بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة الناس: ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ ١ بفتح العين، وأسكنها أبو جعفر ونافع٢ بخلاف وطلحة٣ بن سليمان.
قال أبو الفتح: سبب ذلك عندي أن الاسمين لما جُعلا كالاسم الواحد، وبُني الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف؛ لم يجز الوقف على الأول لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجُعل تسكين أول الثاني دليلًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك بقية العدد إلى تسعة عشر، إلا اثنا عشر واثني عشر، فإنه لا يسكن العين لسكون الألف والياء قبلهما.
ومما يدلك على أن الاسمين إذا جريا مجرى الاسم الواحد بالتركيب عوملا في مواضع معاملته، ما حكاه أبو عمر الشيباني من قولهم في حضرموت: حَضْرَمُوت بضم الميم؛ ليكون كحَذْرفُوت٤ وتَرْنَمُوت٥ وعنكبوت، وهذا واضح.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٤. ٢ هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أبو رويم، ويقال: أبو نعيم، الليثي مولاهم، أحد القراء السبعة الأعلام. ثقة صالح، أصله من أصبهان، أخذ القراءة عرضًا عن جماعة من تابعي أهل المدينة: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وأبي جعفر القارئ وشيبة بن نصاح وغيرهم. وروى القراء عنه عرضًا وسماعًا إسماعيل بن جعفر وعيسى بن وردان وسليمان بن مسلم بن جماز ومالك بن أنس وغيرهم. توفي سنة ١٦٩، وقيل غير ذلك. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٣٠. ٣ هو طلحة بن سليمان السمان مقرئ، أخذ القراءة عرضًا عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف. وله شواذ تُروى عنه. روى عنه القراءة إسحاق بن سليمان أخوه وعبد الصمد بن عبد العزيز الرازي. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٤١. ٤ الحذرفوت: قلامة الظفر. ٥ يقال: قوس ترنموت: لها حنين عند الرمي.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ومن ذلك قراءة الأعرج: "فِي غَيَّابَاتِ الْجُبِّ"١ مشددة. وقرأ الحسن: "في غَيْبَة الجب".
قال أبو الفتح: "أما "غيَّابة " فإنه اسم جاء على فَعَّالة، وكان أبو علي يضيف إلى ما حكاه سيبويه من الأسماء التي جاءت على فَعَّال؛ وهو الجبَّار والكلَّاء، الفيَّاد٢ لذكر البوم. ووجدت أنا غير ذلك، وهو التيَّار للموج، والفخَّار للخزف، والحمَّام، والجيار: السعال، والكَرَّار: كبش الراعي.
وأما "غَيْبَة الجب" فيجوز أن يكون حدثا فَعْلَة من غِبْت، فيكون كقولنا: في ظُلمة الجب، ويجوز أن يكون موضعًا على فَعْلَة كالقَرْمَة٣ والْجَرْفَة٤.
ومن ذلك قراءة العلاء بن سيابة: "يَرْتَعِ"٥ بالياء وكسر العين، و"يَلْعَبُ" رفعًا، وقرأ: "يُرْتِعْ وَيَلْعَبْ" أبو رجاء.
قال أبو الفتح: أما "يَرْتَعِ" فجزم؛ لأنه جواب "أرسله"، و"يلعب" مرفوع لأنه جعله استئنافًا؛ أي: هو ممن يعلب، كقولك: زرني أُحسنُ إليك؛ أي: أنا ممن يحسن إليك، إلا "٨٠و" أن الرفع في "أُحسن" هنا يُضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم؟
وأما "يُرْتِعْ وَيَلْعَبْ" فمجزومان لأنهما جوابان؛ أحدهما: معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول؛ أي: يُرْتِعْ مطيته، فحذف المفعول.
وعلى ذكر حذف المفعول فما أعرَبه وأعذَبه في الكلام! ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ ٦ أي: تذودان إبلهما، ولو نطق بالمفعول لما كان في عذوبة حذفه ولا في علوه. وأنشدنا أبو علي للحطيئة:
منعَّمةٌ تصون إليك منها كَصَونِك من رداءٍ شَرْعَبِيِّ٧
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ١٠. ٢ في ك: الفباد بالباء، تحريف. ٣ القرمة بفتح القاف وكسرها: من سمات الإبل، تكون فوق الأنف. ٤ في الأصل "الجرمة"، وفي ك: الجزمة، وقد تكون الجرفة بفتح الجيم وكسرها؛ من سمات الإبل أيضًا، تكون دون الأنف. ٥ سورة يوسف: ١٢. ٦سورة القصص: ٢٣. ٧ تصون إليك: أي عندك، والشرعبي: ضرب من البرود. يريد: أنها تحفظ عندك سرها ولا تبوح بحديثها. الخصائص: ٢/ ٣٧٢، والديوان: ٣٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
أي: تصون الحديث وتَخزُنه، فهو كقول الشَّنْفَرَى:
كأن لها في الأرض نِسْيًا تَقُصُّهُ على أمها وإن تخاطبك تَبْلِتِ١
أي: تقطع حديثها حياء وخفرًا. واعتدل في هذا الموضع ذو الرمة، قال:
لها بشَر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هُرَاء ولا نَزْرُ٢
وما أظرف قوله: رخيم الحواشي؛ أي: لا تنتشر حواشيه فتهرأ فيه٣، ولا يضيق عما يُحتاج من مثلها إليه للسماع والفكاهة؛ لكنه على اعتدال، وكما يُستحسن ويستعذب من التِّقال٤، ألا ترى إلى قول الآخر:
ولما قضينا من مِنى كل حاجة ومَسَّحَ بالأركان مَن هو ماسحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح٥
ومنه:
وحديث أَلَذُّه هو مما تشتهيه النفوس يُوزَن وزْنا
مَنطِقٌ صائب وتلحَن أحيا نا وخير الحديث ما كان لَحْنَا٦
أي: تارة تورد القول صائبًا مسددًا، وأخرى تُحرف فيه وتلحن؛ أي: تعدل عن الجهة الواضحة معتمدة لذلك تلعُّبا بالقول، وهو من قوله ﵇: "فلعل أحدكم يكون ألحن
_________________
(١) ١ يروى: "تحدثك" مكان "تخاطبك". والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر، وتقصه: تتبعه، وعلى أمها: عل سمتها وجهة قصدها، وتبلت بكسر اللام: تقطع الكلام من الحياء، وروي بفتحها: أي تنقطع وتسكت. يريد: أنها شديدة الاستحياء، فهي لا ترفع رأسها، كأنما تطلب في الأرض شيئًا يسيرًا. المفضليات: ١٠٩، والخصائص: ١/ ٢٨. ٢ رخيم الحواشي: لين نواحي الكلام. الديوان: ٢١٢، والخصائص: ١/ ٢٩، والأساس: هرأ. ٣ هرأ في منطقة كمنع: أكثر الخطأ فيه. ٤ كذا في نسختي الأصل، ولا معنى لها. والظاهر أنها تحريف "الثقال" كسحاب؛ وهي المرأة الرزان. ٥ ينسب البيتان إلى كثير عزة، وإلى المضرب بن كعب، ويُروى بينهما: وشدت على دهم المهارى رحالنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح والمهارى: جمع المهرية، والإبل المهرية تنسب إلى مهرة بن حيدان، حي من العرب. انظر: الخصائص: ١/ ٢٨، وأسرار البلاغة: ١٥، واللسان "طرف". ٦ لمالك بن أسماء بن خارجة. البيان والتبيين: ١/ ١٤٧، وأمالي المرتضى: ١/ ١١.
[ ١ / ٣٣٤ ]
بحجته"١؛ أي: أنهض بها وأحسن تصرفًا فيها. وليس من اللحن الذي هو إفساد الإعراب، ذلك حديث غير هذا، وقد تقصيت هذا المذهب في الخصائص، فليُطلب هناك٢.
ومن ذلك ما رواه عيسى بن ميمون عن الحسن أنه قرأ: "وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عُشًا يَبْكُونَ"٣، قال: عُشْوًا من البكاء.
قال أبو الفتح: طريق ذلك أنه أراد جمع عَاشٍ، وكان قياسه عُشاةً كماشٍ ومُشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفًا وهو يريدها، كقوله:
أبلغ النعمان عني مأْلُكًا أنه قد طال حبسي وانْتِظَارْ٤
أراد: مأْلُكَة، فحذف الهاء. وقد تقصينا ذلك في أماكن من كتبنا، وفيه بعد هذا ضعف؛ لأن قَدْرَ ما بَكَوْا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان.
ويجوز أن يكون جمع عِشْوة: أي ظلامًا، وجمَعه لتفرِّق أجزائه كقولهم: مُغَيْربانَات٥ وأُصَيْلَال٦، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة الحسن أيضًا:" "بِدَمٍ كَدِبٍ"٧ بالدال.
قال أبو الفتح: أصل هذا من الكَدَب؛ وهو الفُوفُ؛ يعني: البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث "٨٠ظ" فكأنه دم قد أثَّر في قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه. وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بهذه القراءة أيضًا.
_________________
(١) ١ جزء من الحديث. وروايته في النهاية ٤/ ٥٦: وعسى أن يكون بعضكم. ٢ أورد في الخصائص ١/ ٥-٣٣ ضروبًا من وصف الكلام بأوصافه المستحبة. ٣ سورة يوسف: ١٦. ٤ لعدي بن زيد. وانظر: المنصف: ٢/ ١٠٤. ٥ مغربان الشمس: حيث تغرب، ولقيته مغيربانها ومغيرباناتها: عند غروبها. ٦ أصيلان: مصغر أصلان كرغفان، وأصلان: جمع أصيل، ويصغر أيضًا على أصيلان بالنون. ٧ سورة يوسف: ١٨.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومن ذلك قراءة أبي الطفيل١ والجحدري وابن أبي إسحاق ورُويت عن الحسن: "يَا بُشْرَيَّ"٢.
قال أبو الفتح: هذه لغة فاشية فيهم، ما٣ رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
يُطَوِّفُ بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ ويَطْعَنُ بالصُّمُلَّةِ في قَفَيَّا
فإن لم تَثْأَرَا لي من عِكَبٍّ فلا أَرْوَيْتُمَا أبدا صَدَيَّا٤
ونظائره كثيرة جدًّا.
وقال لي علي: إن قلب هذه الألف لوقوع الياء بعدها ياء؛ كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها؛ ككسرة ميم غُلَامِي وياء صاحبي ونحو ذلك، ومَن قلب هذه الألف لوقوع هذه الياء بعدها ياء لم يفعل ذلك في ألف التثنية، نحو: غلاماي وصاحباي؛ كراهة التباس٥ المرفوع بالمنصوب والمجرور.
فإن قيل بعد: وهلا قلبوها وإن صار لفظ ما هي فيه إلى لفظ المجرور كما صار لفظ المرفوع والمنصوب جميعًا إلى لفظ المجرور في نحو: هذا غلامي؛ ورأيت غلامي، قيل: قَلْبُ الألف لوقوع الياء بعدها ياء أغلظ من قلب الضمة والفتحة حيث ذَكرْت كسرة؛ وذلك أن الجناية على الحرف أغلظ من الجناية على الحركة، فاحتُمل ذلك في: هذا غلامي ورأيت غلامي، ولم يُحتمل نحو: هذان غلامَيّ وما جرى مجراه.
فإن قيل: فالذي قال: "يا بُشْرَيَّ" قد جنى على الألف بقلبها ياء، قيل: هذه الألف يمكن أن تقدَّر الكسرة فيها، وحرف التثنية لا تقدير حركة فيه أصلًا عندنا، فجائز أن تقول: "بُشْرَيَّ"، ولم يُقَل: قام غلامَيّ. فأما الحركة في ياء ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ٦ فلالتقاء الساكنين، وهي غير
_________________
(١) ١ هو عامر بن وائلة بن عمرو أبو الطفيل الليثي. روى عن النبي -ﷺ- وعن أبي بكر وعمر وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم الزهري وقتادة. مات سنة ١٠٠، وقيل: بعدها، وهو آخر مَن مات من الصحابة. تهذيب التهذيب ٥/ ٨٢. ٢ سورة يوسف: ١٩. ٣ كأنه يريد: ما رويناه عن قطرب إلخ، بعض هذه اللغة. ٤ للمنخل اليشكري. وعكب: صاحب سجن النعمان بن المنذر، الصملة: العصا كما في التاج "صمل". وكان المنخل متهمًا بالمتجردة امرأة النعمان، وعرف النعمان ذلك فدفعه إلى عكب، فقيده عكب وعذَّبه. الخصائص: ١٧٧، وشرح الحماسة للتبريزي: ٢/ ٤٨، واللسان "عكب". ٥ في ك: لالتباس. ٦ سورة يوسف: ٣٩.
[ ١ / ٣٣٦ ]
محفول بها، والحركة قبل الياء من "صَاحِبَي" ونحوه أقوى من حركة التقاء الساكنين، والكلام هنا يطول، لكن هذا مُتَوَجَّهُهُ.
ومن ذلك: "هِئْتُ لك"١ بالهمز وضم التاء، قرأ بها علي -﵇- وأبو وائل وأبو رجاء ويحيى، واختُلف عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة بن مُصَرِّف وأبي عبد الرحمن. وقرأ: "هَيْتِ لَكَ" بفتح الهاء وكسر التاء ابن عباس بخلاف وابن محيصن وابن أبي إسحاق وأبو الأسود وعيسى الثقفي. وقرأ: "هُيِّئْتُ لَكَ" ابن عباس.
قال أبو الفتح: فيها لغات: هَيْتَ لك، وهِيتَ لك، وهَيْتُ لك، وهَيْتِ لك. وكلها أسماء سمي بها الفعل بمنزلة صَه ومَه وإيه في ذلك.
ومعنى "هَيْتَ" وبقية أخواتها: أَسْرِعْ وبادرْ، وقال:
أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا
إن العراق وأهله عُنُق إليك فهَيْتَ هَيْتَا٢
وقال طرفة٣:
ليس قومي بالأَبعدين إذا ما قال داع من العشيرة: هَيْتُ
هم يجيبون: وا هَلُمَّ سراعا كالأَبَابِيل لا يُغَادَرُ بيْتُ
والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين.
وأما "هِئْتُ" بالهمز وضم التاء فَفِعْل، يقال فيه: هِئْتُ٤ أَهِيءُ "٨١و" هيئة كجئت أجيء جيئة؛ أي: تهيأت. وقالوا أيضًا: هِئْتُ أَهَاءُ كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ. قال:
أفاطم هائي السيف غير مُذَمَّمِ
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٢٣. ٢ لشاعر يقولهما في علي -﵁- وكسر همزة "إن" إما على قطع الكلام عما قبله، وإما على أن أبلغ بمعنى قل. وعنق إليك: مائلون إليك ومنتظروك. ويروى: "سلم" مكن "عنق". الخصائص: ١/ ٢٧٦، واللسان "هيت". ٣ ليس في ديوانه. ٤ هاء: صار حسن الهيئة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
أي: خذي السيف.
فأما قول الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ١، فحديث غير هذا وتصريف سواه، وفيه طول. وقد ذكرناه في كتاب الخصائص٢.
وأما "هُيِّئْتُ لك" ففعل صريح كهِئْتُ لك، كقولك: أُصْلِحْتُ لك؛ أي: فدونك، وما انتظارك؟ واللام متعلقة بنفس هَيْتَ وهَيْتِ وهِيتَ وهَيْتُ كتعلقها بنفس هلم من قولهم: هَلُمَّ لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف؛ أي: إرادتي لذلك.
فأما "هئتُ لك" و"هيِّئتُ" فاللام فيه متعلقة بالفعل نفسه، كقولك: أُصْلِحْتُ لكذا وصَلَحْت لكذا.
ومن ذلك قراءة ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة بخلاف وابن أبي إسحاق ونوح٣ القارئ ورُويت عن أبي رجاء: "من قُبُلُ"٤، و"من دُبُرُ"٥ بثلاث ضمات من غير تنوين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكونا غايتين؛ كقول الله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦ كأنه يريد: وقَدَّت قميصه من دُبُره، وإن كان قميصه قُدَّ من قُبُله، فلما حذف المضاف إليه -أعني: الهاء، وهي مرادة- صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له. وهذا حديث مفهوم في قول الله سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، فبنَى هنا كما بُني هناك على الضم، ووَكَّد البناء أن قُبُل ودُبُر يكونان طرفين، ألا ترى إلى قول الفرزدق:
يُطَاعِن قُبْلَ الخيل وهو أمامَها ويطعنُ عن أدبارها إن تولَّتِ٧
وقال الله سبحانه: "وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ"٨ فنصبه على الظرف، وهو جمع دُبُر.
_________________
(١) ١ سورة الحاقة: ١٩. ٢ في الخصائص: ٣/ ٣٤-٥١ بحث عنوانه: "باب في تسمية الفعل". ٣ من رواة الحروف المتصدرين بعد أبي عمرو بن العلاء. ٤ سورة يوسف: ٢٦. ٥ السورة السابقة: ٢٧. ٦ سورة الروم: ٤. ٧ ليس في ديوان الفرزدق. ٨ سورة الطور: ٤٩، وفتح الهمزة مروي عن المطوعي، وقراءة الجمهور بكسرها. الإتحاف: ٢٤٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ومن ذلك قراءة علي -﵇- والحسن بخلاف وأبي رجاء ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت البناني١ وعوف الأعرابي وابن أبي مريم٢ والأعرج بخلاف ومجاهد بخلاف وحميد بخلاف والزهري بخلاف وابن محيصن ومحمد بن السميفع وعلي بن حسين بن علي وجعفر بن محمد: "قد شَعفها"٣ بالعين.
قال أبو الفتح: معناه: وصل حبه إلى قلبها، فكاد يحرقه لحدته، وأصله من البعير يُهْنَأ بالقطران فيصل حرارة ذلك إلى قبله. قال الشاعر:
أيقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادها كما شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرجلُ الطَّالِي؟ ٤
وأما قراءة الجماعة: ﴿شَغَفَهَا﴾ بالغين معجمة، فتأويله أنه خرَّق شَغاف قلبها؛ وهو غلافه، فوصل إلى قلبها.
ومن ذلك قراءة الزهري وأبي جعفر وشيبة "مُتَّكًا"٥، مشدد من غير همز، وقرأ: "مُتْكًا" ساكنة التاء غير مهموز ابن عباس وابن عمر والجحدري وقتادة والضحاك والكلبي٦ وأبان بن تغلب، ورُويت عن الأعمش. وقرأ: "مُتَّكَاءً " بزيادة ألف الحسن. وقراءة الناس: ﴿مُتَّكَأً﴾ في وزن مُفْتَعَل.
قال أبو الفتح: أما "مُتَّكًَا" غير مهموز فمبدل من مُتَّكَأ، وهو مفتَعَل من تَوَكَّأْتُ، كمُتَّجَهٍ من تَوَجَّهْتُ، ومُتَّعَد من وعدت. وهذا الإبدال عندنا لا يجوز في "٨١ظ" السعة؛ وإنما هو في
_________________
(١) ١ هو ثابت بن أسلم أبو محمد البناني المصري. وردت عنه الرواية في حروف القرآن العظيم. توفي سنة ١٢٧. طبقات بن الجزري: ١/ ١٨٨. ٢ هو أبو عبد الله سعيد بن الحكم بن أبي مريم، نسابة أخباري. الفهرست: ١٣٩. ٣ سورة يوسف: ٣٠. ٤ لامرئ القيس. ويروى: "ليقتلني" مكان "أيقتلني". والمهنوءة: من هنأت الناقة: إذا طليتها بالقطران، وهي تستلذه حتى تكاد يغشى عليها. ويريد: قد بلغت منها هذا المبلغ، فكيف يقتلني، وهو لو فعل لكان ذلك سبب القطيعة بينها وبينه لفرط حبها إياي. الديوان: ٢٣٣، والأساس "هنأ". ٥ سورة يوسف: ٣١. ٦ هو أبو النضير محمد بن السائب، أو محمد بن المالك بن السائب، من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس. مُقدَّم في علم الأنساب. توفي سنة ١٤٦، وله من الكتب كتاب تقسيم القرآن. الفهرست: ١٣٩.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ضرورة الشعر؛ فلذلك كانت القراءة به ضعيفة. وعلى أن له وجهًا آخر؛ وهو أن يكون مفتعَلًا من قوله:
إذا شرب الْمُرِضَّة قال أَوْكِي على ما في سقائك قد رَوِينا١
يقال: أَوْكَيْتُ السقاء: إذا شددته، فيكون راجعًا إلى معنى مُتَّكَأ المهموز؛ وذلك أن الشيء إذا شُد اعتمد على ما شده كما يعتمد المتكئ على المتكَأ عليه. فإن سلكت هذه الطريق لم يكن فيه بدل ولا ضعف، فيكون مُتَّكًا على هذا كمُتَّقًى من وقيت، ومُتَّلًى من وَلِيتُ.
وأما "مُتْكًا" ساكنة التاء فقالوا: هو الأُتْرُجُّ٢، ويقال أيضًا: هو الزُّمَاوَرْدُ٣.
وأما "مُتَّكَاءً" فعلي إشباع فتحة الكاف من "متَّكأ"، وقد جاء نحو هذا، أنشدناه أبو علي لابن هَرْمة يرثي ابنه:
فأنتَ من الغَوَائلِ حين تُرْمى ومن ذمِّ الرجال بِمُنْتَزَاح٤
يريد: بِمُنْتَزَح، وعليه قول عنترة، وأنشدناه أيضًا سنة إحدى وأربعين بالموصل:
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جسْرةٍ٥
وقال: أراد يَنْبَع، فأشبع الفتحة، فأنشأ عليه ألفًا. ولعمري إن هذا مما تختص به ضرورة الشعر وقلما يجيء في النثر، فوزن "مُتَّكَاء" على هذا مفتعال، كما أن وزن "يَنْبَاعُ" على هذا يَفْعَال، ولو سميت به رجلًا لصرفته في المعرفة؛ لأنه قد فارق شبه الفعل وَزْنًا، ولو سميته بينبع لم تصرفه، كما أنك لو سميته بينظر لم تصرفه، فإن سميته بأَنظور، تريد: فأنظر؛ لصرفته معرفة لزوال مثال الفعل. وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بسر الصناعة.
_________________
(١) ١ يذم رجلًا ويصفه بالبخل، وقال ابن بري يخاطب امرأته، وقبله: ولا تصلي بمطروق إذا ما سرى في القوم أصبح مستَلينا يلوم ولا يلام ولا يبالي أغثًّا كان لحمك أم سمينا؟ والمرضة: اللبن الحليب الذي يحلب على الحامض. اللسان "رضض". ٢ الأترج وهو أيضًا الترنج: ثمر شجر من جنس الليمون. ٣ الزماورد: طعام من اللحم والبيض. ٤ يروى: "تنمى" مكان "ترمى"، وإنه في مدح بعض القرشيين، وكان قاضيًا لجعفر بن سليمان بن علي. وقوله بمنتزاح: من النزح؛ وهو البعد. وانظر: الخصائص: ٢/ ٣١٦، ٣/ ١٢١، وشواهد الشافية: ٢٥. ٥ انظر الصفحة ١٦٦ من هذا الجزء.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ومن ذلك: "حاشَا اللهِ"١ ابن مسعود وأبي بن كعب. وقرأ: "حاش الإِلَهِ" الحسن. وقرأ: "حَاشْ للهِ" جَزْم الحسن بخلاف.
قال أبو الفتح: أما "حاشا الله " فعلى أصل اللفظة، وهي حرف جر، قال:
حاشا أبي ثوبان إنَّ به ضِنًّا على الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ٢
وأما "حاش الإله" فمحذوف من حاشا تخفيفًا٣، وهو كقولك: حاشا الرب وحاشا المعبود، وليس "الإله" هكذا بالهمز هو الاسم العلم؛ إنما ذلك الله -كما ترى- المحذوف الهمزة، على هذا استعملوه علَمًا وإن كان لعمري أصله الإله مكان الله، فإنه كاستعمالهم في مكانه المعبود والرب.
ومنه قوله:
لعنَ الإلهُ وزوجَها معها هند الهنود طويلة الفَعل٤
وأما "حاشْ لله" بسكون الشين، فضعيف من موضعين:
أحدهما: التقاء الساكنين: الألف، والشين، وليست الشين مذعمة.
والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف، ولا موجب لذلك؛ وطريقه في الحذف أنه لما حذف الألف تخفيفًا أتبع ذلك حذف الفتحة إذ كانت كالعَرَض اللاحق مع الألف؛ فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين والزاي، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ونحو ذلك. فمتى حَذفت حرفًا من هذه الحروف ذهب معه
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٥١، وفي تفسير البحر ٥/ ٣٠٣: "حاشا الله بالإضافة". ٢ للجميع. ويروي: "أبا" مكان "أبي"، والبيت من بيتين صدر أحدهما إلى عجز الآخر، وهما: حاشا أبي ثوبان إن أبا ثوبان ليس ببُكمة فَدْم عمرو بن عبد الله إن به ضنا عن الملحاة والشتم وأراد بالبكمة: الأبكم، والفدم: العيي عن الكلام في ثقل وقلة فَهْم، والضن بالكسر: مصدر ضن. المفضليات: ٣٦٧، والأصمعيات: ٢٥٤، والخزانة: ٢/ ١٥٠. ٣ في تفسير البحر ٥/ ٣٠٣: وهذا الذي قاله ابن عطية وصاحب اللوامح من أن الألف في "حاشا" في قراءة الحسن محذوفة لا تتعين إلا أن نقل عنه أنه يقف في هذه القراءة بسكون الشين، فإن لم ينقل عنه في ذلك شيء فاحتمل أن تكون الألف حذفت لالتقاء الساكنين. ٤ الفعل: كناية عن حياء الأنثى. انظر: الجمهرة: ٣/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٤١ ]
ما يصحبه من التكرير في الراء، والصفير في حروفه، والإطباق في حروفه. وعليه قوله:
رهطُ مَرْجُومٍ ورهطُ ابن الْمُعَلْ١ "٨٢و"
يريد: الْمُعَلَّى، فلما حذف الألف حذف معها فتحتها، فبقي المعلَّ، فلما وقف في القافية المقيدة على الحرف المشدد خففه على العبرة في مثله، كما خففه في نحو قول طرفة:
ففداءٌ لبني قيس على ما أصاب الناس من سُرٍّ وضُرْ
ما أَقَلَّتْ قَدَمِي إنهم نَعِمَ الساعون في الأمر الْمُبِرْ٢
فخفف ضُرْ ومُبِرْ، فكذلك خفف "المعَلَّ" فصار الْمُعَلْ. فهذا حديث حذف الفتحة من "حاشْ".
وأما التقاء الساكنين فعلى قراءة نافع "مَحْيَايْ"٣، وعلى ما حُكي عنهم من قولهم: التقت حَلْقَتَا البِطَان٤، بإثبات ألف "حلْقَتَا" مع سكون لام البطان؛ لكن السؤال من هذا عن إدغام لام الجر على "لله" وقبلها "حاشْ" و"حاشا"٥ وهو حرف جر، وكيف جاز التقاء حرفي جر؟
فالقول أن "حاشْ" و"حاشا" هنا فعلان، فلذلك وقع حرف الجر بعدهما.
حكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بحاشا. وهذا دليل الفعلية، فعليه وقعت بعده لام الجر.
ومن ذلك قراءة الحسن وأبي الحويرث الحنفي: "ما هذا بِشِرًى"٦ بكسر الباء والشين.
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد: ما هذا يِمَشْرِيٍّ، من قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ٧ أي:
_________________
(١) ١ للبيد، وصدره: وقبيل من لُكَيز شاهد ويروى: "حاضر" مكان "شاهد". ولكيز بضم اللام وفتح الكاف: هو ابن أفصى بن عبد القيس، ومرجوم من أشرافهم، واسمه شهاب بن عبد القيس، وسمى مرجومًا لأنه نافر رجلًا إلى النعمان، فقال له النعمان: قد رجمتك بالشرف. وابن المعل، أراد به: ابن المعلَّى، وهو جد الجارود بن بشير بن عمرو بن المعلى. الديوان: ١٩٩، والبيان والتبيين: ١/ ٢٩٦، والخصائص: ٢/ ٢٩٣، والجمهرة: ٢/ ٨٥، والاشتقاق: ٣٣٣. ٢ لم أجد البيت الثاني في ديوانه. ويروى: "سوء" مكان "سر"، والأمر المبر: الذي يعجر الناس. الديوان: ٨٥، والخصائص: ٢/ ٢٢٨، والخزانة: ٤/ ١٠١. ٣ سورة الأنعام: ١٦٢. ٤ البطان: حزام القتب. ٥ لم يذكر "حاشا لله" فيما ذكر من قراءات الآية. ٦ سورة يوسف: ٣١، والشري: يقصر ويمد. ٧ السورة السابقة: ٢٠.
[ ١ / ٣٤٢ ]
باعوه؛ أي: ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوُضع المصدر موضع اسم المفعول، كقول الله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ١ أي: مصيده، وكقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٢ أي: المخلوق، وكقول النبي ﷺ: "الراجع في هبته " أي: في موهوبه، وهذا الثوب نسْج اليمن، أي: منسوجه؛ وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك عِلْمَه فيك؛ أي: معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضَرْب الأمير؛ أي: مضروبه.
والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول؛ لكنها كالتي في قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم؛ أي: هذا بهذا، فيكون معناه: ما هذا بثمن؛ أي: مثله لا يُقَوَّم ولا يُثَمَّنُ، فيكون "الشِّري" هنا يراد به المفعول به؛ أي: الثمن المشترَى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفي قولك: هذا بألف، فالباء إذن متعلقة بمحذوف هو الخبر، مثلها كقولك: كُرُّ٣ البر بستين، ومنوَا٤ السمن بدرهم.
ومن ذلك ما رُوي عن عمر أنه سمع رجلًا يقرأ: "عَتَّى حِينٍ"٥، فقال: مَن أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله ﷿ أنزل هذا القرآن فجلعه عربيًّا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام.
قال أبو الفتح: العرب تُبْدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما في المخرج، كقولهم: بُحْثِر ما في القبور؛ أي: بعثر، وضبعت الخيل؛ أي: ضبحت٦، وهو يُحنْظِي ويُعَنْظِي: إذا جاء بالكلام الفاحش، فعلى هذا يكون عتَّى وحتَّى؛ لكن الأخذ بالأكثر استعمالًا، وهذا الآخر جائز وغير خطأ "٨٢ظ".
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "إنِّي أَرانِي أَعْصِرُ عِنَبًا"٧.
قال أبو الفتح: هذه القراءة هي مراد قراءة الجماعة: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾؛ وذلك أن
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٩٦. ٢ سورة الروم: ٢٧. ٣ الكر: ستة أوقار حمار، أو هو ستون قفيزًا، أو أربعون أردبًّا. ٤ المنون: مثنى المنا؛ وهو كيل أو ميزان. ٥ سورة يوسف: ٣٥. ٦ ضبحت الخيل كمنع: أسمعت من أفواهها صوتًا ليس بصهيل ولا حمحمة، أو عدت دون القريب. ٧ سورة يوسف: ٣٦.
[ ١ / ٣٤٣ ]
المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرًا لما يصير إليه من بعدُ حكايةً لحاله المستأنفة، كقول الآخر:
إذا ما مات مَيْتٌ من تميم فسرَّك أن يعيش فجيء بزاد١
أراد: إذا مات حيٌّ فصار ميْتًا كان كذا، أو فليكن كذا. وعليه قول الفرزدق:
قتلت قتيلًا لم يَرَ الناسُ مثلَه أُقَلِّبُهُ ذا تُومتين مُسَوَّرَا٢
وقد مضى هذا قبل.
ومن ذلك قراءة عكرمة والجحدري: "فَيُسْقَى ربُّهُ خَمْرًا"٣.
قال أبو الفتح: هذا في الخير يضاهي في الشر قوله: "فيُصْلَبُ"٤؛ لأن تلك نعمة، وهي نَقِمة٥.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن عمر بخلاف وعكرمة ومجاهد بخلاف عنهما والضحاك وأبي رجاء وقتادة وشُبيل بن عَزْرَة الضُّبْعِي٦ وربيعة بن عمرو وزيد بن علي: "وادَّكَرَ بَعْد أَمَهٍ"٧، وقرأ: "بعْد إِمَّةٍ" الأشهب العقيلي.
قال أبو الفتح: "الأَمَهُ": النسيان، أَمِهَ الرجل يَأمَهُ أَمَهًا: أي نسي. "والإِمَّةُ": النعمة؛ أي: بعد أن أنعم عليه بالنجاة.
ومن ذلك قراءة عيسى والأعرج وجعفر بن محمد: "وفيه يُعْصَرُون"٨ بياء مضمومة وصاد مفتوحة.
_________________
(١) ١ لأبي المهوش الأسدي، وينسب أيضًا إلى يزيد بن عمرو بن الصعق. انظر: سمط اللآلي: ٨٦٣، والخزانة: ٣/ ١٤٢. ٢ التومة: اللؤلؤة، والمسور: لابس السوار. ويروى: "أقبله" مكان "أقلبه". انظر: الخصائص: ٣/ ١٧٧، ولم أجده في الديوان. ٣ سورة يوسف: ٤١. ٤ من الآية السابقة. ٥ هذا أحد أوجه ثلاثة جائزة في ضبطها، والآخران: سكون القاف مع فتح النون وكسرها. ٦ كذا في الأصل، والتاج، والاشتقاق: ١٩، ٣١٨، وفي القاموس: عروة، وفي الفهرست ٦٨: عرعرة، كان رافضًا ثم انتقل إلى الشراة، ويعد من خطبائهم وعلمائهم. يروي عن أنس بن مالك، وروى عنه شعبة، وسمع منه سعيد بن عامر. مات بالبصرة وأدرك دولة بني العباس. ٧ سورة يوسف: ٤٥. ٨ سورة يوسف: ٤٩.
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب أن معنى "يُعْصَرُون": أي يُمْطَرُون، فإن شئت أخذته من العُصْرَة والعَصَر للمَنْجَاةِ، وإن شئت أخذته من عَصَرَت السحاب ماءها عليهم.
وعليه قراءة الجماعة: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، فهذا من النجاة. وروينا عن ابن عباس: أي يَعْصِرون من الكرم والأدهان١، فهذا تفسير النجاة: كيف تقع بهم وإليهم؟ قال أبو زبيد:
صاديا يستغيث غير مُغَات ولقد كان عُصْرة الْمنْجُود٢
أي: نجاة المكروب.
ومن ذلك قراءة علقمة ويحيى: "رِدَّتْ إلينا٣" بكسر الراء.
قال أبو الفتح: فُعِل من ذوات الثلاثة إذا كان مضعفًا أو معتلًا عينه يجيء عنهم على ثلاثة أضرب: لغة فاشية، والأخرى تليها، والثالثة قليلة، إلا أن المضعَّف مخالف للمعتل العين فيما أذكره.
أما المضعف، فأكثره عنهم ضم أوله كشُدَّ ورُدَّ، ثم يليه الإشمام، وهو شُِدّ ورُِدّ بين ضم الأول وكسره، إلا أن الكسرة هنا داخلة على الضمة؛ لأن الأفشى في اللغة الضم. والثالث -وهو أقلها- شِدّ ورِدّ وحِلّ وبِلّ، بإخلاص الكسرة، فهذا المضعف.
وأما المعتل العين، فأقوى اللغات فيه كسر أوله، نحو: قِيلَ وبِيعَ وسِيرَ به، ثم يليه الإشمام؛ وهو أن تُدخل الضمة على الكسرة؛ لأن الكسر هنا هو الأفشى، فتقول: قُِيلَ وبُِيعَ وعُِيصَ٤، والثالث -وهو أقلها- أن تُخلص الضمة في الأول كما أخلصتَ الكسرة فيه مع التضعيف، نحو: رِدّ وحِلّ، فتصح الواو من بعدها؛ فتقول "٨٣و": قُولَ وبُوعَ، وروينا عن محمد بن الحسن، أظنه عن أحمد بن يحيى:
وابْتُذِلَتْ غَضْبَي وأُمُّ الرِّحالْ وقُولَ لا أهلَ له ولا مالْ٥
وقال ذو الرمة:
دنا البيْنُ من ميٍّ فَرِدَّتْ جِمَالُها وهاج الهوى تَقْوِيضُها واحتمالُها٦
_________________
(١) ١ جمع دهن، مما يعصرون من الزيتون والسمسم. ٢ يقوله في رثاء بن أخته، وكان مات عطشان في طريق مكة، وقيل: بل في عثمان ﵁. والمنجود: المكروب. انظر: اللسان "نجد وعصر"، وتفسير البحر: ٥/ ٣١٥. ٣ سورة يوسف: ٦٥. ٤ كذا في الأصل بالعين والصاد، والمعروف أن عوض لازم، فلعلها غيض. ٥ المنصف: ١/ ٢٥٠، واللسان "قول". ٦ يُروى: "فجاج" مكان "وهاج". وانظر: الديوان: ٥٢٢.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وهذه لغة لبني ضبة، وبعضهم يقول في الصحيح بكسر أوله: قد ضِرْب زيد، وقِتْل عمرو، وينقل١ كسرة العين على الفاء.
وحُكي عنهم فيما رويناه عن قطرب: بُوعَ متاعُه، وخُورَ له، واخْتُور عليه: أي اخْتِيرَ، وهو الأجود. ومَن أشَمَّ فقال: قُِيل قال: اختير عليه، ومَن قال: شُد قال: اشْتُدَّ عليه، ومن قال: شُِد فأشم أشم أيضًا فقال: اشتُد عليه، ومَن قال: شِدّ قال: اشْتِدَّ عليه.
وحكى الفراء أن بعضهم قرأ: "كشجرةٍ خَبِيثَةٌ اجْتِثَّتْ"٢ بضم تنوين "خبيثة" وكسر تاء "اجتثت". ومن أبيات الكتاب قول الفرزدق:
وما حِل من جهل حُبَا حلمائنا ولا قائلُ المعروف فينا يُعَنِّفُ٣
بإشمام ضمة الحاء كسرًا كما ترى.
ومن ذلك قراءة أبي رجاء بخلاف: "صَوْع الْمَلِكِ"٤ بفتح الصاد. وقرأ: "صُوعَ" بضم الصاد بغير ألف عبد الله بن عون بن أبي أَرْطَبَان. وقرأ: "صَوْغَ الملِكِ" بفتح الصاد وبالغين معجمة يحيى بن يعمر. وقرأ: "صاعَ الملِكِ" أبو هريرة٥ ومجاهد بخلاف، وقراءة الناس: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ .
قال أبو الفتح: الصَّاعُ والصُّواعُ والصَّوْعُ والصُّوعُ واحد، وكلها مكيال. وقيل: الصُّواعُ: إناء للملِك يشرب فيه. وأما الصَّوْغُ فمصدر وُضع موضع اسم المفعول؛ يراد به الْمَصُوغُ، كالخلق في معنى المخلوق، والصيد في معنى الْمَصِيدِ، وقد تقدم ذكره.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عَالِمٍ عَلِيمٌ"٦.
_________________
(١) ١ في ك: وتنقل. ٢ سورة إبراهيم: ٢٦. ٣ يريد: أن حلماءنا وقر في مجالسهم لا يحلون حباهم خفة وجهلًا على من جهل عليهم، ومن أمر بالمعروف في حمالة أو صلح لم يعنف على ما حكم به وضمنه عن قومه. الكتاب: ٢/ ٢٦٠، والديوان: ٥٦١. ٤ سورة يوسف: ٧٢. ٥ هو عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الدوسي الصحابي الكبير -﵁- أسلم هو وأمه سنة سبع، وأخذ القرآن عرضًا عن أبي بن كعب، وعرض عليه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. ومناقبه وفضائله وتواضعه وعلمه أكثر من أن تحصر. توفي سنة سبع، وقيل: سنة ثمان وخمسين. طبقات ابن الجزري: ١/ ٣٧٠. ٦ سورة يوسف: ٧٦.
[ ١ / ٣٤٦ ]
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم؛ أي: وفوق كل شخص يسمى عالمًا عليم. وقد كثر عنهم إضافة المسمى إلى اسمه، منه قول الكميت:
إلَيكُم ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ نَوَازِعُ من نَفْسِي ظِماءٌ وأَلْبُبُ١
أي: إليكم يا آل النبي؛ أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي، وعليه قول الأعشى:
فَكَذَّبُوهَا بما قالت فصبَّحهم ذُو آلِ حَسَّانَ يُزْجِي الموتَ والشِّرعَا٢
أي: صبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان. ومنه قول الآخر:
وحيّ بَكْرٍ طعنَّا طعنة بَحَرَا٣
أي: الإنسان الحي -الذي يسمى بقولهم: بكرٌ- طعنَّا. وقال الآخر:
أَلَا قَبَحَ الإلهُ بني زياد وحيّ أبيهم قَبْحَ الحِمَار٤
أي: وقبح أباهم الحيَّ الذي يقال له: أبوهم، وليس الحي هنا كقولنا: حيّ مُضَر ونحوه. وهو باب من العربية واسع قد تقصيناه في كتاب الخصائص٥.
والوجه الثاني: أن يكون "عالم" مصدرًا كالفالج والباطل "٨٣ظ" فكأنه قال: وفوق كل ذي علم عليم.
والوجه الثالث: أن يكون على مذهب مَن يعتقد زيادة "ذي"؛ فكأنه قال: وفوق كل عالم عليم.
وقراءة الجماعة: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قراءة حسنة محتاط فيها؛ وذلك أنه إذا قال القائل: وفوق كل ذي عالم عليم، كان لفظه لفظ العموم ومعناه الخصوص؛ وذلك لأن الله ﷿ عالم ولا عالم فوقه، وإذا قال: وفوق كل ذي علم عليم، فذلك مستقيم وسليم؛ لأن القديم تعالى خارج
_________________
(١) ١ نوازع: من النزاع إلى الشيء؛ وهو الحنين والميل إليه، وألبب: حمع لب؛ وهو العقل. ورُوي: "قلبي" مكان "نفسي". الخصائص: ٣/ ٢٧، والخزانة: ٢/ ٢٥٠. ٢ صبحهم: دهمهم في الصباح، والشرع: جمع شِرْعة -بكسر فسكون- وهي الوتر الرقيق، والحبالة التي يصيد بها الصائد. يتحدث عن زرقاء اليمامة؛ إذ أبصرت من مسيرة ثلاثة أيام جيش حسان بن تبع ملك اليمن زاحفًا على اليمامة؛ فأنذرت قومها فلم يصدقوها؛ فصبحهم الجيش واستباحهم. الديوان: ١٠٣، والخصائص: ٣/ ٢٧. ٣ يروى: "فجرى" مكان "بحرا". الخصائص: ٣/ ٢٧، والخزانة: ١/ ٢١٠، واللسان "حيا". ٤ ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. وزياد هو ابن سمية. الخصائص: ٣/ ٢٨، والخزانة: ٢/ ٢١٠، واللسان "حيا". ٥ الخصائص: ٣/ ٢٤.
[ ١ / ٣٤٧ ]
منه، ألا تراه -عز وعلا- عالمًا لنفسه بلا علم، والكلام ملاقٍ ظاهره لباطنه، وليس لفظه على شيء ومعناه على غيره.
ومن ذلك قراءة الحسن: "ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وُعَاءِ أَخِيهِ"١ بضم الواو.
قال أبو الفتح: وقرأ سعيد بن جبير: "إِعاءِ أخيه" بهمزة، وأصله: وِعاء، فأبدلت الواو وإن كانت مكسورة همزة، كما قالوا في وِسَادة: إِسَادة، وفي وِجَاح، إِجَاح؛ وهو السِّتر. وهمز وُعاء بالضم أقيس من همز المكسور الواو؛ فعليه يحسن بل يقول أُعاء أخيه. ومثله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٢، وقالوا في وجوه: أُجُوه، وفي وُعِد: أُعِد، وقالوا: أُجْنَةَ٣، قال أبو حاتم: ولم يقولوا: وُجْنَة؛ بل ألزموها الهمز، وقد هُمزت الواو المفتوحة، قالوا: أَحَد، وأصله: وَحَد؛ أعني: أحد عشر ونحوها: من أحد وعشرين إلى فوق.
وأما قولهم: ما بالدار أحد، فقال شيخنا أبو علي: إن الهمزة فيه أصلية؛ لأنه للعموم لا للأَفراد. وقالوا في وَنَاة: أَنَاة، وفي وَجم: أَجم، وفي وَجٍّ للطائف٤: أَجٌّ، وقال أبو عبيدة: قالوا في وَبَلَةِ٥ الطعام: أَبَلَة. وقال أبو بكر في أسماء اسم امرأة: أصلها وَسْمَاء، فَعْلَاءُ من الوَسامَة، كما قيل لها: حسناء.
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز٦: "مِنْ رُوْحِ اللَّهِ"٧.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون -والله أعلم- من الرُّوح الذي من الله، ويعني به رُوح ابن آدم، وقد أضيف نحو ذلك إلى الله تعالى. قال لنا أبو علي في قولهم:
إذا رَضِيتْ عليَّ بنو قُشَيْر لعمر الله أعجبني رضاها٨
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٧٦. ٢ سورة المرسلات: ١٠، والهمز قراءة الجماعة: و"وُقتت" بضم الواو وتشديد القاف قراءة أبي عمرو ووافقه اليزيدي. الإتحاف: ٢٦٥. ٣ الأجنة: ما ارتفع من الخدين، وفي القاموس: "الوجنة مثلثة، وككلمة، ومحركة، والأجنة مثلثة: ما ارتفع من الخدين". ٤ في القاموس: ووج: اسام وادٍ بالطائف. ٥ وبلة الطعام: تختمه. ٦ هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو حفص الأموي، أمير المؤمنين. وردت الرواية عنه في حروف القرآن، ومناقبه كثيرة، توفي في رجب سنة ١٠١، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر. طبقات ابن الجزري: ١/ ٥٩٣. ٧ سورة يوسف: ٨٧. ٨ للقحيف العقيلي يمدح حكيم بن المسيب القرشي. انظر: النوادر: ١٧٦، والخصائص: ٢/ ٣١١، ٣٨٩، والخزانة: ٤/ ٢٤٧.
[ ١ / ٣٤٨ ]
أي: وحق العمر الذي وهبه الله لي. وكذلك من رُوح الله: أي من الروح الذي هو من عند الله وبِلُطفه ونعمته.
ومن ذلك قراءة أُبي: "أَئِنَّك أَوْ أَنْتَ يُوسُفُ"١.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر إن، حتى كأنه قال: أئنك لغير يوسف، أو أنت يوسف؟ فكأنه قال: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر إن، قال الأعشى:
إنَّ مَحَلًّا وإِنَّ مُرْتَحَلَا وإنَّ في السَّفْر إذ مضى مَهَلَا٢
أراد: إن لنا محلًّا، وإن لنا مرتحلًا، فحذف الخبر. والكوفيون لا يجيزون حذف خبر إن إلا إذا كان اسمها نكرة؛ ولهذا وجه حسن عندنا وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة.
ومن ذلك قراءة عمر بن ذر، وكان يقرأ قراءة ابن مسعود: "قَدْ أَتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ"٣.
قال أبو الفتح: أراد الياء فيهما جميعًا، فحذفها تخفيفًا ولطول الاسم، كقول الأعشى: "٨٤و"
فهل يَمعنِّي ارتياد البلا دِ من حذر الموت أن يَأْتِينْ٤
وهو كثير، وقد مضى مثله.
ومن ذلك قراءة عكرمة وعمرو بن فائد: "والأرضُ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا"٥ بالرفع، وقرأ: "الأرضَ" نصبًا السدي، قراءة الناس: ﴿والْأَرْضِ﴾ .
قال أبو الفتح: الوقف فيمن رفع أو نصب على السماوات، ثم تبتدئ فتقول: "والأرضُ، والأرضَ"؛ فأما الرفع الابتداء، والجملة بعدها خبر عنها، والعائد منها على الأرض "ها" من عليها، و"ها" من عنها عائدة على الآية. وأما من نصب فقال: "والأرضَ يمرون عليها" فبفعل مضمر؛ أي: يطئون الأرض، أو يدوسون الأرض، ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٩٠. ٢ يروى: "مضوا" مكان "مضى" من قصيدة في مدح سلامة ذي فائش. الديوان: ٢٣٣، والكتاب: ١/ ٢٨٤، والخصائص: ٢/ ٣٧٣، والخزانة: ٤/ ٣٨١. ٣ سورة يوسف: ١٠١. ٤ يروى: "ارتيادي" مكان "ارتياد". الديوان: ١٥، والكتاب: ٢/ ١٥١، ٢٩٠. ٥ سورة يوسف: ١٠٥.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وعليه قراءة ابن مسعود: "يَمْشُون عليها"، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: "يمرون عليها". والنصب هنا دليل جواز قولنا: زيد عندك وعمرًا مررت به، فهو كقولك: زيدًا مررت به في الابتداء. ومَن جر "الأرض" على قراءة الجماعة، فإن شاء وقف على "الأرض"، وإن شاء على قوله: "معرضون".
ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد والضحاك، بخلاف عنهم: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذبُوا"١ بفتح الكاف والذال خفيفة.
قال أبو الفتح: تقديره: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذَبوا فيما أَتوا به من الوحي إليهم جاءهم نصرنا.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "وَلَكِنْ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ"٢ برفع الثلاثة الأحرف.
قال أبو الفتح: أي ولكن هو تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة، فحُذف المتبدأ وبقي الخبر. ويجوز على هذا الرفع في قوله تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ"٣ أي: ولكن هو رسول الله.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ١١٠. ٢ سورة يوسف: ١١١. ٣ سورة الأحزاب: ٤٠، والواقع هنا قراءة زيد بن علي وابن أبي عبلة، كما في تفسير البحر ٧/ ٢٣٦.
[ ١ / ٣٥٠ ]