بسم الله الرحمن الرحيم
من ذلك قراءة أبي جعفر والأعمش وسهل بن شعيب١: "وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أَنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ"٢.
قال أبو الفتح: إن شئت كان تقديره: وعد الله حقًّا؛ لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده؛ أي: من قدرَ على هذا الأمر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد، وإن شئت كان تقديره: أي وَعَدَ الله وعدًا حقًّا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون "أنه" منصوبة بالفعل الناصب لقوله: "وعدًا"، ولا يجوز أن يكون "أنه" منصوبة الموضع بنفس "وَعْد" لأنه قد وصف بقوله حقًّا، والصفة إذا جرت على موصوفها أذِنت بتمامه وانقضاء أجزائه، فهي من صلته، فكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة:
أَزمعتُ يأْسًا مبينًا من نَوَالِكُمُ ولن تَرى طاردًا للحُرِّ كالياس٣
فلا يكون قوله: من نوالكم من صلة يأس من حيث ذكرنا، ألا تراه قد وصفه بقوله: "مبينًا"؟ وإذا كان المعنى لعمري عليه ومُنع الإعراب منه أُضمر له ما يتناول حرف الجر، ويكون يأسًا دليلًا عليه؛ كأنه قال فيما بعد "٧٤و": يئست من نوالكم.
_________________
(١) ١ هو سهل بن شعيب الكوفي. عرض على عاصم بن أبي النجود وعلى أبي بكر بن عياش، وروى القراءة عنه محمد بن عبد الرحمن الدهقان والحسن بن محمد الحارثي. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣١٩. ٢ سورة يونس: ٤. ٣ من قصيدة له في هجاء بني بهدلة بن عوف رهط الزبرقان، وقبله: لما بدا لي منكم غيب أنفسكم ولم يكن لجراحي قبلكم آسي ويُروى: "للهم" مكان "للحر". الديوان: ٢٨٣ وما بعدها، والخصائص: ٣/ ٢٥٨.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ومن ذلك قراءة ابن محيصن١ وبلال بن أبي بُردة ويعقوب٢: "أنَّ الحمدَ لله".
قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على أَنَّ "أَنْ" مخففة من أَنَّ، بمنزلة قول الأعشى:
في فِتيةٍ كسيوف الهند قد علِموا أَنْ هالكٌ كلُّ من يَحفي وينتعل٣
أي: أنه هالك، فكأنه على هذا: وآخر دعواهم أنه الحمد الله، وعلى أنه لا يجوز أن يكون "أنْ" هنا زائدة كما زيدت في قوله:
ويومًا تُوافينا بوجه مقسَّم كأَنْ ظبيةٍ تعطو إلى وارق السَّلَمْ٤
أي: كظبية، وإذا لم يكن ذلك كذلك لم يكن تقديره: وآخر دعواهم الحمد الله، هو كقولك: أول ما أقوله: زيد منطلق. وعلى أن هذا مع ما ذكرناه جائز في العربية؛ لكنَّ فيه خلافًا لتقدير قراءة الجماعة. وفيه أيضًا الحمل على زيادة "أنْ"، وليس بالكثير.
ولو قرأ قارئ: إنَّ الحمدَ لله، بكسر الهمزة على الحكاية التي للفظ بعينه لكان جائزًا؛ لكن لا يُقْدَم على ذلك إلا أن يَرد به أَثر وإن كان في العربية سائغًا. وإذا فتح فقال: أنَّ الحمد لله، فلم يحكِ اللفظ بعينه؛ وإنما جاء بمعنى الكلام كقولنا: بلغني أن زيدًا منطلق، فليس هذا على حكاية ما سمع لفظًا، ألا تراه إذا قيل له: قد انطلق زيد، فقال: بلغني أن زيدًا منطلق كان صادقًا وإن لم يؤد نفس اللفظ الذي سمعه؛ لكنه أدى معناه؟ وإن كسَر فقال: إنَّ الحمد لله، فهو مؤدٍ لنفس اللفظ وحَاكٍ له ألبتة.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، ثقة. عرض على مجاهد بن جبير ودرباس مولى ابن عباس وسعيد بن جبير. وعرض عليه شبل بن عباد وأبو عمرو بن العلاء. توفي سنة ١٢٣، وقيل: سنة ١٢٢. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٦٧. ٢ هو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن إبي إسحاق أبو محمد الحضرمي مولاهم البصري. أحد القراء العشرة، وإمام أهل البصرة ومقرئها. أخذ القراءة عرضًا عن سلام الطويل ومهدي بن ميمون وأبي الأشهب العطاردي وغيرهم. وسمع الحروف من الكسائي ومحمد بن رزيق الكوفي عن عاصم، وسمع من حمزة حروفًا. روى القراءة عنه عرضًا زيد -ابن أخيه أحمد- وكعب بن إبراهيم وعمر السراج وكثير غيرهم. توفي في ذي الحجة سنة ٢٠٥. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٨٦ وما بعدها. ٣ الديوان: ٥٩، والكتاب: ١/ ٢٨٢، ٤٤٠، ٤٨٠. ٤ اختلف في قائله؛ فقيل: لابن صريم اليشكري، وقيل: لباعث بن صريم اليشكري، وقيل: لعلباء بن أرقم اليشكري، يقول في امرأته. المقسم: المحسن، تعطو: تتناول، وظبي عطو: يتطاول إلى الشجر ليتناول منه، والسلم: شجر واحدته سلمة. يشبهها بظبية مخصبة تتناول أطراف الشجر مرتعبة. الكتاب: ١/ ٢٨١، ٤٨١، والخزانة: ٤/ ٣٦٤.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ومن ذلك ابن شعيب١ قال: سمعت يحيى٢ بن الحارث يقرأ: "لِنَظُّرَ كيف تَعْمَلون"٣ بنون واحدة. قال: فقلت له: ما سمعت أحدًا يقرؤها، قال: هكذا رأيتها في الإمام: مصحف عثمان. أيوب٤ عن يحيى عن ابن عامر: "لِنَظُّرَ" بنون واحدة مثله.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر في الظاء، وهذا لا يُعرف في اللغة، ويشبه أن تكون مخفاة؛ فظنها القراء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير من الإخفاء إلى أن يظنوه مدغمًا؛ وذلك أن النون لا تُدغم إلا في ستة أحرف، ويجمعها قولك: يَرْمُلون.
ومن ذلك قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين٥: "ولا أَدْرَأْتُكم به"٦.
قال أبو الفتح: هذه قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها. ولعمري إنها في بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجهًا وإن كانت فيه صنعة وإطالة.
وطريقه أن يكون أراد: ولا أَدريتكم به، ثم قلب الياء لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة ألفًا؛ كقولهم في ييئس: ياءَس، وفي ييبس: يابَس، وكقولهم: ضَرب عليهم سايَة٧؛ وإنما
_________________
(١) ١ هو محمد بن شعيب بن شابور القرشي الشامي الدمشقي مولى الوليد بن عبد الملك، ثقة فقيه مقرئ. أخذ القراءة عرضًا عن يحيى بن الحارث، وروى عن الأوزاعي. وروى القراءة عنه الربيع بن تغلب. مات سنة ١٩٩، وقيل: سنة ٢٠٠. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٥٤. ٢ هو يحيى بن الحارث بن عمرو بن يحيى بن سليمان بن الحارث أبو عمرو، ويقال: أبو عمر، ويقال: أبو عليم الغساني الذماري -نسبة إلى ذمار كسحاب أو قطام: قرية على مرحلتين من صنعاء- ثم الدمشقي. إمام الجامع الأموي، وشيخ القراءة بدمشق بعد ابن عامر. أخذ القراءة عرضًا عن عبد الله بن عامر وعن نافع بن أبي نعيم. وروى عنه القراءة عرضًا سعيد بن عبد العزيز وثور بن يزيد وغيرهما. مات سنة ١٤٥، وله تسعون سنة. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٦٧. ٣ سورة يونس: ١٤. ٤ هو أيوب بن تميم بن سليمان بن أيوب، أبو سليمان التميمي الدمشقي. ضابط مشهور. قرأ على يحيى بن الحارث الذماري، وهو الذي خلفه في القراءة بدمشق. قرأ عليه عبد الله بن ذكوان. وروى القراءة عنه هشام وعرضًا أيضًا، وعبد الحميد بن بكار، والوليد بن عتبة وغيرهم. ولد سنة ١٢٠، وتوفي سنة ١٩٨، وقيل: سنة ٢١٩. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ١٧٢. ٥ هو محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرة البصري، مولى أنس بن مالك ﵁، وردت عنه الرواية في حروف القرآن. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. وروى عن مولاه وعن زيد بن ثابت وغيرهما. وروى عنه الشعبي وثابت وقتادة وغيرهم. توفي في تاسع شوال سنة ١١٠. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ١٥١. ٦ سورة يونس: ١٦. ٧ ضرب عليهم ساية: هيأ لهم كلمة.
[ ١ / ٣٠٩ ]
يريد: سَيَّة، وهي فَعْلة من سوّيت، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار سَيَّة، ثم قلبت الياء الأولى لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة ألفًا؛ فصارت ساية.
وقالوا في الإضافة إلى الْحِيرَة: حاريّ، وإلى طَيّ: طائِيّ، وقالوا: حاحيت١ وعاييت وهاهيت، والأصل: حيحيت وعيعيت وهيهيت، فقلت الياءات السواكن في هذه الأماكن ألفات، فكذلك أيضًا قلبت ياء "أدريتكم" ألفًا فصارت "أدرأتكم" "٧٤ظ". وعلى ذلك أيضًا ما رويناه عن قطرب: أن لغة عقيل أن يقولوا في أعطيتُك: أعطاتك، فلما صارت "أدريتكم" إلى "أرداتكم" همز على لغة مَن قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم، وفي التابل وتابَلْتُ القدر: التأبل، وتأبلت القدر. وأنشد ابن الأعرابي:
ولَّى نعامُ بني صفوان زَوْزَأةً لَمَّا رأى أسدًا في الغار قد وثبا٢
يريد: زوزاة. ولنحو هذا نظائر قد أوردناها في كتابنا الموسوم بالخصائص في باب ما همَزَتْهُ العرب ولا أصل له في همز مثله٣، فهذا وإن طالت الصنعة فيه أمثل من أن تُعْطَى اليد بفساده وترك النظر في أمره.
ومن ذلك قراءة أم الدرداء٤: "حتى إذا كننتم في الفُلْكِيِّ"٥ بكسر الكاف وتثبت الياء.
قال أبو الفتح: اعلم أن العرب زادت ياء الإضافة فيما لا يحتاج إليها؛ من ذلك قولهم في الأحمر: أَحمريّ، وفي الأَشهر: أَشهريّ.
قال العجاج:
والدهر بالإنسان دَوّاريّ٦
_________________
(١) ١ قال في المنصف ٣/ ٧٧: يقال: حاحيت حيحاء وحاحاة؛ وهو التصويت بالغنم إذا قلت: حاي، وعاعيت: صوت مثله؛ وهو العيعاء والعاعاة إذا قلت: عاي، وهاهيت: صوت مثله؛ وهو الهيهاء والهاهاة إذا قلت: هاي. ٢ لابن كثوة. وزوزى: نصب ظهره وقارب خطوه في سرعة. الخصائص: ٣/ ١٤٥، واللسان "زوى". ٣ الخصائص: ٣/ ١٤٢ وما بعدها. ٤ هي هجيمة بنت حيي الأوصابية الحميرية أم الدرداء الصغرى زوجة أبي الدرداء. أخذت القراءة عن زوجها. وأخذ القراءة عنها إبراهيم بن أبي عبلة وعطية بن قيس ويونس بن هبيرة. توفيت بعد الثمانين. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٣٥٤. ٥ سورة يونس: ٢٢. وفي تفسير البحر ٥/ ١٣٨: أنها قراءة أبي الدرداء أيضًا. ٦ الخصائص: ٣/ ١٠٤.
[ ١ / ٣١٠ ]
أي: دوَّار. وقال فيها أيضًا:
غُضْف طواها الأَمس كَلَّابي١
أي: كَلَّاب.
فإن قيل: فإن هذا أمر يختص بالصفات، وليس "الفلك" بصفة فتلحقه ياء النسب، قيل: قد جاء ذلك في الاسم أيضًا.
ألا ترى إلى قول الصلتان:
أنا الصلتانيّ الذي٢
وأيضًا فقد شُبه كل واحد من الاسم والصفة بصاحبه، فغير منكَر أن يُشَبه الفلك بالحلو والمر. ويزيد في شبهه به أن الفلك عندنا اسم مكسَّر، وليس عندنا كما ذهب إليه الفراء فيه من أنه اسم مفرد يقع على الواحد والجمع؛ كالطاغوت ونحوه. وإذا كان جمعًا مكسرًا أشبه الفعل من حيث كان التكسير ضربًا من التصرف، وأصل التصرف للفعل، ألا ترى أن ضربًا من الجمع أشبه الفعل فمُنع من الصرف وهو باب مفاعل ومفاعيل؟ ولأن التكسير أيضًا ثانٍ كما أن الفعل ثانٍ، وإذا أشبه التكسير الفعل من حيث وصفنا قارب الصفة لشدة ملابسة الصفة للفعل لفظًا ومعنًى وعملًا، فهذا عندي هو العذر في إلحاق "الفُلك" ياءي الإضافة في هذه القراءة.
ومن ذلك قراءة الأعرج: "وأَزْينَت"٣، وهي أيضًا قراءة نصر بن عاصم وأبي العالية والحسن بخلاف وقتادة وأبي رجاء بخلاف والشعبي وعيسى الثقفي. وقرأ: "وازْيأَنَّت" أبو عثمان النهدي.
قال أبو الفتح: أما "أَزْيَنَتْ" فمعناه: صارت إلى الزينة بالنبت، ومثله من أَفعَل أي: صار إلى كذا، أجذع المهر٤ صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع وأجزَّ النخل: أي صار إلى الحصاد
_________________
(١) ١ غصف: كلاب مسترخية الآذان، جمع أغضف. وهي في أراجيز العرب ١٨٢: غضفًا، مفعول رأى في بيت قبلها. يصف ثورًا وحشيًّا رأى كلاب صيد ضمرها صاحبها. وانظر: الخصائص: ٣/ ١٠٤. ٢ من قوله: أنا الصلتانيّ الذي قد علمتُمُ متى ما يُحكَّم فهو بالحق صادعُ والبيت مطلع قصيدة نظمها حين جعلوا إليه الحكم بين الفرزدق وجرير: أيهما أشعر، وانظر: الأمالي: ٢/ ١٤٢، ١٤٣. ٣ سورة يونس: ٢٤. ٤ أجذع المهر: صار في السنة الثالثة.
[ ١ / ٣١١ ]
والجزاز، إلا أنه أخرج العين على الصحة، وكان قياسه أَزانت، مثل أشاع الحديث، وأباع الثوب: أي عرضه للبيع.
وأما "ازْيأَنَّت" فإنه أراد فعالَّت، وأصله: ازيانَّت مثل: ابياضَّت واسوادَّت، إلا أنه كره التقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف فانقلبت همزة، كقول كُثير:
وللأرض أما سُودُها فتجللت بياضًا وأما بِيضها فادهأَمت١ "٧٥و"
وقد تقدم نظير ذلك فيه.
ومن ذلك قراءة مروان على المنبر: "كَأَنْ لَمْ تَتَغَنَّ بِالْأَمْس"٢.
قال أبو الفتح: جاء هذا مجيء نظائره؛ كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، وتلبَّست بالأمر، مما جاء تفعَّلت على هذا الحد.
ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد٣: "بِسُورَةِ مِثْلِهِ"٤ بالإضافة.
قال أبو الفتح: هو عندي على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: بسورة كلام مثله، أو حديثٍ مثله، أو ذِكْرٍ مثله، وقد ذكرنا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه.
ومن ذلك قراءة الأعمش: "آلحقُّ هو"٥.
قال أبو الفتح: اعلم أن الأجناس تتساوى فائدتا٦ معرفتها ونكرتها في نحو هذا، تقول:
_________________
(١) ١ "وللأرض" معطوف على "لأن النائحات" في قوله قبله: عجبت لأن النائحات وقد علت مصيبته فهرًا فعمت وصمت من قصيدة في رثاء عبد العزيز بن مروان. ويروى: "والأرض " مكان "وللأرض"، "فاسوأدت" مكان "فادهأمت". وانظر: الخصائص: ٣/ ١٢٧، ١٤٨، وسر الصناعة: ٨٤. ٢ سورة يونس: ٢٤. ٣ هو عمرو بن فائد أبو علي الأسواري البصري. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وروى عنه الحروف حسان بن محمد الضرير وبكر بن نصار العطار. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٦٠٢. ٤ سورة يونس: ٣٨. ٥ السورة نفسها: ٥٣. ٦ في ك: فائدة.
[ ١ / ٣١٢ ]
ثق بأمانٍ من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق.
ومنه قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع اللفظ مختلف؛ وسبب ذلك كون الموضع جنسًا، وقد تقدم نحو هذا.
ومن ذلك قراءة النبي -ﷺ- وعثمان بن عفان وأُبي بن كعب والحسن وأبي رجاء ومحمد بن سيرين والأعرج وأبي جعفر بخلاف والسلمي وقتادة والجحدري١ وهلال بن يَسَاف٢ والأعمش بخلاف وعباس بن الفضل وعمرو بن فائد: "فَبِذَلِكَ فَلْتفْرَحُوا"٣ بالتاء، وقرأ: "فبِذَلِكَ فافرَحُوا" أبي بن كعب.
قال أبو الفتح: أما قراءة أبي هذه "فافرحوا" فلا نظر فيها؛ لكن "فلتفرحوا" بالتاء خرجت على أصلها؛ وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب لتضرب، وأصل قم لتقم، كما تقول للغائب: ليقم زيد، ولتضرب هند؛ لكن لما كثر أمر الحاضر نحو: قم، واقعد، وادخل، واخرج، وخذ، ودع؛ حذفوا حرف المضارعة تخفيفًا، بقى ما بعده ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فلما حذف حرف المضارعة بقى ما بعده في أكثر الأمر ساكنًا؛ فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء بها، فقيل: اضرب، اذهب، ونحو ذلك.
فإن قيل: ولِمَ كان أمر الحاضر أكثر حتى دعت الحال إلى تخفيفه لكثرته؟
قيل: لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر الحاضر لتؤدي إليه أنك تأمره، فقلت: يا زيد، قل لعمرو: قم، ويا محمد، قل لجعفر: اذهب، فلا تصل إلى أمر الغائب إلا بعد أن تأمر الحاضر أن يؤدي إليه أمرك إياه، والحاضر لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن خطابك إياه قد أغنى عن تكليفك غيره أن يتحمل إليه أمرك له.
ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بالأسماء المسمى بها الفعل في الأمر، نحو:
_________________
(١) ١ هو عاصم بن أبي الصباح والعجاج، وقيل: ميمون أبو المجشر -بالجيم والشين المعجمة مشددة مكسورة- الجحدري البصري. أخذ القراءة عرضًا عن سليمان بن قتة عن ابن عباس، وقرأ أيضًا على نصر بن عاصم والحسن ويحيى بن يعمر. قرأ عليه عرضًا أبو المنذر سلام بن سليمان وعيسى بن عمر الثقفي. مات سنة ١٢٨. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٤٩. ٢ في القاموس: "وهلال بن يساف -بالكسر وقد يفتح- تابعي كوفي". ٣ سورة يونس: ٥٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
صَه١، ومَه٢، وإِيه٣، وإِيهًا٤، وحيَّهل٥، ودونك، وعندك، ونحو ذلك.
لا تقول: دونه زيدًا، ولا عليه جعفرًا، كقولك: دونك زيدًا، وعليك سعدًا. وقد شذ حرف من ذلك فقالوا: عليه رجلًا لَيْسَنِي. ولهذا المعنى قوِي ضمير الحاضر على ضمير الغائب فقالوا: أنت وهو، فلما صاغوا لهما اسمًا واحدًا صاغوه على لفظ الحضور "٧٥ظ" لا لفظ الغيبة، فقالوا: أنتما، فضموا الغائب إلى الحاضر، ولم يقولوا: هما، فيضموا الحاضر إلى الغائب، فهذا كله يريك استغناءَهم بقُمْ عن لِتَقُم ونحوه.
وكأن الذي حسَّن التاءَ هنا أنه أمر لهم بالفرح، فخوطبوا بالتاء لأنها أذهب في قوة الخطاب، فاعرفه، ولا تقل قياسًا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا؛ لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم، فتؤكد ذلك بالتاء على ما مضى.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وسلام ويعقوب، ورُويت عن أبي عمرو: "فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ"٦ مكسورة الميم ورفع "شركاؤكم". وقرأ: "فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ" غير مهموزة والميم مفتوحة "وشُرَكاءَكم" نصبًا الأعرج وأبو رجاء وعاصم الجحدري والزهري، ورُوي عن الأعمش. وفي قراءة أبي: "وادْعُوا شُرَكاءَكم ثم اجمَعوا أَمْرَكم".
قال أبو الفتح: أما "فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ" بالرفع، فرفعه على العطف على الضمير في "أَجْمِعوا"، وساغ عطفه عليه من غير توكيد للضمير٧ في "أَجْمِعوا" من أجل طول الكلام بقوله: "أْمْرَكُم". وعلى نحو من هذا يجوز أن تقول: قم إلى أخيك وأبو محمد، واذهب مع عبد الله وأبو بكر، فتعطف على الضمير من غير توكيد وإن كان مرفوعًا ومتصلًا؛ لما ذكرنا من طول الكلام بالجار والمجرور. وإذا جاز قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٨، وأن نكتفي بطول الكلام بـ"لا" وإن كانت بعد حرف العطف؛ كان الاكتفاء من التوكيد بما هو أطول من "لا"، وهو أيضًا قبل الواو، كما أن التوكيد لو ظهر لكان قبلها أحرى.
_________________
(١) ١ صه: اسكت. ٢ مه: كف. ٣ إيه: زد. ٤ إيها: اسكت. ٥ حيهل: اعجل. ٦ سورة يونس: ٧١. ٧ في ك: الضمير. ٨ سورة الأنعام: ١٤٨.
[ ١ / ٣١٤ ]
وعلى ذلك فلو قال قائل: قم وزيد، فعطف على الضمير المرفوع من غير توكيد كان أقبح من قولنا: قمت وزيد؛ وذلك أن المعطوف عليه في قم وزيد ضمير لا لفظ له، فهو أضعف من الضمير في قمت؛ لأن له لفظًا وهو التاء، وقمت وزيد أضعف من قمنا وزيد؛ لأن "نا" من قمنا أتم لفظًا من التاء في قمت.
وعليه أيضًا تعلم أن قمتما وزيد أشبه شيئًا من قمنا وزيد؛ لأن "تُما" من قمتما أتم لفظًا من "نا" من قمنا. وكذلك أيضًا قولك للنساء: ادْخلْنانِّ وزيد، أمثل من قولك: دخلتنَّ وزيد؛ لأن "نانِّ" من ادخلنان أطول من "تُنَّ" من دخلتن.
فهذه مصارفة وإن خفيت ولطفت تؤثِّر في أنفس العارفين بها ما لا تخطر على أوهام الساهين عنها.
وكذلك لو قلت: اضربنا"نِّهِ"١ وزيد؛ لكان أمثل من ادخلنانِّ وزيد؛ لأن "نانِّهِ" ستة أحرف و"نانِّ" أربعة أحرف، وكذلك اضربنانِّهما وزيد أمثل من اضربنانِّه وزيد؛ لأن "نانِّهما" سبعة أحرف و"نانِّه" ستة أحرف، وكذلك الزيدين الثوبين اكسُونانِّهما هما، أمثل من قولك: الزيدين اكسونانِّهما؛ لأن "نانِّهما هما " عشرة أحرف "ونانِّهما" سبعة أحرف.
فهذا مبنًى يعاد عليه، ويثنى أشباهه إليه. وجميعه من بعد ليس في قوة التوكيد نحو: قم أنت وزيد، و﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢؛ وذلك أن التوكيد وإن لم يكن في طول هذه الفروق والفصول، فإن فيه معنى ليس فيها وهو تثبيتة معنى الاسمية للمضمر المتصل "٧٦و" الذي قد شَعَّثَ٣ الفعل فمازجه وصار كجزء منه، فضعفت عن العطف عليه، كما لا يجوز العطف على جزء من الفعل، فإذا وُكِّد صار في حيز الأسماء، ولحق بما يحسن العطف عليه بعد توكيده كما حسن عليها.
ومن ذلك قراءة السري بن يَنْعُم: "ثم أَفْضُوا إليَّ"٤ من أفضيت.
قال أبو الفتح: معناه: أَسرعوا إليَّ، وهو أَفعلْت من الفضاء؛ وذلك أنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولو كان في ضيق لم يقدر من الإسراع على ما يقدر عليه من السبعة، ولام
_________________
(١) ١ رسمت في الأصل "نانهي" تصويرًا لإشباع الهاء، وتبيينًا لعدة أحرفها. ٢ سورة البقرة: ٣٥. ٣ المراد: جزأه، من شعث الشيء: فرقه. ٤ سورة يونس: ٧١.
[ ١ / ٣١٥ ]
أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فَضَا الشيء يقضو إذا اتسع، فقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء؛ كقولهم: أَعرَق الرجل: إذا صار إلى العراق، وأعمن الرجل: إذا صار إلى عُمان، وأنجد: أتى نجدًا، ونحو ذلك.
ومن ذلك قراءة مجاهد١ وسعيد بن جبير٢: "إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ"٣.
قال أبو الفتح: هذا -على قول٤ قراءة الجماعة: ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ - إشارة إلى الفعل الواقع هناك من قلب العصا حية ونحوه، وهذا -على من قرأ: "لَسَاحِر"- إشارة إلى موسى ﵇، كما أن هذا -من قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ٥- إشارة إلى اليوم، وهذا -على قراءة٦ من قرأ: "هَذَا يَوْمَ لا يَنْطِقُونَ" بالنصب- إشارة إلى الفعل الواقع في هذا اليوم.
ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: "قَدْ أُجِيبَتْ دَعَوَاتُكُمَا"٧.
قال أبو الفتح: هذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ يراد فيها بالواحد معنى الكثرة؛ وساغ ذلك لأن المصدر جنس، وقد تقدم أن الأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موقع قليلها.
ومن ذلك قراءة أُبي بن كعب ومحمد بن السميفع٨ ويزيد البربري: "فاليومَ نُنَحِّيك" بالحاء.
_________________
(١) ١ هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي. أحد الأعلام من التابعين والأئمة المفسرين. قرأ على عبد الله بن السائب وعبد الله بن عباس بعضًا وعشرين ختمة، ويقال: ثلاثين عرضة. وأخذ عنه القراءة عرضًا عبد الله بن كثير وابن محيصن وحميد بن قيس وغيرهم. توفي سنة ١٠٣، وقيل غير ذلك. طبقات القراء لابن الجزري: ٢/ ٤١. ٢ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، الكوفي التابعي الجليل والإمام الكبير. عرض على عبد الله بن عباس، وعرض عليه أبو عمرو بن العلاء والمنهال بن عمرو. قتله الحجاج بواسط شهيدًا سنة ٩٥، وقيل: سنة ٩٤. طبقات القراء لابن الجزري: ١/ ٣٠٥. ٣ سورة يونس: ٧٦. ٤ كذا بالأصل. ٥ سورة المرسلات: ٣٥. ٦ هو أبو العباس المطوعي، كما في الإتحاف: ٢٦٦. ٧ سورة يونس: ٨٩. ٨ هو محمد بن عبد الرحمن بن السميفع -بفتح السين- أبو عبد الله اليماني، له اختيار في القراءة ينسب إليه شَذَّ فيه، قيل: إنه قرأ على نافع وطاوس بن كيسان عن ابن عباس. وقرأ عليه إسماعيل بن مسلم الملكي، وهو ضعيف. طبقات ابن الجزري: ٢/ ١٦١.
[ ١ / ٣١٦ ]
قال أبو الفتح: هذه نُفَعِّلك من الناحية؛ أي: نجعلك في ناحية من كذا، يقال: نَحوْتُ الشيء أنحوه: إذا قصدته، ونَحَّيت الشيء فتنحى: أي باعدته فتباعد فصار في ناحية.
قال رؤبة وهو في جماعة من أصحابه ممن يأخذ عنه، وقد أقبلت عجوز منصرفة عن السوق، وقد ضاق الطريق بها عليهم:
تَنَحَّ للعجوز عن طريقها إذ أقبلت رائحةً من سوقها
دعها فما النحويّ من صديقها١
وقال الحطيئة لأمه:
تَنَحَّيْ فاقعدي مِنِّي بعيدا أراح الله منك العالمينا٢
وقد استَعملت العرب مصدر نحوت الشيء نحوًا ظرفًا؛ كقولك: زيد نحوك: أي في شِقِّك وناحيتك. وعليه ما أنشده أبو الحسن:
تَرمِي الأماعيز بِمُجْمَرَات بأَرجل رُوحٍ مُحَنِّبَات
يحدو بها كلُّ فتى هيَّات وهن نحو البيت عامدات٣
فنصب عامدات على الحال لتمام الكلام من قبلها. وقد جمعوا نحوًا على نُحُوّ، فأخرجوه على أصله.
ومنه حكاية الكتاب: إنكم لتنظرون في نُحُوّ كثيرة، ومثله من الشاذ بَهو وبُهُو للصدر، وأَب وأُبُوّ، وابن وبُنُوّ. قال القناني يمدح الكسائي "٧٦ظ":
أَبى الذمَّ أخلاق الكسائي وانتمى به المجدَ أخلاقُ الأُبُوّ السوابق٤
_________________
(١) ١ يروى: "إذ" مكان "قد". ولعل المخاطب بـ"دعها" رجل من نحو ابن عمرو بن أغلب بن الأزد، وقيل: المخاطب به يونس بن حبيب؛ وذلك أن رؤبة كان يسير ومعه أمه إذ لقيهما يونس، فجعل يداعب والدة رؤبة ويمنعها الطريق. فخاطبه رؤبة بالأبيات. وقيل: الرجز لامرأة من العرب خاطبت به أبا زيد الأنصاري؛ إذ مرت به ومعه أصحابه وقد منعوها الطريق فلم يمكنها أن تجوز. تريد: أن هؤلاء إنما لازموك لصداقتهم، وأنا لست كذلك فدعني أسير. شواهد الشافية: ١٣٨. ٢ يروى: "فاجلسي" مكان "فاقعدي"، و"منا" مكان "منى". وانظر: الديوان: ٢٧٧. ٣ الأماعيز: جمع الأمعز؛ هو ما غلظ من الأرض، والوجه في جمعه الأماعز؛ لكنه زاد الياء للشعر، والمجمرات: جمع المجمر بكسر الميم الثانية وفتحها، والحافر المجمر: الصلب، "بأرجل" بدل من "بمجمرات". ويروى: "وأرجل". روح: جمع أروح وروحاء، ورجل روحاء: في قدمها انبساط واتساع، والمحنبات: التي فيها انحناء وتوتير. ويروى: "مجنبات" بالجيم؛ وهي بمعنى محنبات بالحاء، هيات: يهيت بها؛ أي: يصبح ويدعو: هيت هيت؛ بمعنى أقبلي. الخصائص: ١/ ٣٤، واللسان "نحو، وهيت". ٤ يُروى: "له الذروة العليا" مكان "به المجد أخلاق". وانظر: التاج "أبو"، ولعل "انتمى" تصحيف "انتحى"، فهو متعدٍّ، ومعناه قصد.
[ ١ / ٣١٧ ]