بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ أبو جعفر: "كافْ هَا يَا عَين صَاد١".
وقرأ: "كافْ هَا يُا عَين صَاد"، بفتح الهاء، ورفع "الياء" - الحسن.
وقرأ: "كافْ هُا يَا عَين صَاد"، بضم الهاء٢ وفتح الياء - الحسن أيضا.
قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم في حروف المعجم٣ ضرب من الاتساع، وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان من ضروب التصرف، وهذه الحروف جوامد لا حظ لها في التصرف؛ لأنها كـ"ما" و"لا" و"هل" و"قد" و"بل" و"إنما". وإنما أتاه ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، كقولنا: الهاء حرف هاوٍ، والواو والياء والألف [٩٦و] حروف الإعلال، وفي الصاد والزاي والسين صفير، والميم حرف ثقيل.
فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة؛ فتصرفت، فحملت الإمالة والتفخيم.
فمن فتح ولم يفخم ولم يُمِلْ فعلَى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخم اعتمد ما ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال "يا" فأمال - جنح بالإمالة إلى الياء، كما جنح بها إليها في نحو قولك: السَّيَال٤ والهِيَام٥. ومن فخم تصور أن عين الفعل في الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه الألِفَات -وإن كانت مجهولة أنه٦ لا اشتقاق لها- فإنها تُحمَلُ على ما هو في اللفظ مشابِهٌ لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها
_________________
(١) ١ سورة مريم: ١. ٢ قال في البحر "٦: ١٧٢" قال: أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم، وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب. ٣ "في حروف المعجم" ساقطة في ك. ٤ السيال: نبات له شوك أبيض طويل، إذا نزع خرج منه اللبن، أو ما طال من السمر. المفرد: سيالة. ٥ الهيام: جمع هيمان، وهو الذي أصابه الهيام بالضم، وهو مثل الجنون من العشق. ٦ أي: لأنه لا اشتقاق لها.
[ ٢ / ٣٦ ]
أن يعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له، ولذلك حمل الخليل ألف آءَة١ على أنها من الواو، فقال: كأنها من أُؤتُ٢. وبمثل ذلك ينبغي أن يحكم في راءَة٣ وصاءَة٤، حتى كأنها في الأصل روَأة وصوَأة. فهذا قول جامع في هذا الضرب من الألِفات، فَاغْنَ به عما وراءه.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: "ذَكَّرَ رَحْمَة رَبِّكَ٥".
قال أبو الفتح: فاعل: ذَكَّرَ ضمير ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي هذه الحروف أوله وفاتحته يُذَكِّرُ رحمةَ ربِّكَ، فهو كقوله "تعالى": ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ٦﴾ . وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾، أي: هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يُقَصُّ عليك، أو يُتْلَى عليك ذِكْرُ رحمةِ ربِّك عبدَهُ زَكَرِيَّا.
ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص٧ وابن يعمَر وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وشُبَيل بن عزرة٨: "خَفَّتِ الْمَوَالِي٩"، بفتح الحاء والتاء مكسورة.
قال أبو الفتح: أي قَلَّ بنو عمي وأهلي، ومعنى قوله -والله أعلم: "مِنْ وَرَائي"، أي مَنْ أُخَلِّفُه بعدي. قوله: "مِنْ وَرَائي" حال متوقَّعَة محكية. أي: خَفُّوا مُتوقَّعًا مُتصوَّرًا
_________________
(١) ١ الآءة: واحدة الآء، وهو ثمر شجر. ٢ أؤت: جاء به على الأصل فهمز. وأوت الأديم: دبغته. ٣ الراءة: واحدة الراء، وهو شجر. ٤ الصاءة: الماء الذي في السَّلى، أو على رأس الولد، والسلى: الجلدة فيها الولد من الناس والمواشي. ٥ سورة مريم: ٢. ٦ سورة الإسراء: ٩. ٧ هو سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، ولد عام الهجرة، وهو أحد أشراف قريش، ممن جمع السخاء والفصاحة، وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ﵁. استعمله عثمان على الكوفة. وتوفي في خلافة معاوية سنة ٥٩. الاستيعاب: ٢: ٦٢١. ٨ هو شبيل بن عزرة الضبعي من خطباء الخوارج وعلمائهم، وكان أولا شيعيا نحو سبعين سنة، ثم انتقل إلى الشراة. أقام بالبصرة، وأخذ الناس عنه الغريب، ولم يزل بها إلى أن مات. إنباه الرواة: ٢: ٧٦. ٩ سورة مريم: ٥.
[ ٢ / ٣٧ ]
كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا، أي: مُتَصَوَّرًا صيدُه بهِ غدًا، ومثله قول الله١ "تعالى": ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ٢﴾، أي مُتَصَوَّرًا خُلُودُهُم فيها مدةَ دوامِ السمواتِ والأرضِ. فإذا أشفقت من ذلك فارْزُقْنِي وَلَدًا يَخْلُفُنِي.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس "﵉" وابن يعمَر وأبي حرب بن أبي الأسود٣ والحسن والجحدري وقتادة وأبي نَهِيك وجعفر بن محمد: "يَرِثُنِي وَارثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ٤".
قال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد؛ وذلك أنك تريد؛ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي منه أو به وَارثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، وهو الوارث نفسه، فكأنه جَرَّدَ منه وارثًا. ومثله قول الله "تعالى"
: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ٥﴾، فهي نفسها دارُ الخلد، فكأنه جَرَّدَ من الدارِ دارًا، وعليه قول الأخطل:
بنزوةِ لصٍّ بعد ما مرَّ مُصعَبٌ بأشعثَ لا يُفْلَى ولا هو يَقْمَلُ٦
ومصعب نفسه [٩٦ظ] هو الأشعثُ٧، فكأنه استخلص منه أشعثَ. ومثله قول الأعشى:
_________________
(١) ١ في ك: قوله. ٢ سورة هود: ١٠٧: ١٠٨. ٣ قرأ أبو حرب على أبي الأسود أبيه، قرأ عليه حمران بن أعين. وقد ولاه الحجاج جوخا، وهو نهر عليه كورة واسعة في سواد بغداد بالجانب الشرقي. وتوفي سنة ١٠٩. طبقات ابن الجزري: ١: ٢٦٦، وإنباه الرواة: ١: ٢١. وفي نسختي الأصل: "وأبي حرب بن الأسود"، سقط. ٤ سورة مريم: ٦. ٥ سورة فصلت: ٢٨. ٦ قبله: فسائل بني مروان ما بال ذمة وحبل ضعيف لا يزال يوصل من قصيدة يمدح الشاعر فيها خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، أحد أجواد العرب. ويروى "يغسل" مكان "يقمل". وفلى رأسه: بحثه عن القمل. وفي نسختي الأصل: يقلى بالقاف، وهو تحريف. وقمِل رأسُه، كفرح: صار ذا قمل. ٧ في الديوان "١١": وأشعث، يعني ابن زياد، وكان مصعب قتله، فجاء أخوه عبيد الله بن زياد بن ظبيان ومصعب مثخن فاحتز رأسه. ويفسر محقق الخصائص "٢: ٤٧٥" الأشعث هنا بالوتد، لشعث رأسه، ولم يذكر مرجعه في هذا التفسير.
[ ٢ / ٣٨ ]
أمْ مَنْ جَاءَ مِنْها بِطائِفِ الأهْوَالِ١*
وهي نفسُها طائفُ الأهوال. وقد أفردنا لهذا الضرب من العربية بابا من كتاب الخصائص٢ فاعرفه، فإنه موضع غريب لطيف وطريف. وقد ذكرناه أيضا فيما مضى٣.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "الْكِبَرِ عَتِيًّا"٤، ١ بفتح العين.
وكذلك قرأ أيضا: "أَوْلَى بِهَا صَلِيًّا"٥، بفتح الصاد. وقال ابن مجاهد: لا أعرف لهما في العربية، أصلا، قال ابن مجاهد: ويقرأ مع ذلك "بُكِيًّا" بضم الباء.
قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد ذلك لأن له في العربية أصلا ماضيا، وهو ما جاء من المصادر على فعيل نحو: الحويل٦، والزويل٧، والشخير، والنخير٨. فأما "البكِىّ" فجماعة، وهي فعول: كالحثيّ٩، والدني، والفلي، جمع فلاة، والحلي.
ومن ذلك قراءة شبيل١٠ بن عزرة: "فَأَجَأها"١١، مثل فألجأها.
قال أبو الفتح: رواها ابن مجاهد أيضا أنها من المفاجأة، إلا أن ترك همزها إنما هو بدل لا تخفيف قياسي. وقد يجوز أن تكون القراءة على التخفيف القياسي، إلا أنه لطفت لضعف
_________________
(١) ١ من قوله: لات هنا ذكرى جبيرة أم من جاء منها بطائف الأهوال وروي "أو" مكان "أم"، ولات هنا الخ: ليس الوقت وقت ذكرى جبيرة. يريد: إليك عني أيتها الذكرى، فليس الوقت وقت جبيرة أو رسولها الذي يطرقنا بالأهوال. ومجيء "هنا" للزمان قليل، لأنه بطريق الحمل. انظر الديوان: ٣، والدرر اللوامع: ١: ٩٩ وحاشية الصبان على الأشموني. ٢ الخصائص: ٢: ٤٧٣. ٣ المحتسب: ١: ١٠٥. ٤ سورة مريم: ٨. ٥ سورة مريم: ٧٠. ٦ الحويل: جودة النظر، والقدرة على التصرف. ٧ والزويل" الذهاب والاستحالة. وفي: ك: الرويل بالراء، وهو تحريف. ٨ النخير: مد الصوت في الخياشيم. ٩ الحثى: جمع حاث، من حثا التراب، أي صبه. ١٠ في الأصل شبل، والصواب شبيل. وانظر الصفحة ٣٧ من هذا الجزء، وإنباه الرواة: ٢: ٧٦. ١١ سورة مريم: ٢٣، وأجأه إليه: ألجأه.
[ ٢ / ٣٩ ]
الهمزة بعد الألف فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها يشهد لقراءة الجماعة: ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ . وقد يمكن أن يكون أراد مثل: أجاءها إذا أبدلت همزته ألفا فيكون التشيبه لفظيا لا معنويا.
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب١ وبكر بن حبيب السهمي٢: "نَسْئًا"٣، بفتح النون مهموزة؟
قال أبو الفتح: قال أبو زيد نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا فتصب عليه ماء، واسمه النسء والنسيء، وأنشد:
سَقُونِي نَسْئًا قَطَعَ الماءُ مَتْنَهُ يُبِيلُ على ظَهْرِ الفِرَاشِ ويُعْجِلُ
فتأويل هذه القراءة -والله أعلم- يا ليتني مِتُّ قبل هذا، وكنت كهذا اللبن المخلوط. بالماء في قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: "وَكُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا"٤، أي: كنت كالشيء المحقر ينساه أهله، ونَزَارَة٥ أمره.
ومن ذلك قراءة مسروق: "يُسَاقِطْ"٦، بالياء خفيفة.
_________________
(١) ١ هو محمد بن كعب بن سليم بن عمرو وأبو حمزة، ويقال: أبو عبد الله القرظي، تابعي. ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلمن وقيل: رآه. ونزل الكوفة، ثم رجع إلى المدينة. روى عن عائشة وأبي هريرة وغيرهما. وردت عنه الرواية في حروف القرآن. قال عون بن عبد الله: ما رأيت أحد أعلم بتأويل القرآن من القرظي. توفي سنة ١٠٨، وقيل غير ذلك. طبقات القراء: ٢: ٢٣٣. ٢ بكر بن حبيب السهمي: هو والد عبد الله المحدث، كان عالما بالعربية في طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر. وهو أكبر من الخليل، ولم يكن له شهرته. والسهمي نسبة إلى سهم بن عمرو بن ثعلبة، بطن من باهلة. وانظر إنباه الرواة: ١: ٢٤٤. ٣ سورة مريم: ٢٣. ٤ قال في البحر "٦: ١٨٣": وقرأ الجمهور بكسر النون، وهو فعل بمعنى مفعول، كالذبح، وهو ما من شأنه أن يذبح وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وابن أبي ليلى وحمزة وحفص بفتح النون. ٥ الظاهر أن الأصل: لحقارته ونزارة أمره. ٦ سورة مريم: ٢٥، ويكون ضمير "يساقط" للجذع، كما في البحر "٦: ١٨٥".
[ ٢ / ٤٠ ]
قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شيء، وعليه قول ضابئ البرجمي:
يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِها سِقَاطَ حَدِيدِ القَين أَخْوَلَ أَخْوَلا١
أي يسْقُطُ قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شيء.
ومن ذلك قراءة طلحة: "رُطَبًا جِنِيًّا"، بكسر الجيم.
قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من "جِنِيًّا" كسرة النون، وشبه النون وإن لم تكن من حروف الحلق بهن في نحو صَأَى٣ الفرخ صِئِيا، وفي نحو: الشخير، والنخير٤، والنغيق٥ والشعير، والبعير، والرغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد الله.
وله في تشبيهه النون بالحرف الحلقي عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون متعالية، كما أنهن سوافل: فكل في شقه مضاد لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس قال في همزة صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان [٩٧و] وصحراوات وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو، لأن كل واحدة منهما طارفة في جهتها؛ فجعل تناهيهما في البعد طريقا إلى تلاقيهما في الحكم.
وبعد فالعرب تجري الشيء مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها قالت: طَوِيل كما قالت: قَصِير، وشَبْعان كجَوْعان، وكَرُمَ كلَؤُمَ، وعَلِمَ كجَهِلَ؟ ولأجل هذا قال بعضهم: إن قَوِيَ فعل في الأصل حملا على نظيره الذي هو ضَعُفَ، وفي هذا كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجمين في النحسين إذا تقابلا: استحالا سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودة. والمعاني في هذا٦ العالم متلاقية على تفاوُتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طَبٍّ٧ بها وملاطف لها.
_________________
(١) ١ لضابئ البرجمي يصف الثور والكلاب. والروق: القرن. وأَخْوَلَ أَخْوَلا: متفرقا. وانظر الخصائص: ٢: ١٣٠، اللسان "خول، وسقط". ٢ سورة مريم: ٢٥. ٣ صأى الفرخ ونحوه: صوت. ٤ النخير: مد الصوت في الخياشيم. ٥ النغيق: صوت الغراب، أو هو في الخير. والنعيب في الشر. وفي ك: النفيق، وهو تحريف. ٦ في ك: والمعنى، وهو تحريف. ٧ الطب: الحاذق الماهر في عمله.
[ ٢ / ٤١ ]
ومن ذلك قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِنَ١".
وروى عن أبي عمرو: "تَرَئِنَّ"، بالهمز.
قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقَلُه، وعليه قراءة الجماعة: ﴿تَرَيِنَّ﴾، بالياء لما ذكرنا٢. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز في نحو هذا، وأنشدوا:
كَمُشْتَرِئ بِالْحَمْدِ أَحْمِرَةً بُتْرَا٣
نعم، وقد حكى الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قول الله: "تعالى": ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ ٤، فشبه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو؛ من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذر ما وليس قويا، ولا تُرَيَنَّ هذه الهمزة هي همزة رأيت، تلك قد حذفت للتخفيف في أصل الكلمة "تَرْأَيْنَ"؛ فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على الراء فصارت "تَرَيْنَ"، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير هذه الملفوظ بها.
وأما قراءة طلحة: "فَإِمَّا تَرَيِن" فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم الرفع، وهو النون في حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون في الجزم، وأنشد أبو الحسن:
لَوْلَا فَوَارِسُ مِنْ قَيْسٍ وَأُسْرَتِهِمْ يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ٥
كذا أنشده "يُوفُونَ" بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه "لم" بلا.
ومن ذلك قراءة أبي نهيك وأبي مجلز: "وبِرًّا٦"، بكسر الباء.
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٢٦. ٢ في ك: بالياء، بدون "لما ذكرنا". ٣ روي بالخيل مكان بالحمد. والبتر: جمع أبتر، وهو المقطوع الذنب. "الخصائص: ٣: ٢٧٩، وشرح شواهد الشافية: ٤٠٩". ٤ سورة آل عمران: ١٨٦. ٥ روي ذهل وجرم مكان قيس، وروي مكانها أيضا نعم، وهذه تحريف. وروى أسرتهم بالرفع معطوفا على فوارس، وبالجر معطوفا على ذهل. وذهل: اسم لقبيلتين: ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، والأخرى ذهل بن ثعلبة بن عكاية. وهما من ربيعة. والصليفاء: مصغر صلفاء، وهي الأرض الصلبة، والمكان أصلف. ويقال: صلفاء، كجرباء، والجمع الأصالف والصلافي. ويوم الصلفاء: من أيام العرب، لكن الشاعر صغره. وهو لهوازن على فزارة وعبس، وانظر اللسان "صلف"، والخزانة: ٣: ٦٢٦، والبيت فيهما غير منسوب. ٦ سورة مريم: ٣٢.
[ ٢ / ٤٢ ]
قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ ١﴾، كأنه قال: ألزمني بِرًّا، وأشعرني بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به؛ فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب:
يَذْهَبْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا٢*
أي: ويسلكن غورا، وبيته أيضا:
فَإنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنَانَ وَالِدًا وَدُونَ مَعْدٍّ فَلْتَزَعْكَ الْعَوَاذِلُ٣
عطف "دونَ" الثانية على موضع "من دونِ" الأولى، نظائره كثيرة جدًّا. وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، كقولها٤:
فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ
على غير حذف المضاف.
ومن ذلك قراءة طلحة: "وريًِا"٥، خفيفة بلا همز.
_________________
(١) ١ في الآية: ٣١ من سورة مريم. ٢ للعجاج يصف ظعائن منتجعات، يأتين مرة نجدا، وهو ما ارتفع من بلاد العرب، ومرة الغور، وهو ما انخفض من بلادها. ولم نعثر على الشاهد في ديوان العجاج، وانظر الكتاب: ١: ٢٤٩ ٣ البيت للبيد من قصيدة في رثاء النعمان بن المنذر. وروي باقيا مكان والد. وتزعك: تكفك. والعواذل: يريد بها ما يزع من حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليها مجاز. أي: لم يبق لك أب حي إلى عدنان، فكف عن الطمع في الحياة. الديوان: ٢٥٥، والكتاب: ١: ٣٤، والخزانة: ١: ٣٣٩. ٤ في هامش الأصل: أي: الخنساء. وصدره: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت والبيت من قصيدة ترثي بها الخنساء أخاها صخرا. وضمير ترتع للعجول المذكورة في قولها: فما عجول على بو تطيف به قد ساعدتها على التحنان اظآر والعجول: الثكلى، تريد بها الناقة. والبو: جلد ولد الناقة إذا مات حين تلده أمه، يحشى تبنا، ويدنى منها فتشمه، وترأمه، وتدر عليه. والتحنان: الحنين. والأظآر: جمع الظئر، وهي العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس وغيرهم، تريد أن وجدها لأخيها لا يقل عن وجد ناقة ثكلى، كلما غفلت عن ولدها أقبلت ترتع، فإذا ذكرته حنت إليه، وجعلت تقبل وتدبر ذاهلة حيرى. انظر الديوان: ٤٨، والكتاب: ١: ١٦٩، والخزانة ١: ٢٠٧. ٥ سورة مريم: ٧٤.
[ ٢ / ٤٣ ]
وقرأ: "وَزِيًّا"، [٩٧ظ] بالزاي سعيد بن جبير ويزيد البربري والأعسم المكي.
قال أبو الفتح١: النظر من ذلك في "وَرِيًّا"
، خفيفة بلا همز٢؛ وذلك أنه في الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، فأصله -وهو من الهمز- "ورِثْيًا" كَرِعْيًا، على قراءة أبي عمرو وغيره؛ فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "وَرِيًّا".
ويجوز أن يكون من رويت قال أبو علي: وذلك لأن المريان نضارة وحسنا؛ فيتفق إذا معناه ومعنى "وزيا" بالزاي. وأصله على هذا "رِوْيٌ"، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت٣ في الياء بعدها؛ فصارت "وَرِيًّا".
حدثنا أبو علي عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاث أضرب: "ورِثْيًا"، "وَرِيًّا"، "وَزِيًّا" فهذا هذا.
فأما "رِيًا"، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع؛ فصارت في التقدير "رِيئًا"، ثم خفف على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء؛ فصارت "رِيًا"، كقولك في تخفيف نيء: أكلت طعاما نِيًا، وفي تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة٤ من قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البِوَة، وذلك أنها في الأصل بِوْءَة، لأنها فِعْلَة من تَبَوَّأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت "بِوَة" وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين في "رِيًا" بالتخفيف.
والآخر أن يكون يريد "رِيًا" من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، كما قال: أتاني القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم في الطَّيَّة٥ والنية: الطِيَة والنِّيَة، بحذف إحدى الياءين. وينبغي أن تكون المحذوفة من ذلك كله هي الياء الثانية؛ لأمرين:
أحدهما أنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما٦ حذف.
_________________
(١) ١ "قال أبو الفتح" ساقطة في ك. ٢ يمهد بهذا للخفيفة غير المهموزة. ٣ في ك: فأدغمت. ٤ البيئة: اسم من أباءه منزلا وفيه، أي: أنزله. ٥ الطية: من معانيها: الحاجة والوطر. ٦ ما زائدة.
[ ٢ / ٤٤ ]
والآخر أنها لام، وقد كثر حذف اللام حرف علة: كمائة، ورِئة، وفِئة. وقلما تحذف العين، فهذا هذا.
وأما "الزِّي"، بالزاي ففِعل من زَوَيْت؛ وذلك أنه لا يقال لمن له شيء واحد من آلته: زِيٌّ١، حتى تكثر آلته المستحسنة، فهي إذا من زويْت، أي جمعت.
ومن قول النبي "ﷺ": "زُوِيَت لِيَ الأرضُ" ٢، أي جمعت، ومن قول الأعشى؛
يَزِيدُ يغُضّ الطرْفَ دُونِي كَأَنَّما زَوَى بين عَيْنَيْه علَى المَحَاجِمِ٣
وأصلها زِوْيٌ، فقلبت الواو على ما مضى، وأدغمت في الياء.
ومن ذلك قراءة أبي نهيك: "كَلًّا سَيَكْفُرُون٤"، بالتنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن تكون "كلا" هذه مصدران كقولك: كل السيف كلا، فهو إذًا منصوب بعفل مضمر، فكأنه لما قال: "سبحانه": ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ٥﴾ قال الله "سبحانه" رادا عليهم: "كلا"، أي: كل الرأي والاعتقاد كلا، ورأوا منه رأيا [٩٨و] كلا، كما يقال: ضعفا لهذا الرأي وفيالة٦، فتم الكلام، ثم قال "تعالى" مستأنفا فقال: كل رأيهم كلا، ووقف، ثم قال من بعد: "سيكفرون"، فهناك إذا وقفان: أحدها "عزا"، والآخر "كلا"؛ من حيث كان منصوبا بفعل مضمر، لا من حيث كان زجرا وردا وردعا.
ومن ذلك قراءة السلمى: شيئ أدا٧، بالفتح.
قال أبو الفتح: الأد، بالفتح: القوة.
_________________
(١) ١ لعلها: له زي. بقيته كما في النهاية "٢: ١٤٥": فرأيت مشارقها ومغاربها. ٣ البيت من قصيدة يهجو بها الشاعر يزيد بن مسهر الشيباني. والمحاجم: جمع المحجم، وهو مشرط الحجام. وانظر الديوان: ٧٩. ٤ سورة مريم: ٨٢. ٥ هي الآية من سورة مريم. ٦ فال رأيه يفيل: اخطأ وضعف. ٧ سورة مريم: ٨٩.
[ ٢ / ٤٥ ]
قال:
نَضَوْنَ عَنِّي شِرَّةً وَأَدَّا مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتُ صَمُلًّا نَهْدَا١
فهو إذًا حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جِئْتُم شيئا ذا أدٍّ، أي: ذا قوة. فهو كقولهم رجل زَوْر٢ وعَدْل وضَيْف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، كقول الخنساء:
تَرْتَعُ مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا ادَّكَرَتْ فإنما هِيَ إقبالُ وإدبارٌ٣
إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هي الإقبال والإدبار، أي: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف، بل لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علي:
ألّا أصبحَتْ أسماءُ جَاذِمَةَ الْحَبْلِ وَضَنَّتْ عَلَيْنَا وَالضَّنِينُ مِنَ الْبُخْلِ٤
أي: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب، أي: والبخل من الضنين؛ لصغر معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا.
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ قَبْلَكَ وَالْمُطْلِ٥
وأنشدنا أيضا:
وَهُنَّ مِنَ الإخْلافِ وَالْوَلَعانِ٦
ويكفي من هذا كله قول الله "سبحانه": ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ٧، أي من العَجَلَة، لا من الطين كما يقول قومٌ؛ لقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الشرة: النشاط والحدة. والصمل: الشديد الخلق من الناس والإبل والجبال والنهد: المشرف الجسيم. ٢ رجل زور: زائر. ٣ انظر ص٤٣ من هذا الجزء. وفي الأصل: وترتع، وصوابها: ترتع. ٤ البعيث. وجذم حبل الوصال: قطعه. والضنين: البخيل. وانظر اللسان "ضن، وجذم". والخصائص: ٢٠٢، ٣: ٢٥٩. ٥ رواه ابن جني في التمام: "١٤٣" كما هنا ولم ينسبه، إلا أن فيه بعدك مكان قبلك، ورواه في الخصائص: "٢: ٢٠٣" كما هنا. ٦ صدره: لِخَلّابَةِ الْعَيْنَيْنِ كَذّابَةِ الْمُنَى وانظر اللسان "ولع"، والخصائص: ٢: ٢٠٣ ٧ سورة الأنبياء: ٣٧. ٨ بقية الآية السابقة.
[ ٢ / ٤٦ ]