بسم الله الرحمن الرحيم
قرا الضحاك: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"١.
قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله "سبحانه"، وذكر النعمة التي استحق بها الحمد. وأفرد ذلك في الجملة التي هي "جعل" بما فيها من الضمير، فكان أذهب في معنى الثناء؛ لأنه٢ جملة بعد جملة. وكلما زاد الإسهاب في الثناء أو الذم كان أبلغ فيهما ألا ترى إلى قول خِرنِق٣:
لا يَبعَدًا قومِي الذين هُمُ سمُّ العُدَاة وَآفَةُ الجُزْرِ
النازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ
ويروى: النازلون والطيبون، والنازلين والطيبون، والطيبين والنازلون. والرفع على هُمُ، والنصب على أعني. فكلما اختلفتِ الجملُ كان الكلام أفانينَ وضروبا، فكان أبلغ منه إذا أُلْزِم شرحًا واحدًا. فقولك: أُثْنِي على الله، أعطانا فأغنى، أبلغ من قولك: أُثْنِي على الله، المعطينا والمغنينا؛ لأن معك هنا جملة واحدة، وهناك ثلاث جمل.
ويدلك على صحة هذا المعنى قراءة الحسن: "جَاعِلُ الْمَلائِكَةِ"، بالرفع؛ فهذا على قولك: هو جاعل الملائكة، ويشهد به أيضا قراءة خليد بن نشيط: "جَعَلَ الْمَلائِكَةَ".
قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع. يريد ما نحن عليه؛ لتختلف ضروبه، وتتباين تراكيبه.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "سَيْغٌ شَرَابُهُ"٤.
_________________
(١) ١ سورة فاطر: ١. ٢ في ك: لأنها. ٣ شاعرة جاهلية من بني ضبيعة رهط الأعشى، وقيل غير ذلك. والعداة: الأعداء، جمع عاد. والجزر: جمع الجزور، وهي الناقة التي تنحر، وسكنت زاي الجزر للتخفيف. والطيبون معاقد الأزر: كناية عن العفة. وانظر الكتاب: ١: ١٠٤، ٢٤٦، ٢٤٩، والخزانة: ٢: ٣٠١ وما بعدها، والدرر اللوامع: ٢: ١٥٠. ٤ سورة فاطر: ١٢
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال أبو الفتح: هو محذوف من سَيِّغ: فَيْعِلٍ، بمنزلة مَيْتٍ من مَيِّتٍ، وهَيْنٍ من هَيِّنٍ. وعينه واو، وأصله سَيْوِغ، كمَيْوِت في الأصل. يدل على كون عينه واوا قولهم: هذا أسوغ من هذا، وقولهم: هي أُخته سَوْغَةً، وسَوَّغْتُه، [١٣٢و] أي: يَسُوغ لها وتَسُوغ له، أي: يَقْبلها طبعه، ويقبله طبعها.
فأما قول الله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ١ فلا دلالة فيه على كون العين واوا٢ وذلك لأنه في الأصل يسوغه، كما أن أصل يقيم يقوم، ويستعين يستعون، وهذا واضح وحكاه أبو حاتم عن عيسى: "سيغ"، وقال فيه: بغير ألف مشددة الياء، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرف: "وَهَذَا مَلِحٌ أُجَاجٌ"٣.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على مثله، وأنه في الأصل مَالِح؛ فحذفت ألفه تخفيفا٤.
ومن ذلك قراءة الزهري: "جَدَدٌ"٥، بفتح الجيم والدال، فيما رواه سهل عن الوقاصي عنه.
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا قراءة فيه غير "جُدَدٍ"، وقال قطرب: قراءة الناس كلهم: "جُدَدٌ"، وقراءة الزهري: "جُدُدٌ" فأما "جُدَد" فجمع جُدَّة، وهي الطريقة يخالف لونها لون ما يليها. قال المتلمس:
لَهُ جُدَدٌ سُودٌ كأن أرَنْدَجًا بِأَكْرُعه وبالذِّرَاعَيْنِ سُنْدُسُ٦
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم: ١٧. ٢ أي في ظاهر اللفظ لما دخله من إعلال. ٣ سورة فاطر: ١٢. ٤ انظر الصفحة: ١٧١ من الجزء الأول، والصفحة ٨٢ من الجزء الثاني. ٥ سورة فاطر: ٢٧. ٦ الأرندج: الجلد الأسود تعمل منه الخفاف، والأكرع: جمع الكراع، كغراب. وهو مستدق الساق، ويؤنث.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقال الأعشى:
كأنَّ قُطُوعَها بِعُنَيْبِسَاتٍ تَعَطَّفَهن ذُو جُدَدٍ فَرِيدُ١
وأما "جُدُدٌ" فجمع جَدِيد، أي: آثار جُدُد غير مُخْلِقَة؛ فهو أصح لها، وأوضح للونها. وأما "جَدَد" فلم يثبته أبو حاتم ولا قطرب. وعلى أن له معنى، وهي الطريق الواضح المسفر فالمعنى نحو من الأول. وقد يجوز في "جُدُد" -وهي جديد- الفتح؛ هربا من التضعيف إلى الفتح. وكذلك جميع ما كان مثله من المضاعف: كسَرِير وسُرُر سُرَر، وجَرِير وجُرُر وجُرَر، وتَلِيل وتُلُل٢ وتُلَل، وبِئْر جَرُور وجُرُر وجُرَر وجَرَائِر أيضا. قال:
كانتْ مِيَاهِي نُزُعًا قَوَاصِرَا وَلَمْ أَكُنْ أُمَارِسُ الْجَرَائِرَا٣
وعلى كل حال فللقُرّاء الرواية، وإذا عَضَدها قياس فحسبك به من إينَاس.
ومن ذلك قراءة الزهري أيضا: "والدَّوَابِ"، خفيفة.
قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك مشروحا فيما مضى بشواهده٤.
ومن ذلك قراءة علي ﵇: "فِيهَا لَغُوبٌ"٥، بفتح اللام. وهي قراءة السُّلَمي.
قال أبو الفتح: لك فيه وجهان:
إن شئت حملته على ما جاء من المصادر على الفَعُول، نحو: الوَضُوء، والوَلُوغ، والوَقُود.
_________________
(١) ١ يروى "قتودها" مكان "قطوعها". والقطوع: جمع قِطع بالكسر، وهي الطنفسة تكون على كتفي البعير. أما القتود: فخشب الرحل وعيدانه، جمع قتد. وعنيبسات: موضع، وفي الأصل: بعنيفسات، وهو تحريف، تعطفهن: تعطف بها، أي لبسها، والضمير للقطوع. وفي الأصل يقطعهن، وهو تحريف. والجدد: جمع جدة، بالضم، وهي الخطة في ظهر الثور أو الحمار تخالف لونه. يشبه ناقته بالحمار الوحشي، فيقول كأن قطوعها ليست على ناقة بل حمار وحشي، وانظر الديوان: ٣٢٥، ومعجم البلدان. ٢ الجرير: الزمام، والتليل: العنق. ٣ النزع: جمع النزوع، وهي البئر التي ينزع منها باليد. والقواصر: جمع قاصر، والماء القاصر: الذي يكون مرعاه قريبا. والجرائر: جمع الجرور، وبئر جرور: يستقى منها على بعير. وانظر اللسان "قصر". ٤ في ك: فيما مضى مشروحا. وانظر الصفحة ٧٦ من هذا الجزء. ٥ سورة فاطر: ٣٥.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وإن شئت حملته على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: لا يمسنا فيها لُغُوب١ لَغُوب، على قولهم: هذا شِعْرٌ شَاعِرٌ، وموتٌ مائِتٌ، كأنه يصف "اللُّغوب" بأنه قد لَغَبَ، أي أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، كقول الآخر
إذا ناقَةٌ شُدَّتْ بِرَحْلٍ وَنُمرُقٍ إلى حَكَمٍ بَعْدِي فَضَّلَ ضَلَالُها٢
وعليه قالوا: جُنَّ جُنُونُه، وخرجَتْ خَوَارِجُه.
ومن طريف ما مر بنا لمولدين في هذا قول شاعرنا٣:
وَجُبْتُ هَجِيرًا يَتْرُكُ الماءَ صَادِيًا
فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. وعلى هذا حمل أبو بكر قولهم: توضأتُ وَضُوءًا: أنه وصف لمصدر محذوف، [١٣٢ظ] أي: وُضُوءًا وَضُوءًا، كقولك: وُضُوءًا وَضِيئًا، أي: كاملا حَسَنًا.
وحكى أبو زيد: رجل ساكُوتٌ بَيّن الساكُوتَة، فلما قرأت هذا الموضع على أبي علي حمله على قياس قول أبي بكر هذا، فقال: تقديره بَيّن السكْتَة الساكُوتَة، فجعل الساكوتة صفة لمصدر محذوف، وحسّن ذلك عندي شيئا أنه من لفظه، فكأن أحدهما صاحبه البتة.
وحكى الأصمعي: ليس عليك في ذلك تَضُرَّةٌ٤ ولا ضَارُورَة، فَضَارُورَة - على قياس قول أبي بكر- كالسَّاكُوتة، أي: ضرَّةٌ ضَارُورَة.
ومن ذلك قراءة الحسن: "لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُون"٥، وكذلك الثقفي.
_________________
(١) ١ اللغوب: أشد الإعياء. ٢ البيت لأوس بن حجر. والنمرق: الطنفسة فوق الرحل، والطنفسة: البساط. والحكم: الرجل المسن، وهو أيضا: الحاكم. وانظر اللسان "ضل". ٣ هو المتنبي، وصدر البيت: لقيت المروري والشناخيب دونه والمروري: جمع مروراة، وهي الفلاة الواسعة. والشناخيب: جمع الشنخوب، بضم الشين. وهو رأس الجبل. وضمير دونه لكافور الأخشيدي. انظر الديوان: ٤٦٨. ٤ التضرة: الضرر. ٥ سورة فاطر: ٣٦.
[ ٢ / ٢٠١ ]
قال أبو الفتح: "يموتون" عطف على "يُقْضَى"، أي: لا يُقْضَى عليهم، ولا يموتون. والمفعول محذوف، أي: لا يُقْضَى عليهم الموت. وحسن حذفه هنا لأنه لو قيل: لا يُقْضَى عليهم الموت فيموتون، كان تكريرا يغني من جميعه بعضه، ولا توكيد أيضا فيه فيحتمل لفظه. وعلى كل حال فقد بينا في كتابنا هذا -وفي غيره- حسن حذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وأنه لا يصدر إلا عن فصاحة عذبة.
وقراءة العامة في هذا أوضح وأشرح؛ وذلك أن فيه نفي سبب الموت، وهو القضاء عليهم. وإذا حذف السبب فالمسبب أشد انتفاء، ومن هذا قولهم: لم يقم زيد أمس؛ فنفي الماضي بلفظ المستقبل؛ وذلك أن المستقبل أسبق رتبة في النفس من الماضي، فإذا نفي الأصل كان الفرع أشد انتفاء، ونظائره كثيرة، فتأمله.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَمَكْرًا سَيئًا"١.
قال أبو الفتح: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، وقراءة العامة أقوى معنى؛ وذلك أن "المكر" فيها معرفة لإضافته إلى معرفة، أعنى "السَّيِّئ"، فكأنه قال: والمكرَ السَّيِّئ الذي هو عالٍ مستكرَه مستنكَر في النفوس. وعليه قال من بعد: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وأبدل "استكبارا" وما بعده من النكرة قبله، وهي هو من قوله: ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾، وحسن تنكير الاستكبار لأنه أدنى إلى "نفور" مما بعده. وقد يحسن مع القرب فيه ما لا يحسن مع البعد، واعتمد ذلك لقوة معناه بتعريفه، والإخبار عنه بأن مثله لا يخفى، لعظمه وشناعته.
_________________
(١) ١ سورة فاطر: ٤٣.
[ ٢ / ٢٠٢ ]