهو الأرض المستوية. ٣ سورة النور: ٤٣. ٤ في ك: شريفا كريما. ٥ سورة النور: ٤٣. ٦ سورة البقرة: ١٩٥. ٧ البيت لأبي كبير. وروي "تروت" مكان "شربن"، و"تنصبت" مكان "ترفعت"، و"على حبشيات" مكان "متى لجج خضر"، وتنصبت: ارتفعت. وحبشيات: أراد بها سحائب سودا. ومتى: من، في لغة هذيل. وضمير "شربن" للحناتم في قوله: سقى أم عمرو كل آخر ليلة حناتم سودا ماؤهن ثجيج والحناتم: الجرار الخضر في الأصل، يشبه بها السحائب والواحد حنتم. وثجيج: سائل. وانظر ديوان الهذليين: ١: ٥١، والخزانة:: ٣: ١٩٣، ١٩٤، واللسان "ثجج، حنتم"، ومغني اللبيب: ٢: ٢٠.
[ ٢ / ١١٤ ]
والمفعول محذوف، معناه شربن الماء في جملة ماء البحر. وفي هذا التأويل ضرب من الإطالة والبعد، واعلم منْ بعدُ أن هذه الباء إنما تزاد في هذا النحو كقوله: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ لتوكيد معنى التعدي. كما زيدت اللام لتوكيد معنى الإضافة في قولهم:
يا بُؤسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّارًا لِأَقْوَامِ١
وكما زيدت الياءان لتوكيد معنى الصفة في أَشقريٌّ ودَوَّارِيٌّ وكَلَّابِيٌّ٢، وكما زيدت التاء لتوكيد معنى التأنيث في فَرَسَة وعَجُوزَة، فاعرف ذلك، ولا ترين الباء في: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾ مزيدة زيادة ساذجة. وإن شئت حملته على المعنى. حتى كأنه قال: يكاد سنى برقه يلْوِي بالأبصار أو يستأثر بالأبصار على ما مضى من قوله "تعالى": ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٣.
ومن ذلك قراءة علي ﵇ والحسن بخلاف، وابن أبي إسحاق: "إِنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ"٤، بالرفع.
قال أبو الفتح: أقوى القراءتين إعرابا ما عليه الجماعة من نصب "القول" وذلك أن في شرط اسم كان وخبرها أن يكون اسمها أعرف من خبرها، وقوله "تعالى" ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أعرف من قول المؤمنين؛ وذلك لشبه "أنْ" وصلتها بالمضمر من حيث كان لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف من قول المؤمنين؛ فلذلك اختارت الجماعة أن تكون "أنْ" وصلتها اسم كان. ومثله ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ٥ أي: إلا قولُهم على ما مضى فأما قولهم:
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٥١ من الجزء الأول. ٢ من قول العجاج: والدهر بالإنسان دوارى وقوله أيضا: غضف طواها الأمس كلابي وانظر الصفحتين: ٣١٠، ٣١١ من الجزء الأول. ٣ سورة البقرة: ١٨٧. ٤ سورة النور: ٥١. ٥ سورة الأعراف: ٨٢.
[ ٢ / ١١٥ ]
وَقَدْ عَلِمَ الأقْوَامُ ما كانَ دَاءَهَا بِشَهْلَانَ إلَّا الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُهَا١
وأنه إنما اختير فيه رفع "الخزي" وإن كان مظهرا ومعرفة، كما أن داءها مظهر ومعرفة من حيث٢ أذكره لك، وذلك أن "إلا" إذا باشرت شيئا بعدها فإنما جيء٣ به لتثبيته وتوكيد معناه، وذلك كقولك: ما كان زيد إلا قائما، فزيد غير محتاج إلى تثبيته، وإنما يثبت له القيام دون غيره. فإذا قلت: ما كان قائما إلا زيد، فهناك قيام لا محالة، فإنما أنت نافٍ أن يكون صاحبه غير زيد، فعلى هذا جاء قوله: ما كان داءها بشهلان إلا الخزيُ برفع "الخزيُ"، وذلك أنه قد كان شاع وتُعُولِمَ أن هناك داء، وأنما أراد أن يثبت أن هذا الداء الذي لا شك في كونه ووقوعه لم يكن جانيَه ومسببَه إلا الخزيُ ممن يقودها، فهذا أمرٌ الإعرابُ فيه تابعٌ لمعناه ومحذوّ على الغرض المراد فيه. وأما قوله:
وليس الذي يجري من العينِ ماءَها ولكِنَّها نَفْسٌ تَذُوبُ فتقْطُرُ٤ [١١٤و]
ويروى: "ولكنه" فالوجه فيه نصب الماء، وذلك أنه رأى ماء يجري من العين فاستكثره واستنكره، فقال: ليس هذا الذي أراه جاريًا من العين ماءً للعين، وإنما هو هكذا وشيء غير مائها٥. هذا هو الذي عناه فعبر عنه بما تراه، ولم يعنه الإخبار عن ماء العين فيخبر عنه بأنه هذا الشيء الجاري من العين؛ فذلك اختار نصب الماء، ولو رفعه لجاز؛ لأنه كان يعود إلى هذا المعنى، لكنه كان يعود بعد تعب به، ومسامحة فيه، وعلاج يريد حمله عليه.
ومن ذلك قراءة قتادة: "أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مِفْتَاحَهُ"٦، مكسورة الميم بألف.
قال أبو الفتح: "مِفْتَاحَهُ" هنا جنس وإن كان مضافا، فقد جاء ذلك عنهم، منه قولهم: قد مَنَعَتِ العراقُ قفيزَها ودِرْهَمَهَا، ومنعْتْ مِصْرُ إِرْدَبَّها، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى٧.
_________________
(١) ١ يصف كتيبة هزمت لجبن قائدها. وانظر الكتاب: ١: ٢٤. ٢ حذف الجواب "فأما" للعلم به، أي: فيتبين مثلا. ٣ سقطت "جيء به" في ك. ٤ لأبي حية النميري. ويروى "دمعها" مكان "ماءها". وانظر سمط اللآلي: ٢٦٥. ٥ في ك: ما بها، وهو تحريف. ٦ سورة النور: ٦١. ٧ انظر الصفحة ٨٧ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١١٦ ]