بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "يَاسِينَ والقُرْآنِ
"١، بفتح النون ابن أبي إسحاق -بخلاف- والثقفي.
وقرأ: "يَاسِينِ
"، بكسر النون أبو السمال وابن ابي إسحاق، بخلاف.
وهارون عن أبي بكر الهُذَليّ٢ عن الكلبي: "يَاسِينُ"، بالرفع. قال: فلقيت الكلبي فسألته، فقال: هي بلغة طيء: يا إنسان.
قال أبو الفتح: أما الكسر والفتح جميعا فكلاهما لالتقاء الساكنين؛ لأنه بنى الكلام على الإدراج، لا على وقف حروف المعجم؛ فحُرِّك فيه لذلك.
ومَن فتح هرب إلى خفة الفتحة لأجل ثقل الياء قبلها والكسرة.
ومن كسر جاء به على أصل حركة التقاء الساكنين. ونظيره قولهم: جَيْرِ٣، وهَيْتِ٤ لك، وإيهِ وسيبويه [١٣٣و] وعَمْرَوَيْهِ، وبابهما.
ومَن ضم احتمل أمرين: أحدهما أن يكون أيضا لالتقاء الساكنين٥، كحَوْبُ٦ في الزجر، ونحن، وهَيْتُ لك.
والآخر أن يكون على ما ذهب إليه الكلبيّ، ورُوّينا فيه عن قطرب:
فَيَا لَيْتَنِي من بعدِ فَاطا وأهلِهَا هلكْتُ ولم أسمَعْ بِها صوتَ إيسانِ٧
_________________
(١) ١ سورة يس: ١، ٢. ٢ هو أبو بكر الهذلي البصري، اسمه سُلمى -بضم أوله وسكون اللام- أو روح. روى عن الشعبي، وروى عنه وكيع، وضعفه أبو زرعة. مات سنة ١٦٧. الخلاصة: ٣٨٣. ٣ جير: نعم، أو أجل. ٤ هيت لك، مثلثلة الآخر: هلم. ٥ سقط في ك: "لالتقاء الساكنين". ٦ الحوب، في الأصل: الجمل، ثم كثر حتى صار زجرا له، فقالوا: حوب، مثلثة الباء. ٧ في اللسان "أنس" أن البيت لعامر بن جوين الطائي، وروايته "ما طاف" مكان "فاط"، وفيه أن "الإيسان" لغة طائية في الإنسان، وأن البيت لعامر بن جرير مكان جوين، وهو تحريف.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
ورواه أيضا: من بعد ما طاف أهلها، وقال: معناه صوت إنسان.
ويحتمل ذلك عندي وجها آخر ثالثا، وهو أن يكون أراد يا إنسان، إلا أنه اكتفى من جميع الاسم بالسين، فقال: ياسين، "فيا" فيه الآن حرف نداء، كقولك: يا رجل. ونظير حذف بعض الاسم قول النبي ﷺ: كفى "بالسيف شا"، أي: شاهدا، فحذف العين واللام. وكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، غير أنه جعل ما بقي منه اسما قائما برأسه، وهو السين، فقيل: ياسين، كقولك: لو قست عليه في نداء زيد: يا دال. ويؤكد ذلك١ ما ذهب إليه ابن عباس في "حم عسق" ونحوه أنها حروف من جملة أسماء الله "﷿"، وهي: رحيم، وعليم، وسميع، وقدير. ونحو ذلك. وشبيه به قوله:
قُلْنا لها قِفِي لَنا قالَتْ قَافْ٢
أي: وقفَتْ، فاكتفت بالحرف منه الكلمة.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وابن يعمَرَ ويزيد البربري وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن المهلب والنخعي وابن سيرين، بخلاف: "فَأَعْشَيْنَاهُمْ"٣.
قال أبو الفتح: هذا منقول من عَشِيَ يَعْشَى: إذا ضعف بصره فَعَشِيَ وأعشَيْتُه، كعَمِيَ وأعْمَيْتُه. وأما قراءة العامة: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ فهو على حذف المضاف، أي: فأغشيْنا أبصارَهُم: فجعلنا عليها غِشاوَة.
وينبغي أن يعلم أن غ ش ي يلتقي معناها مع غ ش و؛ وذلك أن الغشاوة على العين كالغشي على القلب، كل منهما يركب صاحبه ويتجلله، غير أنهم خصوا ما على العين بالواو، وما على
_________________
(١) ١ سقطت "ذلك" في ك. ٢ للوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان "﵁" لأمه، وكان يتولى الكوفة له، فاتهم بشرب الخمر، فكتب إليه الخليفة يأمره بالشخوص إليه، فخرج في جماعة، ونزل الوليد يسوق بهم، فقال: قلْتُ لها: قِفِي، فقالت: قاف لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف والنشوات من معتق صاف وعزف قينات علينا عزاف والإيجاف: العدو وهو أيضا: الحمل عليه وانظر شواهد الشافية: ٢٦١ وما بعدها. والخصائص: ١: ٣٠، والأغاني: ٥: ١٣١. ٣ سورة يس: ٩.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
القلب بالياء؛ من حيث كانت الواو أقوى لفظا من الياء، وما يبدو للناظر من الغشاوة على العين أبدى للحس مما يخامر القلب؛ لأن ذلك غائب عن العين، وإنما استدل عليه بشواهده لا بشاهده ومعاينه. ولهذا في هذه اللغة من النظائر ما لو أودع كتابا لكبر حجما، وكثر وزنا. ومحصول الحال واسع وكثير، لكن المحصل له نزر قليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومن ذلك قراءة ابن محيصن والزهري: "أَنْذَرْتَهُمْ"١، بهمزة واحدة على الخبر.
قال أبو الفتح: الذي ينبغي أن يعتقد في هذا أن يكون أراد همزة الاستفهام كقراءة العامة: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، إلا أنه حذف الهمزة تخفيفا وهو يريدها، كما قال الكميت:
طَرِبْتُ وما شَوقًا إلى البِيضِ أَطْرَبُ ولا لَعِبًا مِنِي وذُو الشَّيبِ يَلْعَبُ٢
قالوا: معناه: أو ذو الشيب يلعب؟ تناكُرًا لذلك، وتعجُّبًا. وكبيتِ الكتاب: [١٣٣ظ]
لعمْرُكَ ما أدْرِي وإن كنْتُ دارِيًا شُعيْثُ ابنُ سَهْمٍ أمْ شُعيْثُ ابنُ مِنْقَرِ٢
يريد: أشعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر؟
ويدل على إرادة هذه القراءة الهمزة وأنها إنما حذفت لما ذكرنا بقاء "أم" بعدها، ولو أراد الخبر لقال: أولم تنذرهم. فإن قيل: تكون "أم" هذه منقطعة، كقولهم: إنها لإبِل أمْ شَاءٌ٣، قيل: إذا قدرت ذلك بقي قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِم﴾ منقطعا لا ثاني له، وأقل ما يكون خبر سواء اثنان. فقد علمت٤ بهذا أن قول ابن مجاهد على الخبر لا وجه له، اللهم إلا أن يُتحمَّل له، فيقال: أراد بلفظ الخبر وفيه من الصنعة ما تراه.
ومن ذلك قراءة الماجشون: "أنْ ذُكِّرْتُمْ"٥، بهمزة واحدة مفتوحة مقصورة، ولا ياء بعدها وقرأ: "أَيْنَ" بهمزة بعدها ياء ساكنة، والنون مفتوحة "ذُكِرْتُمْ"، مضمومة الذال، خفيفة الكاف الأعمش وأبو جعفر يزيد.
_________________
(١) ١ سورة يس: ١٠. ٢ انظر الصفحة ٥٠ من الجزء الأول. ٣ جمع شاة، وهي الواحدة من الغنم، للذكر والأنثى. ٤ سقطت "علمت بهذا" في ك. ٥ سورة يس: ١٩.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قال أبو الفتح: أما "أَنْ ذُكِّرْتُم" فمنصوبة الموضع بقوله سبحانه: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، وذلك أنهم لما قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، أي: تشاءمنا، قالوا لهم جوابًا عن ذلك: بل ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، أي: بل شؤمكم معكم١ "أَنْ ذُكِّرْتُم"، أي: هو معكم لِأَنْ ذُكِّرْتُمْ، فلم تذكروا، ولم تنتهوا. فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير من المسبب الذي هو الانتهاء، على ما قدمناه من إقامتهم كل واحد من المسبب والسبب مقام صاحبه. ووضعوا الطائر أيضا موضع مسببه وهو التَّشَؤمُ٢، لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيقَ الغراب أو بُرُوحَه٣ ونحو ذلك. ومَن رأى أنّ "أنْ" قد حُذِفَ الجارُّ عن لفظها وإرادتِه فيها مجرورةً رأى ذٍلك هنا فيها، وهو الخليل.
وأما "أَيْنَ ذُكِرْتُمْ" فمعناه أين حَلَلْتُم، وكنتم، ووُجِدْتم؛ فَذُكِرْتُم. فاكتفى بالمسبب الذي هو الذكر من السبب الذي هو الوجود، و"أَين" هنا شرط وجوابها محذوف لدلالة ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ عليه، فكأنه قال: أَيْن ذُكِرْتُم، أو أين وجدتم شؤمكم معكم. وهذا كقولك: سَيفُك معك أين حَلَلْت، وجُودك معك متى٤ سئلت كنت جوادا، وكقولك: أنت ظالم إن فعلت، أي: إن فعلت ظلمت. ولا يجوز الوقوف في هاتين القراءتين على "معكم" لاتصال "أنْ" و"أين" بها، لكن على٥ قراءة من قرأ بالاستفهام: "أئِنْ ذُكِّرْتُم"؟ لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده؛ لأن له صدر الكلام؛ فكأنه قال: بل طائركم معكم ردًّا عليهم، ثم استأنف مستفهمًا، وهو يريد الإنكار.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر ومعاذ بن الحارث: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ"٦.
وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود: "إلا زَفْيَةً".
قال أبو الفتح: في الرفع ضعف؛ لتأنيث الفعل، وهو قوله: "كانت". ولا يقوى أن تقول: ما قامت إلا هند، وإنما المختار من ذلك: ما قام إلا هند؛ وذلك أن الكلام
_________________
(١) ١ سقطت "معكم" في ك. ٢ في ك: التشاؤم، وأصل التشاؤم: الأخذ إلى الشمال، وبه يكون تشاؤمهم. ٣ بروحه: مروره من الميامن إلى المياسر. ٤ في ك: "أين" ويبدو أن في العبارة سقطا بعد "سئلت"، وهو "أي متى سئلت كنت". ٥ أي: لكن يجوز على قراءة من قرأ. ٦ سورة يس: ٢٩.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
محمول على معناه، أي: ما قام أحد إلا هند. فلما كان هذا هو المراد المعتمد -ذكر [١٣٤و] لفظ الفعل، إرادة له، وإيذانا به. ثم إنه لما كان محصول الكلام: قد كانت صيحة واحدة جيء بالتأنيث؛ إخلادًا إليه، وحملا لظاهر اللفظ عليه. ومثله قراءة الحسن: "فَأَصْبَحُوا لا تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ"١ بالتاء في "ترى". وعليه قول ذو الرمة.
بَرَى النَّحْزُ والْأَجْرال ما في غُرُوضِها فما بقيتْ إلا الصدُورُ الجراشع٢
وأقوى الإعرابين: فما بقي إلا الصدور؛ لأن المراد ما بقي شيء منها إلا الصدور، على ما مضى.
وأما "زَقْيَةً" فيقال: زَقَا الطائر يَزْقُو ويَزِقِي زُقُوًّا وزُقِيًّا وزُقاء: إذا صاح، وهي الزَّقْوة والزَّقْية.
وأما أبو حاتم فصرّف الفعل على الواو، فلم ير للياء فيه تصريفا، وقال: أصلها "زقوة"، إلا أن الواو أبدلت للتخفيف ياء، وشبهه بقولهم: أرض مَسْنِيَّةٌ٣، وإنما هو مَسْنُوَّةٌ، وقوله:
أنا الليْثُ مَعْدِيًّا عليَّ وعادِيًا٤
أي: مَعْدُوًّا عليه، وأثبت أبو العباس أحمد بن يحيى الياء في "زَقْية" أصلا، وأنشدوا قوله:
وتَرَى المُكَّاء فِيهِ ساقِطا لَثِق الرِّيشِ إذَا زَفَّ زفى٥
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ٢٥. ٢ روي "طوى" مكان "برى" و"الأجراز" مكان "الأجرال"، وقد نبه على هذا في هامش نسخة الأصل. والنحز: الركل بالعقب. والأجرال: جمع جرل -بالتحريك- وهو المكان الصلب الغليظ. والأجراز: جمع جرز، وهي الأرض التي لا تنبت. والغروض جمع غَرْض -كسهم- وهو للرحل كالحزام للسرج. والجراشع: جمع جرشع، وهو الغليظ. وانظر الديوان: ٣٤١. ٣ مسنية: تسقيها السانية. ٤ صدره: وقد علمت عرسي مليكة أنني والبيت من قصيدة عبد يغوث الحارثي الجاهلي التي قالها لما أسرته تيم الرباب. ويروى "عليه" مكان "على". وانظر ذيل الأمالي: ١٣٣، وشواهد الشافية: ٤٠٠، ٤٠١. ٥ المكاء: طائر. ولثق الريش: مبتله. وزفى الطائر زفا وزفيفا: رمى بنفسه، أو بسط جناحيه.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وكأنه إنما استعمل هنا صياح الطائر: الديك ونحوه؛ تنبيها على أن البعث -بما فيه من عظيم القدرة وإعادة ما استرم١ من إحكام الصنعة وإنشار الموتى من القبور- سهل على الله "سبحانه"، كزَقْيَةٍ زَقَاها طائرٌ. فهذا نحو من قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٢، ونحو ذلك من الآي التي تدل على عظيم القدرة، جل الله جلالا، وعلا علوا كبيرا. وأنشد الفراء مستشهدا به على صحة الياء قوله:
تَلِدُ غُلامًا عارِمًا يُودِيكَ ولَو زَقَيْتِ كَزُقَاءِ الدِّيكِ٣
وقال: يُقال: زَقَوْتَ وزَقَيْتَ.
ومن ذلك قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وأبي الزناد: "يَا حَسْرَهْ"٤، ساكنة الهاء، "عَلَى الْعِبَادِ".
وقرأ: "يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ" -مضافًا- ابن عباس والضحاك وعلى بن حسين ومجاهد وأبي ابن كعب.
قال أبو الفتح٥: أما "يَا حَسْرَهْ"، بالهاء ساكنة ففيه النظر. وذلك أن قوله: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ متعلق بها، أو صفة لها. وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ووجه ذلك عندي ما أذكره. وذلك أن العرب إذا أخبرت٦ عن الشيء -غير مُعْتَمِدَتٍهٍ ولا مُعْتَزِمَةٍ عليه- أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ. المعبر به عنه. وذلك كقوله:
قُلْنَا لَها قِفِي لَنا قالَتْ قَافْ٧
معناه: وقفْتُ، فاقتصَرَتْ من جملة الكلمة على حرف منها؛ تهاوُنًا بالحالِ، وتثاقُلًا على الإجابة، واعتماد المقال. ويكفي في ذلك قول الله سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ
_________________
(١) ١ استرم: حان أن يرم ويصلح. ٢ سورة لقمان: ٢٨. ٣ ضبط "تلد" في الأصل بضم الدال، والوزن يقتضي تسكينها، أو اعتبار التاء خزما. وانظر الصفحة ١٣٤ من هذا الجزء. وعارما: شرسا مؤذيا. ٤ سورة يس: ٣٠. ٥ سقط في ك: قال أبو الفتح. ٦ في ك: خبرت. ٧ انظر الصفحة ٢٠٤ من الجزء.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ١. قالوا في تفسيره: هو كقولك: لا والله، وبلى والله. فأين سرعة اللفظ بذكر اسم الله تعالى هنا من التثبت فيه، والإشباع له، والمماطلة عليه من قول الهذلي:
فَوَاللهِ لا أَنْسَى قَتِيلا رُزِئْتُهُ بِجَانِبِ قُوسَى مَا مَشَيْتُ علَى الأرْضِ٢؟
أفلا ترى إلى تَطَعُّمِكَ٣ هذه اللفظة في النطق هنا٤ بها، وتَمَطِّيكَ لإشباع معنى القسم [١٣٤ظ] عليها؟ وكذلك أيضا قد ترى إلى إطالة الصوت بقوله من بعده:
بَلَى إنَّها تَعْفُو الكُلُومُ وإنما نُوكَّلُ بِالأَدْنَى وإنْ جَلَّ مَا يَمْضِي٥
أفلا تراهُ -لما أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط في اللفظ- أطال الإقامة على قوله: بلى؛ رجوعا إلى الحق عنده، وانتكاثًا عما كان عقد عليه يمينه؟ فأين قوله هنا: "فوالله"، وقوله: بلى، منهما في قوله: لا والله، وبلى والله؟
وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ ٦، أي: وكَّدتموها، وحققتموها وإذا أوليت هذا أدنى تأمل عرفت منه وبه ما نحن بسبيله وعلى سمته، وعلى هذا قال سيبويه: إنهم يقولون: سِيرَ عليه لَيْلٌ، يريدون: ليلٌ طويلٌ. وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل الياء، فيقولون: سِيرَ عليه ليلٌ٧، فقامت المدة مقام الصفة.
ومن ذلك ما تستعمله العرب من إشباع مدات التأسيس والردف والوصل والخروج عناية بالقافية، إذ كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما.
أخبرنا أبو أحمد الطبراني عن شيخ له ذكره عن البحتري، قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: استجيدوا القوافي، فإنها حوافر الشعر. وقال لي الشجري في بعض كلامه: القافية
_________________
(١) ١ في سورتي البقرة: ٢٢٥، والمائدة: ٨٩. ٢ لأبي خراش الهذلي في رثاء أخيه عروة، وقد قتل بقوسى: بلد بالسراة. وضبطت العبارة في القاموس والتاج بفتح القاف، وبالقلم في الأصل والديوان بضمها. وانظر ديوان الهذليين: ٢: ١٥٨، والحماسة: ١: ٣٣٢، والخزانة: ٢: ٤٥٨. ٣ في ك: تطفك، وهو تحريف. وتطعم الشيء: ذاقه. ٤ ساقطة في ك. ٥ يروى "على" مكان "بلى" وتعفو: تمحى. يريد أن حرقة الأسى وإن جلت يعفو أثرها مع الأيام، وإنما يشتد الجزع من المصيبة القريبة العهد. ٦ بقية الآية ٨٩ السابقة من سورة المائدة. ٧ عبارة الكتاب "١: ١"٢: "وتقول: سير عليه ليل طويل، وسير عليه نهار طويل وإن لم تذكر الصفة وأردت هذا المعنى رفعت إلا أن الصفة تبين بها معنى الرفع وتوضحه".
[ ٢ / ٢٠٩ ]
رأس البيت، وهذا ليس نقضا للأول، وإنما غرضه فيه أنها أشرف ما فيه، كما أن حوافر الفرس هي أوثق ما فيه، وبها نهوضه، وعليها اعتماده. ولقد تغنّى يوما خفير لنا بشعر مؤسس نحو قوله:
ألا عَلِّلانِي قَبْلَ لَوْمِ العَوَاذِلِ
فلَعهدي به وهو يمطُل الألف حتى يَخْطُوَ به فرسُه الخطوة والعشرين، ولولا ظاهر ما في القولِ لقلْتُ الأكثر. فإذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل، فاختلس الذال والروي بعدها. وكان أيضا يمده بتقبُّل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفَسِ فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به؛ فإن ذلك كان يهزُّ الألف، ويصنعها، ويزيل تحيَّرها والساذَجِيَّة المملولة عنها.
وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعاني المعبر بها عنها وضعفها ما يحكى أن رجلا ضرب ابنا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ليس هو ابنك؛ فرافعها إلى القاضي فقال: هذا ابني عندي، وهذه أمه تذكر أنه ليس مني. فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه فقلت له: لا تضربه ليس هو ابنك، ومدت فتحة النون جدا، فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا الطويل١ الطويل، والأمر يذكر للأمر على تقاربهما، أو تفاوتهما إذا كان ذلك للغرض مُوَضِحًا، وإليه بطالبه مُفْضِيًا. وقد قال:
وَعِنْدَ سَعِيدٍ غَيْرَ أنْ لَمْ أَبُحْ بِهِ ذَكَرْتُكِ إنَّ الأمرَ يُذْكَرُ لِلْأَمْرِ٢
وإذا٣ كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل أن الأصوات تابعة للمعاني -فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت. ويكفيك من ذلك قولهم: قَطَعَ وقَطَّعَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ. زادوا في الصوت لزيادة المعنى، واقتصدوا فيه لاقتصادهم فيه- علمت أن قراءة من قرأ: "يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَادِ"، بالهاء ساكنة إنما هو [١٣٥و] لتقوية المعنى في النفس، وذلك أنه في موضع وعظ. وتنبيه، وإيقاظ وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر، المتعجب٤ منه، الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه وخاطره. ثم قال من بعد: "على العباد"، عاذرا نفسه في الوقوف على الموصول دون صلته لما كان فيه، ودالَّا للسامع
_________________
(١) ١ كذا في الأصلين، وقد يكون تحريف "الطول". ٢ الخصائص: ٢: ٢٦٤. ٣ جواب "إذا" قوله: "علمت" الآتي بعد أسطر. ٤ في الأصل: "المتعجب ومنه"، ولا محل هنا الواو.
[ ٢ / ٢١٠ ]
على أنه إنما تجشم ذلك -على حاجة الموصول إلى صلته وضعف الإعراب وتحجره على جملته- ليفيد السامع منه ذهابَ الصورة بالناطق.
ولا يَجْفُ ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته؛ فإن العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الإعراب لصحة المعنى. ألا ترى إلى أن أقوى اللغتين - وهي الحجازية في الاستفهام عن الأعلام نحو قولهم فيمن قال: مررت بزيدٍ: من زَيْدٍ؟
فالجر حكاية لجر المسئول عنه، فهذا مما احتُمل فيه إضعاف الإعراب لتقوية المعنى. ألا ترى أنه لو ركب اللغة التميمية طلبا لإصابة الإعراب فقال: مَنْ زَيْدُ؟ لم يَضِحْ من ظاهر اللفظ أنه إنما يسأل عن زيد هذا المذكور آنفا ولم يؤمن أن يُظن به أنه إنما ارتجل سؤالا عن زيد آخر مستأنفا؟
ومن الحمل على اللفظ للمعنى قوله:
يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّارًا لأقْوَام١
فتجشَّم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بلام الجر؛ لما يعقبه من توكيد معنى الإضافة، فهذا ونظائره يؤكد أن المعاني تتلعّب بالألفاظ، تارة كذا، وأخرى كذا. وفيه بيان لما مضى.
وقد يجوز غير هذا كله، وهو أن يكون "حسرة" غير متعلقة بـ"على"، فيحسن الوقوف عليها، ثم تُعَلَّق "على" بمضمر، وتدل عليه "حسرة" حتى كأنه قال: أتحسَّر على العباد. وهذا في القرآن ما لا أحصيه لكثرته.
وأما "يا حسرةَ العِبادِ" مضافا فإن لك فيه ضربين من التأويل:
إن شئت كان "العباد" فاعلين في المعنى، كقولك: يا قيام زيد ويا جلوس عمرو أي: كأن العباد إذا شاهدوا العذاب تحسروا.
وإن شئت كان "العباد" مفعولين في المعنى، وشاهده للقراءة الظاهرة: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ"، أي: يتحسر عليهم مَنْ يعنيه أمْرُهُم ويهمُه ما يمسهم، وهذا ظاهر.
_________________
(١) ١ انظر الصفحة ٢٥١ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢١١ ]
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي رياح١ وأبي جعفر محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد وعلي بن حسين: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِا مُسْتَقَرَّ لَهَا"٢، بنصب الراء.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا الموضع ظاهر العموم، ومعناه معنى الخصوص؛ وذلك أن "لا" هذه النافية الناصبة للنكرة لا تدخل إلا نفيا عاما؛ وذلك أنها جواب سؤال عام، فقولك: لا رجل عندك. جواب هل من رجل عندك؟ فكما أن قولك: هل من رجل عندك، سؤال عام، أي: هل عندك قليل أو كثير من الجنس الذي يقال لواحده رجل؟ فكذلك ظاهر قوله: "لِا مُسْتَقَرَّ لَهَا" نفي أن تستقر أبدا، ونحن نعلم أن السموات إذا زُلْنَ بطل سير الشمس أصلا، فاستقرت مما كانت عليه من السير. ونعوذ بالله أن نقول: إن حركتها دائمة كما يذهب مُحَبَّنُو٣ الملحدة، فهذا إذًا -في لفظ العموم بمعنى الخصوص- بمنزلة قوله:
أَبْكِي لفَقْدِكَ ما ناحَتْ مُطوَّقةً وما سما فَنَنٌ يومًا عَلَى ساقِ٤
ونحن نعلم أن أقصى الأعمار الآن إنما هو مائة سنة ونحوُها، أي: لو عشت أبدا بكيتك. فكذلك "لِا مُسْتَقَرَّ لَهَا" ما دامت السموات على ما هي عليه. [١٣٥ظ] وقد تقدم ذكرنا باب المجاز في كتابنا الخصائص٥، وأنه أضعاف الحقيقة قولا واحدا.
ومن ذلك قراءة قتادة: "وَنُفِخَ فِي الصُّوَر"٦.
قال أبو الفتح: قد سبق القول على ذلك فيما مضى بشواهده٧.
_________________
(١) ١ كذا بالأصل والبحر. وسقطت "أبي" في البحر. وكتب بهامش الأصل "يسار". دون إشارة إلى إنها استدراك لكلمة "رباح"، ولكل من عطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار ترجمة في طبقات القراء: ٢: ٥١٣. ٢ سورة يس: ٣٨. ٣ محبنو الملحدة: المدخولو الطبيعة منهم. وأصل الحبن داء في البطن يعظم منه ويرم، أو تخرج منه حبون، أي: دماميل مقيحة، الواحد حبن، بكسر فسكون. ٤ لأم عمرو، أخت ربيعة بن مكدم، ترثي أخاها ربيعة، وقد قتلته بنو سليم. ويروى "فسوف أبكيك" مكان "أبكي لفقدك"، "وما سريت مع الساري" مكان "وما سما فنن يوما" والبيت من ثمانية أبيات رواها القالي في ذيل الأمالي: ١٣. ٥ تكلم عن المجاز في بابين من الخصائص: الأول باب في فرق بين الحقيقة والمجاز: ٢: ٤٤٢-٤٤٧، والآخر باب في أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة: ٢: ٤٤٧-٤٥٧. ٦ سورة يس: ٥١. ٧ انظر الصفحة ٥٩ من الجزء الثاني.
[ ٢ / ٢١٢ ]
ومن ذلك قراءة علي بن أبي طالب "﵇": "مِنْ بَعْثِنَا"١.
قال أبو الفتح: أي: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، كقولك: يا ويلي مِن أخْذِكَ مني مالي، فـ "مِنْ" الأولى متعلقة بالويل، كقولك: يا تَأَلُّمِي منك.
وإن شئت كانت حالا من "وَيْلَنَا"؛ فتعلقت بمحذوف، حتى كأنه قال: يا ويلنا كائنا من بَعْثِنا. وجاز أن يكون حالا منه، كما يجوز أن يكون خبرا عنه، كقول الأعشى:
وَيْلِي عَلَيْكَ وَوَيْلِي مِنكَ يا رَجُل٢
وذلك أن الحال ضرب من الخبر.
وأما "من" في قوله تعالى: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فإنها متعلقة بنفس البعث، كقولك: سرني بعثك من بلدك إليّ.
ومن ذلك قراءة ابن أبي ليلى: "يَا وَيْلَتَا"١، بزيادة تاء.
قال أبو الفتح: هو تأنيث الويل، فويلة كقولة، ومثله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ٣، وأصلها: يا ويلتي، فأبدلت الياء ألفا؛ لأنه نداء، فهو في موضع تخفيف، فتارة تحذف هذه الياء كقولك: يا غلامِ، وأخرى بالبدل كقولك: يا غلامَا. قال:
يا أبَتَا عَلّك أو عساكا٤
قإن قلت: فكيف قال: "يَا وَيْلَتَا"، وهذا لفظ الواحد وهم جماعة، ألا ترى أن
_________________
(١) ١ سورة يس: ٥٢. ٢ صدره: قالت هريرة لما جئت زائرها وانظر الديوان: ٥٧. ٣ سورة هود: ٧٢. ٤ للعجاج يمدح الحارث بن سليم الهجيمي. وقبله: تقول بنتي: قد أنى أناكا وأنى: قرب، والأنى: الوقت. وأنى أناك: حان وقت رحيلك إلى من تأمل حباءه. وخبر علك محذوف. وينكر ابن الأعرابي أن يكون ما قبل الشاهد: تقول بنتي.. في خلاف طويل، تجده في الخزانة: ٢: ٤٤١، والشاهد في متفرقات الديوان مع أرجوزته: ٨٥، وانظر الكتاب: ١: ٣٨٢، ٢: ٢٩٩.
[ ٢ / ٢١٣ ]
بعده ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟ قيل: يكون على أن كل واحد منهم قال: "يَا وَيْلَتَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا"، كما يقول الرجل: صبرا على ما حكم الله به علينا، ورضيت بما قسم الله لنا، ونحوٌ منه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١، أي: اجلدوا كل واحد منهم. ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلّة، وأعطانا كلنا مائة، أي: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة.
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب: " منْ هَبَّنَا مِنْ مَرْقَدِنَا"٢، يعني أصحاب القبور.
قال أبو الفتح: قد أثبت أبو حاتم عن ابن مسعود: "مَنْ أهَبَّنَا"، بالهمزة. وهي أقيس القراءتين. يقال: هَبَّ من نومه، أي: انتبه وأَهْبَبْتُهُ أنا، أي: أنبهته. قال:
أَلَا أَيُّها النُّوَامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا أُسَائِلُكُمْ: هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ٣
فأما "هبَنَّي" أي: أيقظني فلم أر لها في اللغة أصلا، ولعلها لغة قليلة، ولا مَرَّ بنا مَهْبُوب، بمعنى مُوقَظ. وهي -مع حسن الظن بِأُبَيّ- مقبولة. وقد أثبتها أبو حاتم أيضا، اللهم إلا أن يكون حرف الجر معها محذوفا، أي: وهب بنا، بمعنى أيقظنا، ثم حُذف حرف الجر، فوصل الفعل بنفسه. وليس المعنى على من هَبَّ فَهَبَبْنَا معه كقولك: انتبَهَ وأَنْبَهَنا٤ معه، وإنما معناه من أيقظنا. ألا ترى إلى قول الله "سبحانه" ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ ٥ ليس معناه "تعالى" أنه ذهب وذهب بنورهم معه؟ هذا مدفوع عن الله تعالى، وإنما معناه: أَذْهَبَ نُورَهُمْ، فذَهَبَ بِهِ كأَذْهَبَهُ، أي أزاله وأنفده٦، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة محمد بن كعب القُرَظيّ: "وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سِلْمٌ قَوْلًا"٧.
_________________
(١) ١ سورة النور: ٤. ٢ سورة يس: ٥٢، وقراءة الجماعة: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ . ٣ لجميل من سبعة أبيات في سمط اللآلي: ٩٤٦، ورواية الصدر فيه: ألا أيها الركب النيام إلا هبوا وانظر الأمالي: ٢: ٣٠٢. ٤ كذا بالأصل، والسياق يقتضي "انتبهنا". ٥ سورة البقرة: ١٧. ٦ في ك: وأبعده. ٧ سورة يس: ٥٨.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وقرأ عيسى الثقفي: "سَلامًا قَوْلًا" نصبا جميعا.
قال أبو الفتح: أما الرفع فعلى أوجه:
أحدها أن يكون مقطوعا مستأنفا، كأنه لما قال: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال: "سِلْمٌ" [١٣٦و] أي: ذاك "سِلْمٌ"، أي: ثابت لا نزاع فيه ولا ضيم ولا اعتراض، بل هو سِلْمٌ لهم.
ووجه ثان: أن يكون على: ما يدعون سِلْمٌ لهم، أي: مسلَّمٌ لهم، فـ"لهم" على هذا متعلق بنفس "سِلْمٌ"، وليس بمصدر، بل هو بمعنى اسم الفاعل أو المفعول، وإنما على مُسَالِم لهم، أو على مسلَّم لهم. ولم يجز بمعنى المصدر؛ لأنه كان يكون في صلته، ومحال تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول.
ووجه ثالث، وهو أن يكون: "لهم" خبرا عن: "ما يدعّون" و"سِلْم" بدل منه.
٢ووجه رابع، وهو أن يكون "لهم" خبرا عن "ما يدعّون" و"سِلْمٌ" خبر آخر، كقولنا: زيد جالس متحدث، كما جاز أن يكون بدلا من "لهم" فكذلك يجوز أن يكون خبرا معه آخر.
فإن قلت: فإذا كان لهم سلم لا حرب لهم فما فيه من الفائدة؟ قيل: قد يكون الشيء لك لكن على خلاج١ وبعد شواجر الخلاف، وذلك كالشيء المتناهَب، فقد يحصل لأحد الفريقين، لكن على أغراض من النزاع باقية فيه، ولم يَصْفُ صفاء ما لا تعلق للمتبِع به، فمعلوم أن هذه الثوابت لأربابها لا تتساوى أحوالها في انحسار الشُّبَه والزخارف عنها.
ونَصب "قولا" على المصدر، أي: قال الله ذلك قولا أو يقال ذلك قولا. ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره، وأن القرآن إنما هو أقوال متابِعة. وأما "سلامًا" بالنصب فحال مما قبله، أي: ذلك لهم مسلَّما، أو مُسالِما، أي: ذا سلام وسلامة. ونصب "قولا" على المصدر كما مضى.
_________________
(١) ١ خلاج: منازعة.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ومن ذلك قراءة الحسن وعبد الله بن عبيد بن عمير١ وابن أبي إسحاق والزهري والأعرج وحفص بن حميد: "جُبُلًّا"٢، بضم الجيم والباء، واللام مشددة.
وقرأ: "جِبْلًا"، مكسورة الجيم، ساكنة الباء الأشهب العقيلي.
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا٣ الحرف بما فيه.
ومن ذلك قراءة طلحة -رواه عبد الرحمن بن محمد بن طلحة عن أبيه عن جده: "نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَلِتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَلِتَشْهَدَ أَرْجُلُهُمْ"٤.
قال أبو الفتح: الكلام محمول على محذوف، أي: نختم على أفواههم وَلِتُكَلِّمُنَا أيديهم ولتشهَدَ أرجلُهم بما كانوا يكسبون ما نختم على أفواههم، كقولك: أحسنت إليك ولشكرك ما أحسنت إليك، وأنلتك سؤالك ولمسألتك ما أنلتك سؤلك، كما قال:
أَحْبَبْتُها وَلِحَيْنِي كانَ حُبِّيها هَلْ أنتَ يا سعْدُ يومًا مَا مُلاقِيها؟
ومن ذهب إلى زيادة الواو نحو قول الله "سبحانه": ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ جاز أن يذهب إلى مثل ذلك في هذا الموضع، فكأنه اليوم نختم على أفواههم لِتُكَلِّمُنَا أيديهم. فأما الواو في قوله "تعالى": "ولِتَشْهَدَ" فعطف على ما قبلها، وهو "لِتُكَلِّمَنَا"، وعلى أن زيادة الواو لا يعرفها البصريون، وإنما هو للكوفيين خاصة.
ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش: "رُكُوبُهُم
"٥، برفع الراء وقرأ: [١٣٦ظ] "رَكُوبَتُهُمْ" عائشة وأبي بن كعب.
قال أبو الفتح: أما الرُّكوب، بضم الراء فمصدر، والكلام محمول على حذف المضاف مقدما أو مؤخرا.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع، أبو هاشم الليثي المكي، تابعي جليل وردت الرواية عنه في حروف القرآن، ومات سنة ١١٣. طبقات القراء لابن الجزري: ١: ٤٣٠. ٢ سورة يس: ٦٢. ٣ انظر الصفحة: ١٣٢ من هذا الجزء. وفيها "الجبلة" دون تعليق، وليس في القرآن إلا هي و"الجبل". ٤ سورة يس: ٦٥. ٥ سورة يس: ٧٢.
[ ٢ / ٢١٦ ]
فإن شئت كان التقدير فيها ذو رُكُوبهم، وذو الرُّكوب هنا هو المركوب، فيرجع المعنى بعد إلى معنى قراءة من قرأ: "رَكُوبهم" بفتح الراء، و"رَكُوبَتُهُمْ".
وإن شئت كان التقدير فمن منافعها أو من أغراضها رُكوبهم، كما تقول لصاحبك: من منافعك إعطاؤك لي، ومن بركاتك وصول الخير إليّ على يدك. ومثله في تقدير حذف المضاف من جهتين أيَّ الجهتين شئت قول الله "سبحانه": ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ١
، إن شئت كان على تقدير: ولكنّ البِرَّ بِرُّ من اتقى، وإن شئت كان تقديره: ولكنّ ذا البِرِّمن اتقى.
والتقدير الأول في هذا أجود عندنا؛ وذلك أن تقديره حذف المضاف من الخبر، أعني: برُّ من اتقى، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ وذلك أن حذف المضاف ضرب من التوسع. والتوسعُ آخرُ الكلام أولى به من أوله، كما أن الحذف والبدل كلما تأخر٢ كان أمثل؛ من حيث كانت الصدور أولى بالحقائق من الأعجاز وهذا واضح، ولذلك اعتمده عندنا صاحب الكتاب فحمله على أن التقدير: ولكنّ البِرَّ بِرُّ من اتقى٣.
وأجاز أبو العباس أن يكون الحذف من الأول على ما مضى، وهو لعمري جائز، إلا أن الوجه ما قدمنا ذكره، لكن الحذفين في قوله: "فَمِنْهَا رَكُوبُهُم" -على ما قدمنا- متساويان، وذلك إن قدرته على أنه: فمن منافعها رُكُوبُهُمْ فإنما حذفت من الخبر؛ لأن تقديره: فَرُكُوبُهُمْ منها، فهو -وإن كان مقدما في اللفظ- مؤخر في المعنى. وإن قدرته على معنى: فمنها ذو رُكُوبُهُمْ، فَحَسَنٌ أيضا، وإن كان مقدما في المعنى فإنه مؤخر في اللفظ، فاعرف ذلك.
وأما "رَكُوبَتُهُمْ" فهي المركوبة: كالقَتُوبَة٤"، والجَزُوزَة، والحَلُوبَة، أي: ما يُقْتَبُ، ويُجَزُّ، ويُحْلَبُ. وقد أشبعنا هذا الموضع في كتابنا المعروف بالخطيب، وهو شرح كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب بن السكيت.
ومن ذلك قراءة طلحة وإبراهيم التيمي الأعمش: "مَلَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ"٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٧٧. ٢ كذا بالأصلين، والأظهر: تأخرا. ٣ الكتاب: ١: ١٠٨. ٤ القتوبة: الإبل تشد عليها الأقتاب، والأقتاب: جمع قتب، وهو الأكاف، أو الصغير على قدر سنام البعير. ٥ سورة يس: ٨٣.
[ ٢ / ٢١٧ ]
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- سبحان الذي بيده عصمة كل شيء وقدرة كل شيء، وهو من مَلَكْتُ العجينَ: إذا أَجَدْت عجنه، فقويتَهُ بذلك. ومنه المِلْكُ؛ لأنه القدرة على المملوك، ومنه المُلْكُ؛ لأن به قِوَام الأمور.
والمَلَكُوت فَعَلُوت منه، زادوا الواو والتاء للمبالغة بزيادة اللفظ، وهذا١ لا يطلق الملكوت إلا على الأمر الأعظم. ألا تراك تقول: مِلْك البزاز والعطار والحناط، ولا تقول الملكوت في شيء من ذلك؟ ونظيره الجَبَرُوت، والرَّغَبُوت٢، الرَّهَبُوت٣، ومنه عندنا الطاغُوت، هو فَعَلُوت من الطغيان، إلا أنه قُلِب وأصلُه طَغَيُوت، فَقُدِّمت اللام على العين، فصارت طَيَغُوت، ثم قلبتِ الياء لوقوعها متحركة بين متحركين فصار [١٣٧و] طاغُوت، وقد تقصينا ذلك في كتابنا الموسوم بالمنصف٤.
_________________
(١) ١ كذا بالأصلين، ولعلها: هذا ولا. ٢ الرغبوت: الرغبة. ٣ الرهبوت: الرهبة. ٤ المنصف: ٣: ٢١، ٢٢.
[ ٢ / ٢١٨ ]