بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ الثقفي: "قَافَ"١، بفتح الفاء.
وقرأ: "قافِ" -بالكسر- الحسن وابن أبي إسحاق.
قال أبو الفتح: يحتمل "قاف"، بالفتح أمرين:
أحدهما أن تكون حركته لالتقاء الساكنين، كما أن من يقرأ: "قاف" بالكسر كذلك، غير أن من فتح أتبع الفتحة صوت الألف؛ لأنها منها، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين.
والآخر أن يكون "قاف" منصوبة الموضع بفعل مضمر، غير أنه لم يصرفها لاجتماع التعريف والتأنيث "في"٢ معنى السورة.
وأما قراءة الحسن "صاد٣" بالكسر فقد تقدم أنه يريد بها مثال الأمر من صاديت، أي: عارض عملك بالقرآن، فلا وجه لإعادته.
وقيل: "قاف" جبل محيط بالأرض، فكان قياسه الرفع، أي: هو "قاف" وقد تمحل الفراء في هذا، فقال: جاء ببعض الاسم كقوله:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف٤
وفي هذا ضعفت، ألا ترى إلى الفتح والكسر فيه؟
ومن ذلك قراءة يحيى والأعرج وشيبة وأبي جعفر وصفوان بن عمرو: "إِذَا مِتْنَا٥"، بغير استفهام.
_________________
(١) ١ سورة ق: ١. ٢ زيادة يقتضيها نظم الأسلوب. ٣ انظر الصفحة: ٢٣٠ من هذا الجزء. ٤ انظر الصفحة ٢٠٤ من هذا الجزء. ٥ سورة ق: ٣.
[ ٢ / ٢٨١ ]
قال أبو الفتح: يحتمل هذا أمرين:
أحدهما حذف همزة الاستفهام على القراءة العامة، فحذفها تخفيفا، وقد مضى نحو هذا، وذكرنا ضعفه١.
والآخر أن يكون غير مريد للهمزة، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعد رجعنا ونشورنا ودل قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ على هذا الفعل الذي هو "بعد"، كما أن قولك: إذا زرتني فلك درهم ناب قوله: فلك درهم عن الفعل الذي استحققت "عليه"٢ ردهما، وإن كان قوله: فلك درهم جوابا، وقوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد﴾ أي بعيد في التقدير والظن، لا في الزمان؛ لأنهم لم يكونوا يعترفون البعث، لا قريبا ولا بعيدا.
ومن ذلك قراءة الجحدري: "لَمَّا جَاءَهُم٣"، بكسر اللام.
وقراءة الجماعة: " لَمَّا جَاءَهُم".
قال أبو الفتح: معنى "لَمَّا جَاءَهُم"، أي: عند مجيئه إياهم، كقولك أعطيته ما سأل لطلبه، أي: عند طلبه ومع طلبه، وفعلت هذا لأول وقت، أي: عند ومعه، وكقولك في التاريخ: لخمس خلوان، أي: عند خمس خلوان، أو مع خمس خلوان. فرجع ذلك المعنى إلى معنى القراءة العامة: ﴿لَمَّا جَاءَهُم﴾، أي: وقت مجيئة إياهم قال:
شنئت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقاربها الرياح٤
أي: عند وقتها [١٥٠ظ] وقال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ٥﴾ أي: عند وقتها.
ومن ذلك ما يروى عن النبي -ﷺ-: "وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ٦" و"بَاصقَاتٍ".
_________________
(١) ١ انظر الصفحة: ٥٠ من الجزء الأول والصفحة: ٢٠٥ من هذا الجزء. ٢ زيادة يقتضيها نظم الأسلوب. ٣ سورة ق: ٥. ٤ العقر: موضع. وقاريها: متتبعها. وانظر اللسان "عقر". ٥ سورة الأعراف: ١٨٧. ٦ سورة ق: ١٠.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
قال أبو الفتح: الأصل السين، وإنما الصاد بدل منها؛ لاستعلاء القاف؛ فأبدلت السين صادا لتقرب من القاف؛ لما في الصاد من الاستعلاء، ونحوه قولهم في سقر: صقر، وفي السقر الصقر؟
وروينا عن الأصمعي قال: اختلف رجلان من العرب في السقر، فقال أحدهما: بالصاد وقال الآخر: بالسين؛ فتراضيا بأول من يقدم عليهما، فإذا راكب فأخبراه ورجعا إليه، فقال: ليس كما قلت، ولا كما قلت: إنما هو الزفر. وهذا أيضا تقريب الحرف من الحرف، وذلك أن السين مهموسة، والقاف مجهورة، فأبدل السين زايا، وهي مجهورة، والزاي أخت السين، كما أن الصاد أختها. وهذا التقريب للحرف من الحرف باب طويل منقاد، وهو في فصل الإدغام، وما أصنعه وألطفه وأظرفه!
ومن ذلك ما روى عن أبي بكر "﵁" عند خروج نفسه: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بالْمَوْتِ١"، وقرأ بها سعيد بن جبير وطلحة.
قال أبو الفتح: لك في هذه الباء ضربان من التقدير:
إن شئت عاقتها بنفس "جاءت"، كقولك: جئت بزيد، أي: أحضرته٢ وأجأته٣ وإن شئت علقتها بمحذوف، وجعلتها حالا، أي: وجاءت سكرة الحق ومعها الموت، كقولنا: خرج بثيابه: أي: وثيابه عليه. ومثله قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ٤﴾، أي: وزيتنته عليه، ومثله قول الهذلي:
يعثرن في حد الظبات كأنها كسيت برود بني يزيد الأذرع٥
أي: يعثرن وهن في حد الظبات، وكقوله - أنشده الأصمعي:
ومتنة كاستنان الخرو ف قد قطع الحبل بالمرود٥
_________________
(١) ١ سورة ق: ١٩. ٢ في ك: أحصرته، بالصاد. وهو تحريف. ٣ أجأته: جئت به. ٤ سورة القصص: ٧٩. ٥ انظر الصفحة ٨٨ من هذ الجزء.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أي قطعه: وفيه مردوده، وكذلك القراءة العامة: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾: إن شئت علقت الياء بنفس "جاءت" على ما مضى.
وإن شئت علقتها بمحذوف وجعلتها حالان فكأنه قال: وجاءت سكرة الموت ومعها الحق.
فإن قلت: فكيف يجوز أن تقول: جاءت سكرة الحق بالموت، وأنت تريد به: وجاءت سكرة الموت بالحق، فياليت شعري أيتهما الجاثية بصاحبتها؟
قيل: لاشتراكهما في الحال، وقرب إحداهما من صاحبته صار كأن كل واحدة منهما جاثية بالأخرى؛ لأنهما ازدحمنا في الحال، واشتبكتا حتى صارت كل واحدة منهما جاثية بصاحبتها؛ كما يقول، الرجلان المتوافيان في الوقت الواحد إلى المكان -كل واحد منهما لصاحبه-: لا أرى أأنا سبقتك، أم أنت سبقتني؟.
ومن ذلك قراءة الحسن: "أَلْقِيَا فِي جَهَنَّم١"، بالنون الخفيفة.
قال أبو الفتح: هذا يؤكد قول أصحابنا في "ألقيا": إنه أراد "ألقيا"، وأجرى الوصل فيه مجرى الوقف، كقوله: يا حرسي٢ اضربا عنقه.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود والحسن والأعمش: "يَوْمَ يقال لِجَهَنَّمَ٣".
قال أبو الفتح: هذا يدل على أن [١٥١و] قولنا: ضرب زيد ونحوه لم يترك ذكر الفاعل للجهل به، بل لأن الغناية انصرفت إلى ذكر وقوع الفعل بزيد، عرف الفاعل بهن أو جهل؛ لقراءة الجماعة: ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾، وهذا يؤكد عندك قوة العناية بالمفعول به.
وفيه شاهد وتفسير لقول سيبويه في الفاعل والمفعول: وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ومن شدة قوة العناية بالمفعول أن جاءوا بأفعال مسندة إلى المفعولن ولم يذكروا الفاعل معها أصلا، وهي نحو قولهم: امتقع لون الرجل، وانقطع به، وجن زيد، ولم يقولوا: امتقعه ولا انقطعه، ولا جنه. ولهذا نظائر، فهذا٤ كإسنادهم الفعل إلى الفاعل البتة فيما لا يتعدى، نحو قام زيد، وقعد جعفر.
_________________
(١) ١ سورة ق: ٢٤. ٢ الحرسي: واحد حرس الملك، وهم أعوانه. ٣ سورة ق: ٣٠. ٤ في ك: فكذاك إسنادهم.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي العالية ويحيى بن يعمر ونصر بن سيار: "فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ١"، بكسر القاف مشددا.
قال أبو الفتح: هذا أمر للحاضرين، ثم لمن بعدهم. فهو كقولك: قد أجلتك٢ فانظر هل لك من منجي أو من وزر؟ وهو فعلوا من النقب، أي: ادخلوا وغوروا في الأرض، فإنكم لا تجدون لكم محيصا.
ومن ذلك قراءة السدي: "أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ٣".
قال أبو الفتح: أي: ألقي منه، وهذا كأنه أندى معنى إلى النفس من القراءة العامة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ معناه: ألقي سمعه نحو كتاب الله تعالى وهو شهيد، أي: قلبه حاضر معه، ليس غرضه أن يصغى كما أمر بالإصغاء نحو القرآنن ولا يجعل قلبه إليه، إلا ظاهر الأمر وأكثره أن إذا ألقي سمعه أيض فقلبه أيضا نحوه ومعه.
وهذه القراءة المنفردة كأنها أشد تشابه لفظ: لأن ظاهرها أن قلبه ألقي إليه، وليس في اللفظ أنه هو ألقاه، فاتصل بعض ببعض، فكأنه ألقي سمعه إليه وقلبه، حتى كأن ملقيا غيره ألقي سمعه إلى القرآن. وليس عجيبا أن يقال: إن قلبه عند ذلك معه، لأنه إذا كان هو الذي ألقه نحوه فالعرف أن يكون قلبه معه، وهو شاهد لا غائب.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وطلحة: "وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب٤"، بفتح اللام.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك٥، وذكرنا رأي أبي بكر ونحوه من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الفاء، كالوضوء، والولوع، والطهور، والوزوع٦، والقبول، وأنها صفات مصادر محذوفة، أي: توضأت وضوءا وضوءا، أي وضوءا حسنا. وكذلك هذا أي: ما مسنا من لغوب لغوب، فيصف اللغوب بأنه لغوب، أي لغب ملغب.
_________________
(١) ١ سورة ق: ٣٦. ٢ هذه الكلمة غير واضحة في الأصل، وسيأتي الكلام يؤذن أنها "أجلتك" كما أثبتناها. ٣ سورة ق: ٣٧. ٤ سورة ق: ٣٨. ٥ انظر الصفحة ٢٠١ من هذا الجزء. ٦ الوزوع: الإغراء.
[ ٢ / ٢٨٥ ]