بسم الله الرحمن الرحيم
الحُلوانيّ عن شباب عن أحمد بن موسى عن أبي عمرو وعيسى الثقفي: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهَنًا عَلَى وَهَنٍ"١، بفتح الهاء فيهما.
قال أبو الفتح: الكلام هنا كالكلام فيما ذكرناه آنفا في قوله تعالى: "إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ"٢، وعلى أنه قد حكى أبو زيد: "فَمَا وَهِنُوا"٣، قراءة. فقد يمكن أن يكون "الوهَن" مصدر هذا الفعل، كقولهم: وَضِرَ٤ وَضَرًا، ووَحِرَ٥ وَحَرًا.
ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبي رجاء الجحدري وقتادة ويعقوب: "وَفِصَلُهُ فِي عَامَيْنِ"٦.
قال أبو الفتح: الفصل أعم من الفصال؛ لأنه مستعمل في الرضاع وغيره، والفصلا هنا أوقع؛ لأنه موضع٧ يختص بالرضاع. فإما الفصال مصدر فاصلته فغير هذا المعنى وإن كان الأصل واحدا. ومعنى ف ص ل قريب من معنى ف س ل؛ وذلك أن الفسل الدني من الناس، والدني هو الساقط. وإذا سقط الإنسان انقطع عن معظم ما عليه الناس، ولذلك قالوا: فيه هو ساقط. ومنقطع ومتأخر، فالمعنى إذا راجع إلى الانفصال والانقطاع.
_________________
(١) ١ سورة لقمان: ١٤. ٢ انظر الصفحة السابقة من هذا الجزء، والصفحة ٨٤ من الجزء الأول. ٣ سورة آل عمران: ١٤٦. ٤ وضر: اتسخ بالدسم. ٥ وحر: اشتد غضبه، ووغر صدره. ٦ الآية السابقة من سورة لقمان. ٧ ساقطة في ك.
[ ٢ / ١٦٧ ]
ومن ذلك قراءة عبد الكريم الجزري١: "فَتَكُنْ فِي صَخْرَة٢"، بكسر الكاف.
قال أبو الفتح هذا من قولهم٣: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلا، وهي أيضا عشه الذي يبيض فيه، ووكره. ومنه قوله:
وقد أغتدى والطير في وكناتها٤
وقد وكن يكن وكونا فهو واكن، وجمعه وكون، كقاعد وقعود. قال:
يذكرني سلمى وقد حال دونها حمام على بيضاتهن وكون٥
وكأنه من مقوب الكون؛ لأن الكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تكون في منزله واستقر.
ومن ذلك قراءة يحيى بن عمارة: "وَأَصْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"٦.
قال أبو الفتح: أصله السين، إلا أنها أبدلت للغين بعدها صادا، كما قالوا في سالغ٧: صالغ، وفي سالخ: صالح، وفي سقر: صقر، وفي السقر الصقر٨. وذلك أن حروف الاستعلاء تجتذب السين عن سفالها إلى تعاليهن، والصاد مستعلية، وهي أخت السين في المخرج، وأخرى حروف الاستعلاء، وهذا التقريب بين الحروف مشروح الحديث في باب الإدغام، ومنه قولهم في سطر: صطر، وفي سويق: صويق.
_________________
(١) ١ هو عبد الكريم بن مالك الأموي مولاهم أبو سعيد الأموي الجزري الخضرمي، بكسر المعجمة الأولى، نسبة إلى خضرم، قرية باليمامة أصله منها. روى عن المسيب ومقسم، وروى عنه ابن جريج والسفيانان وخلق. ثقة، ثبت مات سنة ١١٧. الخلاصة: ٢٠٥. ١ سورة لقمان: ١٦. ٢ ساقطة في ك. ٣ لامرئ القيس من معلقته، وعجزه: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وأعتدى: أبكر. والمنجرد: الماضي في سيره، ويقال: هو القليل الشعر. والأوابد: الوحوش. والهيكل: الفرس العظيم الجرم. وانظر شرح المعلقات السبع للزوزني: ٢٨. ٦ سورة لقمان: ٢٠. ٧ السالغ، من البقر أو الغنم: التي خرج نابها، وسلغت، كمنع، سلوغا. ٨ في البحر "٧: ١٩٠": إن إبدال السين صادا لغة لنبي كلب، يبدلونها إذا جامعت العين، أو الخاء، أو القاف - صادا.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وحكى يونس عنهم١ في السوق: الصوق، وروينا عن الأصمعي، قال: تنازع رجلان في السقر، فقال أحدهما: بالصاد، والآخر: بالسين، فتراضيا بأول من يجتاز بهما، فإذا راكب يوضع، فسألاه، فقال: ليس كما قلت ولا كما قلت، إنما هو الزقر.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَبَحْرٌ يُمِدُّهُ٢"، وهي قراءة طلحة بن مصرف.
وقرأ جعفر بن محمد: "والبَحْرُ مِدَادُه" "١٢٥ظ".
وقرأ الأعرج الحسن: "والبَحْرُ يُمِدُّه"، برفع الياء.
قال أبو الفتح: في إعراب هذه الآية نظر؛ وذلك أن هناك حذفا، فتقديره: فكتب بذلك كلمات الله ما نفدت، فحذف ذلك للدلالة عليه، كما أن قوله ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ٣﴾، أي: فحلق فعليه فدية، فاكتفي بالمسبب، وهو الفدية من السبب، وهو الحلق، ونظائره كثيرة في القرآن وفصيح الكلام.
وأما رفع "بحر" فالابتداء، وخبره محذوف، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر. ولا يجوز أن يكون "وبحر" معطوفا على "أقلام"؛ لأن البحر وما فيه من الماء ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، كما قرأ جعفر بن محمد: "والبَحرُ مِدَادُه".
فأما رفع "البحر" فإن شئت كان معطوفا على موضع "أن٤" واسمها وإن كانت مفتوحة، كما عطف على موضعها في قوله سبحانه: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٥، وقد ذكرنا ما في ذلك وكيف يسقط اعتراض من تعقب فيه فيما مضى. ويدل على صحة العطف هنا، وأن الواو ليست بواو حال قراءة أبي عمرو وغيره: "وَالْبَحْرَ يَمُدُّه
"، بالنصب، فهذا عطف على "ما" لا محالة. ويشهد بجواز كون الواو حالا هنا قراءة طلحة بن مصرف: "وَبَحْرٌ يُمِدُّه"، أي: وهناك بحر يمده من بعده سبعة أبحر، فهذه واو حال لا محالة.
_________________
(١) ١ في ك: وحكى يونس في السوق. ٢ سورة لقمان: ٢٧. ٣ سورة البقرة: ١٩٦. ٤ أي من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ . ٥ سورة التوبة: ٣.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وأما "وَالْبَحْرُ يُمِدُّه"، بضم الياء فتشبيه بإمداد الجيش١، يقال: مد النهر، ومده نهر آخر، وأمددت الجيش بمدد. قال الله تعالى: ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ٢﴾،
قال العجاج:
ما قري مدة قري٣
فأما قول الآخر:
نظرت إليها والنجوم كأنها قناديل مرس أوقدت بمداد٤
فليس من المداد الذي يكتب به، وإنما أراد هنا ما يمدها من الدهن، كذا فسروه، وليس بقوي أن تكون قراءة جعفر بن محمد: "والبَحرُ مِدَاده"، أي: زائدة فيه؛ لأن ماء البحر لا يعتد زائدا في الشجر والأقلام؛ لأن ليس من جنسه، فالمداد هناك إنما هو هذا المكتوب به بإذن الله.
ومن ذلك قراءة موسى بن الزبير: "الْفُلُك٥"، بضم اللام.
قال أبو الفتح: حكى أبو الحسن عن عيسى بن عمران، قال: ما سمع، أو ما سمعنا: فعل إلا وقد سمعنا فيه: فعل؛ فقد يكون هذا منه أيضا، وقد ذكرناه قبل٦.
ومن ذلك: "بنِعْمَاتِ الله٥"، ساكنة العين، قرأها جماعة منهم الأعرج.
_________________
(١) ١ في ك: الجيوش. ٢ سورة الأنفال: ٩. ٣ قرى الماء: مسيلة من التلاع، وجمعه أقربه. وانظر الديوان: ٦٨. ٤ البيت للأخطل، ويروى الشطر الأول: رأوا بارقات بالأكف كأنها ويروى "رأت" مكان "رأوا"، و"مصابيح" مكان "قناديل"، و"سرج" مكان "مرس"، ولم نعثر على معنى مناسب لكلمة "مرس" وقد يكون محرفة. وانظر الديوان: ١٣٦، واللسان "مد". ٥ سورة لقمان: ٣١. ٦ انظر الصفحة ١٣٧ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٧٠ ]
قال أبو الفتح: ما كان على فعلة ففي جمعه بالتاء ثلاث لغات: فعلات، وفعلات، وفعلات: كسدرة وسدرات، وسدرات، وسدرات. وكذلك فعلة فيها الثلاث أيضا: الإتباع. والعدول عن ضمة العين إلى فتحها. والسكون هربا من اجتماع الضمتين: كغرفة وغرفات وغرفات، وغرفات.
قال أبو علي: ما يدل على أن الألف والتاء في هذا النحو في تقدير الاتصال، وأنهما ليستا كناء التأنيث في نحو: سدرة، وبسرة - اطراد الكسر في نحو: سدرات، وكسرات، وعذرات١، مع عزة فعل في الواحد، يريد إبلا، وما لحق به مما لم يذكره صاحب الكتاب. ذكر ذلك عند تفسيره قول سيبويه: [١٢٦و] إنك لو سميت رجلا بذيت لقلت فيه: ذيات، بتخفيف الياء فيمن رواه هكذا. وذكر هناك أيضا صحة الواو في نحو: خطوات، ورشوات مع ضمة ما قبلها، قال: ولو كانت الألف والتاء في تقدير الانفصال لما صحت الواو في نحو: خطوات، كما لا يصح في فعلة من غزوت إذا بنيتها على التذكير فقلت: غزية؟
وأنا من بعد أرى أن تسكين عين فعلات، كنعمات وسدرات -أمثل من تسكين عين فعلات، كغرفات؛ وذلك أن صدر سدرات قليل النظير، إنما هو إبل، وإطل٢، وأمرأة بلز للضخمة، ومالا بال به. وصدر فعلات كثيرن كبرد، ودرج، وقرط.
ومن قال: كسرات، فأثبت كسرة السين لم يقل كذلك في رشوات؛ لأنه إن كسر الشين انقلبت الواو ياء. وكذلك مديات لا تضم ثانيها؛ لئلا تنقلب الياء واوا، فيقال: مدوات كما كان يجب في رشوات رشيات، لكنهم جنحوا فيهما إلى الإسكان الذي كان مستعملا في الصحيح العين، نحو: ظلمات، وكسرات. فأما الفتح فجائز حسن نحو: رشوات، ومديات؛ لأن حرفي العلة تصحان هنا بعد الفتحةن نحو: قنوات، وحصيات.
وأنا أرى أن إسكان عين فعلات مما جاء في الشعر من الأسماء نحو قول ذو الرمة:
أبت ذكر عدون أحشاء قلبه خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل٣
ليس العذر فيه كالعذر في قولهم: ظبية وظبيات، وغلوة٤ وغلوات؛ وذلك أنه
_________________
(١) ١ العذرات: جمع العذرة، وهي الهيئة من العذر. ٢ الأطل: الخاصرة. ٣ انظر الصفحة ٥٦ من الجزء الأول. ٤ الغلوة: الغاية مقدار رمية سهم.
[ ٢ / ١٧١ ]