بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة الناس: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ١، وقرأ: "فَصَلَتْ" بفتح الفاء والصاد خفيفة عكرمة والضحاك والجحدري، ورُويت عن ابن كثير٢.
قال أبو الفتح: معنى "فَصَلت": أي صدَرت وانفصلت عنه ومنه، وهو كقولك: قد فَصَل الأمير عن البلد: أي سار عنه.
ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف مجاهد ويحيى بن يعمر٣ ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن أفزى٤ والجحدري وابن أبي إسحاق وأبي رَزِين٥ وأبي جعفر محمد بن علي وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد والضحاك وأبي الأسود٦: "يَثْنُونِي صُدُورُهُم"٧ على
_________________
(١) ١ سورة هود: ١. ٢ هو عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي من بني عبد الدار، وأبو معبد المكي، إمام أهل مكة في القراءة. ولد بمكة سنة ٤٥، وأخذ القراءة عرضًا عن عبد الله بن السائب، وعرض أيضًا على مجاهد بن جبر ودرباس مولى عبد الله بن عباس. وروى القراءة عنه إسماعيل بن عبد الله القسط وحماد بن مسلمة والخليل بن أحمد وكثير غيرهم. وتوفي سنة ١٢٠. طبقات ابن الجزري: ١/ ٤٤٣. ٣ هو يحيى بن يعمر، أبو سليمان العدواني البصري، تابعي جليل. عرض على ابن عمر وابن عباس وأبي الأسود الدؤلي. وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق. توفي سنة ٩٠. طبقات ابن الجزري: ٢/ ٣٨١. ٤ كذا في نسختي الأصل، وفي القاموس وتفسير البحر ٥/ ٢٠٢: "أبزى" بالباء، وهو من التابعين. ٥ هو مسعود بن مالك، ويقال: ابن عبد الله، أبو رزين الكوفي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن. روى عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب -﵄- وروى عنه الأعمش. "طبقات ابن الجزري: ٢/ ٢٩٦. ٦ هو ظالم بن عمرو بن سفيان أبو الأسود الدؤلي، ثقة جليل، أول من وضع مسائل في النحو بإشارة علي -﵁- أخذ القراءة عرضًا عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب -﵄- ورى القراءة عنه ابنه أبو حرب ويحيى بن يعمر. توفي بالبصرة سنة ٦٩. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٤٥. ٧ سورة هود: ٥.
[ ١ / ٣١٨ ]
تفعوعل، وقرأ: "تَثْنَوِنَّ صُدُورُهُمْ" ابن عباس بخلاف، وقرأ: "تَثْنَئِنَّ صدورُهم" عروة الأعشى، ورُويت عن عروة الأعشى أيضًا: "يَثْنؤنَّ صُدُورَهُمْ"، ورُوي ذلك عن مجاهد أيضًا، ورُوي عن ابن عباس: "تثْنوْنِ صُدُورُهُمْ "، ورُوي عن سعيد بن جبير وأحسبها وَهْمًا: "يُثْنُونَ صُدُورَهُمْ" بضم الياء والنون.
قال أبو الفتح: أما "تَثْنَوني" فتفعوعِل، كما قال: وهذا من أبنية المبالغة لتكرير العين؛ كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر فيه ذلك قيل: اعشوشب، واخلولقت السماء للمطر: إذا قويت أمارةُ ذلك، واغْدَوْدنَ الشعر: إذا طال واسترخى. أنشدنا أبو علي:
وقامت ترائيك مُغْدَوْدِنا إذا ما تنوء به آدها١
وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى قول الشاعر:
لو كنت تعطِي حين تُسْأَلُ سامحتْ لك النفسُ واحلولاك كل خليل٢
وقال حُميد بن ثور:
فلما مضى عامَين بعد انفصاله عن الضرع واحلولى دِماثًا يَرودُها٣
فهذا أقوى معنى من استحلى.
وأما "تَثْنَئِنَّ" و"تَثْنَوِنَّ" ففيهما النظر؛ فتثنئن تفعلِلَّ من لفظ الثِّنّ ومعناه، وهو ما هشَّ وضعف من الكلأ. أنشد أبو زيد ورويناه عنه:
يأيها الفُصيِّل الْمُعَنِّي إنك ريَّان فصَمِّت عَنِّي
يكفي اللقوحَ أكلةٌ من ثِنّ٤
_________________
(١) ١ لحسان. وتنوء به: تنهض به مثقلة. وآدها: بلغ منها المجهود. الديوان: ٣٦، والمنصف: ٣/ ١٣، ٣٠. ٢ انظر: اللسان "حلا". ٣ يروى: "أتى عامان" مكان "مضى عامين"، مضى عامين كأنه من قولهم: مضى سبيله، أو ضمن معنى طوى أو نحوه، والدماث: جمع دمث؛ وهو السهل اللين الكثير النبات من الأرض، يرودها: يجيء فيها ويذهب. الديوان: ٧٣، والكتاب: ٢/ ٢٤٢. ٤ يروى: "الفضيل ذا المعنى"، و"تكفي" مكان "يكفي". فصمت: فاصمت، وبعده: ولم يكن آثر عندي مني ولم تقم في المأتم المرن اللسان "ثنن".
[ ١ / ٣١٩ ]
وأصله: تثنانُّ، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى؛ فانقلبت همزة على ما مضى قبل، وعليه قول دُكَين:
راكدةٌ مِخلاتُه ومحلبُه وجُلُّه حتى ابيأَضَّ ملبَبُه١
يريد: ابياض، فحرك الألف فهمزها على ما مضى، والتقاء المعنيين أن "الثِّنَّ": ما ضعف ولان من الكلأ، فهو سريع إلى طالبه خفيف، وغير معتاص على آكله، وكذلك "صدروهم" مجيبة لهم إلى أن يثنوها؛ ليستخفوا من الله سبحانه.
وأما "تَثْنوِنَّ" فإنها تفعوْعل من لفظ الثِّنّ ومعناه أيضًا، وأصلها: تثنونِنُ، فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وكذلك قالوا: في مُفعوعل من رَددت مُرْدَوِدّ، وأصلها: مُرْدَوْدِدُ. فلما لم يكن ملحقًا وجب إدغامه؛ فنقلب الكسرة من الدال الأولى فأُلقيت "٧٧و" على الواو، وأُدغمت الدال في الدال فصار مُرْدوِدٌّ، وكذلك أصل هذه: تَثْنَوْنِنُ، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها على الواو، فأُدغمت النون في النون فصار "تَثْنَوِنَّ".
وذهب أبو إسحاق في قولهم: مصائب -بالهمز- إلى أن أصلها: مصاوب، فهمزت الواو لانكسارها، كما همزت في إسادة وإعاء، فقياسه على هذا أن تكون "تثنئنَّ" أصلها: تثنوِنُّ، فهمزت الواو لانكسارها، وعلى أن مذهب أبي إسحاق هذا مردود عندنا غير أن قياسه أن يقول ما ذكرنا.
وأما "تَثْنَوْنِ صُدُورُهُمْ" بنون مكسورة من غير ياء، ورفع "صدروهم" فإنه أراد الياء، فحذفها تخفيفًا كالعادة في ذلك، ولا سيما والكلمة طويلة بكونها على تفعوعل.
وأما "يَثْنَؤُنَّ صُدُورَهُمْ" بالنصب وبالهمزة المضمومة فَوْهم من حاكيه أو قارئه؛ لأنه لا يقال: ثنأت كذا بمعنى تَثَنيْتُه، وكذلك "يُثْنُونَ صُدُورَهُمْ"؛ لأنه لا يُعرف في اللغة أَثنيت كذا بمعنى ثَنيته، إلا أن يكون معناه يجدونها منثنية؛ كقولهم: أحمدته: وجدته محمودًا، وأذممته: وجدته مذمومًا.
ومن ذلك قراءة أُبي وابن مسعود٢: "وباطِلًا ما كانوا يَعْمَلُون"٣.
_________________
(١) ١ الملبب: موضع اللبة؛ وهو وسط الصدر. ٢ هو عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي المكي، أحد السابقين والبدريين والعلماء الكبار من الصحابة. عرض القرآن على النبي -ﷺ- وعرض عليه الحارث بن قيس وزر بن حبيش وعبيد بن قيس وغيرهم. وهو أول من أفشى القرآن من فِي رسول الله -ﷺ- وإليه تنتهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش. توفي بالمدينة آخر سنة ٣٢. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٤٥٨. ٣ سورة هود: ١٦.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال أبو الفتح: "باطلًا" منصوب بـ"يعملون"، "ما" زائدة للتوكيد؛ فكأنه قال: وباطلًا كانوا يعملون. ومن بعد ففي هذه القراءة دلالة على جواز تقديم خبر كان عليها؛ كقولك: قائمًا كان زيد، وواقفًا كان جعفر. ووجه الدلالة من ذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، و"باطلًا" منصوب بـ"يعملون"، والموضع إذن لـ"يعملون" لوقوع معموله متقدمًا عليه؛ فكانه قال: ويعملون باطلًا كانوا.
ومثله قول الله تعالى: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ ١ استدل أبو علي بذلك على جواز تقديم خبر كان عليها؛ لأن "إياكم" معمول "يعبدون"، وهو خبر كان، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه؛ بحيث يجوز وقوع العامل على ما قدمناه.
وعلى نحو من ذلك ما استدل أبو علي على جواز تقديم خبر المبتدأ عليه بقول الشماخ:
كلا يومَى طُوَالة وصْلُ أروى ظَنُونٌ آن مُطَّرَحُ الظنُونِ٢
فقال: "كلا" ظرف لقوله: "ظَنون"، و"ظنون" خبر المبتدأ الذي هو "وصل أروى"، فدل هذا على جواز تقديم "ظنون" على "وصل أروى"؛ كأنه قال: ظنون في كلا هذين اليومين وصل أروى؛ أي: هومتهم فيهما كليهما. وقد مضى نحو هذا.
ومن ذلك قراءة ابن عباس بخلاف وأيوب السختياني٣: "فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا"٤.
قال أبو الفتح: الجدل اسم بمعنى الجِدال والمجادلة، وأصل ج د ل في الكلام: القوة، منه قولهم: غلام جادل: إذا ترعرع وقوي، وركب فلان جَديلة رأيه: أي صمم عليه ولم يلِن فيه. ومنه الأجدل للصقر؛ وذلك لشدة خَلْقه، وعليه بقية الباب. وكذلك الجِدال إنما هو الاقتواء٥ على خصمك بالحجة، قال الله ﷿: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ٦ أي: مغالبة بالقول "٧٧ظ" وتقويا.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٤٠. ٢ طوالة: بئر في ديار فزارة لبني مرة وغطفان. والظنون: كل ما لا يوثق به. ويريد: قد حان أن أترك الوصل الظنون وأطرحه. الأمالي: ٢/ ٣٢، والسمط: ٦٦٣، ومعجم البلدان. ٣ هو أيوب بن أبي تميمة كيسان أبو بكر السختياني البصري، كان سيد العلماء وعلم الحفاظ ثبتًا من الأيقاظ، له نحو ثمانمائة حديث. توفي سنة ١٣١. شذرات الذهب: ١/ ١٨١. ٤ سورة هود: ٣٢. ٥ اقتوى عليه: تشدد وكان ذا قوة. ٦ سورة الكهف: ٥٤.
[ ١ / ٣٢١ ]
ونحو منه لفظًا قولهم: ظَبْي شادن: أي قد قوي واشتد، والشين أخت الجيم، والنون أخت اللام. ونحو منه قولهم: عطَوت الشيءَ: إذا تناولتَه، وقالوا: أتيت عليه: إذا ملكتَه واشتملت عليه. والعين أخت الهمزة، والطاء أخت التاء، والواو أخت الياء. وهذا باب من اللغة لعله لو تُقرِّيَتْ لأَتى على أكثرها، وقد أَتيتُ على كثير منه في كتاب الخصائص١.
ولولا أن القراء لا ينبسطون في هذه الطريق لنبهت على كثير منه. لا، بل إذا كان منتحلو هذا العلم والمترسمون به قلَّما تَطُوع٢ طباعهم لهذا الضرب منه، وإن اضطروا إلى فهم شيء من جملته أظهروا التجاهل به، ولم يشكروا الله ﷿ على ما لاح لهم وأعرض من طريقه؛ جريًا على عادة مستوخَمة، وإخلادًا إلى خليقة كرِهة مستوبَلة حسدًا يريهم٣ ونَغَلًا٤ يُجويهم. وما أقلهم مع ذلك عددًا! وكذلك هم بحمد الله ولو ضوعفوا مددًا، فما ظنك بالقراء لو جُشموا النظر فيه والتقري لغروره ومطاويه؟ جعلنا الله ممن يأوي إلى طاعته، وأودعنا أبدًا شكر نعمته.
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب -﵇- وعروة٥ بن الزبير وأبي جعفر محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "ونادَى نُوحٌ ابنَهَ"٦، ورُوي عنه عروة: "ابْنَها". وقرأ: "ابْناه" ممدوة الألف السدي٧ على النداء، وبلغني أنه على التَّرَثي٨، ورُوي عن ابن عباس: "نُوحٌ ابنَهْ" جزم.
قال أبو الفتح: أما "ابنَهَ" فإنه أراد ابنها، كما يُروى عن عروة فيما قرأ: "ابنها"؛ يعني: ابن امرأته؛ لأنه قد جرى ذكرها في قوله سبحانه: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ ٩، فحذف الألف تخفيفًا، كقراءة
_________________
(١) ١ الخصائص: ٢/ ١٤٥. ٢ تطوع: تنقاد. ٣ يفسد طويتهم، من روى القيح جوفه: أي أفسده. ٤ ونغلًا يجويهم: أي ضغنًا يفسد نفوسهم ويميل بها عن الجادة. ٥ هو عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله المدني. وردت الرواية عنه في حروف القرآن. روى عن أبويه وعائشة، وروى عنه أولاده والزهري وجماعة. مات سنة ٩٣ أو سنة ٩٥. طبقات ابن الجزري: ١/ ٥١١. ٦ سورة هود: ٤٢. ٧ هو إسماعيل بن عبد الرحمن، تابعي حجازي الأصل. سكن الكوفة. وكان إمامًا عارفًا بالوقائع وأيام الناس. الأعلام: ١/ ٣١٣. ٨ الترثي: الندبة، كما سيأتي. ٩ سورة هود: ٤٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
من قرأ: "يا أبَتَ"١. قال أبو عثمان يريد: يا أبتاه، وقد ذكرنا حذف الألف فيما مضى، وأنشدنا البيت الذي أنشده أبو الحسن وابن الأعرابي جميعًا:
فلستُ بمدرِك ما فات مني بلهفَ ولا بِلَيْتَ ولا لو اني٢
أراد: بهلفا، وغَيَّره.
وقراءة السدي: "ابناه" يريد بها الندبة، وهو معنى قولهم: "الترثِّي، وهو على الحكاية؛ أي قال له: يا ابناه، على النداء. ولو أراد حقيقة الندبة لم يكن بُد من أحد الحرفين: يا ابناه، أو واابناه، كقولك فيها: وازيداه، ويازيداه.
وأما "ابْنَهْ" بجزم الهاء، فعلى اللغة التي ذكرناها لأزد السراة في نحو قوله:
ومِطْواي مشتاقان لَهُ أَرِقَانِ٣
ومن قراءة الأعمش بخلاف: "على الْجُودِي" خفيف.
قال أبو الفتح: تخفيف ياءَي الإضافة قليل إلا في الشعر. أنشدنا أبو علي:
بَكِّي بعينكِ واكفَ القطر ابن الحواري العالي الذِّكْر٤
يريد: "الحواريّ". ورُوي عنهم: لا أكلمك حِيْرِيْ دهر بتخفف الياء، يريد: حِيْرِيّ دهر، وهذا في النثر، فعليه قراءة الأعمش: "الْجُودِي" خفيفًا.
ومن ذلك قراءة محمد بن زياد٥ الأعرابي: "فَضَحَكَتْ"٦ فتحًا.
قال أبو الفتح: روى ابن مجاهد قال: قال أبو عبد الله بن الأعرابي: الضَّحْك: هو الحيض، وأنشد "٧٨و":
ضَحْكُ الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوف يوم اللِّقا٧
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٤، وقرأ بهذه القراءة ابن عامر وأبو جعفر والأعرج. البحر: ٥/ ٢٧٩، والإتحاف: ١٥٨. ٢ انظر الصفحة ٢٧٧ من هذا الجزء. ٣ انظر الصفحة ٢٤٤ من هذا الجزء. ٤ لابن قيس الرقيات في رثاء مصعب بن الزبير. ويروى: "بدمعك" مكان "بعينك". النوادر: ٢٠٥. ٥ هو محمد بن زياد الأعرابي أبو عبد الله مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. كان ناسبًا نحويًّا كثير السماع رواية لأشعار القبائل كثير الحفظ. لم يكن بين الكوفيين أشبه برواية البصريين منه. توفي سنة ٢٣١، وقيل غير ذلك. إنباه الرواة: ٣/ ١٢٨ وما بعدها. ٦ سورة هود: ٧١. ٧ انظر: اللسان "ضحك".
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال: وأنشد:
فجاءت بِمَزْج لم يَرَ الناس مثله هو الضّحْك إلا أنه عمَل النحل١
وبعد، فليس في اللغة ضحَكَت؛ وإنما هو ضَحِكت؛ أي: حاضت. قال أحمد بن يحيى: ضحِكت وطَمِثت لوقتها، والضَّحك: الشهد؛ وهو الثلج، وقال أحمد بن يحيى: وهو الطلع، قال محمد بن الحسن: قلت لأبي حاتم في قوله:
تضحك الضبْع لِقتلي هذيلٍ٢
قال: من أين لهم أن الضبُع تحيض؟ وقال: يا بني، إنما تكشِر للقتلى إذا رأتهم، كما قالوا: يضحك العَيْر إذا انتزع الصلِّيَانَة٣.
ويقال فيه:
تضحك الضبْع لقتلَى هذيل
أي: تستبشر لقتلاهم لتأكلهم، فيهِرُّ بعضها على بعض، فجلعه ضحِكًا.
وترى الذئب لها٤ يستهلُّ
أي: يعوي، فيستدعي الذئاب فرحًا بذلك.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "وَهَذَا بَعْلِي شَيخ"٥.
قال أبو الفتح: الرفع في "شيخ" من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون "شيخ" خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه قال: هذا شيخ، والوقف إذن على قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾؛ لأن الجملة هناك قد تمت، ثم استأنف جملة ثانية فقال: "هذا شيخ".
والثاني: أن يكون "بعلي" بدلًا من "هذا"، و"شيخ" هو الخبر.
_________________
(١) ١ لأبي ذؤيب الهذلي. ويروى: "فجاء" مكان "فجاءت"، وهو ما يقتضيه السياق، فضمير جاء لجانب الخمر التي يشبه بها طيبًا في صاحبته، والضحك: العسل. انظر: ديوان الهذليين: ١/ ٤٢، واللسان "ضحك". ٢ لتأبط شرًّا، وعجزه: وترى الذئب بها يستهل ويروى: "لها" مكان "بها"، وينسب البيت للعدواني أيضًا. انظر: الجمهرة: ٢/ ١٦٧، واللسان "ضحك". ٣ الصليانة: مفرد الصليان؛ وهو نبت. ٤ رُوِي: "بها" مكان "لها" في الحاشية ٢ من هذه الصفحة. ٥ سورة هود: ٧٢.
[ ١ / ٣٢٤ ]
والثالث: أن يكون "شيخ" بدلًا من "بعلي"، وكأنه قال: هذا شيخ، كما كان التقدير فيما قبله: بعلي شيخ.
والرابع: أن يكون "بعلي" و"شيخ" جميعًا خبرًا عن هذا؛ كقولك: هذا حُلو حامض؛ أي: قد جمع الحلاوة والحموضة، وكذلك هذا: أي قد جمع البعولة والشيخوخة.
فإن قلت: فهل تجيز أن يكون "بعلي" وصفًا "لـ"هذا"؟ قيل: لا؛ وذلك أن هذا ونحو من أسماء الإشارة لا يوصف بالمضاف، ألا تراهم لم يجيزوا مررت بهذا ذي المال، كما أجاوزا مررت بهذا الغلام؟ وإذا لم يجز أن يكون "بعلي" وصفًا لـ"هذا" من حيث ذكرنا لم يجز أيضًا أن يكون عطف بيان له؛ لأن صورة عطف البيان صورة الصفة، فافهم ذلك.
وهنا وجه خامس: لكنه على قياس مذهب الكسائي؛ وذلك أنه يعتقد في خبر المبتدأ أبدًا أن فيه ضميرًا وإن لم يكن مشتقًّا من الفعل، نحو: زيد أخوك، وهو يريد النسب، فإذا كان كذلك فقياس مذهبه أن يكون "شيخ" بدلًا من الضمير في "بعلي"؛ لأنه خبر عن "هذا".
فإن قلت: فإن الكوفيين لا يُجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا إذا كان من لفظها، نحو قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ١، وليس قبل "شيخ" معرفة من لفظه، قيل: أجل، إلا أن هذا اعتبار في الاسمين الملفوظ بكل واحد منهما، فأما الضمير فيه فعلى قياس قول من استودعه إياه فلا لفظ له أيضًا فيعتبر خلافُه أو وفاقُه، وإذا سقط ذلك ساغ، وجاز إبدال النكرة منه لِما ذكرنا من تقديم لفظه المخالف للفظها.
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير والحسن بخلاف ومحمد بن مروان٢ وعيسى الثقفي وابن إبي إسحاق: "هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ"٣ بالنصب.
قال أبو الفتح: ذكر سيبويه هذه القراءة وضعفها، وقال فيها: احتَبى ابن مروان في لحنه٤، وإنما قبح ذلك عنده؛ لأنه ذهب إلى أنه جعل "هن" فصلًا، وليست "٧٨ظ" بين أحد الجزأين
_________________
(١) ١ سورة العلق: ١٥، ١٦. ٢ هو محمد بن مروان المدني القارئ، وردت عنه الرواية في حروف القرآن. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٢٦١. ٣ سورة هود: ٧٨. ٤ ليس في الكتاب ذكر للآية ولا للقراءة المعزوة إلى ابن مروان، وعبارته: "وأما أهل المدينة فينزلون "هو" هاهنا "يشير إلى مثاله: ما أظن أحدًا هو خير منك" بمنزلته من المعرفتين، ويجعلونها فصلًا في هذا الموضع، وزعم يونس أبا عمرو رآه لحنًا، وقال: احتبى ابن مروان في هذه في اللحن". الكتاب: ١/ ٣٩٧.
[ ١ / ٣٢٥ ]
اللذين هما مبتدأ وخبر ونحو ذلك، كقولك: ظننت زيدًا هو خيرًا منك، وكان زيد هو القائم.
وأنا من بعدُ أرى أن لهذه القراءة وجهًا صحيحًا؛ وهو أن تجعل "هن" أحد جزأي الجملة، وتجعلها خبرًا لـ"بناتي"، كقولك: زيد أخوك هو، وتجعل "أطهر" حالًا من "هن" أو من "بناتي"، والعامل فيه معنى الإشارة، كقولك: هذا زيد هو قائمًا أو جالسًا، أو نحو ذلك. فعلى هذا مجازه، فأما على ما ذهب إليه سيبويه ففاسد كما قال.
ومن ذلك ما رواه الحلواني١ عن قالون٢ عن شيبة: "أو آوِيَ"٣ بفتح الياء. ورُوي أيضًا عن أبي جعفر مثله. قال ابن مجاهد: ولا يجوز تحريك الياء هاهنا.
قال أبو الفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي سائغ٤ جائز؛ وهو أن تعطف "آوِيَ" على "قوة" فكأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا إلى ركن شديد. فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر فقد وجب إضمار أن ونصب الفعل بها، ومثله قول مَيْسُون بنت بَحْدَل الكليبية٥:
للبسُ عباءة وتقرَّ عيني أحب إلى من لُبس الشفوف٦
فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني؛ أي: لأن ألبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من كذا، وعليه بيت الكتاب أيضًا:
فلولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزَّةٌ وآلُ سُبيع أو أَسُوءك عَلْقَمَا٧
_________________
(١) ١ هو أحمد بن يزيد بن أزداذ، ويقال: يزداذ الصفار الأستاذ أبو الحسن الحلواني. إمام كبير عارف صدوق متقن ضابط. قرأ بمكة على أحمد بن محمد القواس، وبالمدينة على قالون، وبالكوفة والعراق على خلف وخلاد وجعفر بن محمد الخشكني وغيرهم. وقرأ عليه الفضل بن شاذان وابنه العباس وكثير غيرهما. توفي سنة نيف وخمسين ومائتين. طبقات ابن الجزري: ١/ ١٤٩. ٢ هو عيسى بن مينا وردان مولى بني زهرة أبو موسى الملقب قالون قارئ المدينة ونحويها. يقال: إنه ربيب نافع، وهو الذي سماه بقالون ومعناها بالرومية "جيد" لجودة قراءته. ولد سنة ١٢٠، وقرأ على نافع، وعرض على عيسى بن وردان. ورى القراءة عنه إبراهيم بن الحسين الكسائي وإبراهيم بن محمد المدني وأحمد بن صالح المصري وأحمد بن يزيد الحلواني وغيرهم. توفي سنة ٢٢٠. طبقات ابن الجزري: ١/ ٦١٥. ٣ سورة هود: ٨٠. ٤ في ك: ابن مجاهد سائغ. ٥ كذا في الأصل بصيغة التصغير، وفي هامشه: "قلت: صوابه الكلبية، بصيغة المكبرة؛ لأنه المعلوم حقًّا. وكتبه محققه محمد محمود بن التلاميد التركزي". ٦ يروى: "ولبس". والعباءة: جبة الصوف. والشفوف: ثياب رقاق تصف البدن، واحدها شف بكسر الشين وفتحها. الكتاب: ١/ ٤٢٦، والخزانة: ٣/ ٥٩٢، ٦٢١. ٧ للحصين بن الحمام المري. ويروى: "رزام بن مازن"، و"رزام بن مالك". والصواب: أن مالكًا هو ابن رزام لا أبوه، وهو رزام بن مازن بن ثعلبة بن مسعد بن ذبيان. وسبيع هو ابن عمرو بن فتية. وعلقم هو علقمة بن عبيد بن فتية. الكتاب: ١/ ٤٢٨، والمفضليات: ٦٦.
[ ١ / ٣٢٦ ]
أي: أو أن أسوءَك، فكأن قال: أو مساءَتي إياك، فكذلك هذه القراءة: لو أن لي بكم قوة أو أُوِيًّا؛ أي: أن آوِيَ إلى ركن شديد، وهذا واضح.
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "يُجْرِمَنَّكُمْ"١.
قال أبو الفتح: جَرَم الرجل ذنبًا إذا كسَب الْجُرْم، ثم ينقل فيقال: أَجْرَمْتُه ذنبًا إذا كسبته إياه، فعليه جاء: "لَا يُجْرِمَنَّكُم" أي: لا يَكْسِبَنَّكم بُغْضُ القوم تركَ العدل، كما يدعو الإنسان الحِفْظَة٢ والغضب إلى ما يَحوب٣ فيه وينال من دينه.
ومن ذلك قراءة السلمي: "بَعُدَتْ ثَمُودُ" بضم العين٤.
قال أبو الفتح: أما بَعُدَ فيكون مع الخير والشر، تقول: بَعُدَ عن الشر، وبَعُدَ عن الخير، ومصدرها البُعْدُ، وأما بَعِدَ ففي
الشر خاصة، يقال: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعَدًا، ومنه قولهم: أَبْعَدَه الله، فهو منقول من بَعِدَ؛ لأنه دعاء عليه، فهو من بَعِدَ الموضوعة للشر. فقراءة السلمي هذه: "أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعُدَتْ ثَمُودُ" متفقة الفعل مع مصدره، وإنما السؤال عن قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
وطريق ذلك أن يكون البُعْدُ بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله:
ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيْتُ عنه مُقَام الذئب كالرجل اللَّعِين٥
أي: مقام اللعين؛ أي: الْمُبْعَد، وعلى كل حال فالإبعاد للشيء نقص له وابتذال منه، فقد يلتقي معنى بَعِدَ مع معنى بَعُدَ من هذا الموضع، ألا ترى أنهم إذا أَدْنَوْا شيئًا من نفوسهم قالوا: هو الحبيب القريب، فالقرب على كل حال من صفات المدح، فنقيضه إذن من صفات الذم،
_________________
(١) ١ سورة هود: ٨٩. ٢ الحفظة: الحمية. ٣ يحوب: يأثم، والمصدر الحوب بفتح الحاء وتضم. ٤ سورة هود: ٩٥. ٥ للشماخ من قصيدة مدح بها عرابة بن أوس، وقبله: وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطير كالورق اللَّجين الورق اللجين: الذي ركب بعضه بعضًا فتلجن كما يتلجن بنات الخِطْمِي ويتلزج، أو الورق الساقط من الشجر عند ضربه بالعصا، وذعرت به: أي ذعرت فيه، ونفيت عنه مقام الذئب: أي نفيت الذئب عن مقامه، وخص القطا والذئب لأن القطا أهدى الطير، والذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى الماء، واللعين: الطريد الذي خلعه أهله لكثرة جناياته. الخزانة: ٢/ ٢٢٢ وما بعدها.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بِشَارَة وتَحَفٍّ به، فالقرب أولى به من البعد؛ ولهذ قالوا فيمن يُصطفى: قد أدناه منه، وقد قرُب من قلبه، وعليه قال:
ودارٌ أنت ساكنها حبيب تَوَددُهَا إلى قلبي قريب "٧٩و"
فهذا طريق قراءة الجماعة: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، وإن شئت كان من هذا الطَّرْز١، وإن شئت كان من معنى اللعنة.
ومن ذلك قراءة الزهري وسليمان٢ بين أرقم: "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"٣ بالتنوين. ابن مسعود والأعمش: "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ".
قال أبو الفتح: أما "لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" بالتنوين، فإنه مصدر كالذي في قوله سبحانه: ﴿وَيأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ٤ أي: أكلًا جامعًا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا: وإنَّ كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لَمًّا؛ أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعًا، ومحصلة٥ لأعمالهم تحصيلًا، فهو كقولك: قيامًا لأقومن، وقعودًا لأقعدن.
وأما "إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" فمعناه: ما كُلٌّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه؛ أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثانٍ؛ وهو أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة، وتجعل "إلا" زائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال:
أرى الدهر إلا منجنونا بأهله وما طلب الحاجات إلا مُعَلَّلا٦
_________________
(١) ١ النسق والطريقة. ٢ هو سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري مولى الأنصار، وقيل: مولى قريش. روى عن الحسن البصري قراءته، وهو ضعيف مجمع على ضعفه. روى الحروف عنه علي بن حمزة الكسائي. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١٢. ٣ سورة هود: ١١١. ٤ سورة الفجر: ١٩. و"يأكلون" بالياء قراءة أبي عمرو ويعقوب، ووافقهما اليزيدي، والباقون بالخطاب. وانظر: الإتحاف: ٢٧١. ٥ في ك: محصلة تحصيلًا. ٦ الرواية المشهورة: وما الدهر إلا منجنوبا بأهله وما طالب الحاجات إلا معذَّبا وينسب إلى بعض الغرب. والمنجنون: الدولاب الذي يستقى عليه، مؤنث. الخزانة: ٢/ ١٢٩.
[ ١ / ٣٢٨ ]
أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وتارة يخفضهم. وعلى ذلك أيضًا تأولوا قول ذي الرمة:
حَراجيجُ ما تنفك إلا مُنَاخَةً على الْخَسف أو تَرْمي بها بلدًا فقرا١
أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة.
ومن ذلك قراءة طلحة وقتادة والأشهب، ورُويت عن أبي عمرو: "ولا تَرْكُنُوا"٢ بضم الكاف.
قال أبو الفتح: فيها لغتان: رَكِنَ يَرْكَنُ كعلم يعلم، ورَكَن يَرْكُنُ كقتل يقتل، وحُكي عنهم رَكَن يَرْكَن فَعَل يَفْعَل، وهذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة؛ كأن الذي يقول: ركَن بفتح الكاف سمع مضارع الذي يقول: ركِن، وهو يركَن، فتركبت له لغة بين اللغتين، وهي رَكَن يَرْكَن، وقد ذكرنا في كتابنا الخصائص بابًا في تركيب اللغات٣.
وعليه كان أبو بكر يقول أيضًا في قولهم ضَفَن٤ الرجل يَضْفِن: إن قائل ذلك سمع قولهم: ضَيْفَنَ٥، وظاهر لفظ ذلك أن يكون فَيْعَلا؛ لأنه أكثر في الكلام٦ من فَعْلَن؛ فصارت نون ضَيْفَن وإن كانت زائدة كأنها أصل لما ذكرناه. فلما استعمل الفعل منه جاء به على ذلك فقال: ضَفَن يَضْفِن، فضَفَن يَضْفِن على حقيقة الأمر إنما هو فَلَن يَفْلِن؛ لأن الضاد فاء والفاء لام، وعين ضيف التي هي ياء محذوفة للشبهة الداخلة هناك من حيث ذكرنا، وله نظائر.
_________________
(١) ١ حراجيج: جمع حرجوج؛ وهي الناقة السمينة الطويلة على وجه الأرض. وفي ك: حراجيم، وهو تحريف، والخسف: الإذلال، وهو أيضًا المبيت على غير علف. انظر: الديوان: ١٧٣، والكتاب: ١/ ٤٢٨، والخزانة: ٤/ ٤٩. ٢ سورة هود: ١١٣. ٣ الخصائص: ١/ ٣٧٤ وما يليها. ٤ ضفن اليهم: أتاهم يجلس إليهم. ٥ الضيفن: مَن يجيء من الضيف متطفلًا. ٦ في ك: كلامهم.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف ورواه إسحاق الأزرق١ عن حمزة٢: "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ".
قال أبو الفتح: هذه لغة تميم، أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت تِعْلَم، وأنا إِعْلَم وهي تِعْلَم، ونحن نِرْكَب، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يِعْلَم، ويِرْكَب؛ استثقالًا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل مكسورة، نحو: تِنْطَلِق، ويوم تِسْوَدُّ وجوه وتِبْيَضُّ وجوه٣، فكذلك "فَتِمَسَّكُمُ النَّارُ".
فأما قولهم: أَبَيْتَ تِيبَي فإنما كسر أول مضارعه وعين ماضيه مفتوحة من قِبَل أن المضارع لما أتى على يَفْعَل -بفتح العين- صار كأن ماضيه مكسور العين حتى كأنه أَبِيَ، وقد شرحنا ذلك في كتابنا المنصف.
ومن ذلك: "وزُلُفًا"٤ بضم الزاي واللام، قرأ بها أبو جعفر يزيد وطلحة بن مصرف بخلاف، وعيسى وابن أبي إسحاق، وقرأ: "وزُلْفًا" بضم الزاي ساكنة اللام ابن محيصن ومجاهد.
قال أبو الفتح: مَن قال: "٧٩ظ" "زُلُفًا" بضم الزاي واللام جميعًا فواحدته زُلُفَة، وكبُسُرة وبُسُر فيمن ضم السين، ومَن قرأ: "زُلْفًا" بسكون اللام فواحدته زُلْفَة، إلا أنه جمعه جمع الأجناس المخلوقات، كبُرَّة وبُرّ، ودُرَّة ودُرّ؛ وذلك أن الزُّلْفَة جنس من المخلوقات وإن لم يكن جوهرًا، كما أن الدرة والبرة جوهر جنس من الجواهر. وعلى هذا أجاز أبو العباس في قولنا: ضربت ضربًا أن يكون جمع ضربة كحبة وحب، ومثله قول الآخر:
حتى اتَّقَوْهَا بالسلام والتَّحِي
_________________
(١) هو إسحاق بن يوسف بن يعقوب الأزرق أبو محمد الواسطي، ويقال: الأنباري. ثقة كبير القدر، قرأ على حمزة، وروى القراءة عن أبي عمرو وحروف عاصم عن أبي بكر بن عياش، وروى عن الأعمش وغيره، وروى القراءة عنه إسماعيل بن إبراهيم بن هود والحسن بن علي الأبح وغيرهما. توفي سنة ١٩٥، وقيل: سنة ١٩٤. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ١٥٨. ٢ هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الإمام الحبر، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، أحد القراء السبعة. ولد سنة ٨٠، أخذ القراءة عرضًا عن سليمان الأعمش وحمران بن أعين وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم، قرأ عليه ورى القراءة عنه إبراهيم بن ادهم وإبراهيم بن إسحاق بن راشد، وإسحاق بن يوسف الأزرق وكثير غيرهم. توفي سنة ١٥٦، وقيل غير ذلك. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٢٦١. ٣ من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ في سورة آل عمران: ١٠٦. ٤ سورة هود: ١١٤.
[ ١ / ٣٣٠ ]
يريد: جمع تحية.
والزُّلْفَة: الطائفة من الليل. وأما قراءة الجماعة: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فعلى الظاهر، نحو: غرفة وغرف، وصُفَّة وصُفَف.
ومن ذلك قراءة جعفر بن محمد والعلاء بن سَيَابَة، ورواه حسين الجعفي١ عن أبي عمرو: "وَأُتْبِعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا"٢ بضم الهمزة، وإسكان التاء، وكسر الباء.
قال أبو الفتح: هو عندنا على حذف المضاف؛ أي: أتبع الذين ظلموا جزاء ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين؛ أي: جزاء ما أُترفوا فيه وأجرموا فلم يشكروا؛ بل أُترفوا فيه مجرمين ظالمين.
_________________
(١) ١ هو الحسين بن علي بن فتح الإمام الحبر أبو عبد الله، ويقال: أبو علي، الجعفي مولاهم الكوفي الزاهد، أحد الأعلام. قرأ على حمزة، وروى القراءة عن أبي بكر بن عياش وأبي عمرو بن العلاء. وقرأ عليه أيوب بن المتوكل، وروى عنه القراءة خلاد بن خالد وغيره، تُوفي في ذي القعدة سنة ٢٠٣ عن أربع وثمانين سنة. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٢٤٨. ٢ سورة هود: ١١٦.
[ ١ / ٣٣١ ]