بسم الله الرحمن الرحيم
قد ذكرنا ما في ذُرِّيَّة١ وذَرِّيَّة وذِرِّيَّة فما مضى من الكتاب٢.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن يزيد٣: "لَتُفْسَدُنَّ٤"، بضم التاء، وفتح السين. وقرأ: "لَتَفْسُدُنَّ"، بفتح التاء، وضم السين والدال -الفعل لهم- عيسى الثقفي.
قال أبو الفتح: إحدى هاتين القراءتين شاهدة للأخرى؛ لأنهم إذا أفسدوا فقد فسدوا.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "﵁": "عَبيدًا لنا٥".
قال أبو الفتح: أكثر اللغة أن تستعمل العبيد للناس والعباد لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ٦﴾، وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُون ٧﴾، وهو كثير. وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ٨﴾ . ومن أبيات الكتاب:
أتُوعِدُني بقومك يابن حَجْل أشاباتٍ يُخَالُون العبادا؟
بما جمَّعْتَ من حضَنٍ وعمرو وما حضَنٌ وعمرو والحِيادا٩؟
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٣. ٢ انظر الصفحة "١٥٦" وما بعدها من الجزء الأول. ٣ هو جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي أبو عبد الله، ويقال: أبو يزيد الكوفي، روى عن أبي الطفيل وعكرمة وعطاء وجماعة، وروى عنه شعبة والثوري وإسرائيل وغيرهم. وكان متهما بالكذب والقول بالرجعة مات سنة ١٢٨، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب: ٢: ٤٦ وما بعدها. ٤ سورة الإسراء: ٤. ٥ سورة الإسراء: ٥. ٦ سورة الحجر: ٤٢. ٧ سورة الزمر: ١٦. ٨ سورة فصلت: ٤٦. ٩ الأشابات: الأخلاط. وهو منصوب على الذم، أو مجرور بدلا من "قومك" وحضن وعمرو قبيلتان. الكتاب: ١: ١٥٣.
[ ٢ / ١٤ ]
أي يُخالون عبيدا، أي مماليك. ويقال: العبادُ قوم من قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يسموا العبيد؛ فقالوا: نحن العباد.
ومن ذلك قراءة أبي السمال: "فَحَاسُوا١"، بالحاء.
قال أبو الفتح: قال أبو زيد، أو غيره: قلت له إنما هو "فَجَاسُوا"، فقال: فَحَاسُوا وجَاسُوا٢ واحد، [٩١ظ] وهذا يدل على أن بعض القراءة يتخير٣ بلا رواية، ولذلك نظائر.
ومن ذلك قراءة أُبيّ بن كعب: "لِنَسُوءًا٤"، بالتنوين.
قال أبو الفتح: لم يذكر أبو حاتم التنوين، لكنه قال: وبلغني أنها في مصحف أُبي، "لِيُسِيءً٥"، بالياء مضمومة بغير واو. فأما التنوين في: "لنَسُوءًا" فطريق القول عليه أن يكون أراد الفاء فحذفها، كما قال في موضع آخر، أي "فَلْنَسُوءًا وُجُوهَكُمْ" على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمُرُ نفسَكَ، ومعناه فلأعطينَّك. واللامان بعده للأمر أيضا، وهما: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَلِيُتَبِّرُوا ٦﴾ . ويقويّ ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره "فَلْنَسُوءًا وُجُوهَكُمْ"، أي فَلْنَسُوءنَّ وُجُوهَكُمْ.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "﵇" "آمَرْنَا٧" في وزن عَامَرْنا، واختلف عن ابن عباس والحسن وأبي عمرو وأبي العتاهية وقتادة وابن كثير وعاصم والأعرج، وقرأ بها
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥. ٢ في ك: جاسوا وحاسوا. ٣ في ك: تتخير، والمقرر أن القراءة سنة متبعة، وحروفها مأثورة كلها عن الرسول صلوات الله عليه، وانظر الجزء الأول من المحتسب ص٢٩٦. ٤ سورة الإسراء: ٧. ٥ والفاعل ضمير لفظ الجلالة أو الوعد قبله. البحر: ٦: ١١. ٦ تكملة هذا الجزء من الآية التي الحديث عنها هي: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . ٧ سورة الإسراء: ١٦.
[ ٢ / ١٥ ]
ابن أبي إسحاق وإبو رجاء والثقفي١ وسلام وعبد الله بن أبي يزيد والكلبي٢.
وقرأ "أمَّرْنا" مشددة الميم، ابن عباس بخلاف، وأبو عثمان النهدي، وأبو العالية بخلاف، وأبو جعفر محمد بن علي -بخلاف- والحسن -بخلاف- وأبو عمرو -بخلاف- والسدي وعاصم، بخلاف.
وقرأ: "أَمِرْنا" بكسر الميم، بوزن عَمِرْنا-الحسن ويحيى بن يعمر.
قال أبو الفتح: يقال: أَمِرَ القومُ إذا كثروا، وقد أَمَرَهُم الله أي: كثَّرهم. وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ٣﴾: أي كثيرا، من قول الله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، ومن قولهم: أَمِرَ الشيءُ، إذا كثر. ومنه قولهم: خَيرُ المالِ سكة مأبُورَة، أو مُهْرَةٌ مأمُورة٤. فالسكّةُ الطريقة من النخل، ومأبورة أي: ملقحة٥، ومهرة مأمورة أي: مُكثِرةُ النسل.
وكان يجب أن يقال: مُؤْمَرَة لأنه من آمَرَها الله، لكنه أتبعها قوله: مَأبُورَة، كقولهم: إنه ليأتينا بالغَدَايا والعَشَايا. هذا على قول الجماعة إلا ابن الأعرابي وحده؛ فإنه قال: الغَدَايا جمع غَدِيّة، كما أن العشايا جمع عَشِيّة. ولم يكن يرى أن الغدايا ملحقٌ بقولهم: العَشَايا٦، وأنشد شاهدا لذلك:
ألا ليت حظيّ من زيارة أُمِّيَّهْ غَدِيّاتُ قيظ أو عشيّاتُ أَشْتِيَهْ٧
وقد قالوا أيضا: أمَرَها اللهُ مقصورا خفيفا، بوزن عَمَرَها؛ فيكون مأمُورَة على هذا من هذا، ولا تكون ملحقةً بمأبُورَة.
_________________
(١) ١ هو بشر بن إبراهيم بن حكيم بن الجهم بن عبد الرحمن أبو عمر الثقفي السمري. قرأ على قتيبة، وهو من أجل أصحابه، وروى القراءة عنه يوسف بن جعفر بن معروف النجار وغيره. طبقات القراء لابن الجزري: ١: ١٧٦. ٢ هو محمد بن المالك بن السائب بن بشر من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس ومقدم الناس بعلم الأنساب. توفي بالكوفة سنة ١٤٦. الفهرست: ١٣٩. ٣ سورة الكهف: ٧١. ٤ حديث شريف أورده في الجامع الصغير "٣: ٤٩١" بلفظ: "خيرُ مالِ المرء مهرةٌ مأمورةٌ، أو سكةٌ مأبورةٌ"، وقال: أخرجه أحمد والطبراني، عن سويد بن هبيرة، ورمز إليه بعلامة الصحيح. ٥ في ك: ملحقة، تحريف. ٦ ومفردها على الإلحاق غدوة. ٧ رواه اللسان "غدا"، ونقل أنه إنما أراد غديات قيظ أو عشيات أشتية، لأن غديات القيظ أطول من عشياته، وعشيات الشتاء أطول من غدياته.
[ ٢ / ١٦ ]
وأما "أَمَرَّنَا مُتْرَفِيهَا" فقد يكون منقولا من أمِرَ القومُ أي: كثُروا. كعلِمَ وعلِمْتُه. وسلِمَ وسلمْتُه.
وقد يكون منقولا من أمَرَ الرجل إذا صار أميرا. وأمَرَ علينا فلان: إذ وَلِيَ. وإن شئت كان "أمَّرْنا" كثرنا، وإن شئت من الأمْرِ والإمارة.
فأما "أمِرْنا" فَعِلْنا، بكسر الميم، فأخبرنا أبو إسحاق وإبراهيم بن أحمد القرميسيني عن أبي بكر محمد بن هارون الروباني عن أبي حاتم قال: قال أبو زيد: يقال: أمِرَ اللهُ مالَه وآمَرَه. قال أبو حاتم: ورَوَوْا عن الحسن أن رجلا من المشركين قال للنبي ﷺ: إني أرى أمْرَكَ هذا حقيرًا، فقال ﵇: إنه سَيَأْمَرُ١ [٩٢و] أي ينتشر، قال: وقال أبو عمرو: معنى ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾، أي: أمرناهم بالطاعة، فعصوا. وقال زهير:
والإثمُ من شرِّ ما يصال به والبر كالغيث نبتُه أمِرُ٢
وأنشد أبو زيد، رويناه عنه وعن جماعة غيره:
أمُّ جوارٍ ضنؤها غيرُ أمِرْ صهصلقُ الصوتِ بعينها الصبِرْ٣
وقال لبيد:
إن يُغبَطوا يَهبُطوا وإن أمِرُوا يومًا يصيرُوا للْهُلْكِ والنفدِ٤
ومن٥ بعد فالأمر من أم ر، وهي مُحَادَّةٌ٦ للفظ ع م ر ومساوقة لمعناها٧، لأن الكثرة أقرب شيء إلى العمارة. وما أكثر وأظهر هذا المذهب في هذه اللغة! ومن تنبه عليه حظي بأطرف الطريف، وأظرف الظريف.
_________________
(١) ١ النهاية: ١: ٥١. ٢ يصال به: يفتخر. وأمر: كثير وانظر الديوان: ٣١٥ ٣ روي عيال مكان جوار. والضنء "بفتح الضاد وكسرها": الولد لا مفرد له، وإنما هو من باب نفر ورهط، والجمع ضنوء، الصهصلق: الصخابة الشديدة الصوت. ومنهم من خصه بالعجوز. والصبر عصارة شجرة مرة، والجمع صبور. والنوادر: ١٦٥، واللسان "صهصلق، أمر". ٤ روي يعبطوا مكان يهبطوا، والنكد مكان النفد. يهبطوا: فسرها أبو عمرو بيهلكون. ويقال: هبط المرض لحمه -كنصر- أي: هزله. ويعبطوا: يموتون عبطة، كأنهم يموتون من غير مرض. والنفد: مصدر نفد بمعنى فني وذهب. انظر الديوان: ١٦٠. ٥ في ك: وبعد. ٦ محادة: قريبة مجاورة. ٧ يريد أن "الأمر" مأخوذ من أمر، وأمر قريبة من عمر وعلى شبه منها، وانظر الخصائص: ١: ٥ وما بعدها.
[ ٢ / ١٧ ]
ومن ذلك قراءة أبي السمال: "أُفُّ" مضمومة غير منونة، وقرأ: "أُفَ١" خفيفة -ابن عباس. قال هارون٢ النحوي: ويقرأ: "أَفٌّ"، ولو قرئت "أَفًّا" لكان جائزا، ولكن ليس في الكتاب ألف.
قال أبو الفتح: فيها ثماني لغات: أُفِّ، وأُفٍّ، وأُفَّ، وأُفًّا، وأُفُّ، وأُفٌّ، وأُفى، ممال. وهي التي يقول لها العامة: أُفِّي، بالياء. وأُفْ خفيفة ساكنة.
وأما "أُفَ" خفيفة مفتوحة فقياسها قياس ربَ خفيفة مفتوحة، وكان قياسها إذا خففت أن يسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتحرك، لكنهم بقَّوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة، كما قال: لا أكلمك حِيرِي دهر٣، فأسكن الياء في موضع النصب في غير ضرورة شعر، لأنه أراد التشديد في حيري دهر، فكما أنه لو أدغم الياء الأولى في الثانية لم تكن إلا ساكنة فكذلك إذا حذف الثانية تخفيفا أقر الأولى على سكونها دلالة وتنبيها على إرادة الإدغام الذي لابد معه من سكون الأولى.
هذا هنا كذاك ثمة، وقد مر بنا مما أريد غير ظاهره، فجعل كأنه هو المراد به -كثير نحو من عشرة أشياء، وفي هذا مع ما نحن عليه من الإنجاز وتنكب الإكثار كاف بإذن الله.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما: "جَنَاحَ الذِّلِّ٤".
قال أبو الفتح: الذِّلِّ في الدابة: ضد الصعوبة، والذُّلِّ للإنسان، وهو ضد العز. وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة؛ لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرا مما يحلق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة. ولا تستنكر مثل هذا ولا تنبُ عنه؛ فإنه من عَرَفَ أَنِسَ، ومن جَهِلَ استوحش. وقد مر من هذا ما لا يحصى كثرة.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٣٢، وفي ك: أف "بضمتين على الفاء" وهو تحريف. ٢ لعله هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور العتكي البصري الأزدي مولاهم، كان علامة صدوقا نبيلا، له قراءة معروفة. روى القراءة عن عاصم الجحدري وعاصم بن أبي النجود وغيرهما، وروى القراءة عنه علي بن نصر ويونس بن محمد المؤدب وغيرهما. وكان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألفها وتتبع الشاذ منها، فبحث عن إسناده. قال ابن الجزري: مات هارون -فيما أحسب- قبل المائتين. طبقات القراء: ٢: ٣٤٨. ٣ لا أكلمك حيري دهر: مدة الدهر. ٤ سورة الإسراء: ٢٤.
[ ٢ / ١٨ ]
من ذلك قولهم: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني، فاختاروا البناء للفعل على فَعَل فيما كان لحاسة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فَعِل في حَلِي يحلَى١ لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن [لو كان حس لكان أشبه٢] حصة الناظر أضعف من حس الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جُمامُ المكوك دقيقا٣ وجِمام القدح ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح [٩٢ظ] كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكوك؛ فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقل بل يعدم ارتفاعه.
وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ بالخاء لما يقوَى أثره فيبُل الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت في كتاب الخصائص٤ من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شيء كثير. وقد قال شاعرنا٥:
وكم من عائبٍ قولا صحيحا وآفته من الفهمِ السقيم
ولكن تأخذُ الأذهانُ منه على قدرِ القرائحِ والعلومِ٦
ومن ذلك قراءة الحسن: "خَطَاءً٧"، بخلاف.
وقرأ: "خَطًا" غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة- الحسن، بخلاف.
وقرأ: "خِطًا" -بكسر الخاء غير ممدود- أبو رجاء والزهري.
وقرأ: "خَطْئًا" -في وزن خَطْعًا- ابن عامر، بخلاف.
_________________
(١) ١ في القاموس: وحَلِيَ بعيني وقلبي -كرضي، ودعا- حلاوة وحلوانا، أو حلا في الفم، وحلى بالعين. ٢ ما بين المعقوفين تكملة في هامش الأصل لم يتبين رسمها إلا على هذه الصورة، وهي ساقطة في ك، والعبارة معها وبدونها غير مستقيمة، لكن المراد بها مفهوم كما لا يخفى. ٣ المكوك: مكيال يسع صاعا، أو نصف الويبة، وهي اثنان وعشرون مُدًّا بمد النبي ﷺ، وقيل غير ذلك. وجمامه: ما على رأسه فوق طفافه، أي: ما ملا حروفه. ٤ الخصائص: ٢: ١٥٧ وما بعدها. ٥ هو المتنبي. ٦ روي: الآذان مكان الأذهان، والقريحة مكان القرائح. وانظر الديوان: ٢: ٣٥٧ ٧ سورة الإسراء: ٣١.
[ ٢ / ١٩ ]
قال أبو الفتح: أما "خَطَاءً" فاسم بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأت: إخْطاءً، والخطاءُ من أخطأْت كالعطاء من أعطيْتُ. ويقال: خطِيَ يخطأ خِطْئًا وخَطَأً، هذا في الدين، وأخطأت الغرض ونحوه. وقد يتداخلان فيقال: أخطأتُ في الدينِ، وخَطِئْتُ في الرأي ونحوه. قال:
ذرِيني إنما خطئي وصَوْبِي علي وإن ما أهلكتُ مال١
وقال عبيد:
والناس يلحوْنَ الأميرَ إذا همُ خطِئُوا الصوابَ ولا يُلام المرشد٢
وقال في الدين أمية:
عبادك يخَطَئُون وأنتَ ربٌّ بكفَيْكَ المنايا والحُتُوم٣
وأما "خَطًا" و"خِطًا" فتخفيف خَطْئًا وخِطْئًا على القياس.
ومن ذلك قراءة أبي مسلم٤ صاحب الدولة: "فَلا يُسْرِفُ فِي الْقَتْلِ"٥.
قال أبو الفتح: رفع هذا على لفظ الخبر بمعنى الأمر، كقولهم: يرحمُ الله زيدًا، فهذا لفظ الخبر، ومعناه الدعاء. أي: ليرحَمْهُ اللهُ، ومثله قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ٦﴾، أي: ليتربصْنَ. وإن شئت٧ كان معناه دون الأمر، أي ينبغي ألا يسرفَ، وينبغي أن يتربصْنَ. وعليه قولُه:
_________________
(١) ١ البيت لأوس بن غلفاء. وانظر اللسان "صوب". ٢ وراه اللسان "أمر"، ولم ينسبه. ٣ روى الشطر الثاني: كريم لا تليق بك الذموم والحتوم: جمع حتم، وهو القضاء وإيجابه وأحكام الأمر. وفي الأصل "الجثوم"، وهو مصدر جثم، بمعنى لزم مكانه، فلم يبرح كأنما يريد به أقبار الموتى. وانظر اللسان "خطأ". ٤ هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل: هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سدوس بن جوردن من ولد بزر جمهر بن البختجان الفارسي. قال المأمون وقد ذكر عنده أبو مسلم: "أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم الذين قاموا بثقل الدولة: الإسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني" ولد سنة ١٠٠ للهجرة، ولما ظهر بخراسان كان ظهوره بمروٍ لخمس بقين من رمضان سنة ١٢٩، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سيار الليثي. قتله أبو جعفر المنصور سنة ١٣٧. وفيات الأعيان: ٢: ٣٢٤ وما بعدها. ٥ سورة الإسراء: ٣٣. ٦ سورة البقرة: ٢٢٨. ٧ في ك: وإن كان معناه.
[ ٢ / ٢٠ ]
على الحكم المأتِيّ يوما إذا قضى قضيّته ألا يجورَ ويقصِدُ١
فرفعه على الاستئناف، ومعناه ينبغي أن يقصد.
ومن ذلك قراءة الجراح: "وَالْبَصَرَ وَالْفَوَادَ٢"، بفتح الفاء.
قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم فتح الفاء، ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولا تركه.
وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان "الفؤاد" بضمها والهمز، ثم خففت فخلصت في اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واو.
ومن ذلك قراءة الحسن "صَرَفْنَا٣"، خفيف الراء.
قال أبو الفتح: "صَرَفْنَا" هنا بمعنى صرفنا مشددا على ما بيناه قبل: من كون فعل خفيفة في معنى فعل. ومنه قوله:
ونقرتها بيديك كل منقر٤
أي نقرتها.
ومن ذلك [٩٣و] قراءة أبي جعفر: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا٥".
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا البتة فيما مضى في البقرة٦.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي عمرو -بخلاف- وعاصم -بخلاف-: "بِخَيْلِكَ وَرَجِلِك٧"، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: روينا عن قُطرب هذه القراءة عن أبي عبد الرحمن، وقال: الرجِلُ: الرجال،
_________________
(١) ١ لأبي اللحام التغلبي، شاعر جاهلي، واسمه حريث، تصغير حرث. ويروى "حق" مكان "يوم". الكتاب: ١: ٤٣١، والخزانة: ٣: ٦١٣. ٢ سورة الإسراء: ٣٦. ٣ سورة الإسراء: ٤١. ٤ المحتسب: ١: ٨١. ٥ سورة الإسراء: ٦١. ٦ المحتسب: ١: ٧١. ٧ سورة الإسراء: ٦٤
[ ٢ / ٢١ ]
وعليه قراءة عكرمة وقتادة "ورجالِك". وقالوا: ثلاثة رَجِلَة ورَجْلَة، ومثله الأراجيلُ والمِرْجَلُ. وكان يونس يرى أن الرجْلة للعبيد أكثر، وقال الشاعر:
وأية أرضٍ لا أنيت سراتها وأية أرض لم أرِدْها بِمِرْجَل١
أي برجال.
ويقال: رجْل جمع راجِل كتاجر وتَجْر، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكَّسر بمنزلة الجامل والباقر٢، وهو عند أبي الحسن تكسير راجل وتاجر، وقال زهير:
هم ضربوا عن فرجها بكتيبة كبيضاء حرْس في جوانبها الرجْل٣
ويكون الرجال جمع راجل كتاجر وتِجَار، قال الله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ٤﴾ .
ومن ذلك قراءة الحسن: "يَوْمَ يُدْعَوْ كُلُّ أُنَاسٍ٥"، بضم الياء، وفتح العين.
قال أبو الفتح: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوا، نحو أفْعَوْ، وحُبْلَوْ٦ ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضا في الوصل محكي عن حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ياء، وبهذه اللغة يحتج ليونس في البيت الذي أنشده صاحب الكتاب شاهدا عليه بأن ياء لبيك ياء التثنية ردا على يونس في أنها ألف بمنزلة ألف: عَلَى ولَدَى، والبيت قوله:
_________________
(١) ١ للأعشى، وروي فأية مكان وأية، وبمرحل بالحاء مكان بمرجل بالجيم. ديوان الأعشى: ٣٥٥. ٢ الجامل: القطيع من الإبل مع رعاته. والباقر: جماع البقر. ٣ روي: طوائفها مكان جوانبها. والفرج: موضع مخافة العدو، وهو والثغر بمعنى. جبل، وفي الأصل خرس، وهو تحريف. وبيضاء حرس: شمراخ فيه. والشمراخ: رأس مستدير طويل دقيق في أعلى الجبل. يريد أنهم ضربوا دون موضع المخافة بكتيبة منهم كأنها لعظمها بيضاء حرس. يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف في هذه القصيدة. وانظر الديوان: ١٠٧ ٤ سورة البقرة: ٢٣٩. ٥ سورة الإسراء: ٧١. ٦ وتكون "كل" مرفوعة بـ"يدعو"، ويضيف أبو حيان تخريجا آخر، وهو أن تكون الواو ضميرا مفعولا لما لم يسم فاعله، وأصله "يدعون"، فحذف النون كما حذفت في قوله: أبيتُ أسرِي وتبيتي تدْلُكِي وجهَكِ بالعنْبَرِ والمسكِ الذكِي أي تبيتين تدلكين، و"كل" بدل من واو الضمير. وانظر البحر: ٦: ٦٣.
[ ٢ / ٢٢ ]
دعوتُ لما نابني مسوَرًا فَلَبَّي فَلَبَّي يَدَيْ مسورٍ١
قال سيبوبه: "فَلَبَّي" بالياء دلالة على أنها ياء التثنية. قال: ولو كانت كألف عَلَى ولَدَى لقال: فَلَبَّى يدى مسور، كقولك: على يدى مسور؛ فليونس أن يقول: جاء هذا على قولهم في الوصل: هذه أفعى. وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع من كتبنا٢؛ فكذلك يكون "يُدْعَوْ" مرادا به يدعَى على أفْعَوْ.
ومن ذلك قراءة علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب "﵃" والشعبي والحسن -بخلاف- وأبي رجاء وقتادة وحميد وعمرو بن فائد وعمر بن ذر وأبي عمرو، بخلاف: "وَقُرْآنًا فَرَّقْنَاه"٣، بالتشديد.
قال أبو الفتح: تفسيره: فصّلناه، ونزّلناه شيئا بعد شيء، ودليله قوله تعالى: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ .
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٧٨ من الجزء الأول. ٢ المصدر السابق: ٧٩. ٣ سورة الإسراء: ١٠٦.
[ ٢ / ٢٣ ]