بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الحسن واليزيدي والثقفي وأبو حيوة: "خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ١"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ حينئذ٢ حال أخرى قبلها، أي: إذا وقعت الواقعة، صادقة الواقعة، خافضة، رافعة. فهذه الثلاث أحوال، أولاهن الجملة التي هي قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، ومثله: مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتي بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك لجاز٣ وحسن، كما لك أن تأتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، جميل، جواد، فارس، بصري٤، بزاز، ونحو ذلك.
ألا ترى أن الحال زيادة في الخير، وضرب منه؟ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن يقول: لولا هند جالسة لقمت ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن تستعمل فيه [١٥٦و] الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها في لذلك.
والعامل في "إذا" محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك ويجوز أن تكون "إذا" الثانية، وهي قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ٥﴾ خبرا عن "إذا" الأولى، ونظيره: إذا تزورني إلا يقوم زيد، أي: وقت زيارتك
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: ٣. ٢ ساقطة في ك. ٣ قرن جواب أن باللام، كأنه يحملها على لو، ولا نعرف لهذا سندا وليس بالكلام إليه حاجة. وفي حاشية الأمير على المغني "١: ٨٤": اقتران جواب "أن" باللام غير عربي، وهو كثير في كلام المؤلفين، حملا لأن على لو. ٤ في ك: مصري. ٥ سورة الواقعة: ٤.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
إياي وقت قيام زيد. وجاز لـ"إذا" أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف جر عن الظرفية١ كقوله:
حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها٢
وقال الله "سبحانه": ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ٣﴾، إذا مجرورة عند أبي الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى.
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق: "وَلا يُنْزِفُون٤"، بفتح الياء، وكسر الزاي.
قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر - ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشيء: إذا أفنيته، قال:
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا٥
وقال العجاج:
وأنزف العبرة من لا في العبر٦
وقال:
أيام لا أحسب شيئا منزفا٧
أي: فانيا، فكأنه "سبحانه" قال: "لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ عقولهم" كما ينزف ماء البئر. والنزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد.
_________________
(١) ١ بحرف الجر: أي بدخوله عليها. ٢ انظر الصفحة ٢٣٣ من هذا الجزء. ٣ سورة يونس: ٢٢. ٤ سورة الواقعة: ١٩. ٥ البيت للأبيرد، وأبجر: هو أبجر بن جابر العجلي. انظر الصحاح واللسان "نزف". ٦ من أرجوزة في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر. وانظر الديوان: ١٦، والصحاح واللسان "نزف". ٧ للعجاج أيضا في مفرادت ديوانه: ٨٢، ويروى "ازمان" مكان "أيام". وقبله: وقد أراني بالديار مترفا وانظر الصحاح واللسان "نزف".
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب وابن مسعود: "وَحُورًا عِينًا١".
قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أي: ويؤتون، أو يزوجون حورا عينا، كما قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ٢﴾، وهو كثير في القرآن والشعر.
ومن ذلك قرأ: "إِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا٣ إنا"، على الخبر كلاهما بلا استفهام.
قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا نظرت إلي مت منك فرقا، وإذا سألتك جممت لي بحرا، أي: الأمر بخلاف ذلك، وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودل قوله: ﴿إِنَّا لَمَبْعُوثُون﴾ على بعثنا ولا يجوز أن يعمل فيه "مبعوثون" لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها.
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "فَلأقْسِم"، بغير ألف.
قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أي: لأنا أقسم، فدل على ذلك أن جميع ما في القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد الأقسام، كقوله "سبحانه": ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون ٥﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ٦﴾، وكذلك حملت "لا" على الزيادة في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، ونحوه. نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمن، وحذف هذه النون هنا ضعيف جدا.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: ٢٢. ٢ من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ . سورة الدخان: ٥٤. ٣ سورة الواقعة: ٤٧. ٣ سورة الواقعة: ٧٥. ٤ سورة التين: ١. ٦ سورة الشمس: ١.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس -ورويت عن النبي "ﷺ"-: "وَتَجْعَلُونَ شكركم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ١".
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أي: تفعلون بدل شكركم [١٥٦ظ] ومكان شكركم التكذيب ومثله قول العجاج:
ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا٢
أي: كان مكان جزائي الجلد بالعصا
ومن ذلك قراءة النبي "ﷺ وابن عباس وقتادة والحسن والضحاك والأشهب ونوح٣ القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمي والربيع بن خثيم٤ وأبي عمران الجوني وأبي جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: "فَرَوْح"، بضم الراء.
قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فمسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: ٨٢. ٢ يروى بين بيتي الشاهد: وآض نهدا كالحصان أجردا وتمعدد الغلام: شب وغلظ. وآض: صار وتهدا: جسيما جهيرا، من قولهم: فرس نهد، أي: جميل جسيم. والأجرد من الخيل: السباق. وانظر الديوان: ٧٦، وشواهد الشافية: ٢٨٥، واللسان "معد". ٣ قال ابن الجزري: ذكره الحافظ أبو عمرو، وقال: قال محمد بن الحسن النقاش: ثم كان بعد أبي عمرو بن العلاء -يعني من رواة الحروف المتصدرين -نوح القارئ، وذكر جماعة. طبقات القراء: ٢: ٣٤٣. ٤ هو الربيع بن خثيم أبو يزيد الكوفي الثوري، تابعي جليل. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، آخذ القراءة عن عبد الله بن مسعود، وعرض عليه أبو زرعة بن عمرو بن جرير. قال له عبد اله بن مسعود: لو رآك محمد -ﷺ- لأحبك. وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. مات في ولاية عبيد الله بن زياد، يعنى قبل سنة تسعين للهجرة. طبقات القراء لابن الجزري: ١: ٢٨٣.
[ ٢ / ٣١٠ ]