بسم الله الرحمن الرحيم
هارون عن طُلَيْق المعلِّم قال: سمعت أشياخنا يقرءون: "لَيَأْتِيَنَّكم"١، بالياء.
قال أبو الفتح: جاز التذكير هنا بعد قوله تعالى: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾، لأن المخوف منها إنما هو عقابها، والمأمول ثوابها؛ فغلب معنى التذكير الذي هو مَرْجو أو مخوف؛ فذكَّر على ذلك وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من التأول كان تذكير المؤنث -لغلبة التذكير- أحرى٢ وأجدر. ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ ٣؛ لأن بعضها سيارة أيضا؟ وعليه قولهم: ذهبَتْ بعضُ أصابعه؛ لأن بعضها إصبع في المعنى.
وحكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوبٌ٤، جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة. وهذا من أعرابيٍّ جافٍ هو الذي نبه أصحابنا على انتزاع العلل. وكذلك ما يجري مجراه فاعرفه، وكذلك الآية المقدم ذكرها.
ومن ذلك ما رواه عمرو بن ثابت٥ عن سعيد بن جبير: "تَأْكُلُ مِنْ سَأَتِهِ"٦، قال من عصاه.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٣. ٢ في ك: أقوى. ٣ سورة يوسف: ١٠. ٤ اللغوب: الضعيف الأحمق. ٥ هو عمرو بن ثابت الأنصاري المدني، روى عن أبي أيوب الأنصاري وعائشة، وروى عنه الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري. وثقه النسائي. الخلاصة: ١٣٨. ٦ سورة سبأ: ١٤، وفي البحر "٧: ٢٦٧" عن "الساة" وكيف سميت بها العصا: قيل ومعناه من عصاه. يقال لها: سأة القوس وسيتها معا، وهي يدها العليا والسفلى. سميت العصا سأة القوس على الاستعارة، ولا سيما إن صح النقل أنه اتخذها من شجر الخروب قبل موته، فتكون حين اتكأ عليها، وهي كما قطعت من شجرة خضراء قد اعوجت حتى صارت كالقوس.
[ ٢ / ١٨٦ ]
قال أبو الفتح: المشهور المجمع١ عليه في ذلك: "مِنْسَأتَهُ": بالهمز، وبالبدل من الهمز، وهي العصا: مفعلة من نسأتُ الناقة والبعير: إذا زجرتَه. قال الفراء: هي العصا العظيمة تكون مع الراعي، وأنشد أبو الحسن:
إذا دببتَ على المنساةِ من كِبَرٍ فَقَدْ تباعَدَ عنْكَ اللهْوُ وَالْغَزَلُ٢
وقال الفراء: هي من سِئَة القوْس، وهي مهموزة. وقال غيرُه: أسأيتُ القوس، فالمحذوف من "سئة" هو اللام، وأن يكون ياء أجدر؛ لغلبة الياء على اللام، وكان رؤبة يهمز سئة القوس. قال الفراء: ولم تقرأ "مِن سَأتِهِ"، ولم تثبت عند قراءة سعيد بن جبير. قال: ويجوز فيها سِئَة وسَأَة، وشبهها بالقِحَة والقَحَة، والضِعَة٣ والضَعَة.
وبعد فالتفسير إنما هو على العصا لا سئة٤ القوس، وهي من ن سء، فإن كانت "السأة" من نسأت فيه علة، والفاء محذوفة. وهذا الحذف إنما هو من هذا الضرب في المصادر، نحو: العدة، والزنة، والضعة، والقحة. وذلك مما فاؤه واو لا نون، ولم يمرر بنا ما حذفت نونه وهي فاء. وسئة القوس: فعة، واللام محذوفة كما ترى.
قال أبو حاتم: إن ابن إسحاق سأل أبا عمرو: لم تركت همز "منسأته"؟ فقال: وجدت لها في كتاب الله أمثالا: ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة﴾ ٥، و﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم﴾ ٦. وقال هارون كان أبو عمرو يهمز، ثم تركها.
قول أبي عمرو: "خَيْرُ الْبَرِيَّةِ"، و"لَتَرَوُنَّ"، يريد أن "البرية" من برأ الله الخلق، فترك همزها تخفيفا. وكذلك "لَتَرَوُنَّ"، يريد تخفيف همز "ترى"؛ لأن أصلها ترأى، فاجتمع على تخفيف الهمزتين في الموضعين. ولا يريد أن واو "لَتَرَوُنَّ" غير مهموزة؛ وذلك لأن همز هذه الواو لضمتها شاذ من حيث كانت الحركة لالتقاء الساكنين، وليست بلازمة.
_________________
(١) ١ في ك: المجتمع عليه. ٢ روي "هرم" مكان "كبر". وانظر البيان والتبيين: ٣: ٣١، والبحر: ٧: ٢٥٥، واللسان "نسأ". ٣ في القاموس: والضعة "بالكسر" قبيحة. ٤ في ك: لا على. ٥ سورة البينة: ٧. ٦ سورة التكاثر: ٦.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقال أبو حاتم في حرف عبد الله: "إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ أكَلَتْ مِنْسَأَتَهُ
"، وفي حرف أبي"منَسَيَتَه"- قال وهي تدل على الهمز؛ لأن الهمزة قد تحذف من الخط. [١٢٩ظ] فقول ابن مسعود: "أكلتْ" هو تفسير الدلالة، أي ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ثم فسر وجه الدلالة، فقال: "أكَلَتْ مِنْسَأَتَهُ"، أي: فخرّ، فتبينتِ الجنّ.
ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبي عبد الله وعلي بن حسين: "تَبَيَّنَتِ الإنْسُ"١.
قال أبو الفتح: أي: تبينت الإنس أن الجن لو علموا بذلك ما لبثوا في العذاب. يدل على صحة هذا التأويل ما رواه معبد عن قتادة، قال: في مصحف عبد الله "تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أن الجن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا".
ومن ذلك قراءة ابن جندب: "وَهَلْ يُجْزَى إِلَّا الْكَفُور"٢.
قال أبو الفتح: حدثنا أبو بكر محمد بن علي المراغي، ورُوِّيناه أيضا عن شيخنا أبي عليٍّ، قال: كان أبو إسحاق يقول: جزيت الرجل في الخير، وجازيته في الشر. واستدل على ذلك بقراءة العامة: ﴿وَهَلْ يُجَازَى ٣ إِلَّا الْكَفُور﴾، وقرأت على أبي عليّ عن أبي زيد:
لَعَمْرِي لَقَد برَّ الضبابَ بَنُوه وَبَعضُ البَنِينَ حُمَّةٌ وسُعَالُ
جَزَوْنِي بما رَبَّيْتُهُمْ وَحَمَلْتُهُمْ كذلِكَ ما إنَّ الخُطُوبَ دَوَالُ٤
وينبغي أن يكون أبو إسحاق يريد أنك إذا أرسلتهما ولم تعدهما إلى المفعول الثاني كانا كذلك، فإذا ذكرته اشتركا. ألا ترى إلى قوله:
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ١٤. ٢ سورة سبأ: ١٧. ٣ يجازي بالبناء للمفعول قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وأبي بكر وأبي جعفر، وقراءة الباقين بالنون وكسر الزاي، كما في الاتحاف: ٢٢٠، ٢٢١. ٤ الضباب بن سبيع بن عوف الحنظلي. و"بنوه" في البيت الأول مضبوطة بالقلم بفتح الباء وسكون الواو في نسخة الأصل، وفي النوادر: ١١٥ وإذا تكون عروض البيت قد دخلها الحذف شذوذا. والحمة: الحمى.
[ ٢ / ١٨٨ ]
جَزَانِي الزُّهدَمَانِ جَزَاء سَوء وكنتُ المرءَ أُجْزَى بالكَرَامَهْ١
فأما قراءة ابن جندب: " وَهَلْ يُجْزَى إِلَّا الْكَفُور" فوجهه أنه إذا كان عن الحسنة عشرا فذلك تفضل، وليس جزاء، وإنما الجزاء في تعادل العمل والثواب عنه. ولله در جرير وعذوبته قال:
يا أُمَّ عمرٍو جَزاكِ اللهُ صالِحَةً رُدِّي عَلَيَّ فُؤادِي كالذِي كَانَا٢
وقال أبو حاتم "وَهَلْ يجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ"، بالنصب قراءة قتادة وابن وثاب والنخعي، في جماعة ذَكَرَهم.
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومحمد بن علي ابن الحنفية وابن يعمر بخلاف والكلبي وعمرو ابن فائد: "رَبُّنَا" -رفع- "بَعَّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا"٣، رفع الباء على الخبر، وفتح الباء من "بعد" والعين، ونصب النون من "بين".
وقرأ: "رَبَّنَا بَعُدَ"، بفتح الباء والدال، وضم العين "بَيْنَ أَسْفَارِنَا"- ابن يعمر وسعيد ابن أبي الحسن ومحمد بن السميفع وسفيان بن حسين٤ -بخلاف- والكلبي، بخلاف.
وقرأ: "رَبَّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا" - ابن عباس وابن يعمر ومحمد بن علي وأبو رجاء والحسن -بخلاف- وأبو صالح وسلام ويعقوب وابن أبي ليلى والكلبي.
قال أبو الفتح: أما "بَعَّدَ" و"بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا" فإن "بين" فيه منصوب نصب المفعول به، كقولك: بَعَّدَ وبَاعَدَ مسافة أسفارنا، وليس نصبه على الظرف. يدلك على ذلك قراءة من قرأ: "بَعُدَ بَيْنُ أَسْفَارِنَا"، كقولك: بَعُدَ مَدَى أسفارِنا، فرفعُه دليل كونه اسمًا، وعليه قوله:
_________________
(١) ١ لقيس بن زهير، والزهدمان: أخوان من بني عبس. قال ابن الكلبي: هما زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن عوير بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض. وهما اللذان أدركا حاجب بن زرارة بوم جبلة ليأسراه، فغلبهما عليه مالك ذو الرقيبة القشيري. وقيل: هما زهدم وكردم ابنا جزء. ويروى "يجزى" مكان "أجزى" وانظر اللسان "زهدم". ٢ روي "مغفرة" مكان "صالحة". وانظر الديوان: ٥٩٤. ٣ سورة سبأ: ١٩. ٤ هو سفيان بن حسين بن حسن السلمي مولى عبد الله بن خازم الواسطي، أبو محمد. روى عن ابن سيرين والحكم بن عتيبة، وروى عنه شعبة وعباد بن العوام وغيرهما. وثقه ابن معين والنسائي. مات في خلافة المهدي. الخلاصة: ١٢٣.
[ ٢ / ١٨٩ ]
كأنَّ رِماحَهُم أشْطانُ بِئْرٍ بَعِيد بينَ جَالَيها جَرُور١
أي: بعيد مدى جاليها، أو مسافة جاليها. ويؤكد كون "بينَ" هنا اسمًا لا ظرفًا أن بَعَّدَ وبَاعَدَ فعلان متعديان، فمفعولهما معهما، وليس "بين" ههنا مثلها في قولك: جلست بين القوم؛ لأن معناه جلست في ذلك [١٣٠و] الموضع وليس يريد هنا بَعِّد أو بَاعِد فيما بين أسفارنا شيئا.
قال أبو حاتم: وزعموا أن العمارة اتصلت ببلادهم، فأرادوا أن يسيروا على رواحلهم٢ في الفيافي، فدعوا على أنفسهم، فهو قوله سبحانه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُم﴾ ٣.
وكان شيخنا أبو علي يذهب إلى أن أصل "بين" أنها مصدر بان يبين وبينا، ثم استعملت ظرفا اتساعا وتجوزا، كمقدم الحاج، وخلافة فلان. قال. ثم استعملت واصلة بين الشيئين، وإن كانت في الأصل فاصلة. وذلك لأن جهتيها وَصَلَتَا ما يجاورهما بها، فصارت واصلة بين الشيئين. هذا معنى قوله، وجماع مراده فيه. وعليه قراءة من قرأ: "لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُم"٥، بالرفع. أي: وصلُكم. وأجاز أبو الحسن في قوله تعالى٤: "لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُم"، بالفتح أن يكون في موضع رفع، إلا أن فتحة الظرف لزمته، والمراد الرفع. ويمكن عندي أن يكون قوله:
وإني وقفْتُ اليومَ والأمسِ قبلَه بِبابِكَ حتَّى كادَتِ الشمْسُ تغرُبُ٦
المراد فيه "وأمسِ"، إلا أنه أدخل اللام عليه، فعرفه بها، وتركه على ما كان عليه من كسره المعتاد فيه٧، وإن كان قد أعربه في المعنى بإبراز لام التعريف إلى لفظه الذي كان إنما يبنى لتضمنها. وإن حملته على زيادة لام التعريف مثلها في الآن فمذهب آخر. ونظر بعض المولدين إلى حديث "بين" فقال:
انتصَرَ البينُ من البينِ واشتَفَتِ العينُ مِنَ العَينِ
_________________
(١) ١ رواه اللسان "بين" غير منسوب. والأشطان: جمع شَطَن، بالتحريك، وهو الحبل الطويل، والجال: الجانب. والبئر الجرور: البعيدة. ويُروى "رماحنا" مكان "رماحهم". وفي ك: بين مكان "بئر"، وهو تحريف. ٢ في ك: أن يسيروا في الفيافي. ٣ في الآية ١٨ من سورة سبأ. ٤ ك: قوله، بدون تعالى. ٥ سورة الأنعام: ٩٤. ٦ لنصيب، وانظر الخصائص: ١: ٣٩٤، ٣: ٥٧، واللسان "أمس". ٧ ذكر في الخصائص: ١: ٣٩٤ أن ابن الأعرابي يرويه: والأمس جرا ونصبا.
[ ٢ / ١٩٠ ]
فالبين الأول الوصل، والثاني القطيعة والهجر، والعين الأولى هذا الناظر، والثانية الرقيب أي: رأت فيه ما أحبت.
من ذلك قراءة الزهري: "وَلَقَدْ صَدَقَ" -مخففة- "عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ" -نصب- "ظَنُّهُ"- رفع "إِلَّا لِيُعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ"١.
وقال أبو حاتم: روى عبيد٢ بن عقيل عن أبي الورقاء، قال: سمعت أبي الهجهاج وكان فصيحا -يقرأ: "إبْلِيسَ" -بالنصب- "ظَنُّهُ"، رفع.
قال أبو الفتح: معنى هذه القراءة أن إبليس كان سَوَّلَ له ظنُّه شيئا فيهم، فصَدَقه ظنُّه فيما كان عقد عليهم معهم من ذلك الشيء.
وأما قراءة العامة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ -رفع- ﴿ظَنَّهُ﴾ -نصب- فإنه كان قدر فيهم شيئا فبلغه منهم، فصدق ما كان أودعه طنه في معناه. فالمعنيان من بعد متراجعان إلى موضع واحد؛ لأنه قدر تقديرا فوقع ما كان من تقديره فيهم. و"عَلَى" متعلقة بـ"صَدَقَ"، كقولك: صَدَقْتُ عليْكَ فِيمَا ظَنَنْتُه بك، ولا تكون متعلقة بالظن، لاستحالة جواز تقدم شيء من الصلة على الموصول.
وذهب الفراء إلى أنه على معنى في ظنه، وهذا تَمَحُّل للإعراب، وتَحَرُّفٌ عن المعنى. ألا ترى أن من رفع "ظنه" فإنما جعله فاعلا؟ فكذلك إذا نصبه جعله مفعولا على ما مضى. كذلك أيضا من شدد، فقال: "صدّق"، فنصب "الظن" على أنه مفعول به.
ومن ذلك قراءة الحسن: "فُزِعَ"٤، بالزاي خفيفة، وبالعين.
وقرأ: "فَرَّغَ"، بفتح الفاء والراء، وبالغين الحسن -بخلاف- وقتادة وأبو المتوكل.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٢٠، ٢١. ٢ هو عبيد بن عقيل بن صبيح أبو عمرو الهلالي والبصري، راوٍ ضابط صدوق. روى القراءة عن أبان بن يزيد العطار وأبي عمرو بن العلاء وهارون الأعور وغيرهم، وروى القراءة عنه خلف بن هشام وغيره. مات سنة ٢٠٧. طبقات القراء لابن الجزري: ١: ٤٩٦. ٣ قرأ عاصم وحمزة الكسائي وخلف "صدّق" بتشديد الدال، وقرأها الباقون بتخفيفها، كما في إتحاف الفضلاء: ٢٢١ ٤ سورة سبأ: ٢٣.
[ ٢ / ١٩١ ]
وقرأ: "فرغ"، بالراء خفيفة، وبالغين، والفاء مضمومة الحسن وقتادة، بخلاف عنهما.
وقد رُوي عن الحسن: "فُرِّغَ"، بضم الفاء، والراء مشددة، وبالغين.
وقال أبو عمرو الدوري: بلغني عن عيسى بن عمر أنه كان يقرأ: "حَتَّى إِذَا افْرُنْقِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ".
قال أبو الفتح: المعنى في جميع ذلك [١٣٠ظ] حتى إذا كُشِفَ عن قلوبهم.
فأما "فُزِعَ"، بالفاء، والزاي خفيفة فمرفوعه حرف الجر وما جره، كقولنا: سِيرَ عن البلد، وَانْصُرِفَ عن كذا إلى كذا، وقد شرحنا نحوًا من ذلك في القصص٢.
وكذلك "فُرِغَ"، بالفاء، والراء خفيفة، وبالغين.
فأما "فَزَّعَ"٣ و"فَرَّغَ" ففاعلاهما مضمران: إن شئت كان اسمَ الله تعالى، أي: كشفَ اللهُ عن قلوبهم. وإن شئت كان ما هناك من الحال، أي: فَرَّغَ أو فَزَّعَ حاضر الحال عن قلوبهم، وإضمار الفاعل لدلالة الحال عليه كثير واسع، منه ما حكاه سيبويه من قولهم: إذا كان غدًا فأتني٤، وكذلك قول الشاعر:
فإنْ كانَ لا يُرضِيكَ حتَّى تَرُدَّنِي إلَى قَطَرِيّ لا إخَالُكَ رَاضِيَا٥
أي: إن كان لا يرضيك ما جرى، أو ما الحال عليه.
_________________
(١) ١ هو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان بن عدي بن صهبان، ويقال: صهيب، أبو عمر الدوري الأزدي البغدادي النحوي الدوري الضرير نزيل سامرا، إمام القراء، وشيخ الناس في زمنه، ثقة، ثبت كبير، ضابط. أول من جمع القراءات، ونسبته إلى الدور: موضع ببغداد ومحله بالجانب الشرقي. قرأ على إسماعيل بن جعفر عن نافع كما قرأ على غيره، وقرأ عليه خلق كثير، توفي في شوال سنة ٢٤٦ طبقات القراء لابن الجزري: ١: ٢٥٥- ٢٥٧. ٢ انظر الصفحة ١٥٧ من هذا الجزء. ٣ لم يسبق لهذه القراءة ذكر، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي وابن عامر، كما في البحر: ٧: ٢٧٨. ٤ الكتاب: ١: ١١٤. ٥ البيت لسوار بن المضرب، وكان الحجاج دعاه إلى حرب الخوارج، فهرب منه. وقطري هو ابن الفجاءة، كان على رأس الخوارج. ويروى "كنت" مكان "كان". وانظر النوادر: ٤٥، والخصائص: ٢: ٤٣٣.
[ ٢ / ١٩٢ ]
قال أبو حاتم: قال يعقوب: روى أيوب السختياني عن الحسن: "فُرِغَ"، ضم الفاء، وكسر الراء وخففها، وأعجم الغين، فقيل للحسن: إنهم يقولون: "فُرِّغَ"، مثقلة. فقال الحسن: لا، إنها عربية. قال: ولا أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه. واختلفت ألفاظه، وقال فيها أقوالا١ مختلفة، يعني أبو حاتم اجتماع معنى ف ز ع مع معنى ف ر غ في أن الفزع: قلق ومفارقة للموضع المقلوق عليه، والفراغ: إخلاء الموضع، فهما من حيث ترى ملتقيان.
وكذلك معنى "افْرُنْقِعَ"، يقال: افْرَنْقَعَ٢ القوم عن الشيء، أي: تفرقوا عنه.
ومما يحكى في ذلك أن أبا علقمة النحوي ثار به المُرَارُ٣، فاجتمع الناس عليه، فلما أفاق قال: ما لكم قد تكأكأتم على كتكأكئكم٤ على ذي جِنّة٥؟ افْرَنْقِعُوا عني. قال: فقال بعض الحاضرين: إن شيطانه يتكلم بالهندية.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جيبر: "بَلْ مَكَرُّ الليلِ والنَّهارِ"٦، وهي قراءة أبي رزين٧ أيضا.
وقرأ: "بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
" قتادة.
قال أبو حاتم: وقرأ راشد الذي كان نظر في مصاحف الحجاج: "بَلْ مَكَرَّ"، بالنصب.
قال أبو الفتح: أما "المَكَرّ" والكرور، أي: اختلاف الأوقات، فمن رفعه فعلى وجهين:
أحدهما: بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ ٨، فقالوا في الجواب: بل صدنا مَكَرُّ الليلِ والنهارِ، أي: كرورهما.
_________________
(١) ١ في ك: ألفاظا. ٢ ضبط "افرنقع" على البناء للمجهول في نسخة الأصل، وهو تحريف. ٣ المرار: غلبة المرة: مزاج من أمزجة البدن، مر بالبناء للمجهول فهو ممرور. ٤ تكأكأتم: تجمعتم. ٥ الجنة: الجنون. ٦ سورة سبأ: ٣٣. ٧ هو مسعود بن مالك، ويقال: ابن عبد الله، أبو رزين الكوفي. وردت عنه الرواية في حروف القرآن. روى عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵄. وروى عنه الأعمش. طبقات القراء لابن الجزري: ٢: ٢٩٦. ٨ سورة سبأ: ٣٢.
[ ٢ / ١٩٣ ]
والآخر: أن يكون مرفوعا بالابتداء، أي: مَكَرُّ الليل والنهار صَدَّنا.
فإن قيل: أفهذا تراجع١ عن قولهم لهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾؟ قيل: لا، ليس بانصراف عن التظلم منهم، وذلك أنه وصله بقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: فكرور الليل والنهار علينا- على إغوائكم إيانا- هو الذي أصارنا إلى النار. وهذا كقول الرجل لصاحبه: أهلكني والله! فيقول وكيف ذلك؟ فيقول: في جوابه: مضى أكثر النهار وأنت تضربني؛ فيفسره بتقضي الزمان على إساءته إليه.
فإن شئت جعلت "إذ تأمروننا" متعلقة بنفس الكرور، أي: كرورهما في هذا الوقت وإن شئت جعلته حالا من الكرور، أي: كرورهما كائنا في هذا الوقت؛ فنجعل طرف النهار٣ حالا من الحدث، كما تجعله خبرا عنه في نحو قولك: قيامك يومَ الجمعة؛ إذ كانت الحال ضربا من الخبر. ومثله من الحال قولك: عجبت من قيامك بومَ الجمعة، تعلق الظرف بمحذوف، أي من قيامك كائنا في يوم الجمعة.
وعلى نحو منه [١٣١و] قراءة قتادة: "بَلْ مَكْرٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"، فالظرف هنا صفة للحدث، أي: مكر كائن في الليل والنهار. وإن شئت علقتهما بنفس "مكر"، كقولك: عجبتُ لَكَ٤ من ضربٍ زيدًا، وكقول الله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ٥.
وأما "مَكَرَّ"، بالنصب فعلى الظرف، كقولك: زرتُكَ خفوقَ النجمِ، وصياحَ الدجاجِ وهو معلق بفعل محذوف، أي: صدَدْتُمُونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال.
فإن قيل: فما معنى دخول "بل" هنا وإنما هو جواب الاستفهام؟ وأنت لا تقول لمن قال لك: أزيدٌ عندك؟: بل هو عندي وإنما تقول: نعم، أولا. قيل: الكلام محمول على معناه، وذلك أن قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ معناه الإنكار له، والرد عليهم في قول المستضعفين لهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، فكأنهم قالوا لهم في الجواب: ما صددناكم، فردوه ثانيا عليهم، فقالوا: بل صدنا تصرم الزمان علينا وأنتم تأمروننا أن نكفر بالله. وقد كثر عنهم تأول معنى النفي وإن لم يكن٦ ظاهرا إلى بادي اللفظ، قال الله تعالى: ﴿قُل
_________________
(١) ١ في الأصل: يراجع، تحريف. ٢ في ك: الزمن. ٣ في ك: الزمان. ٤ لك، ومن ضرب يتعلقان بعجبت، وهو ليس بمصدر كما لا يخفى. كأنه يريد أن المصدر حين يتعلق به الظرف أو الجار والمجرور يكون مثل الفعل، فلا يكون الظرف أو الجار والمجرور صفة له وقد يكون "لك" بعد ضرب، فيتعلق به، أو يكون صفة له، وتتشابه الأمثلة بذلك. ٥ سورة البلد: ١٤: ١٥. ٦ سقطت "يكن" في ك.
[ ٢ / ١٩٤ ]
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ١، أي: ما حرم إلا الفواحش، وعليه بيت الفرزدق:
أنا الدافِعُ الحَامِي الذّمارَ وإنَّما يُدَافِعُ عن أحسابهم أنا أو مِثْلِي٢
أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا. ولذلك عندنا ما٣ فصل الضمير، فقال: أنا، وأنت لا تقول: يقوم أنا، ولا نقعد نحن. ولولا ما ذكرنا من إرادة النفي لقبُح الفصل، وأنشدَنا أبو علي:
فاذْهَبْ فأيُّ فتًى في الناسِ أحْرَزَهُ مِن يَوْمِه ظُلَم دُعجٌ وَلا جَبَلُ٤
أي: ما أحد أحرزه هذا من الموت، ونظائره كثيرة.
وإن شئت علقت "إذ" يمحذوف، وجعلته خبرا عن "مَكَرَّ"، أي: كرورهما في هذا الوقت الذي تأمروننا فيه أن نكفر بالله، والمعنى في الجميع راجع إلى عصب الذنب٥ بهم، ونسب الضلال إليهم.
ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "مِنْ كُتُبٍ يَدَّرِسُونَهَا"٦، بتشديد الدال مفتوحة، وبكسر الراء.
قال أبو الفتح: هذا يفتعلون من الدرس، وهو أقوى معنى من "يدرسونها"؛ وذلك أن افتعل لزيادة التاء فيه أقوى معنى من فعل. ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٧؟ فهو أبلغ معنى من قادر، وهو أشبه بما تقدمه من ذكر الأخذ والعزة. نعم، وفيه أيضا معنى
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٣٣. ٢ روي الشطر الأول: أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ٣ ما زائدة والذمار: كل ما يلزمك حمايته وحفظه والدفع عنه، وانظر الديوان: ٧١٢. ٤ البيت للمتنخل الهذلي، يرثي ابنه أثيلة. وفي الأصل "ظلل" مكان "ظلم"، وهو تحريف. وأحرزه: عصمه. والدعج: جمع الأدعج، وهو الأسود. يريد أن الموت لا ينجي منه الاستتار بالظلام، أو الاعتصام بالجبال. وانظر ديوان الهذليين: ٢: ٣٥، والخصائص: ٢: ٤٣٣. ٥ سقطت "الذنب" في ك. ٦ سورة سبأ: ٤٤. ٧ سورة القمر: ٤٢.
[ ٢ / ١٩٥ ]
الكثرة؛ لأنه في معنى يتدارسونها. وقد ذكرنا فيما مضى قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ١ وأن "اكْتَسَبَتْ" أقوى من "كَسَبَتْ" وأن أصل ذلك من زيادة معنى فَعَّلَ على معنى فَعَلَ، لتضعيف العين، فاعرفه. ومثل "يَدَّرِسُونَهَا" قولهم: قرأتُ القرآنَ، وَاقْتَرَأْنُهُ قال:
نهارُهُم صِيامٌ٢ وليلُهُم صَلاةٌ وَافْتِرَاءُ
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وَأَخِذٌ مِنْ مَكَانٍ قَرِيب"٣، منصوبة الألف، منونة.
قال أبو الفتح: لك في رفعه ضربان:
إن شئت رفعته بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿فَلا فَوْتَ﴾، أي: وأحاط بهم أخذٌ من مكان قريب. وذكر القرب، لأنه أحجى بتحصيلهم، وإحاطته بهم.
وإن شئت رفعته [١٣١ظ] بالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك أخذ لهم، وإحاطة بهم. ودل على هذا الخبر ما دل على الفعل في القول الأول.
ويُسأل من قراءة العامة: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: علام عطف هذا الفعل؟ وينبغي أن يكون معطوفا على قوله تعالى: ﴿فَزِعُوا﴾ وهو بالواو، لأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم، وإنما المراد -والله أعلم: ولو ترى إذ فزعوا فلم يفوتوا، وأخذوا. فعطف "أُخِذُوا" على ما فيه الفاء المُعَلِّقة الأول بالآخر على وجه التسبيب له عنه، وإذا كان معطوفا على ما فيه الفاء فكأن فاءً٤ فيئول الحديث إلى أنه كأنه قال: ولو ترى إذ فزعوا فأخذوا، هذا إذا كانت فيه فاء، وأما وفيه الواو فلا يحسن عطفه على "فزعوا" بل يكون معطوفا على ما فيه
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٨٦ وانظر الصفحة ١٣٤ من هذا الجزء. ٢ هنا بياض في النسختين. وقد كتب في هامش الصفحة بنسخة ك كلمة "وافتقار لإكمال البيت، ولكن بقلم ومداد مخالفين وتبدو الكلمة غريبة في البيت". ٣ سورة سبأ: ٥١. ٤ يريد فكأن فاء فيه.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الفاء. وقال أبو حاتم: لا أعرف الرفع في "أَخْذٌ"، ولا يجوز إلا بالحيل والتفسير البعيد، كذا زعم.
ومن ذلك قراءة مجاهد: "وَيُقْذَفُونَ"١، بضم الياء، وفتح الذال.
قال أبو الفتح: بيان هذا: وقالوا آمنا به وأنى لهم التَّنَاوُشُ، أي: التناول للإيمان من مكان بعيد، وقد كفروا به من قبل؟ والوقف على قوله: ﴿مِنْ قَبْل﴾، أي: من أين لهم تناوله الآن وقد كفروا به من قبل؟ ثم قال سبحانه: ﴿وهم وَيُقْذَفُونَ بِالْغَيْبِ﴾، أي يرمون بالغيب؛ تتبُّعًا لهم بقبح أفعالهم، وسوء منقلَبهم.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٥٣.
[ ٢ / ١٩٧ ]