بسم الله الرحمن الرحيم
عكرمة وعيسى: "عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ١".
قال أبو الفتح: هذا أضعف اللغتين، أعني إثبات الألف في "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر. وروينا عن قطرب لحسان.
على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في دمان٢
فأثبت الألف مع حروف الجر.
ومن ذلك قراءة ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وعبد الله بن يزيد وقتادة: "وَأَنْزَلْنَا بالْمُعْصِرَاتِ٣".
_________________
(١) ١ سورة النبأ: ١. ٢ من قصيدة يهجو بها بني عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. ويروى: ففيم تقول يشتمني لئيم والدمان: الرماد، والسرقين، وعفن النخلة. والصواب رماد لادمان، لأن القصيدة دالية. وانظر الديوان: ٣٨، وشرح شواهد الشافية: ٢٢٤. ٣ سورة النبأ: ١٤.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
قال أبو الفتح إذا أنزل منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدى درهما، وبيدي درهما. المعنى واحد، وليست "من" ههنا مثلهم في قولهم: أعطيته [١٦٤و] من الدراهم، لأن هذا معناه بعضها، وليس يريد أن الدرهم بعض اليد، لكن معنى "من" هنا ابتداء الغاية، أي كان ابتداء العطية من يده وليس معناه: أعطاه بعض يده.
ومن ذلك قراءة علي: "وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا١".
قال أبو الفتح: يقال: كذب يكذب كذبا وكذابا، وكذب كذابا، بتثقيل الذال فيهما جميعا. وقالوا أيضا: كذابا، خفيفة. وقال قطرب: قالوا: رجل كذاب: صاحب كذب.
وحكى أبو حاتم عن عبد الله بن عمر: "وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا"، بضم الكاف، وتشديد الذال، وقال: لا وجه له، إلا أن يكون "كذاب" جمع كاذب، فتنصبه على الحال: وكذبوا بآياتنا في حال كذبهم. وقال طرفة:
إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا به حين يأتي لا كذاب ولا علل٢
وقال: رجل كيذبان، وكيذبان، وكاذب، وكذوب، وكذب، وكذاب، وكذبذب -بتشديد الذال - وكذبذب، بتخفيفها.
قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد، ورويناه عن قطرب وغيره من أصحابنا:
وإذا أتاك بأنني قد بعثها بوصال غائبة فقل: كذبذب٣
وهو أحد الأمثلة الفائتة لكتاب سيبويه. وقد يجوز أن يكون قوله: "كِذَّابًا" - بالضم، وتشديد الذال - وصفا لمصدر محذوف، أي: كذبوا بآياتنا كذابا كذابا، أي: كذابا متناهيا في معناه، فيكون الكذاب ههنا واحدا لا جمعا، كرجل حسان، ووجه وضاء، ونحو
_________________
(١) ١ سورة النبأ: ٢٨. ٢ انظر الديوان: ١١٥. ٣ لجريبة بن الأشيم يصف جمله، ويروى "بعته" مكان "بعتها" وربما قيل عن الناقة جمل. وانظر النوادر: ٧٦، والخصائص: ٣: ٢٠٤.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
ذلك من الصفات على فعال. ويجوز أيضا أن يكون أراد جمع كذب، لأنه جعله نوعا وصفه بالكذب، أي كذبا كاذبا، ثم جمع فصار كذابا كذابا، فافهم ذلك.
ومن ذلك قراءة ابن فطيب: "عَطَاءً حِسَابًا١".
قال أبو الفتح: طريقة عندي -والله أعلم- عطاء محسبا، أي كافيا. يقال: أعطيته ما أحسبه، أي: كفاه، إلا أنه جاء بالاسم من أفعل على فعال. وقد جاءت منه أحرف، قالوا: أجبر فهو جبار، وأدرك فهو دراك، وأسأر٢ من شرابه فهو سأار، وأقصر عن الشيء فهو قصار، وقد تقدم ذلك.
وأنا أذهب في قولهم: أحسبه، من العطية، أي: كفاه - إلى أنه من قولهم: حسبك كذا، أي: أعطاه حتى قال: حسب، كما أن قولهم: بجلت الرجل، ورجل بجيل وبجال - كأنه من قولهم: بجل، أي: حسب، فكأنه انتهى من الفضل والشرف إلى أنه متى جرى ذكره قيل: بجل، قف حيث أنت، فلا غايةن وراءه. وكذلك عندي أصل تصرف النعمة والنعيم والإنعام وجميع ما في هذا الحرف - إنما هو من قولنا: نعم، وذلك أن "نعم" محبوبة مستلذة، وهي ضد "لا" الكزة٣ المستكرهة.
فإن قيل: فكيف يجوز الاشتقاق من الحروف؟
قيل: قد اشتق منها في غير موضع، قالوا: سألني حاجة، فلا ليت له، أي: قلت له: لا. وسألتك حاجة، فلوليت لي، أي: قلت: لولا. وقالوا: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت، -فاشتقوا من حاء وعاء، وهاء، وهن أصوات، والأصوات للحروف أخوات، وما أكثر ذلك!
_________________
(١) ١ سورة النبأ: ٣٦. ٢ أسار من شرابه: أبقى منه. ٣ ساقطة في ك: والكزة: القبيحة.
[ ٢ / ٣٤٩ ]