بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الضحاك وعمرو بن فائد: "طاوى" مُبَيَّضٌ١.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، ورويت عن الحسن ومجاهد: "أَخْفِيهَا"٢، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: أَخْفَيْت الشيءَ: كتمْته، وأظهرته جميعا وخَفَيْتُه بلا ألف: أظهرتُه البتة. فمن ذلك قراءة من قرأ: "أُخْفِيهَا". قالوا: معناه أُظْهِرُها. قال أبو علي: الغرض فيه أزيل عنها خفاءها٣، وهو ما تلف فيه القربة ونحوها: من كساء، وما يجري مجراه، قال: وعليه قول الشاعر:
لَقَدْ عَلِمَ الأيْقَاظُ أَخْفِيَةَ الْكَرَى تَزَجُّجَهَا مِنْ حَالِكٍ واكْتِحَالِهَا٤
قال: أراد الأيقاظ عيونا٥، فجعل العين كالخِفاء للنومِ؛ لأنها تستره، قال: مِن ألفاظ السلب: فأخفيتُه: سَلَبْتُ عنه خِفاءه، وإذا زال عنه ساتره ظهر لا محالة، ومثله من السلب: أشكيْتُ الرجل: إذا أزلتَ عنه ما يشكُوه، وقد سيق نحو هذا وحديثُ السلب في اللغة.
فأما "أَخْفِيهَا" بفتح الألف فإنه [٩٨ظ] أُظهرها. قال امرؤ القيس:
_________________
(١) ١ سورة طه: ١، وفي هامش نسختي الأصل: لم يقل شيئا. وذكر في البحر "٦: ٢٢٤" هذه القراءة معزوة إلى صاحبيها، ولم يقل عنها شيئا. ويرد بلفظ "مبيض" أنه لم يكتب عنها شيئ. ٢ سورة طه: ١٥. ٣ سقط في ك: أزيل عنها خفاءها. ٤ زججت حاجبها: جعلته أزج، أي: دقيقا مقوسا. وانظر سر الصناعة: ١: ٤٣، واللسان "خفي". ٥ يعرب ابن جني "أخفية الكرى" في سر الصناعة "١: ٤٣" تمييزا، وإنما يكون ذلك على رأي من لا يشترط تنكير التمييز، فالأولى أن ينصب على التشبيه بالمفعول.
[ ٢ / ٤٧ ]
خَفَاهُنَّ مِن أَنْفَاقِهِنَّ كأنَّما خَفَاهُنَّ وَدْقُ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلّب١
فهذا إذًا أكاد أُظهرها، وقيل: أكادُ أخفيها من نفسي. وفي هذا ضرب من التصوف وقيل: أكاد أخفيها: أريد أخفيها، وأنشد أبو الحسن شاهدا له:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ لَوْ عَادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ مَا مَضَى٢
فكأنه قال: أرادت وأردت: لقوله: وتلك خير إرادة. وقيل: أكاد هنا زائدة. أي: أخفيها وأنشدوا فيه لحسان:
وتَكَادُ تَكْسَلُ أنْ تَجِيءَ فِرَاشَهَا فِي جِسْمِ خَرعَبَة وَحُسْنِ قَوَام٣
فإذا كان "أَخْفِيها" بالفتح أو "أُخْفِيها" بمعنى أظهرها فاللام في قوله: "لِتُجْزَى" معلَّقةٌ بنفس "أخفيها"، ولا يحسن الوقف دونها.
وإذا كان من معنى الإخفاء والستر فاللام متعلقة بنفس "آتية". أي: إن الساعة آتية لِتُجْزَى كل نفس بما تسعى، أكاد أخفيها. فالوجه أن تقف بعد "أخفيها" وقفة قصيرة. أما الوقفة فلئلا يظن أن اللام معلَّقةٌ بنفس "أخفيها"، وهذا ضِد المعنى، لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، إنما الجزاء مع ظهورها. فأما قصر الوقفة فلأن اللام متعلقة بنفس "آتية"، فلا يحسن إتمام الوقف دونها؛ لاتصال العامل بالمعمول فيه. وهذه الوقفة القصيرة ذكرها أبو الحسن، وما أحسنَها وألطفَ الصنعةَ فيها!
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو -بخلاف عنهما: "هِيَ عَصَايِ"٤ بكسر الياء، مثل غلامي٥.
_________________
(١) ١ روي محلب مكان مجلب، وضمير خفاهن للفئران. والأنفاق: الأسراب تحت الأرض، وأحدها نفق. والودق: المطر، وخص مطر العشي لأنه أغزر. والمجلب: الذي تسمع له جلبة لشدة وقعه. والمحلب، بالحاء: الذي يتحلب المطر. وصف العشي به على معنى فخرجت الفئرة من أحجارها تظنه مطرا خشية أن يغرقها. وانظر الديوان: ٥١. ٢ انظر الصفحة ٣١ من هذا الجزء. ٣ الخرعبة الشابة الحسنة الجسيمة في قوام كأنه الخرعوبة، وهي القضيب السامق الغض. وانظر الديوان: ٩٤. ٤ سورة طه: ١٨، وفي ك: هذه عصاي، والصواب ما هنا. ٥ سيبين ابن جني بعد قليل أن لا وجه لتشبيه ياء "عصاي" بياء غلامي.
[ ٢ / ٤٨ ]
وقرأ: "عَصَايْ" ابن أبي إسحاق أيضا.
قال أبو الفتح: كسر الياء في نحو هذا ضعيف؛ استثقالا للكسرة فيها وهربا إلى الفتحة، "كَهُدَايَ"١ و"يابُشْرَايَ"٢، إلا أن للكسرة وجها ما.
وذلك أنه قد قرأ حمزة: "مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ٣"، فكسر الياء لالتقاء الساكنين مع أن قبلها كسرة وياء، والفتحة والألف في "عصايِ" أخف من الكسرة والياء في "مصرخِيِّ". وروينا عن قطرب وجماعة من أصحابنا:
قالَ لَهَا هَلْ لَكَ يَا تَافِيِّى٤
أراد "فِيّ"، ثم أشبع الكسرة للإطلاق، وأنشأ عنها ياء نحو منزلي وحوملي٥، وروينا عنه أيضا:
عَلَىِّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبِ٦
وروينا عنه أيضا:
إنَّ بَنِيِّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ٧
وقول ابن مجاهد: مثل غلامي لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء "عصايِ" لالتقاء الساكنين، والكسرة في ميم "غلامي" هي التي تحدثها ياء المتكلم. أفترى أن في "عصايِ" بعد ياء المتكلم
_________________
(١) ١ من قوله تعالى في الآية ٣٨: سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . ٢ من قوله تعالى: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ..﴾ سورة يوسف: ١٩، وهي قراءة من عدا حمزة وعاصم والكسائي وخلف، وانظر الإتحاف: ١٥٩. ٣ سورة إبراهيم: ٢٢. ٤ يريد: يا هذه في ٥ من قول امرئ القيس في مطلع معلقته: قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدّخُولِ فَحَوْمَلِ ٦ للنابغة يمدح عمرو بن الحارث. المعروف بالأعرج، يقولها حين هرب إلى دمشق لما بلغه أن مرة بن قريع وشى به إلى النعمان في أمر المتجردة والعقارب: المنن على التشبيه. انظر الديوان: ٥، واللسان "عقرب". ٧ لأكثم بن صيفي، وقيل: لسعد بن مالك بن ضبيعة. وأصاف الرجل فهو مصيف: إذا لم يتزوج شابا، ثم تزوج بعد ما أسن. ويقال لولده: صيفيون. أما الربعيون فهم الذين ولدوا وآباؤهم شباب. فهم رجال. وانظر النوادر: ٨٧، واللسان "صيف".
[ ٢ / ٤٩ ]
ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهذا محال، وإنما غرضه أن الياء في "عصايِ" مكسور كما أن ميم غلامي مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى.
ومن ذلك قراءة عكرمة، "وَأَهُسُّ"١ بالسين.
وقرأ إبراهيم: "وَأَهِشُّ"، بكسر الهاء، وبالشين.
قال أبو الفتح: أما "أَهِشُّ"، بكسر الهاء، وبالشين معجمة فيحتمل٢ أمرين:
أحدهما [٩٩و]: أن يكون: أَمِيل بها على غنمي، إما لسوقها. وإما لتكسير الكلأ لها بها، كقراءة من قرأ: "أهُشُّ" بضم، الشين معجمة، يقال: هشَّ الخبزُ يهشُّ: إذا كان جافا يتكسر لهشاشته.
والآخر أن يكون أراد "أهُشُّ" بضم الهاء، أي أكسر بها الكلأ لها؛ فجاء به على "فَعَلَ يفْعِل" وإن كان مضاعفا ومتعديا. فقد مر بنا نحو ذلك٣، منه: هَرَّ الشيءَ يَهِرُّه: إذا كرهه، ومنه قول عنترة:
حَتَّى تَهِرُّوا الْعَوَالِيَا٤
أي: تكرهوها، وهو من قول قيس بن ذّرِيح٥:
نَهَارِي نَهَارُ الناسِ حَتَّى إِذَا بَدَا لِيَ اللَّيلُ هَرَّتْنِي إلَيْك الْمَضَاجِعُ٦
أي: كرهْتني، فنبَتْ بِي، وهزَّتْنِي بالزاي تصحيفٌ عندهم، ومثله: حَبَّ الشَّيءَ يَحِبُّه
_________________
(١) ١ سورة طه: ١٨. ٢ في ك: فتحتمل. ٣ انظر الصفحة ١٣٦ من الجزء الأول. ٤ البيت بتمامه: حَلَفْنَا لَهُم وَالْخَيْلُ تَرْدِي بِنَا مَعًا نُزَايِلُكُم حَتَّى تَهِرُّوا الْعَوَالِيَا تَردِي: تسرع، نزايلكم: لا نزايلكم، وانظر الديوان: ١٦٥، واللسان "هو". ٥ في ك: قيس ذريح، سقط. ٦ رواية الأغاني "٨: ١٢٥"، طبعة الساسي: نَهَارِي نَهَارُ الْوَالِهِينَ صَبَابَةً وَلَيْلِي تَنْبُو فِيهِ عَنِّي الْمَضَاجِعُ
[ ٢ / ٥٠ ]
بكسر الحاء ألبتة. ولم يضموها، وغذّ١ العرقُ الدمَ يغِذُّه ويغُذُّه، وتمَّ الحديث يتِمُّه ويتُمُّه، وشَدَّ الحبل يشِدُّه ويشُدُّه. في أحرف سوى هذه. وكذلك يكون "أهش" كقراءة من قرأ: "أهُشُّ"، بضم الهاء، والشين معجمة.
وأما "أهُسُّ" بالسين غير معجمة فمعناه أسوق: رجل هساس. أي: سواق.
فإن قلت: فكيف قال: "أهسُّ بها على غنمي؟ "، وهلا قال: أهسُّ بها غنمي. كقولك: أسوق بها غنمي؟
قيل: لما دَخَلَ السَّوقَ معنى الانتحاءِ لها والميل بها عليها استعمل معها "على"، حملا على المعنى، وقد ذكرنا من هذا فيما مضى صدرا صالحا٢. ومن ذلك قولهم: كفى بالله أي كفى الله. إلا أنهم زادو الباء حملا على معناه؛ إذ كان في معنى اكتف بالله. ولذلك قالوا حسبك به لما دخله معنى اكتف به. ولذلك أيضا حذفوا خبره في قولهم: حسبك لما دخله معنى اكتف، والفعل لا يخبر عنه، ونظائره كثيرة جدا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "وَلْتُصْنَعَ عَلَى"٣ بجزم اللام والعين.
وقرأ: "ولِتَصْنَعَ". بفتح التاء والعين. وكسر اللام -أبو نهيك.
قال أبو الفتح: ليس دخول لام الأمر هنا كدخولها في قراءة النبي "ﷺ" وغيره ممن قرأها معه: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"٤ بالتاء. وفرق بينهما أن المأمور في "فلتفرحوا" مخاطب، وعرف ذلك وعادته أن يحذف حرف المضارعة فيه. كقولنا: قُمْ، وقعد، وخُذْ
، وسِرّ، وبع، وأما "ولتصنع فإن المأمور غائب غير مخاطب. فإنما هو كقولنا: ولتعن بحاجتي. ولتوضع٥ في تجارتك؛ لأن العاني بها والواضع فيها غيرهما. وهما المخاطبان٦. فهذا كقولك: ليضرب زيد ولتضرب هند.
_________________
(١) ١ الذي في كتب اللغة التي بين أيدينا: غذ الجرح يغذ ويغذ بالضم والكسر: سال بما فيه. ٢ انظر الصفحتين: ٥٣، ١٣٦ من الجزء الأول. ٣ سورة طه: ٣٩. ٤ سورة يونس: ٥٨. والقراءة بالتاء قراءة أبي وأنس ﵄. انظر الإتحاف: ١٥٢. ٥ وضع في تجارته وأوضع: خسر. ٦ لأن الفعلين مبنيان للمجهول.
[ ٢ / ٥١ ]
وأما قول الرجل لصاحبه: خذ طرفك ولآخذ طرفي، وقولهم: لنمش كلنا، ولنقم إلى فلان، ونحو ذلك فإنما جاء باللام لأنه لم يكدر أمر الإنسان نفسه، فلما قل استعماله لم يخفف بحذف اللام كما أمر المأمور الحاضر، فخفف نحو قم، سر، وبع، وخف، ونم.
وأما: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ففسره أحمد بن يحيى، أي: لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، قال: ومعنى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، بضم التاء: لتربَّ١ وتغذى بمرأى مني.
ومن ذلك قراءة ابن محيص: "أَنْ يُفْرَطَ"٢ بفتح الراء:
قال أبو الفتح: هذا منقول من قراءة من قرأ: "أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا"، أي: يسبق ويسرع، فكأنه أن يفرطه مفرِط، أي: يحمله حامل على السرعة علينا وترك التأني بنا، فكأنه قال: أن يُحمل على العجلة في بابنا [٩٩ظ] .
ومن ذلك قراءة الحسن: "مَكَانًا سُوَى"، غير منون.
قال أبو الفتح: ترك صرف "سوى" ههنا مشكل، وذلك أنه وصف على فُعَل، وذلك مصروف عندهم: كمالٍ لُبَد٤، ورجلٍ حُطَم٥، ودليلٍ خُثَع٦، وسُكَع٧، إلا أنه ينبغي أن يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين. فإن وصل على ذلك فعلى نحو من قولهم: سبسبا وكلكلا٨، فجرى في الوصل مجراه في الوقف.
_________________
(١) ١ ربه: رباه. ٢ سورة طه: ٤٥. ٣ سورة طه: ٥٨. ٤ مال لبد: كثير، كأنه التبد بعضه على بعض. ٥ الحطم: الظلوم، من قولهم: راعٍ حُطَم، أي: ظلوم للماشية، كأنه يحطمها لعنقه في السوق. ٦ دليل ختع: حاذق في الدلالة. ٧ السكع: المحير. ٨ انظر الصفحتين: ١٤٨، ١٤٩ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٥٢ ]
ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش والثقفي، ورويت عن أبي عمرو: "يَوْمَ الزِّينَةِ"١، بالنصب.
قال أبو الفتح: أما نصب "يَوْمَ الزِّينَةِ" فعلى الظرف، كقولنا: قيامك يومَ الجمعة، فالموعد إذًا٢ ههنا مصدر، والظرف بعده خبرٌ عنه. وهو عندي على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك٣ اليوم.
ألا ترى أنه لا يراد في ذلك اليوم نعدكم؟ كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ إنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم، لكن في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ النظر، فظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضحى، أي: يوم هذا وهذا؛ فيكون "أن يحشر" معطوفا عل الزينة.
وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد، فكأنه قال: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى في يوم الزينة، أي: هذان الفعلان في يوم الزينة، فكأنه جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتحدد ذلك اليوم: من الثواب، والعقاب، وغيرهما سوى الحشر. ألا تراه عطفه عليه. وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه وكذلك قول الله "تعالى": ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٤ لا يكون٥ "جبريل" و"ميكائيل" داخلين في جملة الملائكة؛ لأنهما معطوفان عليهم، فلابد أن يكونا خارجين منهم، فأما قوله:
أكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلَجًا وَلَبَانَهُ إذَا مَا اشتكَى وقعَ الرماحِ تَحَمْحَمَا٦
فيروى "لبانه" رفعا ونصبا، فمن رفعه فلا نظر فيه؛ لأنه مبتدأ وما بعده خبر عنه. وأما النصب فعلى أنه أخرج عن الجملة "لبانه"، ثم عطفه عليه، وساغ له ذلك لأنه مازه من جملته إكبارا له وتفخيما منه، كما ماز "جبريل" و"ميكائيل" من جملة الملائكة تشريفا
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥٩. ٢ في ك: فالموعد ههنا. ٣ في ك: في هذا. ٤ سورة البقرة: ٩٨، وممن قرأ "ميكائيل" ابن عامر وحمزة والكسائي. وانظر الإتحاف: ٨٨. ٥ في ك: ألا، وهو تحريف. ٦ لعامر بن الطفيل، دعلج: اسم فرسه. واللبان: صدر ذي الحافز. وتحمحم: صهل وقصر في الصهيل، فاستعان بنفسه "بفتح الفاء" الديوان: ١٣٤، واللسان: دعلج.
[ ٢ / ٥٣ ]
لهما، وكذلك قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ليس في جملة ما دل عليه الموعد لما قدمناه، كأنه مميز من الزينة في اعتقادك إياه مجرورا؛ لأنه معطوف عليها.
وأما من رفع فقال: "يَوْمُ الزِّينَةِ" فإن الموعد عنده ينبغي أن يكون زمانا، فكأنه قال: وقت وعدي يوم الزينة، كقولنا: مبعث١ الجيوش شهر كذا، أي: وقت بعثها حينئذ. والعطف عليه بقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ يؤكد الرفع؛ لأن "أن" لا تكون ظرفا. ألا ترى أن من قال: زيارتك إياي مقدم الحاج لا يقول: زيارتك إياي أن يقدم الحاج؟ وذلك أن٢ لفظ المصدر الصريح أشبه بالظرف من "أن" وصلتها التي بمعنى المصدر، إذا كان اسما لحدث، والظرف [١٠٠و] اسم للوقت، والوقت يكاد يكون حدثا. وعلى كل حال فلست تحصل من ظرف الزمان على أكثر من الحدث الذي هو حركات الفلك، فلما تدانيا هذا التداني ساغ وقوع أحدهما موقع صاحبه.
وأما "أن" فحرف موصول، جعل بدل لفظه على أنه في معنى المصدر. وما أبعد هذا عن الظرفية! وقد استقصينا القول على ذلك في كتابنا الخصائص٣ وغيره من مصنفاتنا وينبغي أيضا أن يكون على حذف المضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة ووقت حشر الناس؛ لأن الحشر في الحقيقة ليس وقتا، كما أن: قولك: ورودك مقدم الحاج إنما هو على حذف المضاف، أي: وقت مقدم الحاج وكذلك، خفوق النجم وخلافة فلان. فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والجحدري وأبي عمران الجوني وأبي نهيك وأبي بكرة وعمرو بن فائد: "وَأَنْ يَحْشُرَ النَّاسَ ضُحًى"٤.
قال أبو الفتح: الفاعل هنا مضمر، أي: وأن يحشر الله الناس، فهذا كقوله "سبحانه": ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا٥﴾، وجميع هذا يراد به العموم، أي: يحشرهم قاطبة وطُرًّا
_________________
(١) ١ في ك: بعث وهو تحريف. ٢ في ك: لأن. ٣ لعله يريد كلامه في الخصائص "٣: ٩٨" عن دلالة الفعل على المصدر والزمن. ٤ سورة طه: ٥٩. ٥ سورة الأنعام: ٢٢، وسورة يونس: ٢٨.
[ ٢ / ٥٤ ]
ولا يكون١ حالا كقوله "سبحانه": ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ٢ ويدل عليه أيضا قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٣.
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفي: "تُخَيَّلُ"٤، بالتاء.
قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قوله "تعالى": ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بدل من الضمير في "تُخَيَّلُ" وهو عائد على الحبال والعصي، كقولك: إخوتك يعجبونني أحوالهم. فأحوالهم بدل من الضمير العائد عليهم بدل الاشتمال.
ومنه قوله "تعالى": ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ٥ فيمن جعل "الأبواب" بدلا من الضمير في "مفتحة"، وهذا أمثل من أن يعتقد خلو "تُخَيَّلُ" من ضمير يكون ما بعده بدلا منه، لكن يؤنث الفعل لتضمن ما بعد أن لفظ التأنيث، كقراءة من قرأ: "لا تَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا"٦ لأنه أسهل وأسرح٧ من إتعاب الإعراب والتعسف به من باب إلى باب.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وأُبي بن كعب وعبد الله بن الزبير ونصر بن عاصم والحسن وقتادة وابن سيرين -بخلاف، وأبي رجاء: "فَقَبَصْتُ قَبْصْةً٨"، بالصاد فيهما.
وقرأ: "قُبْصْةً"، بالصاد وضم القاف الحسن، بخلاف.
قال أبو الفتح: القبض بالضاد معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وهذا مما قدمت إليك في نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما٩ جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها ما٩ جعلت عبارة عن الأقل. ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب ما مر بنا منه لكان أكثر من ألف موضع
_________________
(١) ١ يريد "جميعا" في الآية. ٢ سورة الزلزلة: ٦. ٣ سورة الكهف: ٤٧. ٤ سورة طه: ٦٦. ٥ سورة ص: ٥٠. ٦ سورة الأنعام: ١٥٨، و"تنفع" بالتاء قراءة ابن سيرين. وانظر البحر: ٤: ٢٥٩. ٧ أسلس، من سرح السيل، أي جرى جريا سهلا. ٨ سورة طه: ٦٩. ٩ ما زائدة.
[ ٢ / ٥٥ ]
هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه وحراه١؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من غضبه بقدرته وماضي مشيئته.
وأما "القبصة" بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسوّ٢، والحسوة [١٠٠ظ] فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق في معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، في معنى مضروبه ومنسوجه.
ومن ذلك قراءة أبي حيوة: "لا مَسَاسِ"٣.
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لا مِسَاسَ﴾ فواضحة؛ لأنه المماسَّة: مَاسَسْتُهُ مِسَاسًا كضَاربْتُه ضَرابًا، لكن في قراءة من قرأ: "لا مَسَاسِ" نظرا؛ وذلك أن "مساسِ" هذه كنَزَالِ ودَرَاكِ وحَذَارِ، وليس هذا الضرب من الكلام -أعني ما سمي به الفعل- مما تدخل "لا" النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك فـ"لا" إذًا في قوله: "لا مَسَاسِ" نفي للفعل، كقولك: لا أمسّك ولا أقرب منك، فكأنه حكاية قول القائل: مَساسِ كدَراكِ ونَزالِ، فقال: لا مَساسِ، أي: لا أقول: مساس، وكان أبو علي ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت:
لا هَمَامِ لِي لا هَمَامِ٤
أي: لا أقولُ: هَمَامِ، فكأنه من بَعدُ لا أهمّ بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا أضربُ، فتنفي "بلا" لفظ الأمر٥؛ لتنافي اجتماع الأمر والنهي. فالحكاية إذا مُقدَّرة مُعتقَدة.
_________________
(١) ١ حراه: ناحيته، كما في اللسان. وهي كذلك في ك، وفي الأصل جراه، وهو تحريف. ٢ حسا المرقة: شربها قليلا قليلا. ٣ سورة طه: ٩٧. ٤ قبله: إنْ أمُتْ لا أمُتْ ونفسِي نفْسا نِ مِن الشك في عمًى أو تَعَامِي والبيت بتمامه: عادِلًا غيرَهُم مِن الناسِ طُرًّا بِهِمْ، لا هَمَامِ لِي لا هَمَامِ يمدح الشاعر آل البيت. وانظر اللسان والأساس "هم". ٥ ساقطة في ك.
[ ٢ / ٥٦ ]
فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساسِ في معنى امسس. فياليت شعري ما الذي بنيت؟ قيل: ليس هذا أول معتقد معتزم تقديرا. وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالا. ألا ترى إلى ملامحَ وليالٍ في قول سيبويه ومذاكير ومشابِه: لا آحاد لها مستعملة. وإنما هي مرادة متصورة معتقدة، فكأن الواحد ملمحة ومشبَهْ وليلاة ومِذكار أو مِذكير أو نحو ذلك، فكذلك "لا مساسِ"، جاء على أنه قد استعمل منه في الأمر مساسِ فنفى على تصور الحكايةِ والقولِ وإن لم يأت به مسموع، ونظائرُه كثيرةٌ، وكذلك القول في "همامِ" من بيت الكميت.
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف: "لَنْ نُخْلَفَهُ١" بالنون.
وقرأ: "لَنْ يَخْلُفَهُ" أبو نهيك.
قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فمعناه: لن تصادفه مُخلَفًا، كقول الأعشى:
فَمَضَى وأخلفَ من قُتَيْلَةَ مَوْعِدًا٢
وقد مضى هذا مستقصى٣.
وأما "نُخْلِفَهُ" بالنون فتقديره: لن نُخْلِفَكَ إياه، أي: لن ننقض منه ما عقدناه لك. وأما "يَخْلُفَهُ" أي٤ لا يخلُف الموعد الذي لك عندنا ما أنت عليه٥ من محنتك في الدنيا بأن يكون نقيضه ومزيلا لحكمه، بل تكون في الآخرة كحالك في الدنيا. كما قال "سبحانه": ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ ٦، وكقوله "تعالى": ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٧، ومنه قوله "سبحانه": ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ ٨، أي: يحضر أحدهما فيخلُف الآخر، بأن ينقض حاله ويستأثر بالأمر دونه. والهاء في "يخلفه" عائدة على "أن تقول لا مَسَاسِ"، أو "لا مِسَاسَ".
_________________
(١) ١ سورة طه: ٩٧. ٢ انظر الصفحة ١٤٠ من الجزء الأول. ٣ انظر الصفحة ١٣٩ من الجزء الأول. ٤ ساقطة في ك. ٥ في ك: علينا، وهو تحريف. ٦ سورة الأعراف: ١٨. ٧ سورة الإسراء: ٧٢. ٨ سورة الفرقان: ٦٢.
[ ٢ / ٥٧ ]
ومن ذلك قراءة علي١ وابن عباس "﵉" وعمرو بن فائد: "لَنَحَرُقَنَّهُ"٢، بفتح النون. وضم الراء.
قال أبو الفتح: حرقْتُ الحديدَ: إذا بردتَه، [١٠١و] فتحاتَّ وتساقَطَ. ومنه قولهم: أنه لَيَحْرُق عليَّ الأرَّم، أي: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظًا عليَّ. قال:
نُيُوبَهم علينا يحرُقُونا٣
وقال زهير:
أبَى الضيمَ والنعمانُ يحْرُق نابَه عليه فأفضَى والسيوفُ معاقِلُهْ٤
وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه:
نُبِّئتُ أحماءَ سُلَيْمَى أنما باتُوا غِضَابًا يحرُقون الأرَّما
إن قلتُ أسقَى عاقِلا فأظْلَما جَوْنًا وأسقَى الحرتيْنِ الدِّيَما٥
فكأن "لنَحْرُقَنَّه" على هذا: لنَبْرُدَنَّه ولنَحُتَّنَّه حتًّا، ثُمَّ، لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا.
ومن ذلك عندي تسميتهم هذا الزورق حراقة، وهو كقولهم لها: سفينة؛ لأنها تَسْفِنُ وجه الماء، فكذلك تَحْرُقُه أيضًا.
ومن ذلك قراءة مجاهد وقتادة: "وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا"٦.
_________________
(١) ١ ساقطة في ك. ٢ سورة طه: ٩٧. ٣ لعامر بن شقيق الضبي، وصدره: بِذِي فِرْقَيْنِ يومَ بنو حبيب انظر اللسان "فرق"، وذو فرقين -فيما يقول الأصمعي-: علم بشمالي قطن، وانظر معجم البلدان: "فرق". ٤ في مدح حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وانظر ديوان الشاعر: ١٤٣. والكامل للمبرد: ٢: ١٠٢. ٥ روي "خبرت" مكان "نبئت"، و"ظلوا" مكان "باتوا"، و"يعلكون" مكان "يحرقون"، و"جودا" مكان "جونا". وعاقل: وادلبني أبان بن دارم من دون بطن الرمة، وأظلم: موضع من بطن الرمة، والجون: الأسود، هنا. يريد سحابا أسود لكثرة مائة، والجود: المطر الغزير. وانظر النوادر: ٨٩، وكامل المبرد: ٢: ١٠٢، وروى الأساس "حرق" البيت الأول. والشاهد في كل هذه المراجع غير منسوب. ٦ سورة طه: ٩٨.
[ ٢ / ٥٨ ]
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم: خَرَّقَ كلًّ مصمتٍ بعلمِه؛ لأنه بَطَن كل مُخْفًى ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متسعًا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله "تعالى": ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ١. فهذا العمل. وذلك في العلم.
ومن ذلك قراءة عياض: "فِي الصُّوَرِ٢". بفتح الواو.
قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا في الخصائص بابا للاستحسان٣. قال ذو الرمة:
أشبهْنَ من بقرِ الخلصاءِ أعيُنَهَا وهنَّ أحسنُ من صِيرَانِه صِيرَا٤
وصِوَرا: قال أبو عبيدة: الصُّوَر جمع صورة. كصوَف جمع صوفة. ويقال: الصوَر: القرن، ويقال: فيه ثقب٥ بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قال الناس بالأَرْمَاسِ٦.
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَوْ يُحْدِثْ لَهُمْ ذِكْرًا٧"، ساكنة الثاء.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، أنشدَناه أبو علي"
سِيرُوا بَنِي الْعَمِّ فالأهْوَازُ منزِلُكُمْ ونهرُ تِيرَى ولا تعرِفْكُمُ العربُ٨
أي: ولا تعرفُكم، وقد مضى ذكر نحوه.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "فَنَسِيْ وَلَمْ٩"، ولا ينصب الياء.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٣٠. ٢ سورة طه: ١٠٢. ٣ انظر الخصائص: ١: ١٣٣ وما بعدها. ٤ الخلصاء: موضع بالدهناء. ورواية الديوان: "١٨٧"، واللسان "صور": صيرانها مكان صيرانه، وصورا مكان صيرا. ٥ كذا في نسختي الأصل، كأنها أراد بالثقب هنا الجنس أو هي الثُّقَب -بضم ففتح- جمع ثُقْبة، بضم فسكون. ٦ الأرماس: جمع رمس، كسهل. وهو تراب القبر. ٧ سورة طه: ١١٣. ٨ انظر الصفحة ١١٠ من الجزء الأول. ٩ سورة طه: ١١٥.
[ ٢ / ٥٩ ]
قال أبو الفتح: قد قدمنا القول على سكون هذه الياء١ في موضع النصب والفتح وأنه عند أبي العباس من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء في النثر لكان قياسا.
ومن ذلك ما يروى عن أبان بن تغلب: "وَنَحْشُرْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"٢، بالجزم.
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع قوله ﷿: "فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا"، وموضع ذلك جزم لكونه جواب الشرط الذي هو قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، فكأنه قال: ومن أعرض عن ذكري يَعِشْ عيشة ضنكا ونحشرْهُ، كما تقول: من يزرْنِي فله درهمٌ وأزده على ذلك، أي: من يزرْني يجبْ له درهم علي وأزده عليه. وعليه قراءة أبي عمرو بن العلاء: "فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ"٣.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ١٢٦ من الجزء الأول. ٢ سورة طه: ١٢٤، وقبل هذا الجزء منها: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ . ٣ سورة المنافقون: ١٠، ولا يخفى أن العطف في الآية السابقة على المحل، وأنه هنا على ظاهر اللفظ، كأنه يريد أن هذا مثل ذاك في موافقة المعطوف عليه في الإعراب موافقة مطلقة.
[ ٢ / ٦٠ ]